العمل الصالح

الصلاة في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن الإنسان الخاشع، يستلذ بالصلاة، والحديث مع رب العالمين.. بحيث لا يقاس إلى ذلك أية متعة من متع الحياة الفانية..

٢- إن السجود في حقيقته هو السجود الروحي.. فالسجود حركة قلبية، وهذه السجدة الظاهرية هي حركة البدن.. فالساجدون لله عز وجل، والمحترفون السجود، هؤلاء لهم عوالم لا تقدر ولا توصف.. فلهم سير إلى عالم الغيب..

٣- إن السجود في عرف الأولياء والصلحاء، يعتبر سياحة روحية، وما أروعها من سياحة!.. لا تكلف مالاً ولا تعباً، ومتاحة في أية ساعة من الساعات..

٤- إن العبد يعلم قربه من ربه، من خلال الوقوف بين يديه.. فمن رأى في نفسه كمالاً، وتقدماً في أي حقل من الحقول؛ فليدخل نفسه في مختبر الصلاة، لأن الصلاة مختبر كاشف لمدى قرب العبد من ربه.. وبمقدار عمق هذه العلاقة، فإن الأمر يتبين من خلال صلاته بين يدي الله عز وجل..

٥- إن الصلاة مشروع، والذي لا يمكن أن يتوجه إلى الله -عز وجل- في خلوة، وفي ركيعات في منزله، وفي مكان مريح.. كيف يتوجه إلى الله -عز وجل- في ساحة الحياة؟!..

٦- إن الإنسان إذا توغل في ساحة الحياة، وتحمل المسؤوليات الكبرى، وانشغل باله بهموم الأمة؛ زادت حاجته لأن يكثر من هذه الحركة الصلاتية، وذلك لأن (الصلاة معراج المؤمن)..

٧- إن المؤمن لا يتكامل إلا بقيام الليل!.. فـ(الذي لا سحر له، لا فجر له)!.. والفجر هنا ليس الفجر الأفقي، وإنما الفجر الأنفسي.. فكما أن في عالم الطبيعة، لابد من السحر قبل الفجر وقبل بزوغ الشمس، فكذلك في عالم الأنفسِ أيضاً، لابد من سحر باطني قبل الوصول إلى الفجر، وبزوغ شمس المعرفة..

٨- إن جوف الليل مجال للحديث العاطفي والعفوي مع رب العالمين، حتى لو أن الله -عز وجل– رفع الكلفة عن عباده..

٩- إن الذي لا يرتب علاقته بالمخلوقين ترتيباً إلهياً صحيحاً، فإنه سيعيش أزمة كبيرة حتى في علاقته وتقربه إلى الله سبحانه وتعالى.. فالمؤمن في حركته التكاملية، يحتاج إلى حالة من حالات الاستقرار الباطني.. فإذا كانت الصلاة الظاهرية لا تؤدى في مكانٍ متأرجح، فكيف بالصلاة الباطنية، وكيف بالحركة التكاملية؟..

١٠- إن بعض القلوب تحتاج إلى إعادة نشاط، وإلى تنشيط، وإلى إعادة فعالية.. والتواجد في بيوت الله -عز وجل- في حد نفسه، هو من موجبات إعادة هذا النشاط.. وصلاة الجماعة كذلك من هذه الموجبات..

١١- إن حالة الإدبار بالنسبة للمؤمن السالك إلى الله عز وجل، أفضل من حالة الإقبال.. فالمؤمن الذي يؤدي واجباته، وبشكل متقن -وخصوصاً الصلاة-، ولا حرام لديه في الحياة؛ عندئذ عليه أن لا يخشى لو لم يجد الخشوع..

١٢- علينا أن نعيش حالة التدبر والتأمل في أعماقنا، لاستكشاف النفس.. وأفضل وقت للتدبر في زوايا النفس ومشاكل النفس، هو بعد الصلوات اليومية، ونحن قد انتهينا من اللقاء بالمليك الأعلى في عروج روحاني: (الصلاة معراج المؤمن)؛ لنكتشف الخارطة الداخلية.. حيث أن لكل إنسان خارطته..

١٣- إن الذي ينوي قيام صلاة الليل، أو صلاة الفجر، فيستيقظ وهو متألم لعدم توفيقه لذلك؛ فإنه سيعطى من الأجر ما لا يعطى الذي قام الليل.. وذلك لأن الله -عز وجل- يقول: (يا آدم!.. أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيح المرائيين)..

١٤- إن الذي لا حركة له في جوف الليل، ولا محطة له مع رب العالمين، هذا يُخشى عليه من الجفاف الروحي.. والجفاف في بعض الحالات، يؤدي إلى الموت في النهاية..

١٥- إذا أراد الإنسان أن يحلق في عالم العبودية، فليستقل جوف الليل حيث الناس نيام.. فإذا كان من عشاق الخلوة والحديث مع رب العالمين، لا داعي لأن يتمتم أمام الآخرين، ليعرف بأنه متميز في هذا الطريق.. ليحاول كتمان الهوية الباطنية..

١٦- إن المفتاح شيء، والخزينة شيء آخر.. فخزانة الجواهر لا تفتح إلا بهذا المفتاح الصغير، الذي يفتح مستودعا من الأموال والجواهر.. فلا تنظر إلى صغر المفتاح، بل أنظر إلى ما سيفتح به!.. والصلاة قد تعد حركة عادية سهلة جداً، ولكن أي صلاة؟.. الصلاة التي ذكرها القرآن الكريم هي: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}، عندها الإنسان لا يحتاج إلى واعظ، فالصلاة هي التي تقوم بهذا العمل!..

١٧- لو أن آدم (ع) بقي على هيئته الطينية أبد الآبدين، لما كان أباً للخليقة.. ولكن رب العالمين نفخ فيه من الروح، فجعله نبياً وجداً للبشرية.. وكذلك فإن صلواتنا بمثابة الهيئة الطينية لأبينا آدم، إذا لم تنفخ فيه هذه الروح، تبقى الصلاة كما هي في حالتها المادية..

١٨- إن الذين لديهم مشاريع عمرانية، ويريدون أن يبنوا بيتاً، فيبني غرفا متعددة بمسميات مختلفة.. فلماذا نعين للعناصر المادية في الحياة غرفة، ولا نعين غرفة للصلاة بين يدي الله عز وجل؟..

١٩- إن الصلاة الخاشعة مشروع من أكبر المشاريع في الحياة البشرية، فالصلاة هي عبارة عن بناء برج من أقوى الأبراج على وجه الأرض.. هي أربع ركعات، ولكن هذه الركعات الأربع تحتاج إلى برنامج، وإلى مخطط.. فالذي ينجح في بناء طابق واحد، بإمكانه أن يبني الطوابق المشابهة؛ أي من أتقن ركعة واحدة، بإمكانه أن يتقن جميع صلواته بتوفيق من الله عز وجل..

٢٠- بإمكان الإنسان أن يأخذ نعيم الجنة هذا، وهو في الدنيا.. فأولياء الله في جوف الليل، يعيشون شيئاً من هذه العوالم.. ولهذا يصيح أحدهم: أين الملوك وأبناء الملوك من هذه اللذة؟!..

٢١- إن الذي لا يعيش حالة العبودية لله -عز وجل- إنسان غاصب، لأن هذه الأرض هي ملك لله -تعالى- والإنسان الذي يعيش عليها، وقد أغضب صاحبها، فهو يعيش عليها دون رضاه.. وبالتالي، فإن صلاته غير مقبولة لأنها على أرض مغصوبة..

٢٢- إن الإنسان الذي فاتته صلاة الليل، يستحب له أن يقضيها، ولو على مستوى الشفع والوتر.. وإذا لم يكن لديه مزاجٌ أن يصلي صلاة الليل، فليقرأ القرآن، أو ليتفكر ويتدبر!..

٢٣- يبدو أن الصلاة كلها في واد، والصلاة في أول الوقت في وادٍ آخر!.. والروايات في هذا المجال كثيرة، ومنها هذه الآية {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}.. فالذي لم يصلِّ في أول الوقت، لم يلب نداء ربه.. وما نصليه لاحقاً -من دون عُذر وجيه- تشبه الصلاة، لأن وقت الصلاة عند أولياء الله انتهى عند أول الوقت!..

٢٤- إن الارتباط بالمولى عز وجل، وسيلة لأن يشكو المؤمن له همه، وأحزان قلبه.. لذا، فإنه من المناسب جداً أن تكون الصلاة موضوعاً لعلاج القلوب..

٢٥- إن الإنسان بطبعه يميل إلى الغفلة والنسيان، والتحرر من القيودات المخالفة لمزاجه.. وقد أشار القرآن الكريم لهذه الحالة بوصف صريح، إذ يقول تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}، وهذا بدوره مدعاة للركون والتثاقل إلى الأرض.. بينما الله -تعالى- يريد لعبده السمو والتعالي في مدارج الكمال.. ومن هنا خصه بالتزامات شرعية تعبدية، ومن هذه التشريعات: الصلاة التي هي قربان كل مؤمن ومعراجه إلى ربه، حيث قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}..

٢٦- إن من الطرق الأساسية للوصول إلى الصلاة الخاشعة: أن يصل الإنسان إلى مرحلة ضبط الخواطر.. فبلا شك أن من أصعب الأمور، أن يصل الإنسان إلى هذه الدرجة؛ أي أن لا يفكر إلا بما يريد، ووقتما يريد.. فهذه من درجات التكامل التي قلما يصل إليها الإنسان، وجائزته أن يصلي ركعتين في جوف الليل، كما قال النبي (ص) لأبي ذر: (يا أبا ذر!.. ركعتان مقتصدتان في تفكّرٍ، خيرٌ من قيام ليلة والقلب ساهٍ)..

٢٧- إن الذي يريد أن يدخل في بحر الصلاة الخاشعة، ويحلق في جوار المولى جل وعلا.. عليه أن يتخلى عن كل الشواغل، ويتحضر فكرياً وقلبياً للصلاة..

٢٨-  إن الصلاة من مصاديق الذكر الكثير، الذي أشار إليه القرآن الكريم، إذ يقول تعالى: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ}.. أضف إلى أنها طهارة للقلب، مما يدنسه من كل أنواع القذر والكدر، وهذا ما نستجليه من قول علي (ع): (إن الله جعل الذكر جلاء للقلوب).. وأيضاً بها يتحقق وحدوية توجيه القلب إلى الحق المتعال، وبالتالي لا يركن العبد إلى سوى مولاه عز وجل..

٢٩- إن أفضل ما يقرب العبد إلى مولاه عز وجل، هو الصلاة بين يديه تعالى؛ فإنها سبيل المعرفة الموجبة للتفاعل الفكري والقلبي مع الله تعالى.. ومن هنا عدت الصلاة الخاشعة، مؤثرة في الخلاص من الذنوب، كما يقول النبي الأكرم (ص): (مَن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلاّ بُعداً)..

٣٠- لماذا الصلاة هي خير العمل؟.. لأن الإمام علي (ع) يقول في حديث عجيب: (واعلم أن كل شيء من عملك تبع لصلاتك)؛ أي كل نشاطك اليومي تبع لصلاتك..

٣١- نحن غير محاسبين على الخواطر اللااختيارية، إنما الحساب على الخواطر الاختيارية.. إذا صلى الإنسان، وطوال الصلاة وهو يدفع ويقارع الخواطر اللااختيارية، ولا يتابع الخيوط؛ هذا الإنسان إنسان خاشع، وصلاته مقبولة، وإن لم يخشع.. لأنه كان في حال مجاهدة مع نفسه.

٣٢- إن من الأمور اللازمة في السفر، هو الاهتمام بأمور الصلاة، وما يلازمها من الطهارة، والوقت، وغير ذلك.. فإن ظروف السفر، تجعل الإنسان يهمل علاقته برب العالمين، في مجال الأحكام الشرعية والسلوكية.. ومن المعلوم أن المؤمن، يعيش حالة واحدة من الالتزام في جميع الأحوال، سواء في حال الإقامة أو السفر {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}.

٣٣- إن من أجمل أنواع السياحة، تلك السياحة الروحية التي يسيح الإنسان فيها بقلبه -وهو في الحياة الدنيا- إلى عالم ما وراء الطبيعة (وهو ما يسمى بالموت الاختياري).. ومن المعلوم أن هذه اللذة المكتسبة في هذه السياحة المجانية والمتاحة دائما -وخاصة في جوف الليل- لا تقاس بلذائذ الدنيا، فإن لذة المعية مع المحبوب الأول، كيف تقاس بلذة مصاحبة مخلوقاته الفانية؟!..

٣٤- إن الذي لا يستذوق الليل؛ لينظر إلى سلوكهِ النهاري، حيث أن هنالكَ ترابطا واضحا أكيدا بينَ عمل الإنسان في النهار وفي الليل.. وعليه، فإن تنقيح السلوك النهاري؛ مقدمة لقيام الليل قياماً متميزاً..

٣٥- إن أحد العلماء الكبار في النجف الأشرف، أراد أن يتكلم بآخر الوصايا، وإذا به يوصي بصلاة أول الوقت؛ أي أن مفتاح هذه الخزائن كلها الصلاة في أول الوقت.. واللطيف أنه لم يقل: الصلاة في أول الوقت بتوجه؛ أي حتى قيد الخشوع لم يذكره.. المهم في أول الوقت.. فالذي يصلي في أول الوقت فترة من الزمن، تفتح له أبواب الخشوع.

٣٦- في عالم المعنى، يقول العلماء: (لا تكرار في التجلي)، هل هناك إنسان يستذوق الصلاة يقول بعد فترة: أنا مليت من الصلاة؟.. هذا الكلام يصدر من إنسان لا يعرف معنى الصلاة، أما الذي عندهُ شيء من المعراجية؛ فإن متعته في الحياة هي الصلاة.

٣٧- إن الضمور الروحي سرعان ما ينكشف في الصلاة بين يدي الله.. فالأمر لا يحتاج إلى تجارب معقدة، وإلى براهين في هذا المجال (الصلاة معراج المؤمن)، فمن لم يعرج في صلاته؛ فلا صلاة له!..

٣٨- إن للصلاة أثر دوائي علاجي، أثرها أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.. فالصلاة لها لسان بليغ فصيح، والمصلي الصلاة الواقعية، كل يوم صلاته تتكلم معه: يا فلان، اترك المعصية!.. كيف تقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، وأنت بعد الصلاة تعبد الهوى.. فهذه مفارقة؟!.. ولهذا بعد كل فريضة، علينا أن نستغفر الله.. بعض الأوقات الإنسان في الصلاة أو بعد الصلاة، يستغفر الله من صلاته لا من الذنوب..

٣٩- أو تعلم أن مثل الصلوات مثل المضاد الحيوي، الذي لا يأخذ المضاد في ساعاته من الممكن أن لا يؤثر أثرهُ..

٤٠- إن الصلاة عمود الدين، والصلاة المتقنة، هي عبارة عن شيك أبيض.. فرب العالمين يعطينا في كل فريضة صك، ويقول: اكتب ما شئت.. عن علي بن أبي طالب -(ع) أنه قال: (من صلى لله -سبحانه وتعالى- صلاة مكتوبة؛ فله في أثرها دعوة مستجابة).. ونحن -مع الأسف- نمزق الشيكات البيضاء الصادرة من البنك المركزي.. فلماذا تفويت هذه الفرصة؟..

٤١- يقول الإمام (ع): (وتارك الصلاة لا يتركها، إلاّ استخفافاً بها).. فلماذا يترك الإنسان الصلاة؟.. عندما يقدّم إنسانٌ كأساً من الماء لأخيه، فإنه لا يتركه إلا عندما يقول له كلمة شكراً.. فواهب هذا الوجود ألا يستحق الشكر؟!..

٤٢- إن النبي الأكرم (ص) شبه الصلاة بالنهر، حيث قال: (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟.. قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا).. فالنبي (ص) عندما قال: (يغتسل) أي أنه يدخل النهر.. أما الذي يستلقي على شاطئ النهر ويتشمس، أو ينظر إلى النهر، أو يجعل رجليه إلى الساق في النهر، فإن هذا الإنسان لا يرجع بالطهارة أبداً.

٤٣- إن الحل الأساسي لعلاج الشرود في الصلاة هو تغيير الشاكلة، أي تغيير التوجه القلبي.. فالإنسان الذي هدفه في الحياة أن يحقق الأبدية والخلود في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لابد أن تكون همته على مستوى تلك الأمنية، فإن نيل المعالي لا ينال إلا بسهر الليالي!..

٤٤- إن التكبير في الصلاة بمثابة جرس الإنذار، أي أنه عبارة عن عملية تنبيه للإنسان بأنه في حضرة الله عز وجل، وأن عليه أن: يلتزم بالأدب، ويستحي، ولا يغفل وهو في الصلاة.. فكم من القبيح أن يعاهد الإنسان ربه في بداية الصلاة: بأنه أكبر من أن يوصف، ومن ثم هو يغفل هنا وهناك؛ مستغرقا في توافه الدنيا!..

٤٥- لابد من وضع فراغ بين النشاط اليومي، والصلاة بين يدي الله عز وجل.. وذلك بالاستعداد للصلاة، ولو قبل الموعد بخمس دقائق، والعمل على تصفية الذهن من الشواغل التي تسبق الصلاة.. وهنا، من المناسب التأني والتأمل قبل الدخول في الصلاة، وقبل التكبير يكبر التكبيرات الست، ويناجي رب العالمين ببعض المناجيات الخفيفة؛ التي تأخذه إلى جو الصلاة.

٤٦- إن تخصيص مكان للصلاة، من موجبات تحقيق الصلاة الخاشعة.. وذلك فيه نوع من التأدب والاعتناء بمكان اللقاء الإلهي، أضف إلى أن الأمر فيه ارتباط نفسي.. فالإنسان من الممكن أن تمر عليه فترات في حياته ويرق فيها في الصلاة، فتختزن تلك الحالة في ذهنه، وكلما نظر إلى ذلك المكان، فإنه يعيش ذلك الجو من الخشوع والإقبال.. وهذا مجرب حتى في الالتزام بمصحف ثابت، إذ أنه يزيد من سرعة الحفظ، ويوجد حالة من الأنس بهذا المصحف.

٤٧- ينبغي أن نقول بكل قاطعية: إن الذي لا يوقر نداء رب العالمين، ولا يصلي أول الوقت، هذا الإنسان لا يعطى الهبات المتميزة من رب العالمين؛ لأن هذا بلسان حاله كأنه يقول: يا رب، لا أريد منك عطاء متميزا!..

٤٨- إن الإنسان يعيش حالة من الترقب للصلاة، فالإنسان المؤمن الذي يريد أن يصل إلى ملكوت الصلاة، لا بد وأن يعيش هذا الهاجس قبل دخول الوقت، مترقبا للصلاة بكل شوق..

٤٩- إن مسألة الدخول في بحر الصلاة، تحتاج إلى تهيؤ نفسي مسبق.. فقبل دخول الوقت، يا حبذا لو يجعل الإنسان حائلا بينه وبين الصلاة؛ أي منطقة برزخية حائلة بين العالمين: فلا هي صلاة، ولا هي تعامل مع البشر.. ومن صور التهيؤ المقترحة: أن يسجد الإنسان بين يدي الله عز وجل، قبل دخول الوقت في سجود عبادي تأملي..

٥٠- إن الإنسان في حياته يحتاج إلى من يبث إليه همومه، فالذي لا أنيس له، ولا صديق له، ولا متنفس له، ولا مفزع له في الحياة ، قد يعيش في بعض الحالات: حالة الكبت، والتبرم، ثم الانفجار، وبعد ذلك الانهيار الكامل.. فإذا كان الإنسان العادي يتخذ بين فترة وأخرى، من هو سبيل وذريعة لتفريغ الهموم؛ فلماذا لا يتخذ من الصلاة مثل هذه المحطة، لتفريغ همومه وذلك مع القدير على كشف كل كربة؟!..

٥١- إن من يأتي إلى مصلاه وهو في أدنى درجات التهيؤ النفسي للصلاة؛ من الطبيعي أن لا يدخل في جو الصلاة، كما يحب الله سبحانه وتعالى.. فالملاحظ أن الأئمة -عليهم السلام- وعلى رأسهم النبي المصطفى -صلى الله عليه وآله- تبدأ صلاتهم من الوضوء.. لا من الأذان، ولا من الإقامة، ولا من التكبيرات الافتتاحية، ولا من تكبيرة الإحرام، بل تبدأ الصلاة لديهم من الوضوء، كأول مرحلة من مراحل الورود على المليك الأعلى.

٥٢- يفضل أن يقف المصلي -قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام- هنيهة بتوجه وبتأمل، ويستحضر قصد القربة، بدلاً من الانشغال بالألفاظ؛ وبذلك يعيش الإنسان جو النية الواقعية.. والتكبيرات الافتتاحية السبعة فرصة جيدة؛ لأن الإنسان قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام، يكبر تكبيرات افتتاحية.. فهذه أيضا محطة جميلة، لأجل أن يتدرج الإنسان للدخول في بحر الصلاة..

٥٣- إن تكبيرة الإحرام إذا كبرها الإنسان، دخل رسمياً في حقل اللقاء مع رب العالمين.. فإذا كان الإنسان مؤدباً في الخطوة الأولى، لدخول طاعة السلطان؛ عندئذ يرجى أن يستمر في الأدب.. ومن الممكن أن يغـتفر له سوء الأدب المتقطع، أثناء اللقاء مع السلطان.. أما الذي يدخل، ولا يراعي أدب المثول بين يدي الله -عز وجل- وإن أقبل لاحقاً؛ فإنه يعدّ مقصراً في ذلك..

٥٤- إذا أراد الإنسان أن يصلي صلاة حقيقية، فإن ثمرة هذه الصلاة هي الإلتفات إلى العباد وإلى الناس فـ(الدين المعاملة).. والدرس العملي: أن الإلتفات إلى عباد الله عز وجل، ليست منقصة في حركة التكامل والسير إلى الله عز وجل.

٥٥- إن الصلاة معراج، ولقاء مع رب العالمين، والتجليات في الصلوات المفروضة، ليسَّ بإزائها تجلٍّ آخر في باقي الصلوات.. يقول النبي الأكرم (ص): (وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا، فإن الله -عز وجل- يقبل بوجهه على عبده، ما لم يلتفت).. هنالكَ إلتفاتٌ بالوجه عن القبلة في أثناء الصلاة؛ وهذا من مبطلات الصلاة.. وهُنالكَ إلتفاتٌ بالقلب عن الله عزَ وجل.. الصلاةُ صلاة القلب، -الصلاة معراج المؤمن- والعروج عروج القلب..

٥٦- إن البعض منا يعطى ورقة، ليقرأ الورقة أمام الوزير أو الأمير، يتلعثم في كلامه، من هيبة الموقف.. ونحنُ نقف أمام رب العالمين، ليس فقط لا نتلعثم، بل نفكر في كل شيء، ما عدا الحديث معه سبحانهُ وتعالى.. فالأمرُ يحتاج إلى تهيئة، ليس بالتمني!..

٥٧- نحنُ علاقتنا بالله -عز وجل- منحصرة بهذهِ الصلاة.. فالصوم، مرة في السنة، والحج في العمر مرة، والخمس في السنة مرة.. أما الصلاة اليومية، فهي الحبل الممدود بيننا وبين رب العالمين.. إذا هذهِ الصلاة لم تتحول إلى ذكر؛ ما بقيت علاقة في البينِ أبداً!..

٥٨- إن المساجد بمثابة المطارات، وصلواتنا بمثابة الطائرات: إذا لم نذهب إلى سفرٍ علوي؛ ليس هنالك سَفرٌ ولا مطارٌ ولا طائرة.. قد ينكشفُ الغطاء للإنسان متأخرا، ولكن من الممكن التدارك في كلِّ موقف.. فبني آدم لهُ إرادة تحطم الجبال، بمجرد أن يُريد؛ رب العالمين يعينهُ على ذلك.

٥٩- هنيئا لمن استن بسنة الحسين (ع) بالنسبة للصلاة في أول أوقاتها، وفي أحلك الظروف.. قد يصلي المؤمن في أول الوقت بشكل لا يزعجه، ولكن في السنة قد يصادفه موقف محرج: في غرفة العمليات مثلا، أو في سفر، أو في مكان يصعب عليه الصلاة في أول الوقت.. فليعلم أن هذا هو امتحانه: إذا نحج في الامتحان في ذلك اليوم الخاص، الذي تصعب فيه الصلاة في أول الوقت بيسر؛ هذا الإنسان ملحق بركب الحسين وأصحاب الحسين (ع).

٦٠- إن هناك تدريجا، حتى لا يفاجأ الإنسان بالكنز.. يوم عرفة هو الكنز، وقبله مقدمات.. وليلة القدر هي الكنز، وقبلها مقدمات.. والصلاة بين يدي الله -عز وجل- هي الكنز، وقبلها أيضا مقدمات.. ولكن هذا الكنز؛ كنز دائمي: حيث أن الحج يكون في العمر مرة واحدة، وصوم شهر رمضان في السنة مرة واحدة، أما الصلوات فهي يومية، وفي اليوم خمس مرات.. لذا، لابد أن نفهم سياسة الشارع بالنسبة إلى الصلاة.

٦١- إن الله -عز وجل- في تشريع الصلاة، أراد من الإنسان أن ينتقل إلى لب الصلاة بشكل تدريجي: من أول نظرة لماء الوضوء، فيقرأ أدعية الوضوء.. ثم الأذان، والإقامة.. ثم التكبير؛ قبل التكبير يفكر الإنسان قليلا، يحاول أن يستجمع أفكاره، ثم يكبر.. ثم الاستعاذة.. فحقيقة الصلاة الخاشعة تحتاج إلى تمهيد، والمصلي ينبغي أن لا يدخل في نقاش مع أحد قبل الصلاة؛ لأن ذلك يشغله أثناء الصلاة بين يدي الله عز وجل.

٦٢- إن من لم يسيطر على صلاته من تكبيرة الإحرام؛ الشيطان يسرقه.. لذا عليه أن يحاول من تكبيرة الإحرام أن يكون مؤدبا بين يدي الله عز وجل، وإلا إذا تزحلق فهو على جبل جليدي، لا يلتفت إلا وهو يقول: السلام عليكم، وهو في خمسين واد من وديان الدنيا.

٦٣- إذا أتقن المصلي التكبير في أول صلاته، وذكّر نفسه بمقتضى هذا التكبير، وبمعاني التكبير في كل خطوة من خطوات صلاته، التي يكبر فيها.. يرجى أن يأتي بصلاة خاشعة، يقبلها الله -عز وجل- بمنه وكرمه.

٦٤- إن الصلاة تمثل المحطة العبادية اليومية، وإلا فإن الحج في العمر مرة، وشهر رمضان في السنة مرة.. كما أن القيام لصلاة الليل بحاجة إلى مجاهدة{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ}؛ كذلك القيام لصلاة الفجر بحاجة إلى مجاهدة.. وهذهِ الأيام صلاة الجمعة أيضاً تحتاج لقطع مسافات بعيدة بالنسبة للبعض.. وبالتالي، هنالكَ: تعب، وقيام، وهجران للنوم، وقطع للمسافات.. فالصلاة شيء موجود؛ ولكن يجب نفث الروح في هذا الشيء.

٦٥- إن الصلاة قضية مركبة: فالذين يصلون صلاة خاشعة في الليل، ولكن في النهار لا يُراعون بصرهم؛ هؤلاء تجاوزوا الحد {فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}.. والتاجر الذي يصلي صلاة الليل -مثلاً- وهو إنسان غير أمين في التجارة؛ هذا الإنسان لا ينطبقُ عليه {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}.. والذي يقيم الليل، ويؤدي الأمانات، ويحفظ الفرج؛ ولكن إذا دخلَ المجالس يتكلم في كل ما هبَّ ودب؛ هذا الإنسان لا تنطبق عليه آية: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}.. وبالتالي، هنالكَ مجموعة متكاملة، فالذي يريد أن يكونَ من الفالحين، يجب أن تكون صلاته خاشعة، وعن اللغو معرضا، وللزكاة فاعلاً، ولفرجه حافظا، وللأمانة مؤدياً، ..الخ؛ كل ذلك مجموعٌ متكامل.

٦٦- إن بعض الناس تمر عليه ليال وأيام، لا يستيقظ لصلاة الفجر؛ هذا الإنسان لا يقطف ثمار الصلاة الخاشعة.. هذهِ الأيام عندما يصف الطبيب مضادا حيويا للمريض؛ فإنه يطلب منه الالتزام بالوقت، ثمان ساعات أو ست ساعات، عليه أن لا يتأخر عن وقت العلاج؛ فهذه شُحنة لها ترتيب.. وربُ العالمين يقول: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}.. بين صلاة العشاء وبين صلاة الظهر فترة طويلة، إذا لم يصلِّ الإنسان صلاة الفجر؛ تصبح هذه الفترة مميتة للقلب.. عندئذ هل هذا الإنسان يكون من الفالحين؟!..

٦٧- النبي الأعظم (ص) يقول عن المؤمن الذي يقف أمام ربه للصلاة بأن (الصلاة معراج المؤمن)؛ فالذي لا يعيش هذا العروج، هذا إنسان أرضي {اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ}، هذا الإنسان ليس للطيران، هذا الإنسان للخلود إلى الأرض.. بينما المؤمن عندما يصلي، ليس فقط يطير بل يصل إلى مرحلةٍ لا يودّ العودة إلى الأرض.

٦٨- إن هنالك مجموعة من الدروس الفقهية التي لا بد من استيعابها قبل السفر، إذ أن الجاهل بتلك القواعد، من الممكن أن يخل بواجب العبودية لربه.. فالملحوظ أن البعض يتحلل من أداء بعض الواجبات عند السفر وخاصة الفريضة، بل قد يصل الأمر إلى التفريط في الصلاة!.. وعليه، فإن أهم عدة للسفر هو التهيؤ التام لأداء الفرائض في أول أوقاتها، مع مراعاة شروط القبلة، والوقت، والطهارة، وغير ذلك.. فإن الإنسان ينكشف جوهره في هذه المقامات، حيث تنتفي الرقابة الاجتماعية، ويغلب على الإنسان جو الاسترخاء والاسترسال.

٦٩- إن آثار الصلاة الخاشعة آثار طويلة المدى، تمتد لتشمل جميع جوانب الحياة.

٧٠- إن نقطة البدء كما قال علي (ع) هي الصلاة.. علينا بإتقانها بقالبها الظاهري والباطني، والإتيان بها في أوقاتها؛ وعدم التهاون في معرفة مسائل الطهور، وعدم التكاسل في تأديتها أول الوقت، وبالخصوص صلاة الفجر الضائعة بين الفرائض.. فلماذا هذا التكاسل عن صلاة الفجر؟.. ومن المعلوم أن الجلوس بين الطلوعين، أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الأرض!..

٧١- إن من مصاديق التهاون في الصلاة: تركها عمداً بعضها أو كلها، أو تأخيرها عن أول الوقت بغير علة، أو تأديتها في حالة سهو ولهو.

٧٢- لاشك أن الذي يتهاون في صلاته، تمر عليه الأيام والليالي، والسنون تجر وراءها السنون، وينقضي عمره.. وإذا هو صفر اليدين مفلسٌ، يقلب كفيه حسرة على ما فرط في جنب الله، وحينئذ لا ينفع الندم ولات حين مناص!..

٧٣- لا خلاف في أن الحبيب مستجيب لحبيبه، والإنسان المتهاون في صلاته؛ يفتقد إلى العلاقة الحميمة مع رب العالمين.. إذ لا توجد بينه وبين الله -تعالى- ألفة ومودة، توجب استجابة الدعاء.. مثله كمثل إنسان وفد على وزير وبينهما عداء، فيا ترى هل يقضي حاجته مهما كانت بسيطة؟..

٧٤- إن الإنسان الذي يتهاون في صلاته، يخرج من دائرة المؤمنين، وإن انطبقت عليه بعض العناوين العامة من ولاية علي وذريته (ع).. وبالتالي، فإنه لا حظ له في دعاء الصالحين، وفي رواية جميلة عن الإمام الصادق (ع) أن أحدهم سأله: جُعلت فداك !.. علّمني دعاء جامعاً، فقال له: (احْمَدِ الله، فَإِنَّهُ لا يَبْقَى أَحَدٌ يُصَلِّي إِلا دَعَا لَكَ، يَقُولُ: “سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ”).

٧٥- إن الأمر لا يحتاج إلى كثير تعقيد أو جهد مخيف، فإن الالتزام بصلاة أول الوقت هو مفتاح لكل البركات.. ومما ينقل عن أحد العلماء الكبار، أنه قبيل وفاته أراد أن يلخص تجاربه في الحياة فأوصى تلاميذه قائلاً: (عليكم بصلاة أول الوقت).. وما أجمل أن يتوج ذلك بالالتزام بالصلاة جماعة في المسجد، إذ لا يخفى أهمية ارتياد المساجد من ناحية تعلم معالم الدين أحكاماً وثقافة.

٧٦- إن الحديث عن الصلاة، ولئن كان أمراً شخصياً، فإنه أمر مصيري بالغ الأهمية؛ لما له من دور في بناء الشخصية المسلمة.. إذ معلوم أن الصلاة عمود الدين، كما جاء في الحديث الشريف، وليس بخافٍ على ذي لب مصير البناء إذا ما تهاوى عموده!.. ومن هنا عدت الصلاة الفاصل بين الإسلام والكفر، فهي لا تسقط عن المكلف قط، مهما بلغ أو كان عذره: سفراً أو حضراً، في الصحة أو في المرض.

٧٧- إن الصلاة تشكل مشروعا حياتيا، تترتب عليه السعادة الأبدية في الآخرة، والاطمئنان القلبي في الدنيا.. وما يؤكد ذلك قوله تعالى في سورة الرعد: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.. فهنا (أَلاَ) أداة تنبيه، وهي لا تستعمل إلا في المواقف المهمة، أضف إلى أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.. ومن هنا نستفيد دلالة واضحة، على أن السبيل الأوحد لنيل الاطمئنان، هو ذكر الله عز وجل، أما ما سواه فليس إلا خداع في وهم.

٧٨- إن الله -سبحانه وتعالى- له عطاؤه وعنايته، بكل من يصلي بين يديه.. إلا أن العبد بسوء اختياره، وبصرف قلبه عن مولاه؛ يسد هذا الباب من الرحمة.

٧٩- إن التوزيع اليومي للصلاة من الصباح إلى المساء؛ مما يعود العبد على تعزيز علاقته بالله تعالى، وتصفية قلبه من الشواغل والعوالق.. ومن هنا ورد: تشبيه المصطفى (ص) الصلاة، بالنهر الجاري الذي يغتسل منه خمس مرات في اليوم؛ تخلصاً من الأدران.

٨٠- إن عدم التهاون والاستخفاف بالصلاة، بلا شك أنه مفتاح الفلاح والفوز دنيا وآخرة.. والذي يريد أن يحقق التمايز بعين الله تعالى، فلا بد أن يحقق ذلك في صلاته، فهذه الزهراء (ع) -التي حققت أعلى درجات العبودية- يباهي الله تعالى بها ملائكته، فيقول: (يا ملائكتي!.. انظروا إلى أَمتي فاطمة سيدة إمائي، قائمة بين يديّ، ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلتْ بقلبها على عبادتي.. أُشهدكم أني قد أمنت شيعتها من النار).. وفي حديث آخر: أن الله -تعالى- يباهي بالشاب العابد ملائكته، فيقول: (انظروا إلى عبدي!.. ترك شهوته من أجلي).. نعم، المجال مفتوح للجميع، وليس حصراً على المعصومين (ع) والأولياء، ولكن من ذا الذي يبادر ويشد الهمة؟..

٨١- إن الصلوات على النبي وآله، من المعالم الثابتة والمتكررة في حياة الإنسان المؤمن، سواء في خارج الصلاة أو في داخل الصلاة.. وكما هو معلوم أن تكبيرة الإحرام واجبة في الصلاة مرة واحدة، وهي التكبيرة الافتتاحية.. بينما الصلاة على النبي وآله واجبة في محطتين أثناء الصلاة: في التشهد، وفي التسليم، يتوجه المصلي إلى النبي -صل الله عليه وآله- في هاتين المحطتين.. فعلى المؤمن أن يستوعب حقيقة الصلاة على النبي وآله.. وكما هو معلوم أن أصل الصلاة على النبي وآله قد ورد في القرآن الكريم: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

٨٢- إن التزام المسلم بالصلوات الخمس في أوقاتها، مسألة ليست بالهيّنة، فليس التزام الإنسان بها هو ليوم ولا يومين، بل إلى أن يموت.. فيتورط في بعض الحالات بِتَرك الصلاة؛ لأنه قيّد نفسه بالتفريق بين الصلوات.. فمثلا: هو الآن في المسجد، والأمور مهيّأة، والجو مناسب ومكيّف، والإمام موجود.. فلا يصلي العصر إلى أن يحين الوقت، فيأتي وقت العصر، وعندها يكون في حالة نوم، أو تعب، أو شغل.. ويأتي عليه وقت المغرب، وإذا به قد ترك صلاته عمداً.. فلماذا هذا التقيد؟.. إن الشريعة شريعة يسر، فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم -وهو صاحب الشريعة، أو المبَلِّغ للشريعة بتعبير أدق- قد جمع بين الصلاة، ورخّص لك في ذلك، فلماذا نصُرّ على موقف خلاف موقف النبي (ص)؟..

٨٣- لو أردنا أن نستقرئ حياة الأنبياء، نلاحظ أن الدعوة إلى إقامة الصلاة -لا بمعنى الأداء المجرد، بل إقامتها بحدودها الإلهية، لتحقق ماهيتها: في كونها معراج المؤمن، وقربان كل تقي، والناهية عن الفاحشة والمنكر- من السنن الثابتة، لأنها حلقة الوصل بين العبد وربه.. فالأنبياء لهم ارتباطهم بالله -عز وجل- من خلال الكتب السماوية والوحي، أما بني آدم فهم يرتبطون بالله -عز وجل- من خلال الوقوف بين يديه تعالى.

٨٤- إن الملفت في هذه الآية الكريمة: {لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}؛ وكأن هنالك رابطة بين إقامة الصلاة وبين محبة القلوب.. وعليه، فإن رب العالمين إذا أراد أن يتبنى عبداً أو يسدده، يلقي عليه المحبة، والذي يريد أن يصل إلى هذه الدرجة من التبني الإلهي: إلقاءً لحبه في قلوب الناس، وتسديداً له في مواجهة مختلف الظروف القاسية، عليه باتباع بعض الطرق التي منها: الاستعانة بالصلاة، كما يقول تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}.. كما حفظ الله هاجر -تلك الأم الغريبة- وأنبع لها ماء زمزم، وجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم من كل حدب وصوب.

٨٥- إن مسألة الصلاة من العناصر الثابتة في الحركة التكاملية لكل الأنبياء والأمم، وكذلك مسألة المراقبة والمحاسبة، فإنها ركن أساسي من أركان التكامل والوصول إلى الله.. ومثل الإنسان الذي لا يحاسب نفسه، كمثل الذي يسوق دابة وهو مغمض عينيه، فلا شك بأنه سيكون عرضة للوقوع في المطبات والمزالق المهلكة.

٨٦- من المعلوم أن الطريق الصحيح لمن يريد أن يعلم قربه من المولى جل وعلا، أن ينظر إلى نفسه حال صلاته، فالصلاة لقاء مع رب العالمين، وحرارة هذا اللقاء تكشف عن مدى القرب بين المتلاقيين.. فإذن، من الضروري أن يسعى المؤمن لتحقيق الصلاة الخاشعة، ولو أمضى أربعين سنة من حياته، ليصل إلى هذه الصلاة فكراً وقلباً، عندها يكون قد وصل إلى غاية المنى.. ولو أن الإنسان مات، ولم يجد في صحيفة أعماله، إلا ركعتين مقتصدتين مقبولتين؛ لكفته لدخول الجنة.

٨٧- هنالك سر عظيم في الوضوء والغسل، هذا الذي نسميه الطهور (لا صلاة إلا بطهور)، الوضوء هو ماء يلامس البدن.. هنالك اغتسال وهنالك غسل، هنالك تطهر وهنالك طهور، هنالك فعل من العبد وهنالك حركة من الرب، كما في اصطلاح النحو والبلاغة: هنالك فعل مصدري، وهنالك اسم مصدر.. أنا أحقق المصدر، أنا أغتسل؛ ولكن الغسل والطهارة أمر مجعول من الله تعالى.. الإنسان المتوضئ إنسان متطهر، عندئذ رب العالمين يقول: لك الحق الآن أن تضع يدك على اسمي {لّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ}.

٨٨- نحن -مع الأسف- قسمنا الحياة إلى قسمين: إما أن تكون لله، أو أن تكون للدنيا.. وهناك مقولة خطيرة في أوساط المنحرفين عن فهم طبيعة الشريعة، عندما ينتقل من الصلاة مباشرة إلى استماع الغناء مثلا، يقول: (ساعة لربك، وساعة لقلبك)؛ أي أنهم قسموا الساعات لله -عز وجل- بدعواهم، وإلا فهذه الساعة ليست للرب!.. الذي يجعل صلاته بين غناء وخمر يقول مثلاً: (هذه الساعة لقلبي، ثم لربي، ثم لقلبي، وثم أعود إلى ربي).. وكما نعرف أنه لا صلاة لمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر.

٨٩- إن كلمة الآداب المعنوية، تقترن عادةً بالعبادةِ المعنوية، مثل: الصلاة، والحج، وقراءة القرآن.. ولكن هذه النقلة الجميلة للدمج والمزج بين عالم الآداب الباطنية، وبين الحركة الخارجية في الحياةِ، هي سمة واعية من العاملين.

٩٠- إن على المؤمن أن يتقن صلاة الظهر والعصر، خاصة في المجالات الأكاديمية: في الجامعات، وفي الحوزات، فالأمر يحتاج إلى تصفية الفكر.. إن الإنسان في البيئة الأكاديمية العلمية يكون مشغول الذهن بالقضايا العلمية، وطبيعة القضايا العلمية أنها مذهلة!.. ومن هنا فإن الإنسان عندما يصلي، يعيش الجو العلمي أثناء الصلاة، فيصبح هناك تداخل بين هذين الجوين: فالقضايا العلمية مشغلة للب، والإنسان يفكر بباطنه.. والصلاة أيضاً تحتاج إلى باطن وإلى لب؛ فيصبح هنالك منافسة وتزاحم بين الأفكار الصلاتية.. والقضايا الروحية التكاملية، لا يمكن فيها الطفرة.. فالإعجاز له عالمه، والذي يعيش هموم غير إلهية، من الطبيعي أنه بتكبيرة الإحرام، لا ينتقل فجأة إلى عالم الأنس والحديث مع رب العالمين.

٩١- بما أن الوضوء حالةٌ متكررة في حياتنا اليومية، فمن المناسب أن نعلم بعض الأحكام، وإن كانت واضحة.. البعض -مع الأسف- يخلط بين النية القلبية وبين النية اللفظية.. فأصولاً: النية من أعمال القلب، فـ(لكل امرئ ما نوى) فهي عمل في القلب.. وعليه، فإن الإنسان إذا أظهر ما في قلبه على لسانه فلا بأس، وإذا لم يظهره فإن هذه النية موجودة، بمثابة خزّان من الماء.. فمن المعلوم أن الماء موجود في الخزان، فإذا فتح الصنبور هذا الماء يظهر، وإلا فهو موجود، ولكنه مخزون.. والنية كذلك.

٩٢- إن من المناسب أن يلتـزم الإنسان -ولو في بعض الأوقات- بأدعية الوضوء.. فالوضوء عبارة عن عملية مائية، أشبه بالغسلة الصباحية للوجه، فإذا لم يجعل في الوضوء هذه الأدعية، فإن القضية تبقى في إطار الحركة البدنية.. أما عندما يصب الإنسان الماء على وجهه، فبدلاً من النظر إلى المرآة، فإنه ينظر إلى وجه الله -عز وجل- ويقول: (اللهم!.. بيّض وجهي يوم تسودّ فيه الوجوه).. وهو في الحمام، وإذا به ينتقل إلى عرصات يوم القيامة.. حيث أن الوجوه تسودّ يوم القيامة!.. إنها تسودّ عندما يجعل هذا الوجه أمام امرأة أجنبية، وبنظرةٍ مريبة.. فسواد الوجه في الآخرة، يأتي من الدنيا.. وعندما يتوضأ فيتذكر ويقول: (اللهم!.. لا تسوّد وجهي…) وإذا ذهب إلى السوق بعد الوضوء، فإنه يقول: لقد قلت منذ قليل: اللهم!.. لا تسوّد وجهي.. وسواد الوجه هذا يأتي من السوق، ومن السيارة، ومن المكتب.

٩٣- إن في روايات أهل البيت (ع): تارك الصلاة يعد كافراًً، والزاني لا يعد كافراً.. يقول مسعدة: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام): ما بال الزاني لا تسمّيه كافراً، وتارك الصلاة قد تسمّيه كافراً؟.. وما الحجّة في ذلك؟.. قال: لأنّ الزاني وما أشبهه، إنّما يفعل ذلك لمكان الشهوة وإنّها تغلبه).. فالله -سبحانه وتعالى- يعلم ضعف بني آدم، فإذا ارتكب الزنا، فلداعٍ في باطنه، ولو كان الداعي باطلاً.

٩٤- يقول الإمام (ع): (وتارك الصلاة لا يتركها، إلاّ استخفافاً بها).. فلماذا يترك الإنسان الصلاة؟.. عندما يقدّم إنسانٌ كأساً من الماء لأخيه، فإنه لا يتركه إلا عندما يقول له كلمة شكراً.. فواهب هذا الوجود ألا يستحق الشكر؟!..
إن من المناسب التدبر والتأمل في مضامين تعقيبات الصلوات والأشهر.. فالمشكلة أن الإنسان بعد فترة من تكرار التعقيبات المتوالية، لا يفقه تلك المضامين.. ولهذا لا بد من وقفة نفسية وفكرية، من أجل استيعاب المعاني الباطنية الدقيقة.

٩٥- لا بد أن يكون العبد طامعاً، بل طمّاعاً حيث يقول: (أعطني بمسألتي إياك!.. جميع خير الدنيا، وجميع خير الآخرة).. فإذا كان الكريم بيده المفاتيح كلها، فلماذا النقص في الطلب؟!.. ولماذا اليأس من قضاء الحاجة؟!.. والعبد لا يقول: اللهم أعطني بفضلي، أو بمرتبتي، أو بكرامتي، أو بتقواي.. وإنما يقول: بمسألتي، أي أنا سائل.. والسائل لا يُسألُ عن جنسيته، ولا يُسأل عن وظيفته، ولا عن أصله وفصله.. والسائل إذا كان كاذباً يُطرد، أما إذا كانت عليه علامات الصدق، فيُعطى من دون تحقيق عنه.

٩٦- إن الإنسان له القدرة على أن يحسّن من صلاته، ولكنه يتكاسل في أن يستحضر ذهنه وقلبه في ركعات محدودة.. فإذا لم يمكنه ذلك في الركعات الأربع، فلماذا لا يستحضر الإقبال في ركعة مثلاً، أو في سورة، بل في آية!.. فمن الممكن أن يستحضر ذهنه، على الأقل في تكبيرة الإحرام، ولكن الإنسان يتكاسل.

٩٧- إنّ الإنسان إذا كان في حالة مجاهدة، وفي حال كرٍّ وفرٍّ، وفي حال سقوطٍ وقيام.. وإذا كان كالسنبلة -كما في الرواية- تخرُّ تارةً وتستقيم أخرى.. ولكنه مراقبٌ لنفسه ويجاهدها، فهو على خير.. فالصلوات اليومية، ونافلة الليل، وكل هذه المحطات من أجل إرجاع الإنسان إلى نصابه.

٩٨- إن الكثيرين عندهم مشكلة بالنسبة إلى صلاة الفجر، ولعلًّ قلّ مَنْ يُوفق لأداء فريضة الفجر طوال السنة، وخاصةً في أولِ الوقت.. فالبعض عندما يستيقظ صباحاً وقد طلعت الشمس، فإنه لا يجد في نفسه أيّة مُشكلة، ويتمسك بالحديث المعروف، أو القاعدة المعروفة: إنّ الإنسان النائم لا تكليف عليه.. والحال أنّ من أدنى واجبات الإنسان عندما تفوته فريضة الصُبح، أنْ يعيش حالة من حالات الهمِّ والغم.

٩٩- إذا قام الإنسان بكل مقدمات الاستيقاظ لصلاة الفجر، ولقن النفس تلقيناً مباشراً ومؤثراً، هذه المقدمات التي توجب اليقظة، ثم استيقظ بعد طلوع الشمس نادماً؛ فإنه من المناسب المبادرة إلى القضاء.. فالإنسان عندما يستيقظ، ويصلي صلاة الفجر مباشرة، فإنه متشبهٌ بالذين أدوا الفريضة في وقتها.

١٠٠- إذا فاتتك صلاة الصبح، وأردت أنْ تقضي، فليكن القضاء خيراً من الأداء.. فأنت عندما تؤدي صلاة الصبح، تؤديها وأنت متناعس متثاقل في أول الوقت.. وأما عندما تريد أن تقضي، فحاول أنْ تتقن القضاء: بأذان وإقامة، وتوجه وتركيز، وإطالة في القنوت والسجود.. فلعل هذه الصلاة القضائية أبلغ عند الله -عز وجل- من صلاة الأداء، مع اكتنافها بجوِ من الندامة، والإنابة إلى الله عز وجل.

١٠١- إن على الإنسان أن يجعل صلاة الفجر محطة مهمة في الحياة، مثل الدوام اليومي والمدرسة، وكالعسكري الذي لا يتجرأ أن يغيب عن معسكره دقائق.. فهذا يحتاج إلى: نوم مبكر، وتخفيف من طعام العشاء، واستعمال منبه.. إن البعض لا يكلف نفسه شراء منبه بدريهمات، والحال بأنه يشتري ساعة ذهبية ثمينة بأضعاف قيمة المنبه.. ما قيمة هذا الجهاز الصغير الذي يوقظ الإنسان لصلاة الفجر؟!.. إن بعض العلماء يجعل المنبه زاده في السفر مع التربة والقرآن ومفاتيح الجنان؛ لأنه يخاف في تعب السفر والظروف الفجائية، أن تفوته فريضة من الفرائض.

١٠٢- أليس من الغريب أن يأتي إنسان مثقف له إلمام بالهندسة، وبالطب، وبالعلوم الدقيقة، وفي السياسة، والاقتصاد.. ويكتشف بعد عشرين سنة، أن هناك خللاً في غسله ووضوئه وتيممه؟!.. وأليس من الغريب أيضاً أن يسأل أحد هذا السؤال: هل تجوز الصلاة قبل غسل الجنابة؟!.. ومن المعلوم بأنه لا صلاة إلا بطهور، فالتيمم والغسل والوضوء شروط واقعية.. فلو أن إنساناً جاء من الأدغال، وصلى صلاة بوضوء باطل، فإنه غير مأثوم.. ولكن عليه أن يعيد كل صلواته -هذا على فتوى علمائنا- بخلاف الأجزاء غير الركنية.. فإذن على الإنسان أن يحتاط لدينه ويتعلم المسائل المهمة -على الأقل- وهي ليست بالكثير.

١٠٣- إن ساعة التدبر وساعة التأمل، هي تلك الساعة الواقعة بعد الصلوات اليومية.. ومن المناسب أن يتخذ الإنسان ذلك ذريعة لتقييم نشاطه اليومي.. وليعلم بأن هذه الساعة المباركة، هي من الساعات التي يمنّ بها الله -عز وجل- على عبده.. حيث أن هناك فرقاً بين أن يفكر الإنسان من دون مدد إلهي، وبين أن يفكر مع مدد إلهي.. فالإنسان الذي يصلي، ويعقب، ويسجد، ويطلب من الله -عز وجل- التأييد والتسديد في تفكيره، سيكون أقرب إلى الصواب قطعاً، مما لو فكر مع نفسه، ليدخل في عالم الأوهام وأحلام اليقظة.. لذا فإن على العبد أن يكون حريصاً على ألا يفكر من دون مدد إلهي، ومن دون نزاهة وموضوعية.. لأن القرارات المصيرية تبدأ بخاطرة، وبذاكرة، وبتوهم، وتخيل.. وإذا بالإنسان يُدخل نفسه في متاهات بعد ذلك الخيال الباطل، وبعد تفكير محرم لا سمح الله.

١٠٤- إن الذين يفوّتون صلاة الفجر، سيكون نموهم بعد فترة نمواً ناقصاً شاءوا ذلك أم أبوا.. فمثلاً: الطفل الرضيع يحتاج إلى ثلاث وجبات غذائية من اللبن، والأم الكسولة التي تنام عند الفجر ولا ترضع ولدها، فإنه من الطبيعي أن هذا الرضيع سيبتلى بنقص في التغذية.. وكذلك الروح الإنسانية، فالإنسان الذي يفوّت صلاة الفجر وبشكل رتيب، وعندما يرجع إلى نفسه لا يعاتبها، ويتمسك بالحديث القائل: “بأن الإنسان النائم لا تكليف عليه حتى يستيقظ”؛ فإنه يأنس مع هذه الحالة بعد فترة، ويراها حالة عادية.

١٠٥- إن هناك آداباً معنوية بالنسبة إلى الصلاة، لعل الإنسان لا يمكنه أن يحققها.. فترك حديث النفس، وعدم توزيع الاهتمام في الصلاة، هذه أمنية كبار القوم، وهي أن يصل في يوم من الأيام إلى أن يصلي ركعتين خالصتين من كل خيال، ومن كل تصورات باطلة.. ولكن الإنسان الذي لا يمكنه الإقبال في الصلاة، فبإمكانه الخشوع الظاهري على الأقل.. إن التحكم في البدن أمر ميسور، ومن المناسب أن يعلم الإنسان المصلي كيف يجعل بدنه بين يدي الله عز وجل.. فالتحكم في الروح، والخيال، والفكر أمر عسير.. ولكن التحكم في البدن ممكن!.. ومع ذلك يلاحظ أن بعض المصلين، يترك الآداب الظاهرية والباطنية.

١٠٦- من المعلوم أن الإنسان إذا أَلِفَ مكاناً للقراءة أو الصلاة أو ماشابه ذلك، فإنه يكون في ذلك المكان تفاعل لا شعوري في البدن، فعندما يأتي لهذا المكان يتفاعل في صلاته.. لذا الإنسان يحاول أن يبتكر أساليب من أجل أن يستجمع أفكاره في صلاته، ولا يذهب يميناً وشمالاً.

١٠٧- عندما يصلي الإنسان بثوب متخذ من الميتة، فإن صلاته غير صحيحة.. فما الفرق بين الميتة وغير الميتة؟.. عندما يذبح المسلم ذبيحة باتجاه القبلة، ولم يقل: (بسم الله) فإن تلك الذبيحة سيكون لحمها حراماً، وينبغي أن تتلف، لأنه لم يذكر اسم الله عليها.. والقلب الذي لا يرتبط بالله -عز وجل- كالميتة، فالذبيحة التي لم تنتسب إلى الله -عز وجل- عند الذبح تتحول إلى ميتة.. والإنسان التارك للصلاة يكون قلبه قلب ميتة، فالذي لا يصلي فإنه لا يذكر اسم الرب على قلبه ولا على جوارحه، وهذا يكون ميت الأحياء.. فإذن على المؤمن اللبق المثالي، وبموازاة الأحكام الفقهية، عند قراءة الرسالة العملية -هذا الفقه الأصغر على أهميته- أن يتلمس الفقه الأكبر من الفقه الأصغر.

١٠٨- إن الذي يريد أن يقبل على الله -تعالى- بقلبه، ينبغي أن ينقي قلبه من الشوائب أيضاً.. فإذا كان المولى لا يقبل من العبد صلاة بثوب عليه دم، فكيف يقبل صلاة بقلب دموي، وبقلب قاسٍ، وبقلب يغلب عليه الغضب والقسوة؟.. فالدم علامة القسوة، والإنسان القاسي يكون قلبه متلطخاً بالدم.. والإنسان الذي يريد الصلاة، عليه أن يصلي بثوب مباح، فالثوب المغصوب يبطل الصلاة.. وكذلك الإنسان الذي له حالة من حالات التعدي على الغير، فالإنسان الذي يظلم الآخرين في مجال التعامل الاجتماعي، يعتبر كذلك إنسان غاصب.. فثوبه المغصوب يبطل صلاته، فكيف إذا كان سلوكه سلوك إنسان عدواني في أي مجال من المجالات.

١٠٩- “على المؤمن أن ينظر إلى خواطره في الصلاة!.. فما كانت إجبارية، فهو غير مسؤول عن الخواطر الإجبارية.. فمثله مثل من ذهب إلى نقطة إجبارية، ولكن العودة بيده، فهو غير معذور لو بقي فيما هو فيه.

١١٠- فليحاول كلما ذهب الذهن بعيدا في الصلاة، أن يرجع الذهن إلى الصلاة.. ولو انتهت الصلاة على هذه الكيفية من الكر والفر!.. فمثله مثل طفل مشاغب، يهرب فترجعه ثم يهرب فترجعه، فمن الممكن في هذه الحالة ألا يكون هناك تقدم في البين.. ولكن الله -عز وجل- يحب أن يرى العبد في هذه الحالة.. إن هذه النفس كالطفل، ولكن هذا الطفل بعد فترة يتربى، ويتأدب، ويذهب إلى المدرسة بعد أن يمنع من اللعب في الشارع.”

١١١- إن الصلاة الواجبة من الممكن أن يكون فيها بعض التسهيلات الإلهية.. ولكن حاول أن تنظر إلى قلبك في صلاة من دون أي وجوب شرعي، لترى كيف نفسك فيما لم يفترضه الله تعالى عليك!..

١١٢- إنّ الصلاة لها دورها الأساس في عملية إعادة التوازن، الذي قد يفتقده العبد من موعد فريضةٍ إلى موعد فريضةٍ أخرى.. إذ أنّ العبد بين الفترتين عُرضةٌ لكثيرٍ من الغفلات والخطايا، التي لو تراكمت لأطفأت ذلك النور الذي يتلمس به الطريق، ومن لا يتقن الحديث مع الرب الودود، بعيدٌ كل البعد عن المراحل الخاصة بالتكامل، ولو كان للحق التفاتة إلى العبد، لتحققت الالتفاتة من جانب العبد إلى الرب، فهو -على رحمته التي وسعت كل شيء- لا يعبأ بغير الداعي.. وما حال عبدٍ لا يعبأ به سيده؟!..

١١٣- لا شك في أن الصلاة من أهم المواطن، التي يستجدي فيها الإنسان لطف رب العالمين.

١١٤- إن العلاقة بين البسط والصلاة الخاشعة، علاقة وثيقة جداً.. فالذي يعيش حالة البسط الخفيف طوال الوقت: في ساعات الليل والنهار، هو الأقدر من غيره على أن يعيش حالة البسط المتألقة في أثناء الصلاة.. ولكن المشكلة في أن البعض يتوقع أن يأتي إلى محل الصلاة، ويعيش حالة العروج إلى الله عز وجل!.. لا، الأمر ليس كذلك، فالذي يعيش حالة الذكر -ولو الخفيف- طوال اليوم والليلة، هو هذا الإنسان المرشح لأن يكون من المجذوبين في مجال الصلاة الخاشعة.

١١٥- ينبغي الجمع بين ثواب الجماعة، وبين التلذذ في الصلاة؛ لأن الجماعة معلم من معالم حياة الأمة، والمساجد بدون جماعة أماكن باهتة لا روح فيها.. ولعل من يسارع في صلاته في مسجدكم يعمل بقاعدة أضعف المأمومين، أنا أيضاً عندما أقيم هذا المعنى أحاول ألا أثقل كاهل الصائمين بذلك.. وأما إذا أردت أن تتلذذ بالصلاة، فبإمكانك أن تتخذ صلاة الليل؛ كي تسرح وتمرح في مجال الأنس بالله تعالى.. كما كان أولياء الله -تعالى- ينتظرون جوف الليل لهذا اللقاء الإلهي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى