السير إلى الله

موانع السير في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن الطريق إلى الله -عز وجل- محفوف بالمناهي.. الهدف غير محسوس، والطريق خلاف المزاج.. والإنسان يكاد ييأس من أول مصيبة.. يقولون: بأن الأمر يبدأ تكلفاً، فما على الإنسان إلا أن يتشبه بسيرة الصالحين والسالكين.. والبقية على الله عز وجل!..

٢- إن معرفة الأعداء قد تكون في رتبة مقدمة على معرفة الأصدقاء، لأن دفع الضرر –كما هو معروف– أولى من جلب المنفعة.. فعلينا أن نبحث عن الأعداء الذين يصدون عن مسيرة التكامل.. وعلى رأس الأعداء: الشيطان الذي أمرنا الله تعالى بعداوته..

٣- إن الإخفاق الدائم، والتراجع المستمر إلى الخلف، والتسافل إلى مهاوي الفشل المدقع؛ تجعل من الإنسان موجوداً ضعيفاً، وكائناً متخاذلاً لنفسه، قبل أن يكون مخفقاً في مجتمعه، وفي جميع شؤون حياته.. لذا، فإن القدوة الحسنة في هذه الحال، تعتبر أمراً ضرورياً ولازماً؛ لتدفع بالبائس إلى الأمام، ولتسير بالمتخاذل إلى سبل الفوز والنجاح، بعد أن ذاق مرارة الفشل ولوعة الانهزام..

٤- إن المشكلة في بعض السالكين الذين يقفون في سيرهم، أن حركتهم ليست مشفوعة بحركة علمية.. ولهذا على المؤمن أن يمتلك هذا البنيان النظري، من أين يصل إلى هذه البنية العلمية في التكامل والسير؟.. إن هناك ثلاثة أبواب إسلامية: باب الاكتساب.. وباب التدبر.. وباب الإلهام، والإلقاء في الروع.

٥- كلما زاد المرء إيمانا وتألقا، وإصرارا على السير في طريق رب العالمين؛ كلما كثف الشيطان جهوده في صده عن السبيل.

٦- إن هناك فرقا بين الحالات الشعورية، وبين الموقف الاستراتيجي للإنسان في هذه الحياة.. فالإنسان عليه أن يمشي مع ربه مشية متزنة؛ أي لا يقرب المعاصي، ويؤدي واجباته.. وأما النفحات فهي هبات من الله -عز وجل- وهو قد يعطى الهبة وقد لا يعطى الهبة.. مثل الموظف الذي يعمل بكامل نشاطه، ويأخذ راتبه الشهري، وفي بعض الأشهر يعطى العلاوات التشجيعية.. ولكن إذا لم يأخذ العلاوة، هل يستقيل من العمل؟..

٧- إن النظر المحرم ظلم، والقرآن يعبر عن هذا بأنهُ ظُلمٌ للنفس: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}، لماذا يسمى ظُلماً؟.. لأن الإنسان بهذهِ الحركة يؤخر مسيرته التكاملية.. اعلموا أن كل معصية من المعاصي، هي حركة إعاقة لمسيرة الإنسان في قربهِ إلى الله تعالى، فظُلم النفس هو العنوان الأول، الموجب لسلب سعادة الإنسان..

٨- إن الملكوت هي أن ينظر الإنسان إلى الأشياء على أنها بيد الله، وعندئذ يرى الوجود منسجماً معه، لا يخاف من الأشياء؛ لأن نواة الأمور كلها بيد رب العالمين.

٩- إن الذي لم ير شيئاً من الجمال الإلهي المتجلي في وقفة من وقفاته في الليل، أو في النهار، أو في سفرة مباركة إلى بيت الله الحرام، أو في مشاهد الأئمة (ع).. عليه أن يطلب من الله -عز وجل- أن يفتح له الستار المسدل على هذه المناظر الجميلة، ليتعلق فؤاده بذلك.. فإذا تعلق؛ سعى في أن يصل إلى جوهر ذلك الجمال، وإلى واهب ذلك الجمال.

١٠- نحن مشكلتنا ليست في المقتضيات، بل في الموانع.. الموانع لدينا قوية جدا، إذا رفعت هذه الموانع انتهى الموضوع!.. مثل شخص سيارته جاهزة للسير، وفيها كل شيء، وبمجرد أن يرفع رجله عن الفرامل ستمشي.. ونحن كذلك لا مشكلة لدينا، كل شيء جاهز للحركة، ولكن الهوى والمعصية؛ منعتنا من السير.

١١- إن الإنسان عليه بالاستقامة في الطريق، وسيرى بعض المنازل الجميلة.. في البداية يكون الطريق صحراويا، ولكن عليه أن يذهب للأمام، ولا ينظر إلى السراب الذي أمامه!.. عليه بالصبر، وبعد فترة سيلقى الواحات الجميلة..

١٢- إن الإنسان بين الدنيا وبين المملكة الإلهية، هو في صحراء.. عندما يخرج من الدنيا، يهاجر إلى الله عز وجل.. والهجرة إلى الله -عز وجل- تعبير قرآني.. عندما يهاجر الإنسان إلى الله ورسوله، قبل أن يصل إلى قلعة الأمان، هناك صحراء.. وأغلب الناس ضحايا في هذه الصحراء، ولهذا قلّ الواصلون..

١٣- إن البنية العلمية ضرورية في مجال القرب إلى الله عزّ وجلّ، نحن مشكلتنا عندما نذكر السير والسلوك والأخلاق والعرفان؛ يتبادر إلى الذهن الأمور الروحية فحسب، والحالات الشعورية، والعواطف!.. والحال بأن هذه حركة من الحركات، وكل حركة تحتاج إلى بصيرة.. فالسفر يحتاج إلى علم بالمبدأ وبالمنتهى، وبالطريق.. فإذا كانت هذه الأمور تحتاج إلى معرفة، فكيف بحركة النفس إلى الله عزّ وجلّ؟!..

١٤- إن مشكلة السائرين والسالكين، ومريدي طريق القرب إلى الله -عز وجل-، أنه يتوجه للتدين فترة من الزمن.. وعندما لا يُكشف له حجاب، ولا يرى نوراً، ولا مزيةً، ولا يُوسع له في رزقه!.. وقد يكون مبتلى بمرضٍ لا يُشفى من ذلك المرض؛ فإنه يرجع إلى ما كان عليه!.. بينما عليه أن يكون صادقاً، ومكابداً، ومجداً.. ولا يستعجل في قطف النتائج!..

١٥- إن الإنسان الذي يريد أن يتحرك إلى الله -عزّ وجلّ- ولو حركة بسيطة، ولو حركة أولية.. عليه قبل كل حركة أن ينظر إلى الذنوب والمعاصي في النفس.. فالذنوب والمعاصي بمثابة الإنسان الملطخ بالقذارة، حتى لو لم يكن على علم بها.. فهذا الإنسان -عندما يراد إدخال فئة على سلطان من السلاطين، بمجرد أن يروا هذه القذارة- يمنع من الدخول على ملك الملوك، الذي لا يتقبل إلا الطاهر المطهر..

١٦- إن من الوصايا التي هي بمثابة الدستور الأساسي، في حركة العبد الحركة إلى الله عزّ وجلّ، الصدق في الحركة.. حيث أن هناك بعض الناس تستهويهم الحركة الروحانية، فيقدم في فترة من الفترات بقوة وبنشاط، ويبدأ بدفع قضية، لكنه سرعان ما يتباطأ، ويستسلم للدعة والخمول.. وهؤلاء لا يصدق عليهم عنوان: السالكون إلى الله عزّ وجلّ..

١٧- علينا أن نعلم أن الإنسان الذي لا يستعدُّ للكدح والمجاهدة، لا يمكن أن يكون من السالكين.. طبعاً هذا في أول الطريق، أما مع الاستمرارية، فإنه يتحول الأمر إلى عالم آخر يستذوق الالتزام، ويلتزم بشوق وبرغبة؛ لأنّ في التزامه رضا المحبوب..

١٨- إن مَن أمكنه أن ينصر الإسلام بعلمه وبلسانه، وأن يكون مرجعاً من مراجع المسلمين؛ ولكنه عدل عن ذلك، وأصبح تاجرا، ليخدم الحوزة والإسلام بماله؛ فهو ما زال في الطريق العام، ولكنه ترك السبيل الأفضل.. فمن المناسب جداً أن يطلب الإنسان من ربه أن يريه أقرب الطرق إليه، وأن يقطع عنه كل شيء يقطعه عنه، وإن كان ذلك الأمر أيضاً محبوباً.. فما دام هذا الخير يصد العبد عن الخير الأعظم، فليس هذا بخير واقعاً.. إنه خيرٌ في حد نفسه، ولكن ليس بالخير المطلق، وليس بذلك الخير الذي ينبغي أن يصبو إليه الإنسان.. وعليه، فإن على الإنسان أن يكون دعاؤه في جوف الليل، وغير جوف الليل، وفي ساعات الاستجابة: (اللهم!.. أرنا الأشياء كما هي).

١٩- إن علينا أن نلتفت إلى أن النقص في الوجود، يوجب الطرد من بعض الدرجات الخاصة، ولو لم يكن الإنسان متعمداً.. هنالك بعض النواقص في وجود الإنسان، تمنعه من الوصول؛ فكيف إذا كان متعمداً؟!.. فالذي يريد الوصال، لابد أن يرفع عن نفسه موجبات منع الوصال، كما نرى عند أهل العشق والغرام.. حيث يضحون بالغالي والنفيس، لأجل الوصول إلى المعشوق.

٢٠- إن العبادة هي تعامل وتفاعل مع عالم الغيب، والغيب إذا بقي غيبا محضا، فإنه لم يعد داعيا لحركة الإنسان.. فالذي يؤمن بالله وبالمبدأ والمعاد؛ ولكن لا يعيش حقيقة شهودية في قلبه، فإنه من الطبيعي أن لا يسير إلى الله -عز وجل- سيراً حثيثاً؛ ومن الطبيعي أن يحاول معاكسة التيار..

٢١- إن العبد الذي يريد أن يصل في سيره إلى الله -عزّ وجلّ-؛ عليه أن يلغي مزاجيته في اختيار العبادة التي يريدها.. فيرى نفسه عبداً لله -عزّ وجلّ- وينظر دائماً في كلّ لحظة، وفي كلّ مكان: ما هو التكليف الذي يتوقع أن يحبه المولى؟.. فيستفهم الله في كلّ حركة، وفي كلّ سكنة.. ولقد ورد بأنه: (إستفهم الله، يفهمك)، ثم يقدم على العمل.

٢٢- إنّ حالة التراجع بعد التقدم مكلفة جداً!.. فالذي يتقدم في السير الروحي إلى الله -عزّ وجلّ- ثم يقف ويتباطأ؛ فإنه لا يقف على النقطة التي وصل إليها، وإنما يتراجع عما كان فيه، وذلك لأمرين أولا: انتقام الشياطين؛ لأنه حاول أن يهرب من مملكتهم، فانتقموا منه، وثانيا: الخذلان الإلهي؛ لأنه لم يقدّر ما أعطي من هبات، فهو في مقام العمل هتك العطية الإلهية التي أنزلت عليه.

٢٣- إن الذي لا يتقن الصلاة، لا يتقن الحركة إلى الله -عزّ وجلّ-؛ لأنها جوهر الحركة إلى الله تعالى.. وخلاصة السير إلى الله -عزّ وجلّ- ينحصر في الصلاة، ولو كان هناك تكليف وفرع فقهي أقوى من هذه الحركة؛ لجعلها الله -عزّ وجلّ- فريضة على المسلمين صباحاً ومساءً.

٢٤- إن بعض الذين تستهويهم الدرجات التكاملية، يدخلون من هذا الطريق، لا لأنهم مأمورون بالسلوك في هذا الأمر، وإنما طلباً للثمار.. والذي يتوجه إلى الله -عزَّ وجل- ليستفيد من الهبات الإلهية في هذا المجال؛ هذا الإنسان لا يعدّ من السالكين أبداً.. لأنه يعيش على عالم المصالح، وكأنه جعل الله -عزَّ وجلَّ- على عظمته، جسراً للحصول على منافعه الدنيوية معجلة.

٢٥- إن مثلنا في هذه الحياة الدنيا، كمثل آبار النفط غير المكتشفة، هناك معادن، وهنالك قدرات خفية في وجود كلِّ فردٍ منا.. والمقدار المستخرج من الطاقات الداخلية في النفس، لا يقاس أبداً بما منحنا الله -عزّ وجلّ- من طاقة.. لذا على الإنسان أن يبتعد عن القناعة بالوضع الموجود، والتكاسل، والتثاقل، والارتياح لسير الحياة اليومية، ويكتشف ما لديه من قدرات جسمية وروحية، لم يكن يتوقعها أبداً.

٢٦- إن قوام السفر أمران: أولاً: أن يعيش الإنسان حالة التأذي والتبرم من واقعه.. وثانياً: أن يتصور المتع واللذائذ البديلة.. فالإنسان الذي يعيش حالة الارتياح من وضعه في الحياة، ويقنع بحياته المستقرة من جميع النواحي، من الطبيعي أن لا يفكر في السفر.. وأيضاً فإن حالة الشوق وتصور الجمال في الهدف المقصود، يستلزم العزم وشد الرحال.

٢٧- إن من مشاكل السائرين إلى الله تعالى: أن البعض حينما يرى شيئا من الفتوحات الربانية، والنفحات القدسية؛ فإنه يعرض عن الخلق، ويميل إلى حياة الصومعة لئلا تسلب منه حالته!.. والحال أن الإنسان الكامل هو الذي يعيش هموم الخلق بما أنهم عبيد لله تعالى، ومن أحب حبيبا، أحب ما صنعته يداه.. ومن هنا كان المعصومون (ع) أشفق الناس بالأمة، وعلى الخصوص المستضعفين منهم.. فهذا الإمام السجاد (ع) يخرج ليلا متلثما، وهو يحمل قوت الفقراء على عاتقه، حتى عرف بصاحب الجراب!..

٢٨- إن مشكلة السائرين، ليست غالبا في عدم معرفة الحكم الشرعي؛ لأن ذلك مما يمكن كشفه، بمراجعة الفقيه الجامع للشرائط.. وإنما المشكلة في تشخيص الأمور الخارجية كـ: تقييم من يصلح معاشرتهم، وكمعرفة الأسلوب الأمثل في التعامل مع الغير شدة أو رفقا، وكمعرفة المصلحة في الإقدام أو الإحجام في مختلف شؤون الحياة، والتي هي ليست قليلة في حياة الفرد.

٢٩- إن الحركة الدائرية: ليس لها مبدأ، ولا منتهى، ولا هدف فيها.. أي أن الإنسان الذي يمشي في حركة دائرية؛ بعد فترة يبطئ في السير؛ لأنه لا يصل إلى هدف، ويرى أنه مخدوع أو مجبور فيتباطأ في سيره.. بينما الحركة الممتدة حركة فيها نشاط، وهذا النشاط يتضاعف عند الاقتراب من الوصول إلى الهدف.

٣٠- إن الإنسان المؤمن له حركة تكاملية، فمنذ أن يخط عليه قلم التكليف، يبدأ الحركة في هذا الحياة: فصلاته في اليوم حركة، وذهابه إلى المسجد حركة، والاستعداد لصلاة العيد، وذهابه للحج حركة… فنحن -بحمد الله تعالى- صباحاً ومساءً في حركة.. ولولا أن الإسلام أوجب علينا الصلاة، وأمرنا ببناء المساجد؛ لكنا كالخشب المسندة.. فالإسلام -بما فيه- لو أخذنا منه فقط الصلاة جماعة والمساجد، تحول إلى لا شيء، فلا قيمة للإسلام الذي لا صلاة ولا مسجد فيه.. فنحن في حركة دائبة، ولكن المشكلة أنه قد نبدأ الحركة الممتدة، وبعد فترة من الزمن نعيش حركة دائرية!..

٣١- إن الذين لم يصلوا إلى مرحلة مستقرة من مراحل الوصل، فلا هم من أهل الدنيا: بمعنى الانشغال بانشغالات أهل الدنيا، ولا هم من أهل الآخرة؛ لأنهم لم يصلوا إلى ركن وثيق.. هؤلاء يمكن أن نعبر عن حياتهم بأنها حياة تعيسة، لأنهم يعيشون حالة من الحالات البرزخية، وهم عرضة لمختلف صور الأمراض: الروحية، والنفسية: كالاكتئاب، والانفصام في الشخصية، وغيره.

٣٢- وإذا قلنا أن الأمر متوقف على المربي؛ فمعنى ذلك أنه عطلنا السير، وعطلنا الحركة التكاملية!.. فماذا نعمل بالآيات القرآنية المطلقة الداعية إلى الفرار إلى الله عز وجل: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}، {اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}؟!..

٣٣- إن النقص في الجانب النظري من موجبات الوقوع في المزالق الخطيرة، جاء في الحديث: (السائر على غير بصيرة، كالسائر على غير الطريق.. لا تزيده كثرة السير إلا بعدا)، فالذي يجدّ في السير، وهو في اتجاه معاكس للهدف الذي يسمو إليه، فإن هذه المجاهدة في السعي سوف تبعده عن الهدف أكثر، وسيقع في الزلل الكثير.. ومن هنا نجد الانتكاسات الكثيرة عبر التأريخ، في الذين انحرفوا في حركتهم التكاملية.

٣٤- إن الذي لا صلة له بربه، من الطبيعي أن يعيش حالة انعدام الجاذبية.. حيث أنه لا يعلم إلى أن يسير، مثله كمثل رجل الفضاء يتقلب يميناً وشمالاً!.. فلا يعيش حالة من الانسجام في سيره وحركته الحياتية.. ومن هنا نلاحظ بأن الإنسان الذي ليس له تمسك بهذه الزوايا النورانية في الحياة، فإنه بين فترة وأخرى يعيش حالة الانهيار العصبي، وفقدان السيطرة على وجوده.. وإلا فالذي يعلم بأن مقاليد الأمور طر بيده، وأن الكل مستمد بمدده، ويعيش الانتماء إلى ذلك العالم المطلق.. سوف لن يعيش تلك الأجواء، ويتبين ذلك في حركة حياته اليومية بشكل واضح.

٣٥- صحيح أن الواصلين، هم قلة من الناس.. ولكن ما المانع أن يحاول الإنسان السير في اتجاه القمة؟!.. عليه أن يسعى سعيه، ويبذل جهده، ويواجه الموانع الكثيرة.. ورب العالمين حكيم رؤوف، عندما يرى في عبده هذا الإصرار وهذه المتابعة -كما بعض الروايات التي تشبه المؤمن كالسنبلة يخر تارة ويستقيم أخرى- يأخذ بيده إن شاء الله، ولن ينسى له قطعاً هذه الحركة، وإن لم يكن من الواصلين.

٣٦- إن وضوح الخطة والجادة أمرٌ لازم للسائرين، فما لم تكن الخطة واضحة في مقدماتها ونهاياتها، وما لم يعلم السائر بالعوائق والموانع، فإنّ كل شبهة في الطريق تجعله يتقهقر إلى الوراء حيث انتقام الشياطين التي تغيظها حركة السائر إلى الله تعالى، فتصادر المكتسبات الماضية، مع عدم السماح لمحاولة جديدة.

٣٧- إنّ السير في الطريق من دون كدحٍ ومجاهدة، ضربٌ من ضروب الخيال يعيشه أصحاب الأماني ممن لا همّة لهم في الحياة.. فالذي يعشق الدعة والراحة، ويهوى موافقة جميع ما يجري لمزاجه وهواه، عليه أن يعلم أنّ الكدح والمجاهدة هو سنّة الله -تعالى- في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.. ولو كان الإعفاء من ذلك لطفاً، لكان الأنبياء (ع) أولى بهذا اللطف.

٣٨- ينبغي الاحتراز عن المزاجية في التعامل مع النفس ومع الغير.. وعليه فإنه لا يصح الترجيح بين أفراد الواجب، أو أفراد المستحب، أو بين أنواع المستحب، على أساس موافقة المزاج الذي قد يخلقه المرء -من تلقاء نفسه- في نفسه.. فإنّ الله تعالى يريد أن يُطاع من حيث يريد هو، لا من حيث يريد العبد.. ومن المعلوم أنّ الهوى إذا صار دافعاً وسائقاً للعبد، انقلب إلى إلهٍ يُعبد من دون الله عزّ وجلّ، وإن كان ما أمر به الهوى حسناً في حدّ ذاته، وذلك كمن يحترف خدمة الخلق بدوافع ذاتية، فإنه لا يعيش أدنى درجات القرب الشعوري من الحق المتعال، إذ أنّ الحسن الفعلي شيءٌ والحسن الفاعلي شيءٌ آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى