الرحمة والمغفرة الإلهية

موجبات الرحمة في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن إطعام الطعام من موجبات المغفرة ومن المنجيات؛ لأن هنالك عطية إلهية.. فإذا كان الاجتماع على رزق مادي من موجبات المغفرة، فكيف بالاجتماع على رزق معنوي؟!..

٢- إن الإنسان الذي يريد أن يستفيد من الرحمة الإلهية، لا بد أن يكون هو أيضاً مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية..
إنّ المؤمن مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية..

٣- إن رب العالمين في إغراء الناس للعمل الصالح، يبشرهم بالجنة الخالدة، وبالجنة الأبدية.. ولو أن الله -عز وجل- أشار بالجنة من دون وصف للأبدية، لما كان للجنة قيمة؟!.. ما قيمة جنة نعيش فيها مليون سنة، ثم نصبح هباءً منثورا، وينتهي الأمر؟!..

٤- إن الذي يريد أن يلتقط هذه الرحمة الإلهية؛ لابدَّ وأن يكون له فلز ومعدن يتناسب مع جهاز الإرسال.. فربّ العالمين يرسل رحمته للجميع، والذي يريد أن يكون مظهرا لأسماء الله -عزّ وجلّ-؛ لابدَّ وأن يكون على مستوى السنخية مع ربّ العالمين، في أن يكون رحيماً، يقول الرسول (ص): (الراحمون يرحمهم الرحمن.. ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء)!.. الذي يريد أن يستنزل بركات الاسم الأعظم، لابدَّ وأن يكون فيه شيء من مظاهر الأسماء الحسنى..

٥- إن المشكلة ليست في المغفرة، وإنما المشكلة في تدارك الخسائر الكبرى التي يمنى بها الإنسان.. مثل إنسان كان في كنف رجل كريم، فأساء معاشرته وأساء وأساء، إلى أن طرده من منزله غافراً له، ثم أصبح يهيم على وجهه.. صحيح، ليس هنالك تبعة بينه وبين مولاه الكريم، ولكنه بقي مشرداً، لا يأوي إلى مكان، وهنا المصيبة!..

٦- إن أغلب الناس يأنسون بما يؤتيهم الله تعالى من المتاع العاجل، والحال أن من أفضل أنواع العطاء الإلهي: هو ما تعلق بعالم المعنى، والذي لا زوال له ولا اضمحلال!.. ومن ذلك ما أطلق عليه القرآن الكريم من تعبير (الحكمة) والتي من آثارها: أنها تجعل الإنسان يميز طرق الحق عند مفترقاتها.. وهل يهلك الناس إلا من خلال سلوكهم غير السبيل الذي أمر الله تعالى باتباعه؟..

٧- إن من موجبات الرحمة الإلهية، أن يحسن الإنسان ظنه بإخوانه المؤمنين، تشبهاً برحمة الرب جل وعلا.. فكم من الجميل أن يحمل المؤمن قلباً صافياً، يخلو من أي حقد تجاه الآخرين!.. ومن المعلوم أن هذا الحقد قد يطفح يوماً، ويظهر على فلتات اللسان، فالمرء مخبوء تحت طي لسانه لا تحت طيلسانه، وإن كان حذراً من الوقوع في الزلل الفعلي، إلا أنه يعيش حالة الانشغال الذهني والغليان الباطني.

٨- إن هذه الحالة من التواضع والتذلل بين يدي الله تعالى، من موجبات الاصطفاء والعناية الإلهية.. والعبد إذا ما دخل هذه الدائرة، أعطي بعض الامتيازات التي منها المحبة في قلوب الآخرين.. ولا غرابة في هذا، فرب العالمين شكور، يعطي على القليل اليسير ما لا يتصور.

٩- إن الإنسان قد لا يفهم، أن هنالك باباً من الرحمة منفتح عليه.. ولكن البعض منا يتفاجأ في بعض الحالات، وإذا بإلهام أو فكرة مرتبة بكل مقدماتها وتفاصيلها، تنزل عليه دفعة واحدة، (اللهم!.. يا سبب من لا سبب له، يا سبب كل ذي سبب، يا مسبب الأسباب من غير سبب)!.. ليس الأمر منحصراً في عالم الأرزاق المادية، بل أيضا الأرزاق الفكرية والمعرفية، مندرجة تحت هذا الباب.

١٠- إن من رحمة الله -عز وجل- هي إرسال النبي (ص) للأمة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، ولكن رحمة الله -تعالى- أين، ورحمة النبي (ص) أين؟.. النبي شعبة من شعب الرحمة الإلهية، لله أنبياء وأوصياء وكتب، ومن أعظم شعب الرحمة النبي (ص).

١١- إن الذي يريد أن يستجذب الرحمة الإلهية؛ لابد أن يتشبه برب العالمين في تلك الصفة بمقدار ما أوتي من قوة {بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}.. هنالك مقولة، ونقول: بأنه إذا صح هذا الكلام؛ فإنه بشارة لنا إن شاء الله، نقول: إن بعض الدول تفتح سفارة في دولة، فتأخذ مبنى، وتبعث سفيراً مفوضاً، يقدم أوراق الاعتماد، وثم يصبح سفيراً معتمداً.. بعد فترة تتوطد العلاقات مع تلك الدولة، فيفتحون ملحقاً ثقافياً، وبعد فترة ملحقاً اقتصادياً، وبعد فترة ملحقاً عسكرياً.. فهذه كانت سفارة، ولكن توسعت فروعها وانتشرت على امتداد المدينة.. هذا مثال بسيط، يوضح لنا أن الشيء إذا تأسس عندئذ يتفرع.

١٢- إن البعض يظن بأن هذا الخطيب خطيب ماهر يحرك القلوب، والحقيقة أن هنالك مقلب القلوب.. فرب العالمين يبارك في المجلس، لا كرامة للمتكلم، وإنما كرامة للجو العام الذي يكتنف الجمهور.

١٣- إن نزول الرحمة في مجلس يذكر فيه فضائل أهل البيت (إلا ونزلت عليهم الرحمة)، هل هذا الأمر غريب!.. يقول الإمام الصادق -عليه السلام-: (شيعتنا الرحماء بينهم، الذين إذا خلوا ذكروا الله.. إنا إذا ذكرنا ذكر الله، وإذا ذكر عدونا ذكر الشيطان)، لا اثنينية في البين، فهؤلاء شرفهم بالعبودية.. في التشهد قبل وسام الرسالة، يعطى النبي الأكرم (ص) وسام العبودية، فالنبي عبده؛ أي عبد الله.. فإذا نزلت عليهم الرحمة، فهذا عادي جداً.

١٤- إن من أفضل القربات إلى الله تعالى، هو البحث عن القلوب المنكسرة.. ولهذا يلاحظ بأن الشارع المقدس أولى اهتماماً كبيراً -مثلاً- في جانب عيادة المرضى.. وتدل بعض الروايات على أن الذي يزور الإنسان المريض، تغمره الرحمة الإلهية.. وكذلك حثّ على قضاء حاجة المؤمن، يقول الراوي: إن الإمام المعصوم رأى أحدهم يطوف حول البيت، فناده أحدهم، فلم يلتفت واستمر في طوافه.. هنا يلاحظ بأن الإمام يأمره بالمسارعة إلى قضاء حاجة ذلك الأخ.. ومن هنا يعلم أن هذه الحركة، أي تلبية أو قضاء حاجة المؤمن أفضل من الطواف.. هكذا الأئمة (ع) كانوا يهتمون بمسألة القلوب قبل الاهتمام بمسألة الأبدان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى