الدعاء

حقيقة الدعاءفي كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن الدعاء حركة القلب لا حركة اللسان، فاللسان يكشف عما في القلب.. فإذا كان القلب خاوياً، فحركة اللسان تكشف عن معنى لا وجود له..

٢- إن الإنسان قد حوّل الدعاء الشريف -مع الأسف- من دعاءٍ إلى تلاوةٍ!.. إذ أن هناك فرقا بين أن يدعو الإنسان ربه، وبين أن يتلو الدعاء!.. فالدعاء عمل من أعمالِ القلب..

٣- إن المؤمن لا يرى أن له حاجة غير مستجابة، وإنما كل الحوائج مقضية.. فينبغي للإنسان أن يوسع دائرة الرجاء عنده، في دعائه لربه، غير مكترث بالاستجابة المعجلة..

٤- إن الدعاء حركة في القلب، فإذا وافق اللسان القلب، فهذا أمر جيد، نور على نور، وإلا فإن الأمر لا يحتاج إلى تلفظ..

٥- إن من العبارات التي تفتح باب الأمل كثيراً، تلك العبارات المنقولة في آخر دعاء كميل: (واجعلني من أحسن عبيدك نصيباً عندك، وأقربهم منزلةً منك، وأخصهم زلفةً لديك.. فإنه لا ينال ذلك إلا بفضلك).. وكل إنسان مشروعٌ لأن يحقق هذه العبارات، التي هي عبارات مثالية جداً، وأشبه بالأسطورة..

٦- إن التكامل القربي مفروغ من عدمه؛ لأن القرب متوقف على الدعاء الصادر من القلب..

٧- إن الدعاء: عملية شعورية، وفاعلة، وحركة في القلب.. وجلٌ في القلب، وقشعريرة على الجلد، كما يقول القرآن الكريم: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ..}.. وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا اقشعر جلدك، ودمعت عيناك، ووجل قلبك.. فدونك دونك!.. فقد قصد قصدك)!.. فالدعاء عملية واعية وفاعلة..

٨- إن المصلي يقرأ سورة الفاتحة، وفي سورة الفاتحة هناك خطابٌ مع رب العالمين، ندّعي فيه أننا نعبده حصراً، ونستعين به حصراً.. فهذا الذي يدّعي هذه الدعاوى الكبيرة، هكذا يكون حاله في الصلاة؟!.. والإنسان الذي يجلس بين يدي ربه في التشهد والتسليم، يشهد بأنه موحد لله -عز وجل-.. والتوحيد هو أن لا ترى مؤثراً في الوجود إلا الله -عز وجل-!.. فهل وصل أحدنا إلى هذه الدرجة من التنزه؟!..

٩- عندما يرى الإنسان نفسه مريضة روحياً، عليه أن يرفع الشكوى لمن نصفه في دعاء الجوشن بـ(يا طبيب القلوب)!.. هو الطبيب، والشافي..

١٠- إن مشكلة الإنسان أنه يعتبر الدعاء أمراً استحبابياً كمالياً في حياته، وله موسم.. والحال بأن الدعاء أرقى وأعمق من ذلك بكثير، فالدعاء صلة بين العبد وربه..

١١- إن حقيقة الدعاء تكمن في الارتباط بمصدر آخذ القرارات الكبرى في العرش، بمعنى أن الله تعالى، كما أنه يجري مشيئته في خلقه بما يشاء وكيفما يشاء.. فكذلك يجعل مقاديره للأمور -نقضا، وإبراما- مرتبطة بطلب العبد نفسه في تغيير مقدراته المصيرية في الحياة!.. فهو الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.. ومن المعلوم أن الطرق المسدودة، إنما هي كذلك بالنسبة لنا نحن العاجزون، لا بالنسبة إلى من بيده لوح المحو والإثبات..

١٢- إن من الأمور التي تجعل الإنسان يعيش حالة الاطمئنان، هو اعتقاده بأنه يحمل سلاحاً من أقوى الأسلحة، ألا وهو الدعاء.. فإنه يعيش حالة الهدوء والاستقرار، ما دام هو يعلم أن السموات والأرضين والخزائن، كلها بيد الرب، الذي يمكن أن يأخذ منه الحاجة، في ساعة من ساعات الخلوة في جوف الليل، وأنه بدمعة واحدة، وبتضرع واحد، وإذا به يأخذ من رب العالمين الكثير.

١٣- إن الدعاء من دون سعي مناسب؛ لا أثر له.. إذ لم يجعل الدعاء عوضا عن عالم الأسباب، بل هو إما: لتسبيب سبب مناسب (إذ الحاجة إلى لئام الناس أمر مذموم)، أو لتأثير السبب المناسب (إذ لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى)، أو لانتخاب السبب الأفضل (إذ المطلوب هو جريان الخير عن يد كرام خلقه)، أو لجعل النتيجة الحاصلة مما فيه الخير والصلاح واقعا (إذ لعل الذي أبطأ عن العبد هو خير له).

١٤- إن هنالك ثلاث جمل في آخر دعاء كميل، هذه الفقرات الثلاث هي: (واجعلني من أحسن عبيدك نصيبا عندك، وأقربهم منزلة منك، وأخصهم زلفة لديك).. إنها عبارات جداً كبيرة، وفخمة، ورائعة!.. والذي يستجاب في حقه هذا المضمون، فهو من أثرى الناس في عالم الوجود!.. ولكن -مع الأسف- نقرأها على نحو الاستحباب!..

١٥- {وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}؛ أي يا رب!.. ما دمت بين يديك، وجعلت بيني وبينك حبلاً ممدوداً من الدعاء، فأنا سعيد!.. فالسعيد هو الذي يمشي وهو على صلة بمبدأ السعادة في الوجود!..

١٦- إن هنالك مناسبة أكيدة بين الإكثار من الصلاة على النبي وآله، وبين صلوات الله على عبده.. {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}.. فالذي يكثر من الصلاة على النبي وآله؛ فإن جائزته في هذه الحياة الدنيا، أن يصلي رب العالمين عليه.. أي أن رب العالمين يهيئ الأسباب للمؤمن، من خلال الربط على القلب -على الفؤاد- ، في أن يخرج من الظلمات إلى النور.

١٧- إذا أردت أن يؤثر الدعاء في القلب، لابد أن يكون الدعاء قلبياً.. البعض يرفع صوته بالدعاء، ويتغنى في الدعاء.. هذا ليس دعاء، هذا تفنن في الألفاظ.. فالدعاء طلب، والطلب من حركات القلب، وليس من حركات اللسان.. والعبد إذا دعا ربه وهو لا يعيش الجدية في الدعاء، هذا الدعاء سوف لن يستجاب، لأنه ما تحقق الطلب أبداً.

١٨- إن مشكلتنا أننا لا ندعو بالدعاء، وإنما نقرأ الدعاء.. وفرقٌ بين الدعاء وبين قراءة الدعاء، كالفرق بين الماء الذي يروي الغليل، وبين كلمة الماء التي لو تلفظت بها ملايين المرات لا تروي لك ظمأ، إنما قطرات من الماء هي التي تروي الغليل..

١٩- إن الدعاء عبارة عن طعام معنوي، بإمكان الإنسان أن يقرأ قسماً من الدعاء، وإذا وصل إلى فقرة، ورأى أن هذه الفقرة أشجى للمشاعر، وأنه إذا تجاوز هذه الفقرة، من الممكن أن يفقد حالة التوجه!.. فعليه بالبقاء في هذه الفقرة، إلى أن يأخذ الرحيق أو الشهد الكافِ من هذه العبارة!.. ثم ينتقل إلى الفقرات الأخرى..

٢٠- إن النار محرقة، ولكن بشرطها وشروطها: بشرط المجاورة، وبشرط عدم الرطوبة، وغيرها من الأمور.. عندما يقول الإمام: من قام بهذا الفعل؛ فله الجنة.. كقوله: النار محرقة.. المقتضي موجود.. ولهذا أمير المؤمنين (ع) في دعاء كميل، يشير إلى وجود العناصر كلها: (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ)!.. (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّـرُ النِّعَمَ)!.. (اَللّـهُمَّ!.. اغْفِرْ لي الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاءَ)؛ أي هناك عصمة ولكنها تُهتك.. والنعم موجودة، ولكن تُغير.. والدعاء موجود، إلا أنه يُحبس.. وعليه، لابد أن نراعي جميع جهات التكليف.. وبالتالي ترتفع الغرابة في البين!..

٢١- إن من موجبات دفع البلاء قبل وقوعه، هو الدعاء قبل نزول البلاء.. فإن دعاء العبد في ساعة الرخاء، من موجبات قبول دعائه في ساعة الشدة والبلاء.. فدعاء المبتلى، إنما هي حركة طبيعية لا تكشف عن عبودية العبد، بل يدل عن طمعه في رفع البلاء فحسب!..

٢٢- إن لكل ظاهرة في هذا الوجود، قواعد يتحكم العباد في قسم كبير منها بإذن الله تعالى.. والدعاء ظاهرة من هذه الظواهر، فلها قواعدها وموجباتها وموانعها.. والإلمام بذلك مما يعين العبد على الاستجابة السريعة، وقد تطرقت النصوص الشرعية إلى كثير منها.

٢٣- إن أمواج البلاء تدفع بالدعاء قبل أن تغمر العبد، فمن الواضح أن أثر الدعاء في الرخاء لدفع البلاء المقدر، ادعى للاستجابة بعد التورط في الشدائد.. إذ الأول يكشف عن حالة الاعتماد على الرب في جلب العافية.. وإلا فإن كل متورط يبالغ في الدعاء، ولو كان بعيدا عن ربه!..

٢٤- إن إمام الموحدين ولسان الذاكرين علي (ع) يخص -في دعاء كميل- الصادقين بأنهم هم أحباب الله تعالى.. إذ لم يقل: المشتاقين، أو المحبين، أو الذاكرين، بل قال: (يا حبيب قلوب الصادقين…).. وفي هذه التفاتة مهمة للسائرين: بأنه ينبغي عليهم الصدق في هذا المجال، ليكونوا من المرشحين في زمرة المخلَصين.

٢٥- إن البعض يعتقد أن الدعاء للفرج لا فائدة فيه، بمعنى أنه لا يؤثر في تعجيل الفرج.. حيث أنه أمر ثابت موقوت لا يتقدم ولا يتأخر.. والحال أن هذا التصور يمكن مناقشته: بأن الأمر مما يدخل في دائرة المحو والإثبات، والذي هو بيد الله تعالى.. ولاشك أن كثرة المتضرعين في زمان الغيبة، لها تأثيرها في تحريك الإرادة الإلهية؛ لأنه قطع على نفسه بإجابة الداعي إذا دعاه .. وقد ورد أن الله -تعالى- كان قد قدر الرخاء لهذه الأمة، لولا تورطهم بقتل الحسين (ع).

٢٦- “إن هنالك جزءا من آية في القرآن، تعطينا فلسفة الدعاء، أو من موجبات الدعاء المستجاب، وهي كلمة {ادْعُونِي} في قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.. يقول علماء التفسير: إن هذه كلمة فيها كل شروط الدعاء المستجاب.. فمما يفهم منها أن لاستجابة الدعاء لابد من تحقق شرطين:
أولاً: الدعاء.. فالقراءة المجردة لا ينطبق عليها مفهوم الدعاء.. إذ أن الدعاء حركة قلبية: فيها طلب، وفيها التجاء، وفيها إنابة.
ثانياً: الوجهة المدعوة.. إذ لابد من الاعتقاد أن هنالك وجهة تدعى، قادرة على قضاء الحاجة.”

٢٧- إن القراءة التدبرية للدعاء؛ خير من التلاوة لمجرد التلاوة، ولو كانت خاشعة.. وبعض المضامين الدعائية لو استوعبها الإنسان؛ لكانت من موجبات تغيير مسيرته في الحياة.. فمثلاً: في المناجاة الشعبانية، لو تأملنا في هذه العبارة: (إلهي!.. هب لي كمال الانقطاع إليك)؛ لفتحت لنا أبواب المعرفة التي لا حدود لها.. ويحسن بالمؤمن أن يلزم نفسه بما يطيق ويشتهي من الدعاء؛ فإن العبرة بالكيف، وليست بالكم..

٢٨- الدعاء بحسب الظاهر، هو عبارة عن نصوص تقرأ في جوف الليل أو غيره.. فكيف تؤدي هذه الحركة البسيطة إلى تزكية الذات؟!.. من المعلوم أن هدف الخلقة هو تحقيق العبودية لله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، والعبادة الحقة لا تتحقق إلا من خلال القلب الذي تزكى، وتحول إلى قلب سليم. وللتوضيح: الدعاء يشبه انشطار القنابل الذرية، حيث تكّون سلسلة متوالية من الانفجارات والانشطارات، التي تؤدي إلى خروج هذه الطاقة الهائلة!..

٢٩- إن الدعاء هو عبارة عن استحضار للمدعو في نفس الإنسان، فهو لا يدعو فراغاً أو مجهولاً.. بل يدعو جهة معينة ثابتة مشخصة في الفؤاد، وهو يتوجه إلى الله تعالى.. وبالتالي، فإن رب العالمين يتوجه إليه أيضاً، فيكون قلبه مهبطاً للتجليات الإلهية.. فالذي يدعو سوف يرى بعد فترة من المواصلة شيئاً فشيئاً، من آثار هذا الجمال الإلهي المودع في هذا الوجود.

٣٠- إن الإمام السجاد (ع) عندما رأى أن أساليب التأثير الاجتماعي، المتمثلة بالحكومة والإمامة بأيدي الآخرين؛ استغل عنصر الدعاء، الذي خلد على مر الزمن.. ونحن اليوم نعيش على مائدة زين العابدين (ع) سواء في مناجاته الخاصة مع ربه في جوف الليل، أو في دعائه لثغور المسلمين، بما فيه من مضامين توحيدية وتربوية وسياسية جميلة.. ومن المناسب أن نشير إلى هذه الآية: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.. بأن الذي يريد الوصول إلى حقيقة الأسماء الحسنى، عليه بالإخلاص في الدعاء، فذلك خير سبيل لتلقي الفيوضات الإلهية، وللتأثر البليغ بها.

٣١- إن العلماء فرقوا بين ما هو مكتوب كتابة نهائية، وبين ما هو على نحو الاقتراح الأولي.. إذ أن العبد بإمكانه أن يستغل حالة الدعاء لتغيير المقدرات المكتوبة له.

٣٢- يخطئ البعض عندما يظن: بأن الدعاء عبارة عن حديث بين العبد وربه، يتعلق بخصوصياته الفردية.. وهذا الذي نراه في المجتمعات غير الإسلامية -كما في المسيحية- حيث أن الدعاء والأمور التعبدية لا تلامس واقع الأمة عندهم. بينما نحن نعتقد أن الدعاء، هو سلاح من الأسلحة للمؤمن.. وعليه، فما المانع أن المؤمن عندما يعيش أجواء الاستجابة -حيث رقة القلب، والدموع الجارية، وفي مواطن الطاعة- أن يقدم الدعاء للأمة على الدعاء لنفسه؟!.. ويقول بقلب خاشع ولسان صادق: (اللهم!.. اكشف هذه الغمة عن هذه الأمة بتعجيل الفرج لوليك)!.. (اللهم أصلح كل فاسد من أمور المسلمين)!..

٣٣- إن الإنسان عندما يدخل إلى ملك الملوك، من الطبيعي أن يبدأ بتصفية الحساب معه، قبل أن يبدأ في الطلبات الكبرى.. وخاصة إذا كان مطلوباً؛ دفعاً للعتب، ورفعاً لما عليه من تكاليف.. وهذا ما نلاحظه في دعاء كميل، إذ أنه بعد تلك المقدمة الجميلة من تعداد الأوصاف الإلهية، جاء جانب الاستغفار والتذلل، ومن ثم جاءت تلك الطلبات التي هي غاية آمال العارفين في هذه الحياة.. حيث اللسان اللاهج بذكر الرب تعالى، والقلب المتيم بحبه جل وعلا.. وكأن الإمام علي (ع) أراد أن يعلمنا بهذه التقسيمات، كيف نتحدث مع رب العالمين.

٣٤- إن أهم علامة لاستجابة الدعاء، هو حصول التغير الجوهري في النفس، كما في الصلاة.. إذ من المعلوم أن الشرط الأساسي لقبول الصلاة، هو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}.. بمعنى أن الإنسان إذا ما رأى في نفسه حقارة واستقذاراً لكل ما يغضب المولى جل وعلا، فليعلم بأن دعاءه قد قُبل، وأن ذنبه قد غفر.. فليبادر بالعمل ببركة الله تعالى؛ قرير العين، مطمئن الفؤاد.

٣٥- ينبغي أن يكون الهدف من المناجاة والدعاء، عبارة عن الحديث مع الرب المتعال، وأن يدعو وهو مستيقن بالإجابة.. فالرب -تعالى- من ناحية هو قدير، ومن ناحية هو حكيم يعلم متى يعطي الإجابة، وفي نفس الوقت هو أرحم الراحمين، وأرأف بنا من آبائنا وأمهاتنا!..

٣٦- إن من موجبات سلب لذة المناجاة؛ مخالفة المضمون.. فالإنسان عندما يعاهد الله -عز وجل- في المناجاة، أو في الاستغفار بعدم العودة ثم يعود؛ كيف يشعر بلذة المناجاة؟.. فالمناجاة ليست ألفاظاً فحسب!.. هي معاهدة مع الله عز وجل، وإعلان موقف، فإذا لم يلتزم بذلك؛ فإنه من الطبيعي أن يُسلب لذة المناجاة!..

٣٧- إن سر عظمة الإمام علي (ع)، أنه حول الدعاء إلى عنصر فعَّال في الحياة.. فالدعاء المبتور الذي لا يرتبط بحركة الحياة، ما هو إلا رهبانية قام بها النصارى في أديرتهم، وجاء النبي (ص) ليُعلن بفعله أنه (لا رهبانية في الإسلام).

٣٨- إن المقاتل في ميدان القتال: يُحارب ويُقاتل، والسلاح بيده، ومعه جهاز يتصل بالقيادة، يأخذ منها الأوامر!.. والدعاء في حياة المؤمن، بمثابة ذلك الجهاز اللاقط الذي يوجه المؤمن في الحياة.. والذي لا يُقاتل ولا يُجاهد، ما قيمة دعائه الذي يتحول إلى أنين في جوف الليل، من دون أن ينعكس إلى سلوك في النهار؟!.. (رهبان بالليل، ليوث بالنهار)؛ هذه صفة أصحاب الإمام المهدي (ع).

٣٩- إن النظر إلى الدعاء على أنه أداة لتفريج الكرب هو أثر، ولكنه ليس بهدف!.. فمن الخطأ أن ننظر إلى الدعاء على أنه تفريجٌ لهمّ، مثلاً: لو أن إنساناً يتصل بك يومياً، ويقوم بزيارتك، ويُتحفك بالهدايا القيمة.. وأنت تعلم أن يقوم بذلك طمعاً في مالٍ، أو في جاه، أو في وساطة ما.. فهل تُقربه إليك زُلفى؟.. وهل تتخذه خليلا؟.. وهل ترد إحسانه بالإحسان؟.. أم أنك تنظر إليه على أنه إنسان نفعي، لا يُريد منك إلا المال وقضاء الحاجة؟!..

٤٠- إن هنالك موجودات مقدسة مباركة، والنصوص تدل على أن السموات بمثابة محطات الجمارك، ما نعمله يصعد إلى السموات، والملائكة تغربل وتنقح وتنتقد بعض الأمور، فلا تصعد إلى أعلى.. ولهذا نقرأ في دعاء كميل: (اللهم!.. اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء).. فالدعاء الذي لم يصعد للعرش كأنه لم يصدر، ولهذا الإنسان قد يدعو دعوات بليغة لا تجاب؛ لأن الدعاء لا يبلغ وإن كان رب العالمين سمع الدعاء، ولكن رسمياً الملف لم يقدم إلى أعلى عليين.

٤١- إن معرفة أئمة أهل البيت (ع) تتم من خلال قنوات، من هذه القنوات: كلماتهم بحق أنفسهم، وكلمات بعضهم في حق بعضهم.. ومن ذلك الكلمات الحكمية والدعائية المروية عنهم.. ومحاسن كلماتهم: تارة تكون في قالب الدعاء، وتارة في قالب الموعظة.. ودعاء كميل من الأدعية الخالدة في تاريخ البشرية، حيث قلما يكون هناك تفاعل كتفاعل المؤمنين بهذا الدعاء.. بل أصبح معلماً في بلاد المؤمنين والمسلمين، ليلة الجمعة هناك مجالس تعقد لهذا الغرض حتى في بلاد الغرب.. وطبعا عندما يجتمع الناس لقراءة دعاء كميل، هناك برامج أخرى: هناك المحاضرات، وهناك الندوات، و..الخ.. إن الله -عز وجل- جعل فيه البركة، كما جعل البركة في فعل إبراهيم (ع) الذي بنى بيته الحرام.

٤٢- عندما يطلب الإنسان من رب العالمين أن يلهمه فعل الخيرات؛ أي يعني بذلك كل مقدماته: فيسأل الله -تعالى- التقوى التي هي رصيد لقبول العمل {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}.. هنا اصطلاحان يبقيان في الذهن إلى آخر العمر: صلاح الفعل، وصلاح الذات.

٤٣- إن البعض منا يستخدم الدعاء أداة لقضاء الحوائج.. وهذا يكشف عن علاقة مؤسفة مع رب العالمين، ويبدو أن هذه العلاقة هي العلاقة السائدة بين العباد جميعاً: وهي أننا نريد الله -عز وجل- لأنفسنا، ولا نريد أنفسنا لله عز وجل.

٤٤- إن الدعاء الجامع المانع، هو الدعاء الذي يُقرأ في شهر رجب: (أعطني بمسألتي إياك جميع خير الدنيا وجميع خير الآخرة، واصرف عني بمسألتي إياك جميع شر الدنيا وشر الآخرة؛ فإنه غير منقوص ما أعطيت، وزدني من فضلك يا كريم).. هذا العطاء عجيب: وهو جميع خير الدنيا، وجميع خير الآخرة!.. إن هذا الدعاء هو أجمع صيغة للدعاء، ربما يكون هنالك ما هو أجمع، نحن لا ندري!.. ولكن هذا الدعاء جوهرة في خزانة المملكة، وهو من أغلى الجواهر.. ولكن لعل هنالك جواهر أخرى لم نطلع عليها.

٤٥- إن هنالك ما لم يخطر ببال الإنسان من الدرجات والمقامات.. لذا، إذا طلبت من رب العالمين طلباً، وسّع الطلب.. وما المانع أن نقول: يا رب، أعطِّ هذه المزية لكل المؤمنين والمؤمنات.. فالمؤمن همته عالية.. تعالى رب العالمين أن يشبه عطاءه وأفعاله وصفاته بشيء، ولكن تصور هذا المعنى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.. في عبارة أخرى في أدعية أهل البيت هنالك عبارة جداً بليغة: (فهي بمشيئتك دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون نهيك منزجرة)؛ أي هنالك إرادة، وهناك قول، وهناك تنفيذ.

٤٦- إن الدعاء ليس وسيلة لقضاء الحوائج.. وإن شاء الله -تعالى- نصل للمرحلة الكمالية قبل رحيلنا من هذه الدنيا، وهي: ألا نطلب رب العالمين لأنفسنا، بل نطلب أنفسنا لله عز وجل.. هنيئاً لمن كان بهذه المرتبة من القرب لله عز وجل!..

٤٧- إن الإمام (ع) لم يذكر في دعاء كميل، الذنوب التي تنزل النقم.. ولهذا نحتمل -والله العالم- إن الذنوب التي توجب الانتقام، هي التي فيها جانب تحدٍّ لله عز وجل.. ولهذا يقولون في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}؛ أي الذنب الذي لا يغفره الله هو الشرك.. معنى ذلك: إن الذنب الذي لا يُغفر يوجب الخلود، وإلا لو كان قابلاً للمغفرة لما كان هنالك خلود.. كل ذنب يغفر إلا الشرك، ونحن نعلم أن الشرك من موجبات الخلود.

٤٨- إن تصوُر العزة والسلطنة والجبروت الإلهي، يجعل الإنسان مرتاحاً في دعائه.. فإذا دعا ولم يُستجب له، ليس عدم الاستجابة؛ لأن الله -عز وجل- لم يقدر على قضاء حاجته -أعوذ بالله من ذلك- بل لأنه يرى المصلحة في التأخير!..

٥٠- إن هذه المضامين التي في دعاء كميل، تجعل الإنسان في أول الدعاء يعيش حالة الارتباط مع الله -عز وجل- من باب الرحمة، ويعيش حالة الارتياح أن كل ما عنده من حوائج بين يدي الله عز وجل، وبين يدي قدرته.. ومن هنا نظن أنه إذا دعونا رب العالمين لا نجرب الرب، البعض يقرأ الدعاء ويقول: أُجرب هذه الختمة، أُجرب هذه الزيارة، أذهب إلى العمرة لعله كذا!.. عن الصادق (ع): (إذا دعوت، فظن أن حاجتك بالباب)، وإذا كانت الحاجة بالباب، أنت تحتاج لأن تفتح الباب وتأخذ الحاجة، وفتح الباب إنما يكون بالدعاء بين يديه.. إذا فتحت الباب ولم تر الحاجة، فاعلم أن هنالك حكمة في البين.

٥١- إن أمير المؤمنين (ع) لعله أراد بدعاء كميل، أن يبين لنا فضل الخضر هذا العبد الصالح، وهذا الولي الذي هو في زمان الغيبة.. الدعاء الذي يعتبره المجلسي أفضل دعاء، هذه شهادة تدعونا للتدبر والتأمل في مضامين هذا الدعاء.

٥٢- إن هنالك دعاء صادراً، وهنالك دعاء واصلاً.. والدعاء المستجاب، هو الدعاء الواصل، وليس الدعاء الصادر..

٥٣- إن موضوع الأذكار والأوراد والأدعية، الباب فيه هو باب التفضل لا باب الأجور.. فرب العالمين يتفضل على الإنسان فيعطيه هذا الأمر.. فعندما يصلي الإنسان ركعتي الوحشة لمؤمن لا يعرفه، فكيف برب العالمين، ألا يقول: أنا أولى بعبدي؟.. أنت ذكرت الميت بركعتي وحشة، وأنا الرب العطوف الحليم لا أتفضل عليه بذلك، هذا ليس من شأن الربوبية!..

٥٤- لا داعي للاستغراب، إذا كان الجزاء في مقابل الدعاء الحقيقي.. فالإنسان الذي يقرأ دعاء كميل في ليلة الجمعة -عشرون دقيقة- وإذا به يُعطى من الكنوز ما لا يُعد ولا يُحصى.. وركعة واحدة من الجماعة لا يحصيها الملك، فهي ركعة ولمدة دقيقة، فما قيمة هذه الدقيقة؟!.. إن الأمر تفضلٌ إلهي، فالباب باب الفضل لا باب الأجر.. والباب باب التفضل، لا باب العدالة.. ولهذا نقرأ في الدعاء: (اللهم!.. عاملنا بفضلك، ولا تعاملنا بعدلك)!.. فإذن، إن الله -تعالى- فعّال لما يشاء، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.. وإذا أراد أن يعطي الأجور الخيالية مقابل الأعمال البسيطة، فمن الذي يمنع إكرامه وإفضاله؟!..

٥٥- عندما يدعو الإنسان ربه طمعاً في تلبية حاجة دنيوية له، فإنه قد لا تستجاب له الدعوة.. وعدم تلبية تلك الحاجة، بمثابة إنسان يذهب إلى دار سلطان طلباً لألف درهم -مثلاً-، وقد لا يرى السلطان أن هذا العطاء في محله، ولكن يجعله من ندمائه ومن المقربين في قصره!.. فيا ترى هل هناك نسبة بين هذا المقام، وبين حرمانه تلك الحاجة البسيطة؟!..

٥٦- إن الله -سبحانه وتعالى- يعطي الحاجة، ولكن في الوقت المناسب، فالإنسان لا يدري عواقب الأمور.. وكما هو معلوم فإن الأمور مرهونة بأوقاتها، كما في دعاء الافتتاح: (ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي، لعلمك بعاقبة الأمور).. الأمور بخواتيمها، ورب العالمين ينظر للعاقبة، فيرى أن هذه العاقبة لا تأتي من خلال إجابة الدعاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى