التسليم

القضاء والقدر في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن الرضوخ والرضا بالقدر والقضاء لهو من سبل النجاة، وطرق الخلاص، لمن أراد الوصول سالماً في سلك الناجين إلى المولى عز وجل.. حيث نتخطى العقبات بكل حزم ورباطة جأش؛ لينهل الراضي ما ينهل من معين الرضا الإلهي اللامتناهي..

٢- إن الاعتقاد بحتمية القضاء والقدر، يوجب حالة اليأس عند الإنسان.. وبالتالي، فإنه قد يوهم نفسه بأن قدره هو الشقاء الأبدي، ولا فائدة من التوبة والتورع عن المحرمات، وهذا بالتأكيد مما يؤدي إلى ترك التعبد والدعاء، والتمادي في الحرام.. في حين أن الذي يعتقد بتصرف الله -تعالى- المطلق في الأشياء؛ فإنه يحذوه الأمل دوماً برحمة الله الواسعة وكرمه؛ فيسير متوكلاً عليه -تعالى- في كل حركاته وسكناته، سائلاً إياه التوفيق لما يوجب له الخير، كما لا يقوم بأمور توقعه في التهلكة.. ومن هنا جاء في الحديث: (ما عبد الله بشيء مثل البداء)، أو (ما عُظِّم الله -عزّ وجلّ- بمثل البداء).

٣- إن الرزق لا يأتي إلا بقدر وحساب، وذلك مرتبط بسعي العبد.. فالمتكاسل في عمله، أو المقصر في اكتساب مهارات الحياة، أو التبذير لما رزقه الله تعالى؛ عليه أن يتحمل القدر الإلهي في تقتير الرزق كنتيجة لعمله.. فإن الله -تعالى- يأبى إلا أن يجري الأمور بأسبابها.

٤- إن هزة مريم -عليها السلام- للنخلة كانت هزة بسيطة، ولكن الله -عز وجل- ببركة هذه الهزة البسيطة، أسقط عليها رطبا جنيا!.. فالمؤمن يسعى سعيه ورب العالمين يقدر.. التقدير ليس مفصولاً عن التدبير، فالذي لا يُدبر لا يُقدر له.

٥- إن من صور الكفر الخفي، رفض الحكم الشرعي باطناً، وإن قبل به الإنسان على مضض، كالقضاء والقدر.. إن الإنسان بعض الأوقات يرضى بالقضاء والقدر، ولكن كأنه يقول في نفسه: يا رب، يا ليتك لم تقض لي بهذا القضاء!.. وكما يقال: بأن لو تفتح عمل الشيطان.. كذلك في الأحكام الشرعية نلاحظ هذا المعنى..

٦- إن بعض الناس يعتمد على سبيل التقدير، دون التدبير، وشعاره في الحياة: (لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم).. فهو يرى أنّ الله هو مسبب الأسباب، ولا يعتني للأسباب في هذا المجال أبداً.. وهذه نظرة انحرافية، إذ ليس معنى التقدير والاعتماد على المدد الغيبي، أن يجلس الإنسان في حالة استرخاء، من دون سعي وكدّ في هذا المجال..

٧- إن من الغريب حقا: أن الكفار عندما رجعوا منتصرين من غزوة أحد، استفاقوا على حقيقة غابت عن أذهانهم -وهم في ضواحي المدينة- قائلين: (لا محمداً قتلنا، ولا الكواعب أردفنا)!.. وهذه نقطة ملفتة للنظر، إذ تعكس التصرف الإلهي في القلوب حتى الكفار، عندما يريد أن يصرف الأذى عن المؤمنين في كل عصر.. فلنتأمل في هذه المقولة؛ لئلا ينتابنا اليأس في عصر كثرت فيه موجبات اليأس!.. ولكن {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.

٨- إن هذه مسألة القضاء والقدر من المسائل الشائكة في الأبحاث الكلامية، ومن موجبات الوقوع في الأخطاء والانحرافات.. حيث أن البعض يتذرع بمسألة القضاء والقدر في تجميد نفسه، ويقف أمام الأحداث ومفردات الحياة مكتوف الأيدي بدعوى أنه قدر ومكتوب!.. والحال بأن علينا أن نفهم أنفسنا بأن العلاقة بين الإنسان وربه، لا على نحو علاقة الحاكم والمحكوم، أو علاقة المستغِل والمستغَل.. بل إن العلاقة أعمق وأكثر عاطفية بكثير.

٩- إن هنالك فرقا بين الأصول والفروع.. إذ بإمكان الإنسان أن يقلد في الآخر، في حين أنه يلزم أن تكون له نظرته المستقلة في الأول.. ومن الأبحاث العقائدية المهمة: بحث القضاء والقدر.. والمشكلة تكمن في أن البعض قبل أن يثبت بنيانه العقائدي في الكليات الأساسية، وقبل أن يلتزم بجزئيات الشريعة، نلاحظ أنه يكلف نفسه في الدخول في أبحاث نظرية معمقة يتيه فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى