الإسلام

البدعة في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن من الملفت عند البعض من المؤمنين؛ انجرافهم وراء أباطيل القوم التي ما أنزل الله بها من سلطان، ومثال ذلك: ظاهرة إحياء ذكرى المسيح (ع)، وما يحدث في هذا اليوم من تفشٍ بالغ لكل صنوف الفساد.. ينبغي للمؤمن ألا يساهم في سن سنة، ليست في شريعته؛ إلا ذا كان الهدف هو ترويج الدين، فعندئذ لا مانع من ذلك.

٢- إن النبي (ص) لم يُلزم بالجمع في الصلاة، ولم يلزم بالتفريق.. إنّ النبي (ص) يقول: (إنّ الله يغضب على من لا يقبل رخصه).. فالإنسان إذا كان صائما وهو في حال سفر، أذن له الله عز وجل بالإفطار.. فإذا صام، كأنه لم يقبل هدية الله عز وجل.. فهو سبحانه أذِن لك أن تأكل في حال السفر، فلماذا تقف موقفا تصبح متشرعاً أكثر من صاحب الشريعة؟!.. وكذلك فإن البخاري قد روى هذه الرواية، (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بالمدينة سبعا وثمانيا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء)!..

٣- إن الإنسان المسلم يريد رضا ربه، فلا يجيزه الإتباع المجرد، ولا اتباع الآباء والأقدمين.. ولكن ما ينقذه من المساءلة في القبر والبرزخ، وفي يوم القيامة، هو الحجة والدليل.. والقرآن الكريم قد جعل الظن لا يغني عن الحق شيئاً، فالظن ليس بحجة.. وهل التكتف في الصلاة أمر منتسب إلى رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلم-، أو إلى عترتهم؟..

٤- إن الصلاة عبارة عن عبادة موقوتة، منزلة من رب العالمين بحدودها، فلو سُمح بالزيادة أو النقص فيها؛ لخرجت الصلاة عن كونها عبادة إلــهية سماوية.. وكذلك الحال مع الأذان والإقامة، فهي منزلة من قبل رب العالمين، وليس كما يقال بالمعتقد بأنها من المنامات، فهذه قاعدة أولية: أن العبادات هي نور متشرع، كالصوم والصلاة والزكاة وما شابه ذلك.. فالمشرع هو الذي له الحق، والنبي والمعصوم يبِّلغ هذا التشريع، يقول الله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ}.

٥- إن المسلم المؤمن المنصف العالِم، والملتمس في طريق النجاة، يكون هادئاً في بحثه.. فمادام هناك نظرية في مقابل نظرية التكتف، ومدعومة بالأدلة، فلماذا لا يأخذ بها؟!.. فسيرة أهل البيت عليهم السلام، تؤكد من خلال النصوص على خلاف التكتف.. وأهل البيت هم الإمتداد التشريعي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والنبي هو الذي فتح لأمير المؤمنين علي -عليه السلام- ألف باب من العلم، وكذلك قال في حقه: إن علي يدور مع الحق.. فالثمرة من هذه الوصايا الكثيرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، هي أن تجعل قول علي بن أبي طالب حجة على المسلمين.. والإمام علي أعطى هذه الصفة لولديه الحسن والحسين، وكل إمام يزكي من بعده من أئمة الهدى، إلى إمامنا المهدي صلوات الله وسلامه عليهم.

٦- إن المعنى اللغوي للبدعة: هو عبارة عن الإتيان بشيء لم يسبق له نظير.. فيقال مثلا: إنسان ابتدع شيئا؛ أي جاء بشيء لم تكن له سابقة.. ورب العالمين يسمى البديع؛ لأنه فطر الوجود من العدم، من دون مثال يحتذي به، ولهذا فهو البديع حقيقة.. والإنسان عندما يأتي بشعر جديد، أو بقصيدة ملفتة، يقال بأنه جاء ببديعة أي جاء بشعر بديع؛ لأنه لم يُنظم قبله.. وعليه، فإن كلمة البدعة، أو الشيء البديع -إلى هذا المقدار- لا تستبطن مدحا ولا ذما.. إنما الكلام في الذي نأتي به، فهذا الذي نأتي به ما هو؟.. وما هو جوهره، وماهيته؟..

٧- إذا قام المؤمن أو المسلم بتطبيق كليات الشريعة، في ضمن صور مستحدثة، فإن هذا لا يسمى بدعة مذمومة؛ لأنه لم يُدخل شيئا في الدين باسم الدين.. ولهذا فإننا نلاحظ أن أئمة الهدى (ع) هم أكبر الرؤوس في محاربة البدع، تلك البدع المحرمة.. أما أن ينسب الإنسان شيئا إلى الشريعة، ولم يأتِ في الشريعة -لا من قريب، ولا من بعيد، ولا في آية، ولا في سنة، ولا في كلمة مأثورة عن أهل البيت (ع)- فعندها يتحول الأمر إلى بدعة.

٨- ليست كل حركة جديدة بدعة مذمومة.. وإنما البدعة المذمومة: أن نأتي بصيغة من صيغ الممارسة، وننسب ذلك إلى الدين، بما لا يرضى به الشارع.. أما إذا كانت الوسيلة تطبيقا لكليات شرعية أمر بها الدين، فمن عمل مصداقا ينطبق عليه هذا الكلي، فهو متعبد بالشريعة.. ولا داعي لتكفير المسلمين، بمجرد استحداث وسيلة من وسائل تعظيم الشعائر.

٩- إن على المؤمن لو وجد رواية من هذه الروايات: في الكتب المنسوبة إلى أهل البيت عليهم السلام، أو في كتب غيرهم -وكل ما يخدش وقار النبي، وعفة النبي، وكرامة النبي، وعصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم- أن لا يقبل بهكذا أحاديث.

١٠- فلنأتِ ولنبنِ على أن الروايات من أي مصدر كان: إذا كانت تخالف أصلا مسلّما، أو تخالف آية محكمة، أو تخالف سنة قطعية، أو تخالف الوجدان والذوق السليم، الذي لا يمكن أن يقبله العقل والوجدان؛ يجب علينا أن لا نقبلها.. ويجب أيضا أن ننقح كتبنا من هكذا روايات؛ لئلا يصاب البعض بالانحراف في العقيدة، عندما يصدق هذا النمط من الروايات.

١١- إن الشريعة مبتنية على أساس التعبد، فالذي يريد أن ينفي عنصر التعبد، أو يحاول أن يفلسف الأحكام، يأتي بدين جديد.. صحيح أنه من ناحية ذوقية، إذا أردنا أن نخرج من التعبد، فإن غسل الرجلين قد يكون هو الأقرب للمزاج الإنساني، حيث أنه الأنظف.. ولكن نحن أُمرنا بالتعبد، كما أن الرأي نمسحه مسحا، ثم إن أردنا بعد ذلك أن نغسل الرجلين، لا مانع من ذلك بعد إتمام الوضوء، أو قبل الوضوء كذلك، ثم نمسح الرجلين بعد تجفيفهما.

١٢- إن البعض عندما يستمع إلى صيغة من الصيغ التي يستعملها النبي (ص)، يحاول أن يجمد على تلك الصيغة.. فالنبي (ص) زار أهل القبور، وسلم عليهم.. فإذا زاد الإنسان، أو نقص، أو جاء بعبارة أخرى؛ فإنه لا يكون قد ارتكب بدعة في ذلك!.. فالنبي (ص) لا يريد أن يعلمنا الحروف ولا الكلمات؛ وإنما يريد أن يعلمنا جوهر العمل، بمعنى أنكم زوروا بقيع الغرقد، واذكروا ما شئتم!..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى