الأخلاق والتربية

الصبر في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- كي يواجه الإنسان السيئة بالحسنة، مسألة تحتاج إلى تمرين؛ لأنها حركة غير طبيعية وتحتاج إلى كمال، وإلى تكامل، وإلى حالة من حالات البلوغ النفسي.. وهذا البلوغ يأتي من خلال المعاودة، ومن خلال الصبر على هذه الحالة، ومن خلال كظم الغيظ..

٢- إن هنالك ما هو أعلى من الصبر، وهو أن يصل العبد إلى درجة يرى مالكية الله -تعالى- له أقوى من مالكيته لنفسه.. يرى نفسه ملكاً طلقاً حقيقياً لله عز وجل، ورب العالمين يريد أن يعمل في ملكه ما يشاء..

٣- إن رب العالمين كان بإمكانه أن يبني السماوات والأرض دفعة واحدة، ولكنه خلقها في ستة أيام.. وذلك ليعلم الإنسان، أن الوجود مبني على التدرج.. فالإنسان له الحق أن يطلب من الله حوائج كثيرة، ولكن عليه أن لا يستعجل، ويفوّض الأمر إليه، ليقضي له الحاجة في الساعة المناسبة..

٤- إن بعض الناس لأجل كسب مادي بسيط، لأمور أرضية، يتحلى بالصبر.. فقد يصبر أربع سنوات للحصول على شهادة جامعية، أما عندما تصل القضية إلى عالم الأنفس، فإنه يتوقع أن يصل -في أربعين يوما، أو في شهر رمضان المبارك، أو في حجة، أو في عمرة، أو في موسم معين- إلى مستوى الصالحين، والذين وصلوا إلى درجات عالية من الكمال.. وهذا خلاف السنة الإلهية في خلقه.

٥- إن على الإنسان أن يتحلى بالصبر.. حيث أن من الأشياء التي تجعل الإنسان يتراجع بعد أن سافر خطوات نحو الأمام، أن يأتيه الشيطان ويقول له: أنت جاهدت كثيراً، ولكن لم تحصل على نتائج معجلة.. فالإنسان المستعجل في قطف الثمار، لا يمكن أن يصل إلى أيّ درجة من درجات التكامل..

٦- يجب عدم الانشغال التام بالأمور الدنيوية، بل ينبغي القيام بها دون إفراط أو تفريط.. وكذلك تعويد النفس على الصبر على الملاذ.. قال الإمام الصادق (ع): (طلبت رقة القلب فوجدتها في الجوع والعطش).

٧- إن هناك تأكيدا في روايات أهل البيت (ع) على صفتين، إذا لم يقترنا ببعضهما البعض، يبدو أن هاتين المزيتين لا قيمة لهما.. ألا وهما: العلم، والحلم!..

٨- إن الإنسان الذي لا يكون حليما، علاجه أن يتحلم؛ أي يتظاهر بالحلم.. فتكلف الملكة بعد فترة، يثمر الملكة نفسها..

٩- إن الصبر لا يمثل حالة من تحمل الواقع المفروض -ولو كان على مضض وكره- وإنما هي حالة من الرشد الباطني، التي تجعل الإنسان يعتقد بأن هنالك برمجة كونية، تسير لأهداف محددة، وإن بدت بعض مراحلها مريرة في النظر القاصر.. وذلك لأن الهدف العام من الوجود هو: تحكيم الرسالة الإلهية في الأرض -شاء الكافرون ذلك أم أبوا- وهو ما نفهمه من خلال الوعد الإلهي بإيراث الأرض لعباده الصالحين، وجعل مقام الإمامة والهداية بأمر الله -تعالى- للصابرين.

١٠- إن العبد يكتشف درجة عبوديته لربه من خلال: الصبر على مكروه القضاء.. فإذا اعتقد العبد أن هنالك من هو أولى بتولي زمامه من نفسه، فهل يعيش حالة التبرم من تدبير الحكيم لأموره؟!.. والحال أنه لا موجود أرأف بالإنسان ممن خلقه، إلا أن يرتكب ما يخرجه من دائرة الالتفاتة الشفيقة، وذلك عندما يتمادى في تحدي من بيده سلطان السماوات والأرض؟..

١١- إن العبد يترقى في درجات العبودية، إلى أن يصل إلى درجة أرقى من صبر العوام من أهل البلاء.. فإن الكثيرين من متوسطي الإيمان يصبرون على البلاء، من منطلق أنه لا حيلة لهم سوى الصبر، وأن الواقع المحتوم لا يتغير.. إلا أن هناك قوما بلغوا درجة من الإيمان، جعلتهم يرضون، بل يحبون ما أجرى لهم ربهم من البلاء، الذي لم يكونوا هم سببا فيه، إذ أن البلاء المتسبب من فعل العبد، لا يؤجر عليه صاحبه، إلا أن يتغمده الله -تعالى- برحمة منه وفضل.

١٢- إن من أعظم أبواب الصبر، بعد الصبر على الطاعة، والصبر على البلاء؛ الصبر عن المعصية.. فإنه لا يمكننا إنكار أن للشهوات جاذبية عظمى في نفس الإنسان، تصل -في بعض الحالات- إلى درجة لا تقاوم إلا بشق الأنفس.. وخاصة في هذا الزمان، الذي نعتقد أنه لم تمر فترة على الأرض منذ أن خلقها الله -تعالى- كهذه الفترة من جهة: تنوع سبل المنكر وتيسرها، حتى أن من هم دون سن المراهقة اليوم، يرتكبون ما لم يعرفه المراهقون في سنوات سبقت، بفعل تكامل آليات عرض الفساد!.. ولا ندري ما الذي يخفيه المستقبل من صور المنكر والفتنة، التي تدع الحليم حيرانا!..

١٣- إن من الأمور التي ينبغي أن يلتفت إليها، من يرى في نفسه ضعفا في مقاومة أمواج البلاء والمحنة: أن تكلف الصفة الحميدة، سبيل إلى تحولها إلى ملكة راسخة في النفس.. ومن هنا دعت الروايات إلى التصبر، وهي محاولة للتشبه بمن أعطوا قوة في هذا المجال.. ولا ينبغي أن نغفل عن حقيقة: أن المتصبر في معرض اللطف الإلهي، بإفراغ الصبر عليه، بحيث يجد في نفسه من المقاومة ما لم يكن يتوقعها من نفسه.. ومن هنا جاء الأمر الإلهي بالدعاء: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.

١٤- إن من أرجى الآيات لأهل البلاء في القرآن الكريم، هو قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.. فإن الجزاء المترتب على ذلك أمور مذهلة من: صلوات الله -تعالى- عليهم، وما تستتبعها من البركات التي نرى عينة يسيرة منها، من خلال صلواته -تعالى- على نبيه المصطفى (ص).. والرحمة الإلهية: وهي التي لو غمرت العبد ما أبقت له موجبا من موجبات العقاب الدنيوي أو الأخروي.. والهداية: وهي التي لو توجهت للعبد، فتحت له من الآفاق النظرية للقرب، ما لا يخطر على قلب بشر.. أفلا يحق لنا بعد ذلك أن نقول: هنيئا للصابرين من أهل البلاء!..

١٥- إن الحلم غطاء ساتر، والإنسان الذي يواجه حالات الغضب بالهدوء والصمت؛ يغطي على سيئاته.. وبالتالي، يجنب نفسه موجبات الاعتذار.

١٦- إن المؤمن وبالأخص من له وجاهة عند الناس، ومعروف بالتدين، إذا ما أساء الخلق وأغلظ في القول، فإنه سيسيء إلى الدين .. عن الإمام الرضا (ع) أنه قال لرجل: (اتقوا الله!.. وعليكم بالصمت، والصبر، والحلم.. فإنه لا يكون الرجل عابدا؛ حتى يكون حليما).. وقال أمير المؤمنين للحسين (ع): (يا بني، ما الحلم)؟.. قال: (كظم الغيظ، وملك النفس).

١٧- إن الإنسان الذي لا يتحلى بعنصر الصبر، والتحمل في الحياة؛ هو في حقيقة الأمر يطفئ نور العقل في وجوده..قد سئل الإمام الحسن (ع): “ما العقل”؟.. فقال: (التجرع للغصة، حتى تنال الفرصة).. الإنسان الذي يُريد الراحة دائماً، ولا يتحمل المشاكل أبداً؛ هذا الإنسان بعيد عن العقل!..

١٨- إن الأم التي تسمع بوفاة ولدها، فلا تجزع ولا تظهر الجزع.. فإن هذا الصبر يعود إلى عدة أسباب: قسم منه خشية على نفسها، وقسم منه لأجل مراعاة الآخرين، وقسم منه للعقل.. إن بعض أصحاب النبي (ص)، كان لا يشرب الخمر قبل تحريم الخمرة، لأن الخمرة شيء غير جيد، فإذا شرب الخمر، فإنه سيسكر ويذهب عقله، والصبيان يضحكون عليه.. فهذا تعقل!.. لأن الخمرة لم تحرم، ولكن هذا الرجل عقله حرم الخمر على نفسه.. فإذن، هذا الصبر يكون: إما من باب مراعاة الناس، أو من باب الرفق بالسلسلة العصبية، والجهاز الهضمي والقلبي!..

١٩- إنّ الاعتقاد بلزوم التحلي بالصبر في الوصول لبعض مدارج الكمال، تدفع عن صاحبها حالة اليأس!.. فالذي يستعجل في قطف الثمار، ليست لديه القدرة على مواصلة الطريق.. ومن هنا كان الصبر من الإيمان بمنـزلة الرأس من الجسد.

٢٠- إن رب العالمين بناؤه على التدرج.. فرب العالمين خزائنه بين الكاف والنون، “يقول للشيء: كن!.. فيكون”.. فإذن، لماذا خلق السموات والأرض في ستة أيام؟.. نحن ننتظر مواد البناء حتى نبني، فإذا لم تأت هذه المواد يتعطل البناء.. أما رب العالمين، فقد تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً!.. رب العالمين كان بإمكانه عندما نزل النبي (ص) من غار حراء، أن يفتح له مكة بطريقته الخاصة، ألم ينزل الملائكة المسومة في معركة بدر؟!.. فما المانع أن يأتي النبي (ص) مع بلال وعمار وياسر، وتنزل معهم الملائكة المسددة، ويحتلون مكة المكرمة وانتهت القصة؛ وعندئذ يستغنون عن الهجرة إلى الحبشة، والمدينة، وغيرها؟!.. ما ذلك إلا لأن رب العالمين بناؤه على التدرج.

٢١- إن الذي يريد الفتوحات الربانية، لابد أن يكون صبوراً، وواسع الصدر.. فالبعض يتدين: يحضر المسجد، ويصلي جماعة، ولعله يقيم الليل أربعين يوماً، أو شهراً، أو شهرين، ولعله سنة؛ ولا يرى أموراً متميزة.. بينما طريق رب العالمين، يحتاج إلى صبر وإلى مثابرة.. فموسى (ع) استجيبت دعوته بعد أربعين سنة، يقول تعالى: {..قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا}.. ألا نقرأ في الدعاء: (ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي، لعلمك بعاقبة الأمور).

٢٢- إن الذي يريد الفتوحات الإلهية في عالم الأنفس، لابد أن يصبر كصبر النبي (ص).. فالنبي (ص) فتحت له مكة في أواخر أيام حياته، وإلا فإن النبي (ص) كل حياته كانت محناً.. فقط بعد فتح مكة، استطاع المسلمون أن يتنفسوا الصعداء إجمالاً.. لذا ينبغي للمؤمن أن يسأل ربه الفتح، إذا فتح الباب جاءت البركات.. هذه الأيام السدود عندما تفتح أبوابها، يأتي سيل من المياه، وإذا بالوادي الذي كان جافاً، بلحظة واحدة يمتلئ بالماء.. رب العالمين إذا فتح أبواب اللطف، ففي ليلة واحدة تفتح الأبواب.

٢٣- إن معنى الصبر يشمل الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر عند النوائب التي تصيبه بقضاء من الله وقدر.

٢٤- نحن -مع الأسف- عندنا النعم الثلاث: أبداننا إجمالا سليمة، وأرزاقنا موسعة، والأمن والأمان متحقق.. ولكن أتفه الأشياء؛ تنغص علينا حياتنا.. فلا نتذكر هذه النعم الكبرى، بل عيننا دائماً على مشكلة بسيطة في حياتنا.. هذه مشكلة بني آدم: لا ينظر إلى الموجودات، إنما ينظر إلى المفقودات.. هل هذا من الإنصاف!.. رب العالمين يذكر نعمه على قريش بكلمتين: {.. أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}؛ وهذا -والحمد لله تعالى- متحقق في بلادنا.. فإذن، لنشكر الله -عز وجل- على هذه النعم الكبرى!..

٢٥- إن الحلم تارة يكون على مستوى كبت الحركات الجوارحية، وتارة على مستوى انتصاف الغليان الباطني.. بحيث الإنسان يُرى وكأنه موجود فوق الأباطيل والترهات، ويتعالى عن سفاسف الأمور.. وهذه مرحلة جيدة، بأن يتحكم الإنسان في جوارحه، وإن كان يتظاهر.. وبلا شك أنه مع مرور الزمن سيصل إلى مرحلة أن لا يرى شيئاً مثيراً، (عظم الخالق في أنفسهم؛ فصغر ما دونه في أعينهم).. فالذي يعيش هذا الأمر، كيف يتفاعل مع أخطاء الآخرين؟!.. وإن من أسوأ أنواع الغضب: الغضب على الأولاد؛ لأن تأديب الطفل إذا لم يكن ضمن ضوابط شرعية وأسلوب تربوي؛ فإنه سريع التأثير في إقفال القلب، وبالتالي انحرافه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى