أهل البيت

الاقتداء بأهل البيت في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن الإنسان عندما يسمع كلمة من معصوم -من النبي وآله- عليه أن يجعل نفسه بمثابة التلميذ..

٢- إنه لمن المناسب لنا جميعا في مناسبة كل معصوم، أن نحاول الخروج بدرس ثابت من حياة ذلك المعصوم..

٣- إنه لمن الجميل أن نجلس جلسة تأملية مع أنفسنا، لندرس نقاط الضعف والخلل فيها، عسى الله -تعالى- أن يوفقنا لبلوغ تلك الشخصية المستقيمة، التي أرادها لنا إمامنا الحسن (ع)!..

٤- نحن لا نقطف ثمار عاشوراء والمجالس كما ينبغي.. المجالس فرحاً أو حزناً لا فرق.. مثل إنسان يزرع شجرة، ويعتني بها، وبالتالي فإنها تعطي الثمار اليانعة، ولا يقطفها إلى أن تذبل..

٥- كم من القبيح أن يرجع الإنسان من مجلس حسيني، وقد تفاعل فيه، وإذا به يبيع كل هذه المكاسب بنظرة محرمة!..

٦- إن الولاية لا تنحصر بالفكر والاعتقاد: بأن يعتقد أن الوصي والخليفة هو علي (ع).. ولا بالمشاعر القلبية: بأن نهتف باسمه، ونفرح يوم ميلاده، ونحزن يوم استشهاده.. ليس الأمر كذلك.. إذ إن هناك حركة ثالثة؛ وهي أن يشايع علياً (ع) قولاً وفعلاً..

٧- لابد لنا في كل مناسبات الأئمة (ع) أن نذكّر أنفسنا، بضرورة الاطلاع على سيرتهم العطرة؛ للاقتداء بهم، وإتباع منهجهم القويم.. وإن بدا ذلك محالاً، غير أنه علينا أن نسلك الطريق الذي سلكوا قدر الإمكان.. وعلي (ع) يؤيد هذا، إذ يقول: (ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك؛ ولكن أعينوني بورع، واجتهاد، وعفة، وسداد).

٨- إن البعض ظهيرة يوم عاشوراء، قد ينشغل بشيء من العزاء واللطم، وما شابه ذلك؛ ويؤجل الصلاة.. كيف نوفق بين هذا العمل، وبين موقف أبي ثمامة الصيداوي في يوم عاشوراء؟..

٩- مع الأسف هنالك من ينظر إلى كل ما يتعلق بأهل البيت (ع)، وكأن هذه المعالم هي في قبال معالم التوحيد!.. بينما هما وجهان لعملة واحدة!.. إنه لمن الظلم الفاحش أن نجعل لأهل البيت (ع) حسابا، ولله -سبحانه وتعالى- حسابا آخر!.. وكأن الذي يذكر الحسين، ابتعد عن الله عز وجل، وكأنه ركز على شيء ما سوى الله.. هذا هو الحسين الذي كان في يوم عاشوراء، لا يفكر إلا في إقامة الصلاة بين يدي الله عز وجل، ويا لها من صلاة!..

١٠- إن الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الإسلام مع الحسين (ع) كانوا من شرائح مختلفة.. فمنهم من هو قديم العهد في الوفاء لرب العالمين: كحبيب بن مظاهر، ومنهم من هو جديد العهد بالهداية: كالحر بن يزيد.. ولكن العاقبة كانت واحدة، ألا وهي الاستقرار في مقعد الصدق عند مليك مقتدر، مما يدفع أحدنا لعدم اليأس مهما غرق في بحر المعاصي، فإن الأمور بخواتيمها!..

١١- إن الذين يقيمون مناسبات أهل البيت (ع) حزناً أو سروراً، يجب أن يراجعوا في سيرة المعصوم، ما هو تحت عنوان: أخلاقهم (ع).. وإلا فإن ذكر الفضائل أمر جيد، ولكن لا ينبغي أن نجعل الإمام والمقتَدى والمعصوم بمثابة لوحة فنية، نصفها ونعلقها على الجدران، من دون أن يكون لهذه اللوحة وقع في حياتنا المعاشة.

١٢- إن الأئمة (ع) أرادوا أن يعلمونا من خلال حركاتهم وسكناتهم، أن نكون في منتهى درجات التعبد الشرعي.. لذا نجد أدعيتهم وتعابيرهم موزعة على نشاطات الإنسان من الصباح إلى المنام؛ من أجل غرس روح العبودية في كل حركة وفي كل سكنة.

١٣- إن عطاء الموسم العبادي، هو أن يعيش الإنسان حالة من حالات التذكر المستمر، والمعية الإلهية الدائمة.. وأن يتأسى بأئمة أهل البيت (ع) وبالنبي المصطفى (ص)، وألا يغفل عن ذكر الله -عز وجل- قدر الإمكان.. نحن لا ندعو إلى الذكر الدائم، فهذا قد يكون شعارا لا يتحقق في حياتنا، وإنما إلى تقليص الغفلة إلى أدنى مستوياتها الممكنة، فإن هذه ثمرة كبيرة من ثمار مواسم أهل البيت (ع).

١٤- إن الصلاة على النبي وآله من صفات الله عز وجل، ولهذا نحن نستن بهذه الصفة، كما أمرنا الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.. أي أنتم أيضاً تخلقوا بأخلاقي، وصلوا عليه وسلموا تسليما.

١٥- البعض يقول: إن المراد من {سَلِّمُوا تَسْلِيمًا}؛ قد يكون معنى أرقى من السلام اللفظي، قد يكون -والله العالم- المراد هو التسليم الفعلي، وليس المراد فقط السلام القولي.. أي كما أنكم تصلون على النبي وآله -وهذا أمر جيد-، ولكن أثر الصلوات: أن يكون الإنسان في مقام العمل مسلِّماً ومستسلِماً في كل شؤون الحياة.

١٦- إن النبي (ص) حقق العبودية بأجلى صورها في حياته، وما جعل لنفسه اختياراً في الوجود.. فالنبي كان مسلِّماً لأمر الله عز وجل، ونحن مطالبون بهذا المعنى؛ أي أن نقبل بحكم الله ورسوله إلى درجة الرضا القلبي، لا العمل الظاهري فحسب!.. فإن المعنى الأساسي للمؤمن الذي جمع صفات النبي (ص)، هو الإحساس بالعبودية المطلقة في كل حركة وسكنة.

١٧- ينبغي علينا أن نقتدي بالنبي الأكرم (ص)، الذي كان مظهراً من مظاهر الجمع بين الحق الإلهي والحق البشري.. والقضية بسيطة جداً!.. فالذين هجروا الناس، والذين تقوقعوا، ذلك لأن هؤلاء رأوا الناس في قبال الله عز وجل.. ولكن لو أن الإنسان غيّر نظرته، ونظر إلى الخلق على أنهم عيال الله، فإن حبه لله عز وجل، يسري إلى حب مخلوقاته.

١٨- إن حركات النبي (ص) كانت تحت مراقبة دقيقة من أصحابه.. ونحن نستلهم الدروس من ذلك: أن القائد الإسلامي -إمام الأمة وقائد الأمة- عليه أن يعلم أن الأمة في حال رصد لحركاته وسكناته.. لذا، على المؤمن -خصوصا الذي برز إلى السطح، واستلم بعض المهمات الاجتماعية والرئاسية- أن يكون مراعياً لرقابة الخلق، ورقابة الخالق.. فإن رب العالمين أيضاً يحب المؤمن أن يقوم بما يورث له حسن السمعة في التأريخ..

١٩- إننا نلاحظ أن أهل الخدمات الاجتماعية، ليست لهم حالة الشفافية الروحية، فبعضهم يقول: انشغالنا مع الناس، لم يترك لنا مجالاً للخلوة مع رب العالمين.. وكذلك أهل التوجه الروحي والعبادة المركزة، أيضاً لهم مصيبة الانكفاء عن الخلق، وعدم تحمل الغير و..الخ.. بينما نجد أن النبي (ص) بسيرته الحسنة، أراد أن يثبت للأمة أنه يمكن الجمع بين الصفتين: بين التوجه إلى الله -عز وجل- بما لا يرقى إليه بشر.. والاهتمام بالطبقات المستضعفة في الأمة، وتفقد حال الرعية.

٢٠- لماذا لا نقتدي برسول الله (ص) في أسلوب تعامله مع العصاة والمنحرفين؟.. فبدلاً من استعمال أساليب: الزجر، والتخويف بعذاب الآخرة فقط؛ علينا أن نستعمل هذه الأساليب العاطفية والإقناعية، من أجل انتشال الشاب والشابة من أوحال الرذائل.

٢١- إن من يحب النبي وآل النبي (ص)، يجب أن لا يزعجهم بأعماله.. فالنبي (ص) يتألم من معصية الشاب، وإمام الزمان يتألم، فهو الذي تعرض عليه الأعمال كل اثنين وخميس.. ما فائدة اللطم والهتاف باسم الإمام المهدي، إذا كنا كل يوم نرميه بالسهام؟.. نعم، إن المعصية تجرح قلبه الشريف.

٢٢- إن على الإنسان في كل مناسبة إمام، أن يأخذ الصفة المتميزة والبارزة من ذلك الإمام، ليعمل بهذه الصفة في حياته..

٢٣- إن بعض المؤمنين في مجالس عزاء سيد الشهداء، يخرج وعيونه محمرة، إلى درجة وكأنه فقد أعز أعزائه.. نعم، هذا منظر وجه، يحبه الله ورسوله!.. وإذا بهذا الإنسان بعد دقائق أو ثوان من انتهاء المجلس يضحك ويمرح، هو لا تزال الدموع على خديه، والقهقهة تسمع منه.. ما هذا التناقض؟.. إذا كنت متألما، وهذه الدموع على خديك، لماذا جو الغفلة بلا فاصل؟.. دع الغفلة بعد فترة ليس مباشرة!..

٢٤- إن الجفاء موجود بالنسبة للإمام الحجة (عج)، لذا يقال: بأنه يجب أن نكثر من دعاء الفرج، وقراءة زيارة آل يس، والندبة، والعهد.. ولكن هذه ألفاظ، والإمام ليس بعاشق ألفاظ.. فالأهم من الزيارات والألفاظ، والذي يقربنا إلى الإمام، ويهب لنا رأفته ورحمته، هو أن نكون على مستوى طاعة رب العالمين..

٢٥- إن هناك من أصبح همه هو رؤية الإمام (عج).. من قال: بأن الهدف هو أن نلتقي به؟.. فإذا التقيت بالإمام، وسلمت عليه، وقبلت يديه الشريفتين، ثم ودعته.. فما هي الثمرة العملية لهذا اللقاء؟.. إن الثمرة العملية هو الحب والإتباع، فلمَ لا يكون ذلك من دون رؤيته؟..

٢٦- إن البعض منا -أحياناً- يرى منظراً في التلفاز يعكسُ جانباً من مأساة في بلاد المسلمين، فلا ينام ليلته.. فكيف بمن هو المعني بشؤون المسلمين، ويُعاين الحدث، وصاحب المصيبة يستغيث بهِ، وهو لا يقدر على الإغاثة لظروفِ زمان الغيبة.. حقيقةً قلب مولانا الإمام الحجة -صلوات الله وسلامهُ عليه- من أكثر القلوب في تاريخ البشرية تألماً..

٢٧- إن البعض يرى أن أسلوب التقرب إلى أوليائهِ وإلى أئمة أهل البيت (ع)، وعلى رأسهم النبي الأكرم (ص)، يكون بإظهار الحب، وذلك من خلال زيارة مشاهدهم المشرفة، وبإقامة مجالسهم: أفراحهم، وأحزانهم، وبلبس السواد في مجالسهم.. هذا كلهُ جيد، ولكن كل هذهِ الحركات تصب في خانة الولاء العاطفي؛ المهم بالإضافة إلى ذلك الولاء العملي..

٢٨- إن الذي يريد أن يدخل السرور على قلب وليهِ، ليس في الزيارة، ولا بدفع الصدقةِ عنه، ولا بالدعاءِ لفرجهِ فحسب!.. هذا كلهُ جيد، ولكن أفضل ما تدخل بهِ السرور على قلب إمامك، أن تقلع عن منكر عاكف عليه..

٢٩- إن من موارد ظلامة الحسين (ع) -غير ذلك الظلم الذي وقع على بدنه الشريف، وعلى خيامه، وعلى عائلته- هو ظلمه من قبل شيعته ومحبيه، بعدم معرفتهم إياه حق المعرفة..

٣٠- إن كل حديث عن أئمة أهل البيت -عليهم السلام- لابد أن يترجم في ساحة الحياة.. إنهم ليسوا لوحات نعلقها على الجدران!..

٣١- منذ أن غاب -صلوات الله وسلامهُ عليه- أصبحت الحجة أكمل علينا؛ قياساً إلى من كان في زمان إمامنا الصادق (عليه السلام).. لأن من كان في زمان الإمام الصادق -عليه السلام- بلغتهُ حجج ستة من أئمة أهل البيت (ع)؛ أما نحنُ في زمان الغيبة، فقد بلغتنا الأقوال من اثني عشر إماما..

٣٢- إذا كانت الصلاة أمام قبر المعصوم منهيّاً عنها، فكيف بالتقدم العملي والقولي والموقفي أمام المعصوم؟!.. ومن هنا يجب على العبد أن يقف دائما خلف خط القائد، وفى خط منسجم مع الخط الإلهي المتجلي من خلال النبي وآله.. ولا ينبغي للإنسان أن يتقدم عليهم في كلمة، ولا في خطوة، ولا في موقف..

٣٣- إن الله -سبحانه وتعالى- تجلى بصفاته فيالأئمة (ع)، لذا فإن الإمام (عج) بصير بما يصلح للعبد؛ لأنه يرى بعين الله -عزّ وجلّ- وينظر بأمر إلهي.. وبالتالي، إذا أردتَ أن تكون موفقاً في حياتك، عليك أن تسلّم نفسك بهذه المشاعر إلى ولي الأمر (عج).

٣٤- إن من دواعي التأسي بالإمام الحسين (ع)، المحافظة على الصلاة في أول وقتها.. حيث أن من أهم حركاته (ع) في يوم عاشوراء: وقوفه ليصلي صلاة الحرب جماعة في أول وقتها..

٣٥- إن أئمة أهل البيت (ع) ليسوا عبارة عن لوحات زيتية، نعلقها في البيوت وننظر إليها.. فلا نتحد مع اللوحة، ولا نحاول في يوم من الأيام أن نرسم هذهِ اللوحة بأيدينا؛ فنكتفي بتعليقها، ونقول: نحن عندنا لوحة زيتية بآلاف الدنانير.. هذا المقدار لا ينطبقُ على سيرة أئمة أهل البيت -عليهم السلام-، إذ لابدَ من التأسي بهم.

٣٥- إن البعض يتمنى لو عاش في عصر أمير المؤمنين (ع)، والحال بأن من يطلع على خطبه؛ كأنه عاش معه، وكأنه تحت منبره..

٣٦- إن أحاديث الفضائل أمر جيد، ولابد أن نروّج لفضائل النبي وآله، فرب العالمين أول المروّجين لفضائل نبيه وأوصياء نبيه.. ولكن بالإضافة إلى روايات الفضائل والكرامات والأمور الباهرة؛ لابد أن نكون على موائدهم العلمية أيضا.. من منا بحث في حياته على آداب النبي (ص): في سلوكه وقيامه وجلوسه، مع نسائه وأصحابه، وفي علاجه للسلبيات الاجتماعية، وكيفية مواجهة العصاة في أمته؟..

٣٧- إن أمير المؤمنين (ع) هو صاحب هذه الموسوعة الخالدة المسماة بـ:”نهج البلاغة”.. من مناقب علي (ع) أنه ترك لنا كتابا في هذه الأمة، هو الصحابي الوحيد الذي من الممكن، أن نجلس على مائدة علمه، في كتاب مدون.

٣٨- إن الذين يحبون اتباع نهج علي (ع)، والاقتداء بسنته؛ عليهم بقراءة هذا الكتاب، أو على الأقل هذه الكلمات الحكمية.. وسنة علي، هي سنة رسول الله (ص)، عن علي (ع): (ولقد كنت أتبعه أتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالإقتداء به…).. فالإمام علي (ع) منذ اليوم الأول، يتبع أخاه المصطفى (ص).

٣٩- إن نهج البلاغة عبارة عن قسمين: قسم هو عبارة عن الخطب المختلفة: السياسية، والأخلاقية، والتوحيدية؛ قيلت في مناسبات متعددة: تارة في الحروب، وتارة في مسجده.. وهناك رسائل موجهة لبعض الشخصيات.. وقسم آخر: هو عبارة عن الكلمات القصار لعلي (ع).. إن كان يثقل على البعض الخطب المفصلة، ما المانع أن يراجع هذه الكلمات القصيرة؟.. إنها موائد علمية؛ شهية وبليغة، ولكن في جمل قصيرة.. هذه الكلمات جمعت في كتاب بعنوان: “غرر الحكم” وأيضا مذكورة في ختام نهج البلاغة..

٤٠- إن الإمامي الذي يدعي بأنه على خط أئمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ وفي مقام العمل لا يسلك سلوكهم؛ هو أشد الناس حسرة يوم القيامة!..

٤١- إن قبول الولاية لها ضريبة، وضريبتها كما قال صاحب الولاية، حيث عرف (عليه السلام) عجز الأمة عن مجاراته في زهده، فوجّههم لما هو أدنى من ذلك قائلاً: (أما إنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني: بورع، واجتهاد، وعفّة، وسداد).

٤٢- عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال: (ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم: فإن عمل حسناً استزاد الله منها، وإن عمل سيئاً استغفر الله وتاب منها)؛ أي ليس من زمرتنا.. فادعاء الانتساب إلى جهة شيء، وأن تقبله تلك الجهة شيء آخر.. وفي علاقتنا بأهل البيت (ع) لابد من قبولهم لنا.

٤٣- إن من الدروس العملية من حياة الزهراء (ع): تأكيدها الشديد على ضرورة العفة للنساء في أشد صورها.. فهي تفرح عندما يكلفها النبي (ص) بتحمل شؤون المنزل، لما في ذلك الكفاية من تخطي رقاب الرجال.. وتفرح عندما تصور لها أسماء بنت عميس نعشاً بعد وفاتها، لئلا يرى حجم بدنها عند التشييع رغم أنه في جوف الليل، وفي ثلة قليلة من أصحاب أمير المؤمنين (ع).. وهنا فلنتساءل: إلى أين وصلنا نحن مدعو المشايعة لها، في تعاملنا مع الجنس الآخر؟!..

٤٤- إن بعثة المصطفى (ص) وإن كانت حدثا يعبر عن أعظم إكرام إلهي، لأليق موجود بشري، إلا أن في تلك دروسا عامة لكل من يريد الاقتداء بسيد الرسل (ص).. فالدرس الأول من تلك البعثة الشريفة هو: الدخول في دائرة الجذب الإلهي للعبد، التي من دخلها فقد دخل في عملية تصاعدية للاقتراب من مركز السعادة في الوجود.. وهل نبتغي السعادة عند غير من خلقها، ومن هو الذي أدرى بموجباتها؟!..

٤٥- إن حياة النبي (ص) كانت تتراوح بين شدة وضيق.. فقد انتقل من سعادة المبعث، إلى عناء المحاصرة في شعب أبي طالب.. ومن ثم إلى سعادة الانطلاق في أرض الحاكمية في المدينة بانتصاره الأول في بدر، ثم إلى مرارة هزيمة المسلمين في أحـد.. ثم إلى سعادة العودة إلى الوطن الأول فاتحا للبلد الحرام.. والمؤمن كذلك يقلبه الله -تعالى- بين شدة ورخاء، ليؤجر أجر الصابرين والشاكرين في آن واحد.. وليعلم أخيرا انه لا مؤثر في الوجود إلا هو!.. وهذا أعظم درس من دروس الوجود.

٤٦- كما أن الله -تعالى- ضرب الأمثال في القرآن الكريم، تقريبا للمعقول إلى المحسوس: (كتشبيه المباركة في الإنفاق بالسنبلة النامية)؛ فإنه كذلك جسد المعاني النظرية، من خلال سيرة أوليائه من الأنبياء والأوصياء والأولياء.. ومن هنا كان من اللازم أن نبحث عن درجات الكمال، من خلال تطبيقاتها في الحياة اليومية، حينما نمر على سيرتهم المباركة.

٤٧- إن من الدروس الكبرى في حياة الإمام السجاد: الدعوة للتضرع بين يدي الله تعالى، وهو ما نستجليه في الصحيفة السجادية.. إن الدعاء إذا وصل إلى مرحلة التضرع، والانقطاع التام إلى الله تعالى؛ فإنه سيؤثر في مركز أخذ القرار في عالم العرش!.. حيث أن الله -تعالى- حينما يريد أن ينفذ مشيئته على عبده، فإنه يرى موقفه منه، فقد يدفع عنه أمواج البلاء، وقد أبرمت إبراما.. ولا نستبعد أن يدفع الله -تعالى- البلاء عن أمة، ببركة دعاء عبد صالح، كما نفهم من بعض الروايات.

٤٨- “إن علينا أن نتأسى بالرسول الأكرم (ص) في أسلوب إصلاح المنحرفين، ونتقن هذه الخطوات:
* الأولى: الحلم والسكوت.
* الثانية: الدنو البدني وتحسيسه بالحنان الأبوي.
* الثالثة: التحريك العقلي والعاطفي والوجداني.
* الرابعة: التوسل بالله عز وجل.”

٤٩- ان من لوازم الاعتقاد بمواكبة الامام المهدي (ع) لحركة الأمة، وتحمله لآلامها؛ هو مشاركته هذه الهموم، والتألم الشديد لما هو فيه من الغربة والشدة، تألما لما يجري على الأمة من الويلات والمآسي.. فكم من العجيب عندما نرى الأئمة السابقين له من آبائه (ع) وهم يتألمون لحاله (ع) وهو لم يولد بعد!..

إن من موجبات النصر في حياة النبي (ص) وأصحابه الميامين: تلك الحالة من الوضوح العقائدي، والثبات الفكري الذي كان يبث فيهم روح الشجاعة والاستقامة.. فهذا أحد الصحابة ينادي قومه بعدما أشاع الكفار بأن النبي (ص) قد قتل في معركة أحد: (يا قوم!.. إن كان محمد قد قتل؛ فإن رب محمد حي لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-؟.. فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه)، ثم قاتل حتى قتل.. وهكذا عرف هؤلاء المسلمون نبيهم العظيم (ص) من خلال شريعته التي ضحى الرسول (ص) من أجلها بالنفس والنفيس، وهكذا الأوصياء من عترته.

٥٠- لماذا لا يسائل الإنسان نفسه الآن، قبل أن ينتقل إلى ذلك اليوم الموحش، {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}، ومن القلب السليم ذلك القلب الذي يرى طريق الهدى واضحاً {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}، {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}.. وقد قيل في تفسير هذه الآية: أي ينظر إلى علمه ممن يأخذه.. فانظر إلى طعامك الفكري، وإلى طعامك العقائدي، من أين تأخذ هذا الطعام؟.. لئلا تقف أمام الله، وأنت لا حجة لك في ذلك.. في اليوم الذي يقف فيه النبي وآله، حيث يُعطى الشفاعة الكبرى.. ويقف الإنسان وهو خجل من النبي المصطفى (ص)، لما ارتكبه من جفاء تجاه ذريته وآله المعصومين.

٥١- إن مصحف فاطمة: هو كتاب علمي، فيه إخبار بأخبار المستقبل، وبإلهام من الله عز وجل.. وإن كان ملهمه ملك خاص باسم معين، فهذا ليس بالأمر المهم.. ويجب أن يعلم ذلك، من يجهل هذه المعاني.. وأما من هو ليس بجاهل، إنما هو بمكابر ومعاند، فالأفضل أن نوكل أمره إلى ربه، ليحاسبه حساباً عسيراً يوم القيامة، إذا وضعت الموازين القسط، وإلا فهذه رواياتنا ومنطقنا لا غبار عليه.

٥٢- إن زيارة المساجد، والصلاة فيها.. وزيارة قبور الأنبياء؛ لتخليد ذكرهم، ولبيان عظمتهم ومنزلتهم، وللتأسي بهديهم، وإظهارا للولاء لهم، واعتباراً بمراقدهم، واجتماعاً مع إخوانه المؤمنين في تلك البقعة…الخ، هي سيرة عقلائية طوال التأريخ.. والمسلمون دأبوا على هذه السيرة، فما المانع من الاستمرار على هذا النهج؟.. فهذا القرآن، وهذه السنة، وهذه السيرة العقلائية، وهذه سيرة المسلمين تؤكد على ذلك.. وهل وجدت في فرق المسلمين منذ زمان البعثة إلى الآن، فريقا يعبد القبور بحيث أنهم اتخذوا القبر إلهاً؟.. فإننا لم نسمع بهكذا فرقة، فعبادة القبر لها معنى يمجّه الطبع، وذلك بأن يجعل الإنسان القبر كالكوكب والشمس والنجم؛ ويعبده، كما هو حال عباد الكواكب والنجوم!.. فالإنسان ذو العقل السليم، قد يجعل القبر محلاًً للعبادة، ولكن لا يجعله معبوداً.. فلا داعي لهذا الإنكار الشديد!..

٥٣- إن وجه الجمع بين ضرورة وجود مربٍّ، وبين أن الشريعة والحركة التكاملية تتعطل مع هذا القيد، هو ما ذكره القرآن الكريم، وهو تعبير جداً جميل عن النبي الأكرم (ص)، يقول تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.. فالأسوة الحسنة لا يحتاج إلى أن يكون بين ظهرانينا.. فمرة الإنسان يريد إنساناً مقلَّداً يقلده في مشيته، وهذا يحتاج أن يكون حياً وحاضراً.. ولكن الأسوة عبارة عن مفاهيم ورؤى، فالقرآن الكريم مربي، وأحاديث النبي (ص) مربية، وسيرة النبي (ص) مربية.

٥٤- عندما نراجع سيرة النبي (ص) والأئمة (ع) ونرى كيف أن لطفهم أيضاً كان يشمل الحيوانات، لانتابنا شيء من الذهول.. فهم يرون كلّ ما في الوجود من صنع الله عزّ وجل؛ وذلك لأن من أحبّ أحداً أحبّ صنعه.. يعيش الإنسان أول أيام الزواج، حالة عاطفية جياشة، فإذا قدّمت له الزوجة طعاماً غير شهي، فإنه يجده أشهى من أرقى مأكولات العالم؛ لأن هذا الحبّ الذي وجد في قلبه، يسري في كلّ شيء!..

٥٥- إن المؤمن له أنس بأدعية أهل البيت (ع)، ولكنّ هنالك نقصاً في الأنس بأفكار أهل البيت ومنهجهم في الحياة.

٥٦- إن الغرض من حضور المجالس المقامة لعزاء سيد الشهداء (ع)، هو أن يخرج الإنسان بثمرة، وإلا فإن الآثار من الأجر والمغفرة وغير ذلك مترتبة بلا شك، وهذه الثمرة هي أن نحاول أن نكون في زمرة الحسين (ع).

٥٧- قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، أن نكون تحت لواء الإمام الحسين (ع) يوم القيامة.. ولكن ذلك مترتب على أن نكون تحت لوائه في الدنيا.. بمعنى أن نكون على خطه، وأن نكون في زمرة أصحابه.. فإن الالتحاق بأصحاب الحسين (ع) بابه لا زال مفتوحاً، وما أغلق في يوم عاشوراء.

٥٨- إن هناك فرقاً بين اتجاه فكري يأخذ عقيدته، وأحكامه، وأخلاقه، وسيرته عن أئمة أهل البيت.. وبين قوم جاؤوا بعد قرن، أو ما يقرب من ذلك ليدونوا سنة النبي المصطفى (ص)!..

٥٩- إن الإنسان الموالي في شهري محرم وصفر، له عصمة عرضية؛ أي أن الرياح الموسمية في اتجاه السفينة تدفعها إلى الأمام، ولكن الخوف بعد صفر.

٦٠- إن الولاء العاطفي لأهل البيت (ع)، لا بد وأن يتجسد على شكل سلوك عملي.. ففاطمة (ع) لخصت فلسفتها بالنسبة إلى تعامل النساء والرجال، وهو تعامل وثيق هذه الأيام، لأن فاطمة أسست أساساً لنا جميعاً، ودعت إلى فصل الجنسين بأقصى ما يمكن، حيث أنها ذكرت بأنه خير للمرأة أن لا ترى الرجال، ولا يراها الرجال.. لعلمها (ع) بأن وجود هذين العنصرين من دون وجود محرمية شرعية، وعقد شرعي في مظان إثارة الأحاسيس، والتحركات القلبية المعهودة في هذا المجال.. ولطالما رأينا أن هذا الاتصال غير الشرعي، وفي غير إطار الأجواء الشرعية المنقحة، من موجبات الزلل الكثير الذي وقع فيه كثير من فتياتنا هذه الأيام.

٦١- إن الاتباع والولاية على قسمين: هنالك اتباع ادعائي وعاطفي، وهنالك ادعاء واقعي حقيقي.. الاتباع الظاهري الادعائي: هو أن يتولى الإنسان محبوباً في حياته.. والاتباع الحقيقي: هو عبارة عن الاقتفاء بآثار المحبوب: بقوله وفعله، ولهذا إبراهيم الخليل (ع) يقول في كلمة معبرة: (فمن اتبعني فإنه مني).. فالمنّية والاتباع والالتحاق بالطرف الآخر، إنه متوقف على ما تقدم.

٦٢- إن من نقاط التأسي في حياة فاطمة (ع)، البساطة في المعيشة.. فمع الأسف نحن نخلط بين البساطة في المعيشة، وبين الإكثار من الملهيات في الحياة الزوجية.. إن الزوجين يظنان أنهما عندما يكثران من أثاث المنزل وزخرفة المنزل، أن هنالك علاقة طردية بين زينة المنزل وبين الألفة فيما بينهما.. ونحن نقول في أفضل التقادير: أن الألفة تتحقق بينهما وبين الزينة، لا بينهما.. فعندما يوضع تمثال جميل أو مزهرية جميلة في المنزل، فإنه سيكون هنالك في أفضل الحالات انشداد منهما إلى ذلك المتاع.. فأين الأثر النفسي؟.. وهل تتحقق بذلك الألفة؟.. لا أبداً، بل قد يتحقق شيء من التباعد.. فإذن، إن الحديث المروي عن النبي (ص) ما مضمونه: (خير نساء أمتي: أصبحهن وجهاً، وأقلهن مهراً).. لو حكم في حياتنا، لقضينا على ظاهرة تأخر الزواج والعنوسة.

٦٣- إن القرآن الكريم في آيةٍ من الآيات، يستعمل أسلوب إثارة الغيرة، وإثارة الحوافز الباطنية.. وإثارة الغيرة أمر محمود شرعاً وعقلاً.. فعندما يقول تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}، فإنه -عز وجل- يفهمنا بأن له بديلاً عنا، يحبهم ويحبونه.. وعندما يقرأ الإنسان سيرة أصحاب جعفر بن محمد الصادق(ع) تنتابه هذه الحالة من الغيرة.. هؤلاء الأصحاب خرجوا من بطن هذا المجتمع، وقد جمعوا بين التكسب والتعلم، فهؤلاء لم يحترفوا طلب العلم احترافاً كرجال الحوزات الآن.. بل كانوا يمارسون نشاطهم اليومي، وفي نفس الوقت كانوا من خواصِ أصحاب الإمام (ع).. ومنهم من كان منحرفاً عن أصل الإسلام، فكان نصرانياً فأسلم.. ومنهم من كان على غير خط أهل البيت (ع) فاهتدى إلى خطهم.

٦٤- إن سورة الفلق هي من السور الغامضة في القرآن الكريم، رغم أننا نلهج بها، لتعويذ أبنائنا من الآفات.. فسورتا الفلق والناس معوذتان، وكثيراً ما كان النبي (ص) يعوّذ بهما الحسن والحسين (ع).. والمعروف أن هاتين السورتين لدفع الشرور، وخاصة الشرور اللامرئية.. فالناس هذه الأيام يخافون من السحر، ومن العين، ومن هذه الأمور.. إن كان الإنسان يخاف، فعليه بالمعوذتين، ولا داعي لبعض الطلاسم المجهولة، وبعض الأدعية غير المعروفة.. بل عليه بما في كتاب الله -عز وجل-، ومن أصدق من الله حديثاً؟..

٦٥- إن من الضروري الموازنة بين العقلانية والعاطفة، فالذي يتكلم عن ثائرية الحسين (ع)، عليه أن يكون في مقام العمل رسالياً ينتهج منهج الحسين (ع).. ولا بد له من طراوة عاطفية؛ لينقل الفكرة إلى مستوى الجوارح.. فهذا غاندي وهو غير مسلم، يقول بأنه تعلم من الحسين (ع) كيف يكون مظلوماً فينتصر.

٦٦- إن من سيرة الأئمة (ع) مسألة مراعاة الظروف، وعدم نقض الغرض.. فينبغي مراعاة ذلك، وخاصة مع كثرة الذين يتحينون الفرص، ويتصيدون المناظر التي يريدونها؛ لتحقيق أغراضهم الدنيئة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى