طرائف وحكايات

طرائف وحكايات – 29

281 سراجي

أهنـأ عيــش
أهنـأ عيــش
حج عبد الله بن عباس بالناس، ونزل ذات يوم منزلاً، وطلب من غلمانه طعاماً فلم يجدوا شيئاً، فقال لهم : اذهبوا إلى هذه البرية، لعلكم تجدون راعياً أو خيمة فيها لبن أو خبز، فمضوا حتى وقفوا على عجوز في فناء خبائها، فسلموا عليها، وقالوا لها : أعندك طعام نبتاعه؟ قالت : أما للبيع فلا، ولكن عندي ما يكفيني أنا وأبنائي، فقالوا : وأين بنوك؟ قالت : في مرعى لهم، وهذا أوان أوبـَتهم، قالوا : وما أعددت لهم؟ قالت : خبزة تحت المـَلـَّة، قالوا : أوليس عندك شيء آخر؟ قالت : لا، قالوا : فجودي لنا بشطرها، قالت : أما الشطر فلا أجود به، وأما الكل، فخذوه، فقالوا : تمنعين النصف، وتجودين بالكل، قالت : نعم، لأن إعطاء الشطر نقيصة، وإعطاء الكل فضيلة، فأنا أمنع ما يضعني، وأمنح ما يرفعني ثم أعطتهم الخبز، ولم تسألهم من هم ؛ ولا من أين جاء وا؟ فرجعوا إلى ابن عباس وأخبروه بخبر هذه المرأة، فعجب منها وقال : احملوها إليَّ الساعة، فبادروا إليها، وقالوا لها : إن صاحبنا يريد أن يراك، فقالت : ومن صاحبكم؟ قالوا : عبد الله بن عباس، قالت : وأبيكم هذا هو الشرف الأعلى، وماذا يريد مني، قالوا : إكرامـَك ومكافأتك، فقالت : والله لو كان ما فعلته معروفاً، ما كنت لآخذ عنه بديلاً، فكيف وهو شيء يجب أن يشارك فيه الناس بعضهم بعضاً، وألحـُّوا عليها حتى ذهبوا بها، فلما وصلت إلى عبد الله سلمت عليه، فرد عليها السلام، وقرب مجلسها، وقال لها : ممن أنت يا خالة؟ قالت : من قبيلة بني كلب، قال : وكيف حالك؟ قالت : آكل الخبز المليل وأكتفي منه بالقليل، وأشرب الماء من عين صافية وأبيت ونفسي من الهموم خالية، فازداد منها استغراباً، وقال : لو جاء بنوك الآن وهم جياع، ما كنت تصنعين لهم؟ قالت : يا هذا لقد عظمت عندك خبزتي حتى أكثرت فيها الكلام، أشغل فكرك عن هذا فإنه يفسد المروء ة ويورث الخسة، فقال لغلمانه : أحضروا أولادها، فأحضروهم فقربهم إليه وقال : إني لم أطلبكم لمكروه، وإنما أحب مساعدتكم بمال، فقالوا : نحن في كفاف من الرزق، فوجـِّه مالك نحو من يستحقه، فقال : لا بد أن يكون لي عندكم شيء تذكروني به، وأمر لهم بعشرة آلاف درهم، وعشرين ناقة مع فحلها.

282 سراجي

أنحـس مركــوب
أنحـس مركــوب
اشترى رجل دابة من دميرة، فوجد بها عيوباً كثيرة، فحضر إلى القاضي يشكو البائع فقال : أيها القاضي، إني بحكمك راض. اشتريت من هذا الغريم دابة، ادعى فيها الصحة والسلامة، فوجدت بها عيوباً، أعقبتني ندامة. فقال القاضي ما عيوبها؟ فقال : كلها عيوب وذنوب، وهي أنحس مركوب، إن ركبتها رفست، وإن سقتها رقدت، وإن نزلت عنها شردت، حدباء جرباء. لا تقوم حتى تحمل على الخشب. ولا تنام حتى تكبل بالسلب. إن قربت من الجرار كسرتها. وإن دنت من الصغار رفستهم، وإن دار حولـَها أهل الدار كدمتهم. تمشي في سنة أقل من مسافة يوم، الويل لراكبها إن وثب عليه القوم. متى حملتها لا تنهض، تقرض حبلها، وتجفل من ظلها، ولا تعرف منزل أهلها. حرونة ملعونة مجنونة. تقلع الوتد، وتمرض الجسد، وتفتت الكبد، ولا تركن إلى أحد. واقعة الصدر، محلولة الظهر، عمشاء العينين. قصيرة الرجلين. مقلـَّعة الأضراس. كثيرة النعاس. مشيها قليل، وجسمها نحيل، وراكبها بين الأعزاء ذليل، تجفل من الهوى، وتعثر بالنوى، تحشر صاحبها في كل ضيق. وتنقطع به في الطريق، وتعض ركبة الرفيق. فإن قبلها فأكرم جانبه ولا تحوجني أن أضاربه. فضحك القاضي وحكم برَدّها.

283 سراجي

أهلـي .. أهلــي
أهلـي.. أهلــي
وفد أعرابي على كسرى أنو شروان، فسأله عن اسمه وصناعته، فأجابه، أنا الحارث بن كـِلدة، طبيب العرب، فقال كسرى : ما يصنع العرب بالطبيب، مع سوء أغذيتهم؟ قال : إن كان هذا حالهم، فهم أجدر بالطبيب، فقال : وكيف يعرفون من يسلمون إليه أمرهم، مع ما هم عليه من شدة الجهل، قال : إن الله عز وجل قسم العقول بين العباد، كما قسم الأرزاق، وأخذ القوم نصيبهم، ففيهم ما في غيرهم من جاهل وعالم، وعاجز وحازم وغير ذلك، فقال : ما هو المحمود من صفاتهم، قال : هو أكثر من أن يـُحصر، فإن لهم أنفساً سخية، وقلوباً جريـَّة، وعقولاً صحية، وأنساباً نقية، لغتهم أفصح اللغات، وأوسعها في التراكيب والكلمات، ألسنتهم طليقة، وعباراتهم رقيقة، يمرُق الكلام من أفواههم مروق السهام من أوتارهم، أعذب من الماء وألين من الهواء، يطعمون الطعام، ويواسون الأيتام، عزهم لا يرام، وجارهم لا يضام، فاستوى كسرى على كرسيه، وجرى ماء الحلم في وجهه، وقال لجلسائه مشيراً إلى ابن كلدة : إني وجدته راجحاً، ولقومه مادحاً، وبفضلهم ناطقاً، ولما يورده من لفظه صادقاً، وكذا العاقل، من أحكمته التجارب، ولا يكون حاطباً مع كل حاطب، ثم بشَّ في وجهه قائلاً، لله درك من عربي، لقد أعطيت علماً، وخـُصصت فطنة وفهماً، وأحسن صلته، وقضى جميع حوائجه.

284 سراجي

استـمرُّوا !
استـمرُّوا!
ضاع لرجلٍ ولدُ، فجاء وا بالنوائح ولطموا عليه، وبقوا على ذلك أياماً. فصعد أبوه يوماً غرفة ً بسطح البيت فرأى ولده جالساً في زاوية من زواياها. فصاح به : ولدي؟! أنت بالحياة ِ! ماذا تصنع هنا؟ أما ترى ما نحن فيه؟! قال الغلام : قد علمتُ وسمعت. ولكن هاهنا بيض قد قعدتُ مثلَ الدجاجة عليه، وما يمكنني أن أتركه حتى يفقس، فأنا أريد فُرَيخاتٍ لأني أحبّها! فأشرف أبوه من السطح على النوائح وصاح بهم : قد وجدتُ ابني حياً، ولكن لا تقطعوا اللّطمَ عليه. أُلطُموا كما كنتم!

285 سراجي

الحجّـاج في النـار
الحجّـاج في النـار
حَلَف رجلٌ بالطّلاق أن الحجّاج بن يوسف في النّار. فقيل له : ” سَلْ عن يمينك وعمّا إذا كانت امرأتُك تجوزُ لك “. فأتى أيوب السِّخْتِيَاني الزّاهد، فأخبره. فقال له : لستُ أُفتى في هذا بشيء، يغفرُ الله لمن يشاء. فأتى شيخَ المعتزلة عمرو بن عُبيد، فأخبره ـ فقال : تمسَّك بامرأتِك، فإن الحجّاجَ إن لم يكن من أهل النار فليس يضُرُّكَ أن تَزْنِي!

286 سراجي

القط الأعمى
القـطّ الأعمـى
كان ابن بابشاذ في مصر إمام عصره في علم النحو. وكانت وظيفته أن ديوان الإنشاء لا يخرج منه كتاب حتى يُعرض عليه ويتأمله، فإن كان فيه خطأ من جهة النحو أو اللغة أصلحه. وكان له على هذه الوظيفة راتب من الخزانة يتناوله في كل شهر. ويُحكى أنه كان يومًا في سطح جامع مصر وهو يأكل شيئًا وعنده ناس. فحضرهم قط فرموا له لقمة، فأخذها في فيه وغاب عنهم ثم عاد إليهم. فرموا له شيئًا آخر، ففر كذلك، وتردّد مرارًا كثيرة وهم يرمون له وهو يأخذه ويغيب به ثم يعود من فَوْرِه حتى عجبوا منه، وعلموا أن مثل هذا الطعام لا يأكله وحده لكثرته. فلما استرابوا حاله، تبعوه، فوجدوه، يَرْقَى إلى حائط في سطح الجامع، ثم ينزل إلى موضع خالٍ وفيه قط أعمى، وكل ما يأخذه من الطعام يحمله إلى ذلك القط ويضعه بين يديه، وهو يأكله. فعجبوا من تلك الحال، فقال ابن بابشاذ : إذا كان هذا حيوانًا قد سخّر الله له هذا القط ليقوم بكفايته، ولم يحرمه الرزق، فكيف يُضيِّع مثلي؟ ثم استعفى الشيخ من الخدمة ونزل عن راتبه.

287 سراجي

الصوم والحر
الصوم والحر
كان الحجاج بن يوسف الثقفي، على ما به من صلف وتجبر وحب لسفك الدماء، جواداً كريماً، لا تخلو موائده كل يوم من الآكلين، وكان يرسل إلى مستطعميه الرسل، ولما شق عليه ذلك، قال لهم : رسولي إليكم الشمس إذا طلعت، فاحضروا للفطور، وإذا غربت، فاحضروا للعشاء. وحدث أن خرج يوماً للصيد، وكان معه أعوانه وحاشيته، ولما حضر غداؤه، قال لأصحابه، التمسوا من يأكل معنا، فتفرقوا كل إلى جهة، فلم يجدوا إلا أعرابياً، فأتوا به، فقال له الحجاج : هلم يا أعرابي فَكُلْ، قال الأعرابي : لقد دعاني من هو أكرم منك فأجبته، قال الحجاج : ومن هو؟ قال الأعرابي : الله سبحانه وتعالى، دعاني إلى الصوم فأنا صائم. قال الحجاج : صوم في مثل هذا اليوم على حره؟ قال الأعرابي : صمتُ ليوم هو أحرُّ منه، قال الحجاج : فأفطر اليوم وصم غداً، فقال الأعرابي : أَوَيضمن لي الأمير أن أعيش إلى غد؟ قال الحجاج : ليس لي إلى ذلك سبيل. قال الأعرابي : فكيف تطلب مني عاجلاً بآجل ليس إليه سبيل؟ قال الحجاج : إنه طعام طيب. قال الأعرابي : والله ما طيَّبه خبازك ولا طباخك، ولكن طيبته العافية. قال الحجاج : أبعدوه عني.

288 سراجي

أذان بـــلال
أذان بـــلال
رُوي أن بلالاً رأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يقول له : ما هذه الجفوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني يا بلال، فانتبه حزيناً وجلا خائفاً، فركب راحلته، وقصد المدينة، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجعل يبكي عنده، ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما، فقالا له : نشتهي أن نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد، فعلا سطح المسجد، ووقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال : الله أكبر الله أكبر، ارتجت المدينة، فلما أن قال : أشهد أن لا إله إلا الله، ازدادت رجتها، فلما أن قال : أشهد أن محمداً رسول الله، خرجت العواتق من خدورهن وقلن : أبـُعـِثَ الرسول صلى الله عليه وسلم؟ قال : فما رأيت يوماً أكثر باكياً ولا باكية بالمدينة، بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك اليوم.

289 سراجي

أحفظه لك
أحفظه لك
قال محمد بن شبيب غلام النظّام : دخلتُ إلى دار الأمير بالبصرة، وتركت حماري بالفناء. فجاء صبيُّ وأخذ يربت على ظهر الحمار. فقلت له : دَعْه! قال : إني أحفظُه لك حتى تعود. قلت : لا أريد حِفْظَه. قال : يضيع إذن. قلت : لا أبالي بضياعه. قال : إن كنت لا تبالي بضياعه فَهَبْهُ لي. فما وجدتُ ما أردّ به عليه.

290 سراجي

أتهـزأ بـي ؟
أتهـزأ بـي؟
بينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الطواف، إذ سمع أعرابياً يقول : يا كريم، فقال النبي خلفه : يا كريم، فمضى الأعرابي إلى جهة الميزاب وقال : يا كريم، فقال النبي خلفه : يا كريم، فالتفت الأعرابي إلى النبي وقال : يا صبيح الوجه، يا رشيق القد، أتهزأ بي لكوني أعرابياً؟ والله لولا صباحة وجهك، ورشاقة قدك، لشكوتك إلى حبيبي، محمد صلى الله عليه وسلم، فتبسم النبي وقال : أما تعرف نبيك يا أخا العرب، فقال الأعرابي : لا، فقال النبي : فما إيمانك به، فقال : آمنت بنبوته ولم أره، وصدَّقت برسالته ولم ألقه، فقال النبي : يا أعرابي، اعلم أني نبيك في الدنيا وشفيعك في الآخرة، فأقبل الأعرابي يقبـِّل يد النبي، فقال النبي : مه يا أخا العرب، لا تفعل بي كما تفعل الأعاجم بملوكها، فإن الله سبحانه وتعالى بعثني لا متكبراً ولا متجبراً، بل بعثني بالحق بشيراً ونذيراً، فهبط جبريل على النبي وقال له : يا محمد، السلام يقرئك السلام، ويخصك بالتحية والإكرام، ويقول لك : قل للأعرابي، لا يغرَّنه حلمنا ولا كرمنا، فغداً نحاسبه على القليل والكثير، والفتيل والقـِطمير، فقال الأعرابي : أو يحاسبني ربي يا رسول الله؟ قال : نعم يحاسبك إن شاء، فقال الأعرابي : وعزته وجلاله، إن حاسبني لأحاسبنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وعلى ماذا تحاسب ربك يا أخا العرب؟ فقال الأعرابي : إن حاسبني ربي على ذنبي حاسبته على مغفرته، وإن حاسبني على معصيتي، حاسبته على عفوه، وإن حاسبني على بخلي حاسبته على كرمه، فبكى النبي حتى ابتلت لحيته، فهبط جبريل على النبي وقال : يا محمد، السلام يقرئك السلام، ويقول لك : يا محمد قلـّل من بكائك فقد ألهيت حملة العرش عن تسبيحهم، قل لأخيك الأعرابي لا يحاسبنا ولا نحاسبه فإنه رفيقك في الجنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى