طرائف وحكايات

طرائف وحكايات – 24

231 سراجي

ما براهينـك ؟
ما براهينـك؟
حدّث ثمامة بن أشرس قال : شهدتُ مجلساً للمأمون وقد أُتِيَ برجل ادعى أنه إبراهيم الخليل. فقال له المأمون : ما سمعت بأجرأ على الله من هذا. قلت : إن رَأَى أمير المؤمنين أن يأذن لي في كلامه. قال : شأنك وإياه. قلت : يا هذا، إن إبراهيم عليه السلام كانت له براهين. قال : وما براهينه؟ قلت : أُضْرِمَتْ له النار وأُلقِيَ فيها فكانت عليه برداً وسلاماً. فنحن نُضْرِمُ لك ناراً ونطرحك فيها فإن كانت عليك برداً وسلاماً آمنّا بك وصدّقنَاك. قال : هات ما هو أَلْينُ من هذا. قلت : فبراهين موسى عليه السلام. قال : وما هي؟ قلت : ألقى العصا فإذا هي حية تسعى تَلْقَفُ ما يأفكون، وضرب بها البحر فانفلق، وبياض يده من غير سوء. قال : هذا أصعب. هات ما هو أَلْين. قلت : فبراهين عيسى عليه السلام. قال : وما براهينه؟ قلت : إحياء الموتى. قال : جئت بالطّامّة الكبرى! دعني من براهين هذا. قلت : فلا بدّ من براهين! قال : ما معي من هذا شيء. قلتُ لجبريل : ” إنكم توجّهونني إلى شياطين فأعطوني حجة أذهب بها وإلا لم أذهب “، فغضب جبريل عليّ وقال : ” اذهب أولاً فانظر ما يقول لك القوم “! فضحك المأمون وقال : هذا من الأنبياء التي تصلح للمنادمة!

232 سراجي

ابن أبيه
ابن أبيه
رُوي أن رجلاً بلغ من البخل غايته، حتى صار إماماً، وكان إذا وقع في يده درهم، خاطبه وناجاه فكان يقول : كم من أرض قطعت، وكم من كيس فارقت، وكم من خامل رفعت، وكم من رفيع أخملت، فالآن، استقر بك القرار، واطمأنت بك الدار، لك عندي ألا تـَعـْرى ولا تضحى، ثم يلقيه في كيسه ويقول له : اسكن اسكن على اسم الله، في مكان لا تهان ولا تـُذلُّ فيه، ولا تـُزعج منه. وألح أهله عليه مرة في إنفاق درهم، فدافعهم ما أمكن، ثم أخرج درهما، فبينما هو ذاهب، إذ رأى حوَّاء قد أرسل على نفسه أفعى لدرهم يأخذه، فقال في نفسه : أتـْلف شيئاً تـُبذل فيه النفس بأكلة أو شربة!! والله ما هذا إلا موعظة لي من الله، فرجع إلى بيته، ورد الدرهم إلى كيسه، فكان أهله منه في بلاء، وكانوا يتمنوْن له موتاً عاجلاً، فلما مات، وظنوا أنهم استراحوا منه، جاء ابنه، فاستولى على ماله وداره ثم سأل : ما كان أُدم أبي؟ فقال : كان يأتدِم بجبن عنده، قال : أرونيه، فإذا فيه حزُّ كالجدول، من أثر مسح اللقمة، فقال : ما هذه الحفرة؟ قالوا : كان لا يقطع الجبن، وإنما كان يمسح اللقمة على ظهره، فيـُحفر كما ترى، قال : بهذا أهلكني وأقعدني هذا المقعد، لو علمت ذلك ما صليت عليه يوم مات، قالوا : فكيف أنت تريد أن تصنع؟ قال : أضعها من بعيد، فأشير إليها باللقمة.

233 سراجي

أبو حنيفة وتلميذه أبو يوسف
أبو حنيفة وتلميذه أبو يوسف
مرض أبو يوسف مرضًا شديدًا، فعاده أستاذه أبو حنيفة مرارًا. فلما صار إليه آخر مرة، رآه ثقيلاً، فاسترجع، ثم قال : لقد كنتُ أُؤَمّله بعدي للمسلمين، ولئن أُصيبَ الناسُ به ليموتَنّ علمٌ كثير. ثم رُزق أبو يوسف العافية، وخرج من العِلَّة. فلما أُخبِر بقول أبي حنيفة فيه، ارتفعت نفسُه، وانصرفت وجوه الناس إليه، فعقد لنفسه مجلسـًا في الفقه، وقصـَّر عن لُزوم مجلس أبي حنيفة. وسأل أبو حنيفة عنه فأُخبر أنه عقد لنفسه مجلسًا بعد أن بلغه كلام أستاذه فيه. فدعا أبو حنيفة رجلاً وقال له : صـِرْ إلى مجلس أبي يوسف، فقل له : ما تقول في رجل دفع إلى قَصَّار ثوبًا ليصبغه بدرهم، فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب، فقال له القصار : ما لك عندي شيء، وأنكره. ثم إن صاحب الثوب رجع إليه، فدفع إليه الثوب مصبوغًا، أَلَه أجرُه؟ فإن قال أبو يوسف : له أجره، فقل له : أخطأت. وإن قال : لا أجرَ له فقل له : أخطأت! فصار الرجل إلى أبي يوسف وسأله، فقال أبو يوسف : له الأجرة. قال الرجل : أخطأت. ففكر ساعة، ثم قال : لا أجرة له. فقال له : أخطأت! فقام أبو يوسف من ساعته، فأتى أبا حنيفة. فقال له : ما جاء بك إلا مسألة ُ القصَّار. قال : أجل. فقال أبو حنيفة : سبحان اللّه! من قعد يُفتي الناس، وعقد مجلسًا يتكلم في دين اللّه، لا يُحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات؟! فقال : يا أبا حنيفة، علِّمني. فقال : إنْ صبغه القصار بعدما غَصَبه فلا أجرة له، لأنه صبغ لنفسه، وإن كان صبغه قبل أن يغصبه، فله الأجرة، لأنه صبغه لصاحبه. ثم قال : مَن ظن أن يستغني عن التعلُّم فَلْيَبكِ على نفسه.

234 سراجي

بستـان الخليـفة
بستـان الخليـفة
لمّا قُبض على الخليفة العباسي القاهر وسُمِلت عيناه وأفضت الخلافة إلى الراضي، طولب القاهر بأمواله الكثيرة التي خبأها، فأنكر أن يكون عنده شيء. فأوذي وعُذِّب بأنواع من العذاب، وكل ذلك لا يزيده إلا إنكاراً. فأخذه الخليفة الراضي وقرّبه، وطالت مجالستُه إياه وإكرامه له، ولاطفه وأحسن إليه غاية الإحسان. وكان للقاهر بستان في بعض الحصون قد غرس فيه النّارنج، اشتبكت أشجاره ولاحت ثماره كالنجوم من أحمر وأصفر، وبين ذلك أنواع الرياحين والزهر، وأنواع الأطيار من الشَّحارير والببغاء مما قد جُلب إليه من الممالك والأمصار. وكان ذلك في غاية الحسن، وكان القاهر كثير الجلوس فيه. ثم إن الراضي رَفَق بالقاهر، وأعلمه بما هو فيه من حاجة إلى الأموال، وسأله أن يُسعِفه بما خبأه منها، وحلف له بالأيمان المؤكدة أنه لا يسعى في قتله ولا الإضرار به ولا بأحد من ولده. فقال له القاهر : ليس لي مال إلا في بستان النارنج. فصار الراضي معه إلى البستان، وسأله عن الموضع، فقال القاهر : قد ضاع بصري فلستُ أعرف موضعه. ولكن مُرْ بحفره فإنك تظهر على المكان. فحفر البستان، وقلع تلك الأشجار والغروس والأزهار، حتى لم يبق منه موضع إلا حفره، وبولغ من حفره فلم يجد شيئاً. فقال له الراضي : ما ههنا شيء مما ذكرتَ، فما الذي حملك على ما صنعت؟ فقال القاهر : إنما كانت حَسْرَتي على جلوسك في هذا البستان وتمتّعك به، وقد كان لَذَّتي من الدنيا، فتأسّفتُ على أن يتمتع به بعدي غيري.

235 سراجي

الشـَّحـّاذ
الشـَّحـّاذ
جلس أحمد بن طولون يومـاً في بعض بساتينه، وأحضر الطعام ومن يؤاكله من خاصته. فرأى من بعيد سائلاً في ثوب خـَلـَق، وحال سيئة، وهو جالس يتأمل البستان ومن فيه. فأخذ ابن طولون رغيفـاً، فجعل عليه دجاجة وشواء لحم وقطع فالوذج كبيرة، وغطـّاه برغيف آخر، ودفعه إلى بعض غلمانه وقال له : امض إلى هذا السائل فسلـّمه إياه. وأقبل يراقب الغلامَ في تسليمه الرغيف وما يكون من الرجل. فلم يزل يتأمل السائل ساعة، ثم أمر بإحضاره. فلما مـَثـَل بين يديه كلـّمه فأحسن الجواب ولم يضطرب من هيبته. فقال له ابن طولون : هات الرسائل التي معك. فاعترف له الرجل بأنه جاسوس، وأن الكتب معه ما أوصلها ليدبـّر أمره في إيصالها، فوكل به حتى مضى وأُحضرت الكتب. فقال أحدُ الخاصة لابن طولون : أيها الأمير، إن لم يكن هذا وَحـْيـاً فهو سحر. فقال : لا والله يا هذا، ما هو وحي ولا سحر، ولكنه قياس صحيح. رأيتُ هذا الرجل على ما هو عليه من سوء الحال فأشفقتُ عليه، وعلمتُ أن مثله لا يصل إلى مثل ما بين أيدينا من الطعام. فأردتُ أن أسـُرّه بما أرسلتـُه إليه، فما هشّ له ولا مدّ يدا إليه. فنفر قلبي منه وقلت : ” هذا عينه ملأى وفي غنى عن هذا. هو جاسوس لا شك فيه “. فأحضرته أحادثه، فازداد إنكاري لأمره لقوّة قلبه واجتماع لبـّه، وأنه ليس عليه من شواهد الفقر ما يدل على فقره.

236 سراجي

حـج عنـه ملــك
حـج عنـه ملــك
كان عبد الله بن المبارك، صاحب أبي حنيفة رضي الله عنهما، يحج سنة، ويغزو أخرى، حدّث عن نفسه قال : لما كانت السنة التي أحج فيها، خرجت بخمسمائة دينار إلى موقف الجمال بالكوفة لأشتري جملاً، فرأيت امرأة على بعض الطريق تنتف ريش بطة، أحسبها ميتة، فتقدمت إليها وقلت : لـِمَ تفعلين هذا؟ فقالت : يا عبد الله، لا تسألني عما لا يعنيك، فوقع في خاطري من كلامها شيء، فألححت عليها فقالت : يا عبد الله، قد ألجأتني إلى كشف سري إليك. ثم قالت : يرحمك الله، أنا امرأة علوية، ولي أربع بنات، مات أبوهن من قريب، وهذا اليوم الرابع ما أكلن شيئاً، وقد حلت لنا الميتة، فأخذت هذه البطة أصلحها وأحملها إلى بناتي، فقلت في نفسي ويحك يا ابن المبارك، أين أنت من هذه؟ أبسطي حجرك، فصببت الدنانير في طرف إزارها، وهي مطرقة لا تلتفت، وقلت لها : عودي إلى بيتك، فاستعيني بهذه الدنانير على إصلاح شأنك، ونزع الله من قلبي شهوة الحج في هذا العام، ثم تجهزت إلى بلادي، وأقمت حتى حج الناس وعادوا، فخرجت أتلقى جيراني وأصحابي، فصار كل من أقول له : قبل الله حجتك، وشكر سعيك، يقول لي : وأنت قبل الله حجتك وسعيك، إنـّا قد اجتمعنا بك في مكان كذا وكذا، وأكثرَ الناس عليّ في القول، فبتُّ مفكراً في ذلك، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو يقول يا عبد الله لا تعجب فإنك أغثت ملهوفة من ولدي، فسألت الله أن يخلق على صورتك ملكاً يحج عنك.

237 سراجي

حكاية الإخشيد مع المُطَمِّع
حكاية الإخشيد مع المُطَمِّع
أمر الإخشيد بهدم المواخير ودور المقامرين والقبض عليهم. وأُدخِل عليه جماعة من المقامرين وعُرضوا عليه، وفيهم شيخ حسن الهيئة. فقال الإخشيد : وهذا الشيخ مقامر؟!! فقالوا له : هذا يُقال له ” المُطَمِّع “. فقال الإخشيد : وما المُطَمِّع؟ قالوا : هو سبب رواج حال دار القمار، وذلك أن المقامر إذا خسر ما معه من مال، قال له المُطَمِّع : ” العب على ردائك فلعلك تغلب “، فإذا ذهب رداؤه قال له : ” العب على قميصك حتى تغلب به “، وهكذا حتى يبلغ نعليه، بل وربما اقترض له مالاً حتى يخسره. ولهذا الشيخ من صاحب دار القمار جراية يأخذها كل يوم لقاء صنعه هذا. فضحك الإخشيد وقال : يا شيخ، تُب إلى الله من هذا. فتاب الرجل، فأمر له الإخشيد بثوب ورداء وألف درهم وقال : يُجْرَى عليه في كل شهر عشرة دنانير. فدعا له الشيخ وشكره وخرج. فقال الإخشيد : رُدُّوه! فلما لحقوا به وردُّوه قال الإخشيد : خذوا منه ما أعطيناه، وأبطحوه، واضربوه ستمائة جلدة. ثم قال للشيخ : تطميعنا خير أم تطميعك؟

238 سراجي

حيلـة القاضـي
حيلـة القاضـي
كان جمال الدين بن العديم، قاضي حلب، عاقلاً عادلاً خبيراً بالأحكام. حدث أن ادّعى عنده مدّع على آخر بمبلغ. فلما أنكر المدّعى عليه، أخرج المدّعي وثيقة فيها إقرار ” منصور بن أبي جرادة بتسلم المبلغ “. فأنكر المدعى عليه أن الاسم المذكور في الوثيقة (أبا جرادة) اسم أبيه. قال له القاضي ابن العديم : فما اسمك أنت؟ قال : منصور. قال : واسم أبيك؟ قال : هبة الله. فسكت عنه القاضي، وتشاغل بالحديث مع من كان عنده حتى طال ذلك، وكان جليسه يقرأ عليه في صحيح البخاري. ثم إذا بالقاضي يصيح فجأة : يا بن أبي جرادة! فأجابه المدّعى عليه مبادراً : مولاي! فقال له : ادفع لغريمك حقَّه.

239 سراجي

خبرُ الحجّام مع الحجّاج
خبرُ الحجّام مع الحجّاج
احتجم الحجـّاج ذات يوم، فلما ركـّب المحاجم على رقبته قال له : أُحبّ أيها الأمير أن تخبرني بخبرك مع ابن الأشعث وكيف عصا عليك فقال له : لهذا الحديث وقت آخر، وإذا فرغتَ من شأنك حدَّثتك. فأعاد الحجـّام مسألته وكرّرها، والحجـّاج يدفعه ويعده ويحلف له على الوفاء له. فلما فرغ ونزع المحاجم عنه وغسل الدم، أحضر الحجـّام وقال له. إنـّا وعدناك بأن نحدّثك حديث ابن الأشعث معنا، وحلفنا لك، ونحن محدِّثوك. ثم نادى : يا غلام، السِّياط! فأُتي بها. فأمر الحجاج بالحجام فجـُرِّد، وعـَلـَتـْه السياط، وأقبل الحجاج يقصّ عليه قصة ابن الأشعث بأطول حديث. فلما فرغ استوفى الحجامُ خمسمائة سوط، فكاد يتلف. ثم رفع الضرب وقال له : قد وفـَّينا لك بالوعد، وأيّ وقت أحببت أن تسأل خبرنا مع غير ابن الأشعث على هذا الشرط أجبناك!

240 سراجي

أحمد بن طولون والصيّاد
أحمد بن طولون والصيّاد
ركب أحمد بن طولون فاجتاز بشاطئ النيل فوجد عنده شيخًا صيادًا عليه ثوب خلق لا يواريه، ومعه صبي في مثل حاله من العُرْي وقد رمى الشبكة في البحر. فرثى لهما أحمد بن طولون، وقال لنسيم الخادم : يا نسيم، ادفع إلى هذا الصياد عشرين دينارًا. ثم رجع ابن طولون عن الجهة التي كان قصدها واجتاز بموضع الصياد فوجده ملقى على الأرض وقد فارق الدنيا والصبي يبكي ويصيح. فظن ابن طولون أن شخصًا قتله وأخذ الدنانير منه. فوقف بنفسه عليه وسأل الصبي عن خبره فقال الصبي : هذا الرجل ـ وأشار إلى نسيم الخادم ـ وضع في يد أبي شيئا ومضى، فلم يزل أبي يقلبه من يمينه إلى شماله ومن شماله إلى يمينه حتى سقط ميتًا. فقال ابن طولون لغلمانه : فتشوا الشيخ. ففتشوه فوجدوا الدنانير معه. وأراد ابن طولون الصبي على أن يقبض دنانير أبيه إليه فأبى، وقال : أخاف أن تقتلني كما قتلت أبي. فقال أحمد بن طولون لمن معه : الحق معه، فالغِنَى يحتاج إلى تدريج وإلا قَتَل صاحبَه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى