طرائف وحكايات

طرائف وحكايات – 22

211 سراجي

لولا فصاحتهم لضرب أعناقهم
لولا فصاحتهم لضرب أعناقهم
لما تولى الحجاج شؤون أرض العراق، أمر أحد مرؤوسيه أن يطوف بالليل، فمن وجده بعد العشاء ضرب عنقه.. فطاف ليلة، فوجد ثلاثة صبيان، فأحاط بهم وسألهم : من أنتم، حتى خالفتم الأمر؟!..
فقال الأول :
أنا ابن الذي دانت الرقاب له *** ما بين محزومها وهاشمها
تأتي إليه الرقاب صاغرة *** يأخذ من مالها ومن دمها
فأمسك عن قتله، وقال لعله من أقارب الأمير.

فقال الثاني :
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره *** وإن نزلت يوماً فسوف تعود
ترى الناس أفواجاً إلى ضوء ناره *** فمنهم قيام حولها وقعود
فتأخر عن قتله وقال : لعله من أشراف العرب الكرام.

وقال الثالث :
أنا ابن الذي خاض الصفوف بعزمه *** وقومها بالسيف حتى استقامت
ركاباه لا تنفك رجلاه منهما *** إذا الخيل في يوم الكريهة ولت
فترك قتله وقال : لعله من شجعان العرب.

فلما أصبح رفع أمرهم إلى الحجاج، وأحضرهم، وكشف عن حالهم، فإذا بالأول إبن حجام (حلاق)، والثاني ابن بائع فول، والثالث ابن حائك ثياب!..
فتعجب الحجاج من قصائدهم، وقال لجلسائه : علموا أولادكم الأدب، فلولا فصاحتهم، لضرب أعناقهم!..
ثم أطلقهم وأنشد :
كن ابن من شئت واكتسب أدبا *** يغنك محموده عن النسب
إن الفتى من قال هاأنذا *** ليس الفتى من يقول كان أبي

212 سراجي

الحب والزمن
الحب والزمن
في يوم من الأيام، كان هناك جزيرة يعيش فيها كل الأحاسيس : الحب، السعادة، الحزن، المعرفة وغيرها.
وفي يوم من الأيام، وصل لجميع الأحاسيس علم، بأن الجزيرة ستغرق في قلب المحيط.. جميع الأحاسيس بدأت في تجهيز القوارب للرحيل، ما عدا الحب الذي فضل أن يستمتع بجمال الجزيرة، حتى آخر لحظة.
وعندما بدأت الجزيرة في الهبوط لأخر جزء فيها، بدأ الحب في البحث عن من يساعده في هذه اللحظة..
مر به الغني بقارب كبير، فقال له : الحب يا غني، سآتي معك في قاربك!..
ولكن الغنى أجاب – معتذراً -: بأن قاربه مليء بالذهب والفضة، ولا توجد أي من الغرف الخالية.

قرر الحب أن يسأل الغرور، الذي كان يمر به في قارب غاية في الجمال، فقال له – وهو يبكي -: يا غرور!.. أرجوك ساعدني!.. ولكنة أيضا أعتذر بأن قال : أنت مبلل بالماء، وستفسد قاربي الجميل.

ثم وجد الحب الحزن يمر به، فقال له : أرجوك دعني أذهب معك!.. ولكن الحزن أجاب : آسف أرغب في أن أكون وحدي.

ظل الحب يبكي، وحينها رأى السعادة تمر به، قال لها – وهو يبكي -: أرجوك خذيني معك!.. ولكنها كانت في غمر سعادتها، ولم تسمع الحب وهو يناديها.

ظل الحب يبكي، وحينها سمع صوتا يقول له : تعال يا حب!.. أنا سآخذك معي!.. كان عجوزا، ولكن الحب شعر بالسعادة والنعمة، ولكنه نسي أن يسأله عن اسمه.. وعندما قارب على الوصول إلى الشاطئ، ذهب العجوز في طريقه.. وعندها أدرك الحب، كم هو مدين لهذا العجوز!..
نظر الحب للمعرفة، وسألها : من يكون هذا العجوز الذي ساعدني؟..
أجابت المعرفة : إنه الزمن.
فسأل الحب : ولكن لماذا الزمن ساعدني، في الوقت الذي لم يرغب أحد في مساعدتي؟..
ابتسمت المعرفة، وأجابت بكل حكمة وصدق : لأن الزمن هو الوحيد الذي يقدر كم هو عظيم الحب!..

213 راجي

لقمة الحلال
لقمة الحلال
لما سأل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) النبي (صلى الله عليه وآله) قال : ما أفضل الأعمال؟، قال : الورع عن محارم الله
كلما كان الإنسان متحفظا في مأكله و طعامه، كان نباته حسنا، و أعظم شيء يذكر في هذا المجال قصة المحقق الاردبيلي، فهو نتاج لقمة الحلال، و طهارة النطفة التي تعتبر أساساً لمخلوق جيد.
فقد جاء والده إلى قناة يملأ قربته ماء ً فرأى تفاحة تجري على الماء، فأخذها و أكلها، ولكنه وقف فجأة يفكر، كيف أكل التفاحة، و لم يستأذن من صاحبها، فأخذ يعاتب نفسه على هذا التصرف الذي لا ينبغي صدوره منه، و لذا فكر في أن يمشي باتجاه معاكس لجريان الماء، لعله يصل إلى صاحب التفاحة، فيسترضيه على أكله لها، مشى مسافة حتى وصل إلى مزرعة التفاح، فلقي صاحب المزرعة، و كان عليه سيماء الصالحين فقال له : إن تفاحة كانت تجري على الماء في القناة، فأخذتها، و أكلتها أرجوك أرض عني!
أجابه الرجل : كلا لن أرضى عنك.
قال : أعطيك ثمنها.
قال : لا
و بعد الإصرار و الإلحاح الشديدين وافق صاحب المزرعة، أن يرضَ عنه ولكن بشرط واحد!
قال الشاب : فما هو الشرط؟
أجاب الرجل : عندي ابنة عمياء، صماء، خرساء، مشلولة الأرجل، إذا وافقت أن تتزوجها أرضَ عنك وإلا فلا!
يقول (صلى الله عليه وآله) : لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلاّ مخافة الله إلاّ أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة

فلما رأى الشاب أنه لا سبيل إلى جلب رضاه إلا بالموافقة على هذا الشرط الصعب، دعاه إيمانه إلى الموافقة. و هو يندب حظه، و يسترجع (يسترجع : أي يقول إنا لله و إنا إليه راجعون) على هذا البلاء العظيم جراء تفاحة. مضت الأمور كما يريد أبو البنت، و قرأ العقد، و تزوج الشاب، و عند دخوله على عروسه فوجى ء بعروس ذات قامة ممشوقة، و هي في غاية الجمال، أنها مواصفات نقيضة للمواصفات التي ذكرها له أبوها. فخرج الشاب مسرعا (خشية حدوث خطأ في الزواج فتحدث له مشكلة أخرى) و إذا بالرجل ينتظره مبتسماً قال : خيراً إلى أين؟
قال الشاب : إن البنت التي ذكرت لي وصفها ليست هي العروس التي دخلت عليها؟!
أجابه الرجل : إنها هي. لأني حينما وجدتك جاداً في جلب رضاي لأكلك تفاحة خرجت عن حيازتي، و سقطت في الماء و أخذها الماء مسافة بعيدة و جئت تطلب الحل، علمت إنك الشاب الذي كنت انتظره منذ أمد لأزوجه ابنتي الصالحة هذه. و لقد قلت لك : إنها عمياء خرساء، فلأنها لم تنظر، ولم تكلم رجلا أجنبيا قط.
و قلت لك : إنها مشلولة، فلأنها لم تخرج من المنزل لتدور في الطرق، و إنها صماء، فلأنها لم تستمع إلى غيبة أو غناء، أليست هذه فتاة مؤمنة يستحقها شاب مثلك؟
فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) : ترك لقمة الحرام أحب إلى الله من صلاة ألفي ركعة تطوعًا

و كان ثمار هذا الزواج المبارك ولادة إنسان اشتهر في ورعه و تقواه وقربه إلى الله و حبه للنبي (صلى الله عليه وآله) ومودته العميقة لأهل البيت (عليهم السلام) و عرف عنه كثرة ملاقاته لمولانا صاحب العصر و الزمان، و هو المقدس الجليل الشيخ أحمد الاردبيلي.
ولكي نعلم كيف صار الشيخ المقدس، هكذا لننظر إلى أمه ماذا تقول حينما سُئلت كيف صار ولدها الشيخ بهذا المقام؟ فأجابت : أني لم آكل في حياتي لقمة مشبوهة، و قبل إرضاع طفلي كنت مداومة على إسباغ الوضو ء، ولم انظر إلى رجل أجنبي بريبة قط، و سعيت في تربية طفلي أن أراعي النظافة و الطهارة، و أن يصاحب الأولاد الصالحين.
ونحن حينما نتأمل هذه الحادثة العظيمة نعرف كيف يكون أثر لقمة الحلال، و كيف يؤثر الاجتناب عن المحرمات، و ردع النفس عن الاقتحام في الشبهات و المحظورات. فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) : ترك لقمة الحرام أحب إلى الله من صلاة ألفي ركعة تطوعًا، (عدة الداعي : 65).
لما سأل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) النبي (صلى الله عليه وآله) قال : ما أفضل الأعمال؟، قال : الورع عن محارم الله، (بحار الأنوار 42 : 190)، و يقول (صلى الله عليه وآله) : لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلاّ مخافة الله إلاّ أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة، (كنز العمال 15 : 787).

214 fawzia – london

اعرف قدر كل شيء تملكه
في يوم من الأيام كان هناك رجل ثري جدا أخذ ابنه في رحلة إلى بلد فقير، ليري ابنه كيف يعيش الفقراء, لقد أمضوا أياما وليالي في مزرعة تعيش فيها أسرة فقير.
في طريق العودة من الرحلة سأل الأب ابنه : كيف كانت الرحلة؟
قال الابن : كانت الرحلة ممتازة.
قال الأب : هل رأيت كيف يعيش الفقراء؟
قال الابن : نعم.
قال الاب : إذا أخبرني ماذا تعلمت من هذه الرحلة؟
قال الابن : لقد رأيت أننا نملك كلبا واحدا، وهم (الفقراء) يملكون أربعة.
ونحن لدينا بركة ماء في وسط حديقتنا، وهم لديهم جدول ليس له نهاية.
لقد جلبنا الفوانيس لنضيء حديقتنا، وهم لديهم النجوم تتلألأ في السماء.
باحة بيتنا تنتهي عند الحديقة الأمامية، ولهم امتداد الأفق.
لدينا مساحة صغيرة نعيش عليها، وعندهم مساحات تتجاوز تلك الحقول.
لدينا خدم يقومون على خدمتنا، وهم يقومون بخدمة بعضهم البعض.
نحن نشتري طعامنا، وهم يأكلون ما يزرعون.
نحن نملك جدراناً عالية لكي تحمينا، وهم يملكون أصدقاء يحمونهم.
كان والد الطفل صامتا.. عندها أردف الطفل قائلا : شكرا لك يا أبي!.. لأنك أريتني كيف أننا فقراء!..

ألا تعتبرها نظرة رائعة؟..
تجعلك ممتنا، أن تشكر الله تعالى على كل ما أعطاك، بدلا من التفكير والقلق فيما لا تملك!..
اعرف قدر كل شيء تملكه!..

215 سراجي

قصة الكوخ
هبت عاصفة شديدة، على سفينة في عرض البحر، فأغرقتها.. ونجا بعض الركاب، منهم رجل أخذت الأمواج تتلاعب به، حتى ألقت به على شاطئ جزيرة مجهولة ومهجورة.
ما كاد الرجل يفيق من إغمائه ويلتقط أنفاسه، حتى سقط على ركبتيه، وطلب من الله المعونة والمساعدة، وسأله أن ينقذه من هذا الوضع الأليم.
مرت عدة أيام، كان الرجل يقتات خلالها من ثمار الشجر، وما يصطاده من أرانب، ويشرب من جدول مياه قريب، وينام في كوخ صغير، بناه من أعواد الشجر, ليحتمي فيه من برد الليل وحر النهار.
وذات يوم، أخذ الرجل يتجول حول كوخه قليلا، ريثما ينضج طعامه الموضوع على بعض أعواد الخشب المتقدة.. ولكنه عندما عاد، فوجئ بأن النار التهمت كل ما حولها.
فأخذ يصرخ : لماذا يا رب؟!.. حتى الكوخ احترق!.. لم يعد يتبقى لي شيء في هذه الدنيا!.. وأنا غريب في هذا المكان!.. والآن أيضاً يحترق الكوخ الذي أنام فيه!.. لماذا – يا رب – كل هذه المصائب تأتى على؟!..
ونام الرجل من الحزن، وهو جوعان.. ولكن في الصباح، كانت هناك مفاجأة في انتظاره!.. إذ وجد سفينة تقترب من الجزيرة، وتنزل منها قارباً صغيراً لإنقاذه.
أما الرجل فعندما صعد على سطح السفينة، أخذ يسألهم كيف وجدوا مكانه، فأجابوه :
لقد رأينا دخاناً، فعرفنا إن شخصاً ما، يطلب الإنقاذ!..

فسبحان من علِم بحاله، ورأى مكانه!..
سبحانه مدبر الأمور كلها، من حيث لا ندري ولا نعلم!..
إذا ساء ت ظروفك، فلا تخف.. فقط ثِق بأن الله تعالى له حكمة، في كل شيء يحدث لك، وأحسن الظن به.. وعندما يحترق كوخك، اعلم أن الله يسعى لإنقاذك.

216 fawzia – london

القدر المحتوم
القدر المحتوم
الواقعة الأولى :
قبل فترة قرأت كتاباً جميلاً، يدعى ألغاز العقل (أو Mysteries of the Mind)، تضمن قصة من أسبانيا تستحق الذكر.. فقد كان السيد ” جايم كاستل ” ينتظر ولادة طفله الأول، ولكنه بدأ يحلم قبل ولادته بثلاثة أشهر، بمن يخبره بأنه لن يرى ذلك الطفل أبداً.. ومع تكرار الحلم، أيقن أنه سيموت لا محالة.. فسارع بالتأمين على حياته، بمبلغ (7) ملايين بزيستا، تدفع بعد موته لطفله الجديد. وبعد أسبوعين اصطدمت به سيارة منحرفة، فمات على الفور.. غير أن شركة التأمين، علمت بقضية الحلم من أحد الأقرباء، فرفضت دفع مبلغ التأمين، بحجة أن كاستل كان يعلم بأمر موته قبل وفاته.. وهكذا ظلت القضية عالقة في المحاكم بين أخذ ورد، حتى صرفت للطفل قبل عامين فقط!..

الواقعة الثانية :
هذه القصة ذكرتني بمثيل لها حدثت إبان الثورة الأمريكية.. فقد حلم الوزير المالي للمستعمرات الشرقية ” روبرت موريس “، بأنه سيقتل بواسطة قذيفة مدفعية، أثناء زيارته لإحدى سفن البحرية في اليوم التالي. وقد أقلقه الحلم لدرجة فكر بإلغاء الزيارة.. إلا أنه عدل عن رأيه، وقرر اتخاذ ” الاحتياطات ” اللازمة، فأصدر أوامره إلى كابتن السفينة بأن لا تطلق مدافع التحية أبدا، حتى يعود إلى الشاطئ. كما حذره من حمل الجنود لأي أسلحة نارية، أو وجود أي بارود على ظهر السفينة. وفعلا انتهت الزيارة بسلام، واستقل موريس وأعوانه أحد القوارب نحو الشاطئ.. وفي تلك الأثناء، وبينما كان كابتن السفينة يراقب وصول القارب، وقفت ذبابة على أنفه، وحين رفع يده ليبعدها، ظن أحد الجنود أنها إشارة البدء بإطلاق مدافع التحية.. وهكذا أطلق الجندي قذيفة، انحرفت باتجاه القارب الذي يستقله موريس، فتسبب في موته، وهو يهم بالنزول للشاطئ.
(المصدر : The American Society Mag – أبريل 1970)

الواقعة الثالثة :
أما قصتنا الثالثة فحادثة مشهورة وقعت في يوليو 1900 حين وصل ملك إيطاليا (أمبرتو الأول) إلى مدينة مونزا، ليفتتح حفلاً رياضياً في اليوم التالي. وفي ليلة وصوله خرج سراً مع مساعده (دي كامب جن)، إلى أحد المطاعم لتناول الغداء. وكان المطعم مزدحما، بحيث قام صاحب المطعم بخدمتهما.. ولكن ما إن اقترب الرجل من طاولتهما حتى عقدت الدهشة ألسنة الرجال الثلاثة ؛ فقد كان صاحب المطعم يشبه الملك في كل شيء، في الملامح، والجسم، وحتى في الشنب الكبير!.. وسرعان ما نسي الملك أمر الطعام، ودخل في نقاش طويل مع الرجل (الذي يجهل هويته)، حول هذه المصادفة الغريبة. وكان كلما استطرد في الكلام، زادت دهشته من تشابه التفاصيل، فالرجل ولد في نفس المدينة، وفي نفس التاريخ (14 مايو 1844)، وكان له نفس الاسم، وتزوج معه في نفس اليوم (22 أبريل 1868) من امرأتين لهما نفس الاسم (مارجريتا)، وكان لكليهما ابن بكر يدعى (فتيريو)، كما افتتح مطعمه في ذات اليوم الذي توج فيه الملك على إيطاليا!..
وما إن عاد صاحب المطعم لعمله، حتى قال الملك لمساعده : هذا الرجل سيفيدني في أشياء كثيرة، تأكد من حضوره حفل الافتتاح غداً!..
وفي اليوم التالي، تفقد الملك شبيهه، فلم يجده.. وحين سأل مساعده، بدا عليه الارتباك، وأخبره أن صاحب المطعم أصيب بطلق ناري خلال شجار، وقع في المطعم، فتوفي ” قبل قليل “.. عندها ارتعد الملك، وشعر بغصة في حلقه، فالقتيل كان يسبقه دائما بساعات قليلة.. وعلى الفور نادى حرسه الخاص، وأغلق المكان، وحاول الهرب.. ولكن ” محاولة الهرب ” قربته من مجرم ثائر، أطلق عليه ثلاث رصاصات قاتلة، فكانت نهاية الملكية في إيطاليا!.
(المصدر : Mysteries Of Unexplain)

هذه القصص الثلاث، تثبت استحالة هرب المرء من قدره، مهما حاول، مصداقاً لقوله تعالى : أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة.. والعجيب أكثر أن من قدر لهم الإطلاع على تفاصيل وفاتهم، (من خلال الأحلام أو الرؤى مثلاً)، كثيرا ما ينتهون للموت بسبب ” الاحتياطات ” و ” إجراء ات الحماية “، التي اتخذوها بأنفسهم.

217 سراجي

قصة أبي حسان الزيادي
قصة أبي حسان الزيادي
حدّث أبو حسان الزيادي قال : ألمت بي ضائقة ٌ بلغت الغاية، حتى ألحّ عليّ القصّاب والبقّال والخبّاز وسائر المعاملين ولم تبق لي حيلة لسداد الدين. فإني ليوما على هذا الحال، وأنا مفكر في الحيلة، إذ دخل عليّ الغلام فقال : رجل خراساني بالباب يستأذن. فقلت له : ائذن له. فدخل الخراساني فسلّم، ثم قال : ألست أبا حسان؟ قلت : نعم، فما حاجتُك؟ قال : أنا رجل غريب وأريد الحج، ومعي عشرة آلاف درهم، وأريد أن أودعها عندك إلى أن أقضي حجي وأرجع. فقلت : هاتها. فأحضرها وخرج بعد أن وزنها وخَتَمها. فلما خرج فككت الخاتم، ثم أحضرت المعاملين فقضيتُ كل ما كان له عليّ دين، واتسعتُ وأنفقتُ، وقلت : أضمن هذا المال للخراساني، وإلى أن يجيء يكون الله قد أتى بفرج من عنده. فلما أصبحتُ من غد ذلك اليوم، دخل إليّ الغلام فقال : الخراساني بالباب يستأذن. فقلت ائذن له. فدخل فقال : كنتُ عازما على ما أعلمتُك، ثم وَرَدَ عليّ الخبر بوفاة والدي، وقد عزمت على الرجوع إلى بلدي. فتأمر لي بالمال الذي أعطيتُك أمس! فَوَرَدَ عليّ أمرٌ لم يرد عليّ مثله قط، وتحيّرتُ فلم أدر بما أجيبه، وفكّرت : ماذا أقول للرجل؟ ثم قلت له : نعم، عافاك الله، ولكن منزلي هذا ليس بالحريز، ولما أخذتُ مالك أودعته في مكان آخر. فعُدْ إليّ في غدٍ لتأخذه. فانصرف، وبقيت متحيرا لا أدري ما أعمل. إن جَحَدْتُه وأنكرت أخذ المال كانت الفضيحة في الدنيا والآخرة. وأدركني الليل فلم يأخذني النوم ولا قدرت على الغمض لتفكيري في بكور الخرساني إليّ. فقمت إلى الغلام فقلت : أسرج البغلة. فقال : يامولاي، هذه العتمة ُ بعد، وما مضى من الليل شيء، فإلى أين تمضي؟ فرجعت إلى فراشي فإذا النوم ممتنع. فلم أزل أقوم إلى الغلام وهو يردّني إلى الفراش حتى فعلت ذلك ثلاث مرات وأنا لا يأخذني القرار. وطلع الفجر، وأسرج البغلة وركبت، وأنا لا أدري أين أتوجه. وطرحتُ عنان البغلة وأقبلتُ أفكر وهي تسير، حتى بلغتُ الجسر، فإذا البغلة تعدل إليه فتعبُرُه. قلت في نفسي إلى أين أعبر؟ وإلى أين أمضي؟ ولكن إن رجعتُ وجدتُ الخراساني على بابي. فلأدعها تمضي حيث شاء ت! ومضت البغلة، فلما عَبَرَتْ الجسر أخَذَتْ بي يُمْنَة ً ناحية دار المأمون، فلما قاربتْ دار المأمون والدنيا بعد مظلمة، إذا فارسٌ يقابلني، ثم إذا هو ينظر في وجهي، ثم يسير ويتركني، ثم يرجع إليّ ويقول : ألست بأبي حسان الزيادي؟ قلت : بلى. قال : الأمير الحسن بن سهل يطلبك. قلت في نفسي : وما يريد الحسن بن سهل مني؟ فسرت معه حتى صرنا إلى بابه، واستأذن لي عليه فدخلت فقال لي : أبا حسان! ما خبرك؟ ولم انقطعت عنا؟ ومضيتُ أعتذر فقال : دع هذا فإني أراك في لوثة أو في أمر عسير، فما هو؟ فشرحت له قصتي من أولها إلى أن لقيني الفارس وأدخلني عليه. فقال : لا يغُمُّك الله يا أبا حسان. قد فرّج الله عنك. هذه بدرة للخراساني في مكان بدرته، وبدرة أخرى لك تتسع بها، وإذا نَفَذَتْ أعْلِمْنا!

218 سراجي

جارية الفقـيـه الفــقـيـر
جارية الفقـيـه الفــقـيـر
كان في مجلس المروروذي الفقيه شابٌ أريب من المتفقّهة. وحدث أن غاب عن المجلس أياما فلما سأل عنه المروروذي أخبروه أنه مشغول بأمرٍ قطعه عن حضور مجلسه. فأحضره وسأله عن حاله، فذكر الشاب أنه كان قد اشترى جارية لنفسه، وأن النفقة قد انقطعت به وضاقت يده في تلك السنة لانقطاع الرزق عنه من بلده، و كان عليه دين لجماعة من التجار، فلم يجد سبيلا إلى قضائه غير أن يبيع الجارية. فلما باعها وتركت داره، تشوّق إليها واستوحش من بُعدها عنه، حتى لم يعد بمقدوره أن يشتغل بفقه أو بغيره من شدة تعلق قلبه بها. ثم ذكر أن ابن أبي حامد صاحب بيت المال هو الذي اشترى الجارية. فمضى المروروذي إلى ابن أبي حامد ومعه الشاب. فحين استأذن عليه أذن له في الحال وقام إلى المروروذي واستقبله وأكرمه غاية الإكرام. فلما سأله عن حاله وعما جاء له، أخبره المروروذي بخبر الشاب الفقيه وبيعه للجارية، وسأله أن يقبل الذي دفعه فيها ويرد الجارية على صاحبها. بيد أن ابن أبي حامد لم يكن عنده علم بأمر الجارية. فقد كانت امرأته اشترتها ولم تخبره بذلك. فاستأذن ضيفيه وقام فدخل على امرأته يسألها عن جارية اشتُريت في سوق النخاسين، وصادف أن امرأته كانت جالسة والجارية حاضرة وهم يصلحون وجهها وقد ألبسوها الثياب الحسان والحلي. فقالت : ياسيدي هذه هي الجارية التي تسأل عنها. فسرّ بذلك أعظم السرور لرغبته في قضاء حاجة المروروذي، وعاد إليه فقال : خفت ألا تكون الجارية في داري. وهي بحمد الله عندنا والأمر للشيخ أعزه الله فيها. ثم أمر بإحضار الجارية. فلما جاء ت تغير وجه الفتى تغيرا شديدا من فرط حبه لها. فقال له ابن أبي حامد : هذه جاريتك؟ قال : نعم. قال : فخذها بارك الله لك فيها. فدعا له المروروذي وشكره، وأخرج ثلاثة آلاف درهم، وهو الثمن الذي بيعت به الجارية، وسأله قبض المال فأبى ابن أبي حامد أن يأخذه. قال المروروذي : إنما جئناك نسألك ردّها ولم نقصد أخذها على هذا الوجه. فقال ابن أبي حامد : هذا رجل فقيه وقد باعها لأجل فقره وحاجته. ومتى استردّها وهو على فقره خيف عليه أن يبيعها ثانية إلى من لا يرضى أن يردّها عليه وقد وهبتُ للجارية ما عليها من الحلي والثياب، فإن احتاج إلى نفقة باع منها. فلما نهض المروروذي والفتى ليودعاه، قال ابن أبي حامد : أريد أن أسألها قبل انصرافها معكما عن شيء يا جارية، أيّما أحبّ إليك : نحن أو مولاك هذا؟ فقالت الجارية : يا سيدي، أما أنتم فإني أدعو الله أن يحسن جزاء كم على ما فعلتموه بي ووهبتموني إياه. وأما مولاي هذا فوالله لو أعطيتموني به الدنيا ما سلوت عنه ولو كان في ملكي وأنا فقيرة لا أجد عندي ما أقتات به، ما بعته بالرغائب العظيمة مثلما باعني.

219 سراجي

اخرج بالتي هي أحسن
اخرج بالتي هي أحسن
نزل أبو الأغر، وهو شيخ أعرابي من بني نهشل، ضيفا على بنت أختٍ له تسكن البصرة، وذلك في شهر رمضان. فخرج الناس إلى ضياعهم، وخرج النساء يصلِّين في المسجد، ولم يبقى في الدار غير الإماء وأبي الأغرّ. ودخل كلب من الطريق إلى الدار، ثم إلى حجرة فيها، فانصفق باب الحجرة ولم يتمكن من الخروج. وسمع الإماء ُ الحركة في الحجرة فَظَنَنَّ لصّا دخلها، فذهبت إحداهن إلى أبي الأغر فأخبرته، فأخذ عصا ووقف على باب الحجرة وقال : يا هذا إنك بي لعارف. أنت من لصوص بني مازن، وشربتَ نبيذًا حامضا خبيئا حتى إذا دارت الأقداح في رأسك مَنَّتْكَ نفسُك الأماني، فقلتَ : أَطْرُقُ دُورَ بني عمرو والرجال في ضياعهم والنساء يصلين في المسجد فأسرِقهن. سَوْء ة ً لك! والله ما يفعل هذا رجلٌ حر! وبِئْسَمَا مَنَّتْك نفسُك! فاخرج بالتي هي أحسن وأنا أعفو عنك وأسامحك وإلا دخلتُ بالعقوبة عليك. وأيم الله لتخرجنّ أو لأهتفن هَتْفَة ً فيجيء بنو عمرو بعدد الحصى، وتسأل عليك الرجال من ها هنا، وها هنا ولئن فعلتُ لتكوننَّ أشأم مولود في بني مازن. فلما رأى أنه لا يجيبه أخذ باللين فقال : أخرج بأبي أنت منصورا مستورا. إني والله ما أراك تعرفني، ولئن عرفتني لوثقت بقولي، واطمأننت إليّ. أنا أبو الأغر النهشلي، وأنا خالُ القوم وقُرّة أعينهم، لا يعصون لي رأيا، وأنا كفيلٌ بأن أحميك منهم وأن أدافع عنك. فاخرج وأنت في ذمتي، وعندي فطيرتان أهداهما إليّ ابن أختي البار، فخذ إحداهما حلالا من الله ورسوله، بل وأعطيك بعض الدراهم تستعين بها على قضاء حوائجك. وكان الكلبُ إذا سمع الكلام أطرق، فإذا سكت أبو الأغرّ وثب الكلب وتحرّك يريد الخروج. فلما لم يسمع أبو الأغرّ ردّا قال : يا ألأم الناس! أراني في وادٍ وأنت في آخر. والله لتخرجن أو لأدخلن عليك. فلما طال وقوفه جاء ت جارية ٌ وقالت لأبي الأغرّ : أعرابي جبان! والله لأدخلنَّ أنا عليه! ودفعت الباب، فوقع أبو الأغر على الأرض من فرط خوفه، وخرج الكلبُ مبادرا فهرب من الدار. واجتمعت الجواري حول أبي الأغرّ فقُلْن له : قم ويحك! فإنه كلب! فقام وهو يقول : الحمد لله الذي مسخه كلبا وكفى العربَ شرَّ القتال!

220 سراجي

ابن القاسم الأنبـاري
ابن القاسم الأنبـاري
كان محمد بن القاسم الأنباري من أعلم الناس بالنحو والأدب وأكثرهم حفظا له. وكان يُمْلِي مصنفاته في ناحية من المسجد و أبوه يُمْلي في ناحية أخرى. وكان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت من الشعر. فإن أَمْلَى أملى من حفظه لا من كتاب، وكذا كانت عادته في كل ما يُكتب عنه من العلم. مرض مرّة فانزعج عليه أبوه انزعاجا شديدا. فلما قيل له في ذلك قال : وكيف لا أجزع لمرض من يحفظ جميع ما ترون ـ وأشار لهم إلى حجرة مملوء ة كتبًا! ورأى يوما في النخاسين جارية تُعرض حسنة كاملة الوصف. فوقعتْ في قلبه. ومضى إلى دار أمير المؤمنين الراضي فقال له : أين كنتَ إلى الساعة؟ فعرّفه. فأمر الخليفة أحد غلمانه فمضى فاشتراها وحملها إلى منزل ابن الأنباري. واشتغل قلب ابن الأنباري بالجارية، فقال للخادم : خذها وامض بها إلى النخّاس، فليس لها أن تشغل قلبي عن علمي. فأخذها الغلام، فقالت له : دعني أكلمه بحرفين. ودخلت على ابن الأنباري فقالت : أنت رجل لك عقل، وإذا أخرجتني إلى النخّاس ولم تبيّن لي ذنبي لم آمن أن يظنّ الناسُ بي ظنًا قبيحا. فعرِّفني ذنبي قبل أن تخرجني. فقال لها : مالك عندي عيب غير أنك شغلتني عن علمي. فقالت : هذا أسهل عندي. وبلغ أمير المؤمنين الخبر، فقال : لا أظن العلم في قلب أحد أحلى منه في صدر هذا الرجل. وكان ابن القسم الأنباري رحمة الله عليه مع علمه وحفظه متواضعًا. حكى أبو الحسن الدارقطني أنه حضره في مجلسين يوم جمعة، وجعل يُملي، فصحَّفَ اسما أورده في إسناد حديث (كان ” حيان ” فقال ” حبان “) قال الدارقطني : فأعظمتُ أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته وهْمٌ، وهبْتُه أن أنبِّهه إلى غلطة. فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى صاحبه وذكرت له خطأ ابن الأنباري وعرّفته صواب القول فيه، وانصرفت. ثم حضرتُ الجمعة الثانية مجلسه، فقال ابن الأنباري لصاحبه : عرِّف جماعة الحاضرين أننا صحّفنا اسم ” حبان ” لمّا أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشّاب على الصواب وهو ” حيان “، وعرِّف ذلك الشاب أننا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى