طرائف وحكايات

طرائف وحكايات – 19

181 سراجي

غسيل الجدران
غسيل الجدران
انتقل رجل مع زوجته إلى منزل جديد.. وفي صبيحة اليوم الأول، وبينما هما يتناولان وجبة الإفطار، قالت الزوجة – مشيرة من خلف زجاج النافذة : المطلة على الحديقة المشتركة بينهما وبين جيرانهما -:
انظر يا عزيزي!.. إن غسيل جارتنا ليس نظيفا!.. لابد أنها تشتري مسحوقا رخيصا!..
ودأبت الزوجة على إلقاء نفس التعليق، في كل مرة ترى جارتها تنشر الغسيل..

وبعد شهر اندهشت الزوجة عندما رأت الغسيل نظيفا، على حبال جارتها، وقالت لزوجها :
انظر!.. لقد تعلمت أخيرا كيف تغسل!..
فأجاب الزوج : عزيزتي!.. لقد نهضت مبكرا هذا الصباح، ونظفت زجاج النافذة التي تنظرين منها!..

قد تكون أخطاء ك، هي التي تريك أعمال الناس خطأ.. فأصلح عيوبك، قبل أن تنتقد عيوب الآخرين!.. ولا تنس أن من راقب الناس مات هما!..

182 سراجي

براعة اللغة العربية
بيتان غريبان
* هذا البيت لا يتحرك اللسان بقراء ته:
آب همي وهم بي أحبابي *** همهم ما بهم وهمي ما بي

* وهذا البيت لا تتحرك بقراء ته الشفتان:
قطعنا على قطع القطا قطع ليلة *** سراعا على الخيل العتاق اللاحقي

* خطبه لأمير المؤمنين الإمام علي (ع) بدون نقط :
(الحمد لله الملك المحمود، المالك الودود مصور كل مولود، مآل كل مطرود ساطع المهاد وموطد الأوطاد ومرسل الأمطار، ومسهل الأوطار، وعالم الأسرار ومدركها، ومدمر الأملاك ومهلكها، ومكور الدهور ومكررها، ومورد الأمور ومصدرها.. عم سماحه، وكمل ركامه وهمل، وطاوع السؤال والأمل، أوسع الرمل وأرمل.. أحمده حمدا ممدودا، وأوحده كما وحد الأواه، وهو الله لا إله للأمم سواه، ولا صادع لما عدله وسواه، أرسل محمدا علما للإسلام، وإماما للحكام، ومسددا).

183 طارق الحداد

الايثار
قبل عدة أيام كنت جالسا أمام التلفاز والهدوء يسود البيت، فشاهدت منظرا أذهلني، وعاد بي إلى طفولتي، وذكرني بالحكايات الجميلة، التي يحكيها لنا والدي – رحمه الله – قبل النوم، وهذه القصة هي :
خرج ملك مع حرسه وحاشيته إلى البر، لغرض الصيد.. وقبيل الغروب بقليل، أخذ الملك يطارد فريسته بعناد لوحده.. وفي تلك الأثناء هبت ريح عاتية، حاملة معها الغبار، فحجبت الرؤية عنه، فتاه الملك في العراء، وبقي حرسه، وحاشيته يبحثون عنه في العراء.. حتى أدركهم الغروب، وحل الظلام ولكن دون جدوى.. فيأسوا ورجعوا إلى ديارهم، ليعاودوا البحث عن ملكهم في الصباح.

أما الملك عندما أدركه الظلام، ظل يبحث في تلك البيداء، عن مكان آمن يأوي إليه، ليقضي تلك الليلة، ويعود إلى دياره صباحا بسلام.. وبينما هو تائه في ذلك الظلام الدامس يائسا، فوق صهوة جواده، وإذا به يرى ضوء ا بعيدا، حاملا معه بصيص الأمل.. فاتجه بجواده نحو ذلك الضوء، فرأى كوخا صغيران فطرق الباب، فخرج إليه رجل..
فقال له : السلام عليك!..
فرد عليه الرجل : وعليك السلام!..
فقال الملك : ألك أن تقبلني ضيفا عندك هذه الليلة؟..
فقال الرجل : على الرحب والسعة.. أهلا وسهلا بك!..
فأخذه الرجل إلى الداخل، وسأله : لعلك جائع؟.. فقال : الملك أجل!..
فذهب الرجل، وكانت له شاة فذبحها، وأمر زوجته أن تصنع منها العشاء لضيفه.. وبينما تقوم الزوجة بتحضير العشاء، أخذ الرجلان يتبادلان أطراف الحديث، ولم يخبر الملك صاحب الدار بأنه ملك تلك البلاد.
سأل الملك ذلك الرجل، عن أحواله وكيفية معيشته في تلك الوهاد..
فقال الرجل : كان لي شاة أستعين بما تدر به من حليب، يكون سببا لمعيشتي، ومعيشة عيالي، ونبيع ما يفيض عن حاجتنا من ذلك الحليب، في سوق المدينة، لشراء بقية احتياجاتنا.
فسأله الملك : وأين تلك الشاة الآن؟..
فقال الرجل : لقد ذبحتها توا، لأقدم لك طعام العشاء..
فذهل الملك، وقال : أتقدم لي وسيلة معيشتك الوحيدة عشاء ا؟.. وكيف ستستعين على معيشتك بعد هذا اليوم؟!..
فرد الرجل : أنت ضيفي، وواجبي الأخلاقي يحتم علي ذلك، وحاشا لله – عز وجل – أن ينساني، وأنا متأكد بأن الله عزوجل سيعوضني بأفضل من ذلك كثيرا.. فهو الذي يرسل الأرزاق، حتى إلى الكائنات في أعماق البحار، حاشا له وهو الرزاق الكريم، أن ينسى عبده فوق البسيطة.
فاستحسن الملك رده، وأعجب به وبعمق إيمانه بالله عزوجل.
وبعد أن أتمت المرأة تحضير الطعام، جاء الرجل به لضيفه، فتناولا العشاء سوية، وأخذا يتحدثان بمختلف الأحاديث.. حتى صار موعد النوم، ونام ذلك الملك في ذلك الكوخ البسيط، ليلة هنيئة، لم ينم مثلها في قصره الرنان.

وعندما حل الصباح، قال الملك للرجل : كان بودي أن أبقى معك عدة أيام، ولكن يجب أن أعود إلى دياري، فإن أهلي قلقون علي الآن، ولا يعلمون ما حل بي، ولكن أسالك بالله أن تزورني عندما تذهب إلى المدينة، فإذا دخلت المدينة اسأل أي رجل عن (فلان الفلاني)، وقل له أن يدلك على بيتي، فإنه سيأتي بك إلى داري، لأني معروف في تلك المدينة..
فرد الرجل : سأفعل إن شاء الله.. فتوادعا.

وعندما عاد الملك إلى قصره، قص ما حل به لوزيره ومستشاره، الذي كان يتسم بالحكمة وسعة الأفق، وأخبر الوزير عن ذلك الرجل الكريم، البسيط بحاله، الكبير بإيمانه بالله.. فأعجب الوزير بذلك الرجل، أكثر مما أعجب به الملك.

وبعد عدة أيام، جاء الرجل إلى المدينة، وبعد أن قضى احتياجاته من سوق المدينة، سأل أحد السكان أن يدله على دار فلان الفلاني، فقال له : ما تريد من داره؟.. أتعلم من هذا الرجل؟.. قال له : كلا.. فقال له :
إنه ملك البلاد، وسآخذك إليه، إنه ملك طيب، وعادل.. فأخذه إلى قصر الملك، وقال للحرس : إن هذا الرجل يريد أن يقابل الملك.. فأخذه الحرس إلى البلاط لمقابلة الملك..
وحالما رآه الملك، نهض من مكانه، وترك حاشيته، واتجه إلى الرجل وأخذه بالأحضان، واستقبله
كما يستقبل الملوك والأمراء..
فقال له الرجل : لماذا لم تخبرني أنك الملك؟..
فابتسم الملك، وقال : أنا لا أحب التباهي، وأنا لذت بك كانسان عادي، وأنت قمت بضيافتي على أتم الوجه وأكثر.. ولقد نمت في كوخك المتواضع، نوما لم أنمه في هذا القصر الفاره.

وبعد أن قضى الرجل ثلاثة أيام في ضيافة الملك، قال الملك لوزيره الحكيم : إن الرجل يريد أن يعود إلى دياره، وأنا أريد أن أرد له الجميل، بأفضل مما فعله ذلك الرجل معي، فما الذي أصنعه معه؟.. وماذا تقترح علي أن أعطيه جزاء لما فعله معي؟..
فأجاب الوزير : إنك لن تستطيع أن تفعل ذلك، ولن تستطيع أن تجازيه كما فعل معك!..
فاندهش الملك، وقال : كيف ذلك؟.. لقد ذبح لي شاة واحدة، وأنا سأعطيه مئة شاة، وسأعطيه أرض زراعية من الأراضي التي تعود لي..
فأجاب الوزير : سيدي!.. إن ذلك الرجل لم يعطك مجرد شاة واحدة فقط، وإنما أعطاك كل ما يملك.. سيدي!.. إن ما فعله الرجل معك لم يكن كرما، وإنما كان إيثارا من عنده.. وهنالك فارق كبير بين الكرم والإيثار.. فالكرم هو أن تعطي الآخرين، ما يحتاجون إليه.. أما الإيثار هو أن تعطي الآخرين، ما تكون بأمس الحاجة إليه.. سيدي!.. أعطه مئة شاة وأرضا زراعية، فتكون بذلك معه كريما طيبا فحسب!.. وأما إذا أردت أن تكون ذا إيثار مثله، فيجب أن تعطيه كل ما تملك، كما أعطاك هو كل ما يملك..
أستحسن الملك رأي وزيره، وشكر الله عزوجل، وأعطى الرجل مئتي شاة، وأكثر من أرض زراعية من ملكه الخاص.

أعزائي!.. هل تعلمون ما هو الرابط بين ما شاهدت في التلفاز، وبين حكاية والدي رحمه الله؟..
إن الفضائية التي كنت أشاهدها، هي إحدى الفضائيات العراقية، التي كانت تنقل أحداث ومراسيم زيارة أربعينية سيدنا الحسين (ع).. لقد دهشت للأعداد الخيالية، التي كانت تسعى حول ضريح الإمام الحسين (ع)، وأخذني الفضول بهذا الموضوع.. وقلبت عدة فضائيات تتناول نقل هذا الحدث الكبير، فشاهدت في أخرى، أن هذه الجموع المليونية المتوافدة إلى كربلاء، كانت تأتي مشيا على الأقدام، قاطعة مئات الكيلومترات، من جميع مدن العراق، وحتى من بعض الدول الأخرى غير العراق، متحدية التعب والجوع والعطش والبرد والإرهاب.. وقد نصب الأهالي، الذين تقع بيوتهم في طريق الزوار، الخيام، لإيواء الزائرين ليلا، وتقديم وجبات الطعام لهم.

بالله عليكم!.. ما الذي دفع هؤلاء الناس إلى فعل ذلك، سوى علو شأن ا لإمام الحسين (ع)، عند الله عز وجل.. فالإمام (ع) جاد بأصحابه وبني عمومته وأخوته وأبنائه ونفسه الزكية، جاد بكل ما يملك لأجل إعلاء كلمة لا إله إلا الله عزوجل.. فكان ذلك أسمى درجات الإيثار، لأن الجود بالنفس أقصى غاية الجود.. فكان حقا على الله، بأن جعل قبره روضة من رياض الجنان، وجعل أفئدة من الناس تهوي إليه،
وجعله منارا للأحرار في هذا العالم.. ولم لا وهو سيد الشهداء، وسليل الشجرة المباركة التي يصفها القرآن الكريم، بأن أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها..
فسلام عليك يا أبا عبد الله، يوم ولدت، ويوم استشهدت، ويوم تبعث حيا.
وأخيرا – أحبتي -: فعلا هي قصة الإيثار، التي أقامت الدنيا وما أقعدتها.

184 سراجي

كيف أقول لبيك؟
كيف أقول لبيك؟
روي عن مالك بن أنس أنه قال : كان جعفر بن محمد الصادق، كثير الحديث، طيب المجالسة، كثير الفوائد.. إذا قال، قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -.. وإذا كان في حج، يخضر مرة ويصفر أخرى، حتى ينكره من يعرفه.. ولقد حججت معه سنة، فلما استقرت به راحلته عند الإحرام وهمّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، وكاد يخرّ عن رحالته.. فقلت : يا ابن رسول الله، أوَ لابد لك أن تقول!.. قال : كيف أجرؤ أن أقول لبيك، وأخشى أن يقول عزّ وجل : لا لبيك ولا سعديك!.

* فائدة : قال الصادق – عليه السلام -: أوحى الله إلى موسى – عليه السلام – أن عبادي لم يتقربوا إليّ بشئ أحب إلي من ثلاث خصال.
قال موسى : يا رب وما هن؟..
قال تعالى : يا موسى الزهد في الدنيا، والورع عن معاصيّ، والبكاء من خشيتي.
قال موسى – عليه السلام -: يا رب ما لمن صنع ذا؟..
فأوحى الله تعالى إليه : أما الزاهدون في الدنيا، ففي الجنة.
وأما البكاؤون من خشيتي، ففي الرفيق الأعلى، لا يشاركهم فيه أحد غيرهم.
وأما الورعون عن معاصيّ، فإني أفتش الناس ولا أفتشهم.

185 سراجي

ما جلوسك ها هنا
ما جلوسك ها هنا
عن الفضيل قال : دخلت الكوفة وأنا أريد الحج إلى بيت الله الحرام، وإذا بهلول جالس بين قبرين قديمين، فقلت له : يا بهلول ما جلسوك ههنا؟!..
قال : يا فضيل أما ترى هذه العيون السائلة، والمحاسن البالية، والشعور المتمعطة، والجلود المتمزقة، والجماجم الخاوية، والعظام النخرة، لا يقاربون بالأنساب، ولا يتواصلون تواصل الأحباب.. وكيف يتواصلون، وقد طحنهم كلاكل البلاء، وأكلت لحومهم الجنادل في الثرى، قد خلت منهم المنازل، والقرى صارت عابسة بعد نظرتها، والعظام نخرة بعد قوتها، تجر عليهم الرياح بذيولها، وتعصّب عليهم السماء بسيولها!.. ثم أنه بكى وجعل يقول :
تناديك أجداث وهن صموت ** وأربابها تحت التراب خفوت
فيا جامع الدنيا حريصاً لغيره ** لمن تجمع الدنيا وأنت تموت

قال الفضيل : وإذا بهاتف يسمع كلامه ولا يرى شخصه وهو يقول :
ملّ الأحبة زيارتي فجفيت *** وسكنت في دار البلاء ونسيت
وكذلك ينسى كل من سكن الثرى *** وتملّه الزوار حين يموت

قال الفضيل : فوقع البهلول مغشياً عليه من الخوف من الله، فتركته وانصرفت.

* فائدة : قال تعالى : (أَلَم ْتَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَة َ وَآتُواْ الزَّكَاة َ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَة ِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَة ً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَة ُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً).

186 سراجي

الخادمة الخائفة
الخادمة الخائفة
عن الجنيد قال : بلغني عن بعض العلماء ببسطام أنه قال : كان لأبي يزيد البسطامي خادمة كثيرة الاجتهاد والبكاء، والخوف من الله، لا تنام الليل.. قال : فكانت ذات ليلة وقد أخذها النوم، فرأت في منامها ساحة المحشر والملائكة تسحب أصحاب الذنوب إلى جهنم، فاستيقظت وهي ترتعد وتبكي.. فأقسمت أن لا تنام ليلها.. ولما جنّ عليها الليل، سمع الناس بكاء ها، فعرفوا أن هذا البكاء للخادمة.. وعندما انقطع بكاء ها، دخلوا عليها فوجدوها وقد فارقت الحياة على المصلى.

* فائدة : قال تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ).

187 سراجي

ينطح رأسه بالحائط
ينطح رأسه بالحائط
قال خالد بن الصقر : كان حازم الحنفي إذا ذكر الله عنده وهو بجنب حائط، تأخذه مثل الرعدة من الخوف، ثم ينطح رأسه بالحائط حتى يُدميه.. ولقد رأيت رأسه مُعصباً بالخِرَق.. ورأيته عند سليم المقرئ، فأتى سليماً رجلٌ ليقرأ عليه، فقال له : انهض بنا إلى غير هذا المحل، فإن حازماً إلى جنب الحائط، لا يسمع القرآن فينطح الحائط برأسه، فأنا أخاف عليه من الموت!.

* فائدة : قال السجاد – عليه السلام – : (…. أدعوكَ يا ربِّ راهباً راغبا راجياً خائفا.. إذا رأيتُ مولاي ذنوبي فزعتُ!.. وإذا رأيتُ كرمك طمعتُ!.. فإن عفوتَ فخير راحم!.. وإن عذبتَ فغيرُ ظالم!)..

188 فاتتني قافلة المستغفرين

فاتتني قافلة المستغفرين
فاتتني قافلة المستغفرين
جاء في لآلئ الأخبار أن عدة من الطلبة ذهبوا إلى دار أستاذهم لينهلوا من عمله.. ولما حضروا رأوا الأستاذ في وضع لا يُحسد عليه من البكاء والنحيب.. فراحوا يسألونه ما الذي حدث يا أستاذ؟.. – منحك الله الصبر الجزيل على ما نزل بك -، ما الذي حصل؟.. هل مات لك أحد؟.. ومتى نذهب معك لدفنه؟.. ومتى سيقام العزاء على روحه؟..
فقال : ماذا أقول لكم!.. بالأمس غلبني النوم ولم أصحُ إلا على أذان الفجر، لقد فاتتني صلاة الليل!.. ففاتتني قافلة المستغفرين بالأسحار!.. لقد مسني الضر، حيث أقمت القضاء وفاتتني الأداء، فأي مصيبة أكثر من هذه!.. وما ذاك إلا لكثرة ذنوبي، وعدم خوفي من خالقي!.. وأخذ يبكي حتى سقط على الأرض مغشياً عليه.

* فائدة : قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -: (إن ربي أخبرني فقال : وعزتي وجلالي، ما أدرك العاملون درك البكاء عندي شيئاً، وإني لأبني لهم – في الرفيق الأعلى – قصراً لا يشاركهم فيه غيرهم).

189 سراجي

أعز أصدقاء جنكيز خان كان صقره!
أعز أصدقاء جنكيز خان كان صقره!
كان لدى جنكيز خان صقرا، يلازم ذراعه، يخرج به ويطلقه على فريسته، ليطعم منها ويعطيه ما يكفيه.. وقد كان صقر جنكيز خان مثالاً للصديق الصادق، حتى وإن كان صامتاً.
ذات يوم خرج جنكيز خان يوماً في الخلاء لوحده، ولم يكن معه إلا صديقه الصقر.. وانقطع بهم المسير وعطشوا.. فأراد جنكيز أن يشرب الماء، ووجد ينبوعاً في أسفل جبل، فملأ كوبه.. وحينما أراد شرب الماء، جاء الصقر وانقض على الكوب ليسكبه!..
حاول مرة أخرى، ولكن الصقر مع اقتراب الكوب من فم جنكيز خان، كان يقترب ويضرب الكوب بجناحه، فيطير الكوب، وينسكب الماء!.. وتكررت الحالة للمرة الثالثة.. فاستشاط غضباً منه، وأخرج سيفه، وحينما اقترب الصقر ليسكب الماء، ضربه ضربة واحدة، فقطع رأسه ووقع الصقر صريعاً..
أحس جنكيز خان بالألم، لحظة وقوع السيف على رأس صاحبه، وتقطع قلبه لما رأى الصقر يسيل دمه!..
وقف للحظة، وصعد فوق الينبوع، فرأى بركة كبيرة يخرج من بين ثنايا صخرها منبع الينبوع، وفيها حية ٌ كبيرة ميتة وقد ملأت البركة بالسم!..
أدرك جنكيز خان أن صاحبه كان يريد منفعته، لكنه لم يدرك ذلك إلا بعد أن سبق السيف العذل، فأخذ صاحبه ولفه في خرقة.. وعاد جنكيز خان لحرسه وسلطته، وفي يده الصاحب بعد أن فارق الدنيا!..
وأمر حرسه بصنع صقر من ذهب، تمثالاً لصديقه، وينقش على جناحيه :
على أحدهما :
” صديقُك يبقى صديقَك، ولو فعل ما لا يعجبك “.
وعلى الجناح الآخر :
” كل فعل سببه الغضب، عاقبته الإخفاق “.

190 العبره

حب الشهوات في ست ساعات انتهت
كان هناك صياد سمك، جاد في عمله، كان يصيد في اليوم سمكة فتبقى في بيته ما شاء الله أن تبقى، حتى إذا انتهت ذهب إلى الشاطئ، ليصطاد سمكة أخرى.
وفي ذات يوم، وبينما كانت زوجة الصياد تقطع ما اصطاده زوجها، إذا بها ترى أمرا عجبا!.. رأت في داخل بطن تلك السمكة لؤلؤة!.. تعجبت!.. لؤلؤة في بطن سمكة؟!.. سبحان الله!..
نادت زوجها : زوجي!.. زوجي!.. انظر ماذا وجدت؟!.. إنها لؤلؤة في ببطن السمكة!..
فرح الزوج بهذه اللؤلؤة فرحا شديدا، وقال : يا لك من زوجة رائعة!.. أحضريها، علنا نقتات بها في يومنا هذا، ونأكل شيئا غير السمك!..

أخذ الصياد اللؤلؤة، وذهب بها إلى بائع اللؤلؤ الذي يسكن في المنزل المجاور، وأخبره بالقصة، فقال : أعطني أنظر إليها.. فلما نظر إذا بها يتعجب : يا الله!.. إنها لا تقدر بثمن!.. ولكنني لا أستطيع شراء ها!.. لو بعت دكاني، وبيت جاري وجار جاري، ما أحضرت لك ثمنها!.. لكن اذهب إلى شيخ الباعة في المدينة المجاورة، عله يستطيع أن يشتريها منك!.. وفقك الله!..

أخذ الرجل لؤلؤته، وذهب بها إلى البائع الكبير، في المدينة المجاورة، وعرض عليه القصة، فقال : دعني انظر إليها.. فكانت ردة فعله كسابقه، فقال والله يا أخي إن ما تملكه لا يقدر بثمن!.. لكني وجدت لك حلا، اذهب إلى والي هذه المدينة، فهو القادر على شراء مثل هذه اللؤلؤة!..
شكره الرجل على مساعدته وانطلق إلى الوالي..

وعند باب قصر الوالي، وقف ومعه كنزه الثمين، ينتظر الإذن له بالدخول..
ولما دخل عرض عليه القصة.. فرآها الوالي وأعجب لها وقال : إن مثل هذه اللآلئ، هو ما أبحث عنه، ولا أعرف كيف أقدر لك ثمنها!.. لكن سأسمح لك بدخول خزنتي الخاصة، ستبقى فيها لمدة ست ساعات، خذ منها ما تشاء، وهذا هو ثمن هذه اللؤلؤة!..
* سيدي!.. لو تجعلها ساعتين!.. فست ساعات كثير على صياد مثلي!..
* لا، فلتكن ست ساعات، خذ من الخزنة ما تشاء!..
دخل الرجل خزنة الوالي، وإذا به يرى منظرا مهولا، غرفة كبيرة جدا، مقسمة إلى ثلاث أقسام : قسم مليء بالجواهر والذهب واللآلئ.. وقسم به فراش وثير، لو نظر إليه نظرة نام من الراحة.. وقسم به جميع ما يشتهي من الأكل والشرب..

فأخذ الصياد يحدث نفسه :
ست ساعات؟.. إنها كثيرة فعلا على صياد بسيط الحال مثلي أنا؟..
ماذا سأفعل في ست ساعات؟!..
حسنا!.. سأبدأ بالطعام الموجود في القسم الثالث، سآكل حتى أملأ بطني، حتى أستزيد بالطاقة التي تمكنني من جمع أكبر قدر من الذهب!..
ذهب صاحبنا إلى القسم الثالث، وقضى ساعتين من المكافأة، يأكل ويأكل، حتى إذا انتهى ذهب إلى القسم الأول.. وفي طريقه إلى ذلك القسم، رأى ذلك الفراش الوثير، فحدث نفسه : الآن أكلت حتى شبعت، فمالي لا أستزيد بالنوم الذي يمنحني الطاقة، التي تمكنني من جمع أكبر قدر ممكن!.. هي فرصة لن تتكرر!.. فأي غباء يجعلني أضيعها!.. ذهب الصياد إلى الفراش، استلقى وغط في نوم عميق..

وبعد برهة من الزمن، وإذا بالمنادي ينادي : قم أيها الصياد، لقد انتهت المهلة!..
استيقظ مفزوعا، ماذا؟!..
وصار يتوسل، أرجوكم ما أخذت الفرصة الكافية!..
ولكن جاء ه الرد : ست ساعات وأنت في هذه الخزنة، والآن أفقت من غفلتك، وتريد الاستزادة من الجواهر!.. أما كان لك أن تشتغل بجمع كل هذه الجواهر، حتى تخرج إلى الخارج، فتشتري لك أفضل الطعام وأجوده، وتصنع لك أروع الفرش وأنعمها!.. لكنك أحمق غافل!.. لا تفكر إلا في المحيط الذي أنت فيه.. خذوه إلى الخارج!.. ولم ينفه ذاك الرجاء والصراخ : لا.. لا.. أرجوكم.. أرجوكم…

العبرة من هذه القصة :
أرأيت تلك الجوهرة؟!..
هي روحك أيها المخلوق الضعيف!.. إنها كنز لا يقدر بثمن!.. لكنك لا تعرف قدر ذلك الكنز!..
أرأيت تلك الخزنة؟!..
إنها الدنيا!.. أنظر إلى عظمتها، وانظر إلى استغلالنا لها!..
أما عن الجواهر، فهي الأعمال الصالحة..
وأما عن الفراش الوثير، فهو الغفلة.
وأما عن الطعام والشراب، فهي الشهوات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى