طرائف وحكايات

طرائف وحكايات – 17

161 سراجي

سائق التاكسي والدفتر
سائق التاكسي والدفتر
هذا اليوم طلبت سيارة تاكسي لأذهب لقضاء بعض الأعمال, عندما جاء السائق تأخرت قليلاً, وعندما أردت ركوب السيارة رأيت السائق يكتب في دفتر.
وصلت إلى الهدف, وبقي السائق ينتظرني, عندما رجعت وجدته أيضاً مشغولاً بالكتابة.
سألته : هل تكتب الشعر؟
قال : لا, بل أكتب ذنوبي.
وفتح بعض الصفحات, ونظرت في الدفتر وقرأ لي, فلان بن فلان.. غيبة, سب,….. الخ.
وهكذا يملأ صفحات هذا الدفتر.
سألته : ماذا تفعل بعد أن تكتب هذا الدفتر؟
قال : أسعى لطلب البراء ة منهم. فإن لم أستطع ذلك فعلى الأقل لا أعيد الذنب في حقهم.
ثم أضاف : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا, انظر كيف ملأت هذا الدفتر بعناوين بعض الذنوب التي أتذكرها, فكيف بالذنوب التي لا أتذكرها وأحصاها الله تعالى.
هكذا تلقيت درساً من سائق التاكسي.

162 سراجي

اجعل السقف مناسباً
اجعل السقف مناسباً

جاء في حكم و قصص الصين القديمة أن ملكاً أراد أن يكافئ أحد مواطنيه فقال له (امتلك من الأرض كل المساحات التي تستطيع أن تقطعها سيراً على قدميك).
فرح الرجل وشرع يذرع الأرض مسرعاً ومهرولاً في جنون..
سار مسافة طويلة فتعب وفكّر أن يعود للملك ليمنحه المساحة التي قطعها..
ولكنه غير رأيه وقرر مواصلة السير ليحصل على المزيد..
سار مسافات أطول وأطول وفكّر في أن يعود للملك مكتفياً بما وصل إليه..
لكنه تردد مرة أخرى وقرر مواصلة السير ليحصل على المزيد والمزيد..
ظل الرجل يسير ويسير ولم يعد أبداً..
فقد ضل طريقه وضاع في الحياة..
ويقال إنه وقع صريعاً من جراء الإنهاك الشديد..
لم يمتلك شيئاً ولم يشعر بالاكتفاء والسعادة
لأنه لم يعرف حد الكــفاية أو (القناعة)

163 سراجي

سر السعادة
سر السعادة

يحكى أن أحد التجار أرسل ابنه لكي يتعلم لدى أحكم رجل في العالم..
مشى الفتى أربعين يوماً حتى وصل إلى قصر جميل على قمة جبل.. وفيه يسكن الحكيم الذي يسعى إليه..
وعندما وصل وجد في قصر الحكيم جمعاً كبيراً من الناس..
انتظر الشاب ساعتين لحين دوره..
أنصت الحكيم بانتباه إلى الشاب
ثم قال له : الوقت لا يتسع الآن. وطلب منه أن يقوم بجولة داخل القصر ويعود لمقابلته بعد ساعتين..
وأضاف الحكيم وهو يقدم للفتى ملعقة صغيرة فيها نقطتين من الزيت :
امسك بهذه الملعقة في يدك طوال جولتك, وحاذر أن ينسكب منها الزيت.
أخذ الفتى يصعد سلالم القصر ويهبط مثبتاً عينيه على الملعقة..
ثم رجع لمقابلة الحكيم الذي سأله :
هل رأيت السجاد الفارسي في غرفة الطعام؟.. الحديقة الجميلة؟.. وهل استوقفتك المجلدات الجميلة في مكتبتي؟
ارتبك الفتى واعترف له بأنه لم ير شيئاً..
فقد كان همه الأول ألا يسكب نقطتي الزيت من الملعقة..
فقال الحكيم : ارجع وتعرف على معالم القصر..
فلا يمكنك أن تعتمد على شخص لا يعرف البيت الذي يسكن فيه..
عاد الفتى يتجول في القصر منتبهاً إلى الروائع الفنية المعلقة على الجدران..
شاهد الحديقة والزهور الجميلة..
وعندما رجع إلى الحكيم قصّ عليه بالتفصيل ما رأى..
فسأله الحكيم : ولكن أين قطرتي الزيت اللتان عهدت بهما إليك؟
نظر الفتى إلى الملعقة فلاحظ أنهما انسكبتا
فقال له الحكيم : تلك هي النصيحة التي أستطيع أن أسديها إليك
سر السعادة هو أن ترى روائع الدنيا وتستمتع بها دون أن تسكب أبداً قطرتي الزيت.
فهم الفتى مغزى القصة فالسعادة هي حاصل ضرب التوازن بين الأشياء
وقطرتا الزيت هما الستر والصحة..
فهما التوليفة الناجحة ضد التعاسة.

164 سراجي

قصة جميلة عن التسامح
قصة جميلة عن التسامح
كان هناك صديقان يمشيان في الصحراء، وخلال الرحلة تجادل الصديقان، فضرب أحدهما الآخر على وجهه.. الرجل الذي ضُرب على وجهه تألم، ولكنه دون أن ينطق بكلمة واحدة كتب على الرمال : اليوم أعز أصدقائي ضربني على وجهي..

استمر الصديقان في مشيهما إلى أن وجدوا واحة، فقرروا أن يستحموا.. والرجل الذي ضُرب على وجهه، علقت قدمه في الرمال المتحركة، وبدأ في الغرق، ولكن صديقة أمسكه وأنقذه من الغرق.

وبعد أن نجا الصديق من الموت، قام و كتب على قطعة من الصخر : اليوم أعز أصدقائي أنقذ حياتي.

الصديق الذي ضرب صديقه، وأنقده من الموت سأله : لماذا في المرة الأولى عندما ضربتك كتبت على الرمال، والآن عندما أنقذتك كتبت على الصخرة؟!..

فأجاب صديقه : عندما يؤذينا أحد، علينا أن نكتب ما فعله على الرمال، حيث رياح التسامح يمكن لها أن تمحيها.. ولكن عندما يصنع أحد معنا معروفاً، فعلينا أن نكتب ما فعل معنا على الصخر، حيث لا يوجد أي نوع من الرياح يمكن أن يمحيها.

تعلموا أن تكتبوا آلامكم على الرمال، وأن تنحتوا المعروف على الصخر..
ما أجمل التسامح!.. فإنه من الأشياء التي تجعل الحياة جميلة قال تعالى : (ومن عفا وأصلح فأجره على الله)، وقال أيضا : (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس).

165 ساجد صباح العسكري

اربع كلمات من اربع كتب
اختار العلماء أربع كلمات من أربع كتب :
من التوراة من قنع شبع.
ومن الإنجيل من اعتزل نجا.
ومن الزبور من سكت سلم.
ومن القرآن (ومن يعتصم بالله فقد هدي).

166 سراجي

من نوادر العرب فى الكرم
تراهن ثلاثة من الأجواد، فقال بعضهم : أجود الناس في عصرنا قيس بن سعد بن علقمة.. وقال آخر : أجود الناس عبد الله بن جعفر.. وقال آخر : أجود الناس عرابة الأوسي.. فتشاجروا في ذلك فأكثروا.. فقال لهم الناس : يمضي كل واحد منكم إلى صاحبه يسأله، حتى ننظر ما يعطيه، ونحكم على العيان.

فقام صاحب عبد الله بن جعفر، فصادفه في بعض أسفاره على راحلته، فقال يا بن عم رسول الله (ص): أنا بن سبيل منقطع أريد رفدك لأستعين به.. وكان قد وضع رجله على ظهر الدابة، فأخرج رجله، وقال : خذها بما عليها.. فأخذها فإذا عليها مطارف خز، وألفا دينار.

ومضى صاحب قيس بن سعد، فصادفه نائماً فقرع الباب، فخرجت له جارية فقالت : ما حاجتك فإنه نائم؟.. قال : ابن سبيل منقطع أتيت إليه يعينني على طريقي.. فقالت له الجارية : حاجتك أهون علي من إيقاظه.. ثم أخرجت له صرة فيها ثلاثمائة دينار، وقالت له : امض إلى معاطن الإبل، فاختر لك منها راحلة، فاركبها وامض راشداً.. فمضى الرجل، فأخذ المال والراحلة.
ولما استيقظ قيس من منامه، أخبرته الجارية بالخبر فأعتقها.

ومضى صاحب عرابة، فوجده قد عمي وقد خرج من منزله يريد المسجد، وهو يمشي بين عبدين، فقال : يا عرابة، ابن سبيل منقطع يريد رفدك.. فقال : واسوأتاه والله ما تركت الحقوق في بيت عرابة الدراهم الفرد، ولكن يا بن أخي خذ هذين العبدين.. فقال الرجل : ما كنت بالذي أقص جناحيك.. فقال : والله يا بن أخي لابد من ذلك، وإن لم تأخذهما فإنهما حران.. فنزع يديه من العبدين، ورجع إلى بيته، وهذا الجدار يلطمه، وهذا الجدار يصدمه، حتى أثر ذلك في وجهه.

فلما اجتمعوا، حكموا لصاحب (عرابة) بالجود.

167 بنت علي ع

هذا هو الطموح
في عام 1989 ضرب زلزال مدمر أرمينيا، وكان من أقسى زلازل القرن العشرين وأودى بحياة أكثر من خمسة و عشرين ألف شخص خلال عدة دقائق، ولقد شلت المنطقة التي ضربها تماماً وتحولت إلى خرائب متراكمة، وعلى طرف تلك المنطقة كان يسكن فلاح مع زوجته، تخلخل منزله ولكنه لم يسقط، وبعد أن اطمأن على زوجته تركها بالمنزل وانطلق راكضاً نحو المدرسة الابتدائية التي يدرس فيها ابنه والواقعة في وسط البلدة المنكوبة، وعندما وصل وإذا به يشاهد مبنى المدرسة وقد تحول إلى حطام، لحظتها وقف مذهولاً واجماً، لكن وبعد أن تلقى الصدمة الأولى ما هي إلا لحظة أخرى وتذكر جملته التي كان يرددها دائماً لابنه ويقول له فيها : مهما كان (سأكون دائماً هناك إلى جانبك)، و بدأت الدموع تنهمر على وجنتيه، وما هي إلا لحظة ثالثة إلا وهو يستنهض قوة إرادته و يمسح الدموع بيديه ويركز تفكيره ونظره نحو كومة الأنقاض ليحدد موقع الفصل الدراسي لابنه وإذا به يتذكر أن الفصل كان يقع في الركن الخلفي ناحية اليمين من المبنى، و لم تمر غير لحظات إلا وهو ينطلق إلى هناك ويجثو على ركبتيه ويبدأ بالحفر، وسط يأس وذهول الآباء والناس العاجزين.

حاول أبوان أن يجراه بعيداً قائلين له : لقد فات الأوان، لقد ماتوا، فما كان منه إلا أن يقول لهما : هل ستساعدانني؟!، واستمر يحفر ويزيل الأحجارحجراً وراء حجر، ثم أتاه رجل إطفاء يريده أن يتوقف لأنه بفعله هذا قد يتسبب بإشعال حريق، فرفع رأسه قائلاً : هل ستساعدني؟!، واستمر في محاولاته، وأتاه رجال الشرطة يعتقدون أنه قد جن، وقالوا له : إنك بحفرك هذا قد تسبب خطراً وهدماً أكثر، فصرخ بالجميع قائلا : إما أن تساعدوني أو اتركوني، وفعلا تركوه، ويقال أنه استمر يحفر ويزيح الأحجار بدون كلل أو ملل بيديه النازفتين لمدة (37 ساعة)، وبعد أن أزاح حجراًكبيراً بانت له فجوة يستطيع أن يدخل منها فصاح ينادي : (ارماند)، فأتاه صوت ابنه يقول : أنا هنا يا أبي، لقد قلت لزملائي، لا تخافوا فأبي سوف يأتي لينقذني وينقذكم لأنه وعدني أنه مهما كان سوف يكون إلى جانبي.

مات من التلاميذ 14، وخرج 33 كان آخر من خرج منهم (ارماند)، ولو أن إنقاذهم تأخر عدة ساعات أخرى لماتوا جميعا، والذي ساعدهم على المكوث أن المبنى عندما انهار كان على شكل المثلث، نقل الوالد بعدها للمستشفى، وخرج بعد عدة أسابيع. والوالد اليوم متقاعد عن العمل يعيش مع زوجته وابنه المهندس، الذي أصبح هو الآن الذي يقول لوالده : مهما كان سأكون دائماً إلى جانبك…!

إن الرغبة والقدرة على تخطي الصعاب وتجاوز المحبطات والمثبطات، انما هي سمة الإداري الناجح، وعليه لا بد من التمسك برغباتنا وطموحاتنا حتى تكلل بالتطبيق العملي في أرض الواقع ولو بعد حين، فما من شيء في هذه الدنيا يكون لنا بين الكاف والنون، انما علينا العمل للوصول للغاية النبيلة التي نرنوا إليها، وكلما سمت غايتك عليك مضاعفة العمل وتقوية العزيمة والإرادة أكثر فأكثر.

168 فاديا محمد

الوضوء لعلاج الصداع وتخفيف الالام
أكد علماء صينيون أن الطريقة التي يتوضأ بها المسلمون، لها صلة وثيقة بعلم التدليك الصيني الذي يقومون فيه بالضغط فوق مناطق معينة من الجسد، تسمى نقاط العلاج، هذه الوسيلة تعيد توازن وسير الطاقة في مساراتها، وبالتالي تزيل أي خلل أو ركود في الطاقة.
وأثبت العلماء أن ما بين أصابع اليدين، نقاطا تعالج الصداع وتعتبر مسكنا طبيعيا لالتهاب الأعصاب الطرفية، وبالتالي فقد تبين أن عملية تخلل الماء لأصابع اليدين أثناء الوضوء، تمنع الإصابة بالصداع، كما أنها مسكن للألم الذي يصيب أطراف الأصابع، وهو يشبه المساج الصيني.
وأثبتوا أيضا أن عملية المضمضة، وهي إدخال الماء في الفم وتحريكه ثم إخراجه، تعد من التمارين المستخدمة للحفاظ على الوجه من التجاعيد.

169 علويه

حكمه الرجل العجوز
روي أن أحد الولاة كان يتجول ذات يوم في السوق القديم، متنكراً في زي تاجر..
وأثناء تجواله، وقع بصره على دكانٍ قديمٍ، ليس فيه شيء مما يغري بالشراء، كانت البقالة شبه خالية، وكان فيها رجل طاعن في السن، يجلس بارتخاء على مقعد قديم متهالك.. ولم يلفت نظر الوالي سوى بعض اللوحات التي تراكم عليها الغبار..
اقترب الوالي من الرجل المسن وحياه، ورد الرجل التحية بأحسن منها، وكان يغشاه هدوء غريب، وثقة بالنفس عجيبة..
وسأل الوالي الرجل : دخلت السوق لأشتري، فماذا عندك مما يباع؟!..
أجاب الرجل بهدوء وثقة : أهلا وسهلا.. عندنا أحسن وأثمن بضائع السوق!..
قال ذلك دون أن تبدر منه أية إشارة للمزح أو السخرية..
فما كان من الوالي إلا ابتسم ثم قال : هل أنت جاد فيما تقول؟!..
أجاب الرجل : نعم كل الجد، فبضائعي لا تقدر بثمن، أما بضائع السوق فإن لها ثمن محدد لا تتعداه!..
دهش الوالي وهو يسمع ذلك، ويرى هذه الثقة..
وصمت برهة وأخذ يقلب بصره في الدكان، ثم قال : ولكني لا أرى في دكانك شيئا للبيع!..
قال الرجل : أنا أبيع الحكمة.. وقد بعت منها الكثير، وانتفع بها الذين اشتروها!.. ولم يبق معي سوى لوحتين!..
قال الوالي : وهل تكسب من هذه التجارة!..
قال الرجل وقد ارتسمت على وجهه طيف ابتسامة : نعم يا سيدي.. فأنا أربح كثيراً، فلوحاتي غالية الثمن جداً!..

تقدم الوالي إلى إحدى اللوحتين ومسح عنها الغبار، فإذا مكتوباً فيها : (فكر قبل أن تعمل)..
تأمل الوالي العبارة طويلا، ثم التفت إلى الرجل وقال : بكم تبيع هذه اللوحة؟!..
قال الرجل بهدوء : عشرة آلاف دينار فقط!..
ضحك الوالي طويلا حتى اغرورقت عيناه، وبقي الشيخ ساكنا كأنه لم يقل شيئاً، وظل ينظر إلى اللوحة باعتزاز..
قال الوالي : عشرة آلاف دينار!.. هل أنت جاد؟!..
قال الشيخ : ولا نقاش في الثمن!

لم يجد الوالي في إصرار العجوز إلا ما يدعو للضحك والعجب..
وخمن في نفسه أن هذا العجوز مختل في عقله، فظل يسايره وأخذ يساومه على الثمن، فأوحى إليه أنه سيدفع في هذه اللوحة ألف دينار.. والرجل يرفض، فزاد ألفا ثم ثالثة ورابعة حتى وصل إلى التسعة آلاف دينار.. والعجوز ما زال مصرا على كلمته التي قالها، ضحك الوالي وقرر الانصراف، وهو يتوقع أن العجوز سيناديه إذا انصرف، ولكنه لاحظ أن العجوز لم يكترث لانصرافه، وعاد إلى كرسيه المتهالك فجلس عليه بهدوء..

وفيما كان الوالي يتجول في السوق فكر، لقد كان ينوي أن يفعل شيئاً تأباه المروء ة، فتذكر تلك الحكمة : (فكر قبل أن تعمل)؛ فتراجع عما كان ينوي القيام به، ووجد انشراحا لذلك..
وأخذ يفكر، وأدرك أنه انتفع بتلك الحكمة، ثم فكر فعلم أن هناك أشياء كثيرة، قد تفسد عليه حياته لو أنه قام بها دون أن يفكر..
ومن هنا وجد نفسه يهرول، باحثاً عن دكان العجوز في لهفة..
ولما وقف عليه قال : لقد قررت أن أشتري هذه اللوحة بالثمن الذي تحدده!..
لم يبتسم العجوز ونهض من على كرسيه بكل هدوء، وأمسك بخرقة ونفض بقية الغبار عن اللوحة، ثم ناولها الوالي، واستلم المبلغ كاملاً، وقبل أن ينصرف الوالي قال له الشيخ : بعتك هذه اللوحة بشرط!..
قال الوالي : وما هو الشرط؟..
قال : أن تكتب هذه الحكمة على باب بيتك، وعلى أكثر الأماكن في البيت،
وحتى على أدواتك التي تحتاجها عند الضرورة!
فكر الوالي قليلا ثم قال : موافق!

وذهب الوالي إلى قصره، وأمر بكتابة هذه الحكمة في أماكن كثيرة في القصر حتى على بعض ملابسه، وملابس نسائه، وكثير من أدواته!

وتوالت الأيام وتبعتها شهور، وحدث ذات يوم أن قرر قائد الجند أن يقتل الوالي، لينفرد بالولاية، واتفق مع حلاق الوالي الخاص، أغراه بألوان من الإغراء حتى وافق أن يكون في صفه، وفي دقائق سيتم ذبح الوالي!..

ولما توجه الحلاق إلى قصر الوالي، أدركه الارتباك، إذ كيف سيقتل الوالي؟!.. إنها مهمة صعبة وخطيرة، وقد يفشل ويطير رأسه!..
ولما وصل إلى باب القصر، رأى مكتوبا على البوابة : (فكر قبل أن تعمل)، وازداد ارتباكاً، وانتفض جسده، وداخله الخوف، ولكنه جمع نفسه ودخل.. وفي الممر الطويل، رأى العبارة ذاتها تتكرر عدة مرات هنا وهناك :
(فكر قبل أن تعمل) (فكر قبل أن تعمل) (فكر قبل أن تعمل)
وحتى حين قرر أن يطأطئ رأسه، فلا ينظر إلا إلى الأرض، رأى على البساط نفس العبارة تخرق عينيه!..
وزاد اضطرابا وقلقا وخوفا، فأسرع يمد خطواته ليدخل إلى الحجرة الكبيرة، وهناك رأى نفس العبارة تقابله وجهاً لوجه (فكر قبل أن تعمل)..

فانتفض جسده من جديد، وشعر أن العبارة ترن في أذنيه بقوة، لها صدى شديد!..
وعندما دخل الوالي، هاله أن يرى أن الثوب الذي يلبسه الوالي مكتوبا عليه :
(فكر قبل أن تعمل)..
شعر أنه هو المقصود بهذه العبارة، بل داخله شعور بأن الوالي ربما يعرف ما خطط له!..
وحين أتى الخادم بصندوق الحلاقة الخاص بالوالي، أفزعه أن يقرأ على الصندوق نفس العبارة : (فكر قبل أن تعمل)..
واضطربت يده وهو يعالج فتح الصندوق، وأخذ جبينه يتصبب عرقا، وبطرف عينه نظر إلى الوالي الجالس فرآه مبتسما هادئاً، مما زاد في اضطرابه وقلقه!..

فلما هم بوضع رغوة الصابون، لاحظ الوالي ارتعاشة يده، فأخذ يراقبه بحذر شديد، وتوجس، وأراد الحلاق أن يتفادى نظرات الوالي إليه، فصرف نظره إلى الحائط، فرأى اللوحة منتصبة أمامه (فكر قبل أن تعمل)..
فوجد نفسه يسقط منهارا بين يدي الوالي، وهو يبكي منتحبا، وشرح للوالي تفاصيل المؤامرة!..
وذكر له أثر هذه الحكمة التي كان يراها في كل مكان، مما جعله يعترف بما كان سيقوم به!..
ونهض الوالي، وأمر بالقبض على قائد الحرس وأعوانه، وعفا عن الحلاق..
وقف الوالي أمام تلك اللوحة، يمسح عنها ما سقط عليها من غبار، وينظر إليها بزهو، وفرح وانشراح، فاشتاق لمكافأة ذلك العجوز، وشراء حكمة أخرى منه!
لكنه حين ذهب إلى السوق، وجد الدكان مغلقاً، وأخبره الناس أن العجوز قد مات.

————–

انتهت القصة.. ولكنها عندي لم تنته.. بل بدأت بشكل جديد، وفي صورة أخرى!..
سألت نفسي : لو أن أحدنا كتب هذه العبارة مثلا :
(الله يراك.. الله ينظر إليك.. الله قريب منك.. الله معك.. يسمعك ويحصي عليك..)
كتبها في عدة أماكن من البيت : على شاشة جهاز الكمبيوتر مثلاً، وعلى طاولة المكتب، وعلى الحائط الذي يواجهه إذا رفع رأسه من على شاشة الحاسوب،
وفوق التلفاز مباشرة يراها وهو يتابع ما في الشاشة، وعلى لوحة صغيرة يعلقها في واجهة سيارته، وفي أماكن متعددة من البيت، وفي مقر عمله..
(الله يراك.. الله ينظر إليك.. الله قريب منك.. الله معك.. يسمعك ويحصي عليك….)

بل لو أن هذه العبارة لكثرة ما فكر فيها، وأعاد النظر فيها، استقرت في عقله الباطن، وانتصبت في بؤبؤ عينيه، واحتلت الصدارة في بؤرة شعوره، وتردد صداها في عقله وقلبه، حيثما حملته قدماه، رآها تواجهه.. ونحو هذا..

أحسب أن شيئا مثل هذا لو نجح أحدنا فيه، سيجد له أثرا بالغا في حياته، واستقامة سلوكه، وانضباطاً في جوارحه، وسيغدو مباركا حيثما كان.
ها أنا أقدم لكم هذه الحكمة.. واطلب منكم أيها الأعزاء أن يقدم كل منكم حكمة جديدة لنا، نستفد منها في حياتنا التي طغتها المادية.

170 سراجي

الموهبة الضائعة
كان هناك رجلاً أنيقاً للغاية، يشهد له الجميع بالذوق والرقيّ في التعامل.
وذات يوم وقف ليشتري بعض الخضروات من المحل الموجود في واجهة منزله، أعطته البائعة العجوز أغراضه وتناولت منه ورقة من فئة العشرين دولاراً ووضعتها في كيس النقود.. لكنها لاحظت شيئا!!

لقد طبعت على يدها المبللة بعض الحبر، وعندما أعادت النظر إلى العشرين دولاراً التي تركها السيد الأنيق، وجدت أن يدها المبتلة قد محت بعض تفاصيلها، فراودتها الشكوك في صحة هذه الورقة ؛ لكن هل من المعقول أن يعطيها السيد المحترم نقوداً مزورة؟ هكذا قالت لنفسها في دهشة!

ولأن العشرين دولاراً ليست بالمبلغ الهين في ذاك الوقت ؛ فقد أرادت المرأة المرتبكة أن تتأكد من الأمر، فذهبت إلى الشرطة، التي لم تستطع أن تتأكد من حقيقة الورقة المالية، وقال أحدهم في دهشة : لو كانت مزيفة فهذا الرجل يستحق جائزة لبراعته!!.

وبدافع الفضول الممزوج بالشعور بالمسئولية، قرروا استخراج تصريح لتفتيش منزل الرجل. وفي مخبأ سري بالمنزل وجدوا بالفعل أدوات لتزوير الأوراق المالية، وثلاث لوحات كان قد رسمها هو وذيّلها بتوقيعه.

المدهش في الأمر أن هذا الرجل كان فنانا حقيقيا، كان مبدعا للغاية، وكان يرسم هذه النقود بيده، ولولا هذا الموقف البسيط جدا لما تمكن أحد من الشك فيه أبداً.
والمثير أن قصة هذا الرجل لم تنتهِ عند هذا الحد!

لقد قررت الشرطة مصادرة اللوحات، وبيعها في مزاد علني، وفعلاً بيعت اللوحات الثلاث بمبلغ 16000 دولار ؛ حينها كاد الرجل أن يسقط مغشيا عليه من الذهول، إن رسم لوحة واحدة من هذه اللوحات يستغرق بالضبط نفس الوقت الذي يستغرقه في رسم ورقة نقدية من فئة عشرين دولاراً!

لقد كان هذا الرجل موهوباً بشكل يستحق الإشادة والإعجاب ؛ لكنه أضاع موهبته هباء، واشترى الذي هو أدنى بالذي هو خير.

وحينما سأل القاضي الرجل عن جرمه قال : إني أستحق ما يحدث لي ؛ لأنني ببساطة سرقت نفسي، قبل أن أسرق أي شخص آخر!

هذه القصة تجعلنا نقف مليّاً لنتدبر في أن كثيراً منا في الحقيقة يجنون على أنفسهم، ويسرقونها، ويجهضون طموحها، أكثر مما قد يفعله الأعداء والحاقدون!

وأننا كثيرا ما نوجّه أصابع النقد والاتهام فيما يحدث لنا نحو المجتمع والآباء والحياة بشكل عام ؛ بينما أنفسنا نحن من يجب أن نواجهها ونقف أمامها ملياً.

كم عبقري أتت على عبقريته دناء ة الهمة وخسة الطموح، وانتهت أحلامه عند حدود رغباته البسيطة التافهة؟!
كم منا يبيع حياته بعَرَض بسيط من الدنيا، ويتنازل عنها؟!
الكثير يفعلونها.. وبسهولة..

إن انعدام البصيرة لَبليّة يصعب فيها العزاء، وإهدار الطاقة التي وهبنا الله تعالى في محقّرات الأمور لَكارثة يصعب تداركها، والعمر – للأسف – يمضي، وتطوي الأيام بعضها بعضا..

فمن يا تُرى يستيقظ قبل فوات الأوان؟؟ من؟!!

بقعة ضوء :
أكثر الأكاذيب شيوعاً هي أكاذيبنا على أنفسنا.. أما الكذب على الآخرين فهو عادة استثنائية..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى