Uncategorized

نفحات من سورة الكوثر

﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾.. إن سورة “الكوثر” هي أقصر سورة في القرآن الكريم، ولكنها متعلقة بأعظم المعاني!.. فهي مرتبطة بسيدة النساء فاطمة -عليها السلام-.. وقد قيل: بأن هذه السورة من معجزات القرآن الكريم؛ لأن فيها إخباراً غيبياً.. حيث أنه قيل عن النبي () بأنه أبتر؛ أي لا ذرية ولا عقب له.. والتاريخ مختلف فيمن القائل: قيل: العاصي بن وائل، وهو اسم على مسمى؛ عاصي.. وقيل: أبو جهل.. وقيل: الوليد بن المغيرة.. فعن جعفر بن محمد عن أبيه () قال: (توفي القاسم بن رسول الله بمكة، فمر رسول الله () وهو آت من جنازته على العاص بن وائل وابنه عمرو، فقال حين رأى رسول الله (): إني لأشنؤه، فقال العاص بن وائل: لا جرم لقد أصبح أبتر!.. فأنزل الله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾).. فالنبي () بإجماع المسلمين: مات ولم يكن له ولد ذكر، أما بالنسبة للإناث، فإن هناك بحثاً وقولاً محققاً يقول: بأن بنات النبي () هن ربائبه، ولم يكن له ذرية إلا الزهراء -عليها السلام-.

وعليه، فإن القدر المُسلّم به: أنه لم يكن له ذكور، لذا وصف بأنه مقطوع العقب.. ولكن أمثال أبي جهل والعاصي، هل كان يتوقع أن يأتي ذلك اليوم الذي يكون فيه هذه الذرية الكثيرة المنتسبة لرسول الله ()، ويُقدّرون ويُبجلّون ويُشهد لهم بالشرف؟!.. فإذن، إن هذه السورة أنبأت بأن هنالك الكوثر من الذرية للنبي ().

﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾.. انظروا إلى الخطاب الملكي!.. فالملوك عادة يفخمون الخطاب، يقولون: نحن الأمير الفلاني!.. رغم أن المتكلم رجل واحد.. فرب العالمين وعد أن يعطي النبي () الكوثر، ومنّ عليه بهذا، ووفى بوعده!..

الدرس العملي:
أولاً: إن الذي يريد الكوثر من الذرية -كيفاً لا كماً-؛ عليه أن يطلب من الله -عز وجل- أن يبارك له في نسله!.. حيث أن الكثرة من الذرية شيء مطلوب في حد نفسه، فعن رسول الله () أنه قال: (تتناكحوا تناسلوا؛ أباهي بكم الأمم يوم القيامة).. ولكن الذين لهم ذرية قليلة لعوارض ثانوية، عليهم أن لا ييأسوا!.. فلعل هذه الذرية القليلة التي لا يرجون منها خيراً، تنجب أولاداً وأحفاداً، يصبحون قرة عين لهم!.. فالإنسان لا يدري من أين يأتيه الخير؛ لأن الله -عز وجل- هو صاحب الخير الكثير!..

ثانياً: إن رب العالمين ملّكه، فأعطاه الكوثر.. وهذه الكثرة: تارة تكون أمانة، وتارة تكون ملكاً.. ولكن لحن الآية، لحن الملكية!..

﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ..﴾.. أي يا رسول الله، هذه نعمة تستحق الشكر.. والصلاة بين يدي الله -عز وجل- من أفضل صور الشكر!.. لذا، فإن الإنسان بمجرد أن يُرزق رزقاً مادياً أو معنوياً، عليه أن يصلي ركعتي شكر لله -تعالى- الذي رزقه هذه النعم!.. ولكن -للأسف- البعض عندما يُرزق ولداً، ذكراً كان أم أنثى: يسهو، ويلهو، وينسى، وينشغل بمقدمات المولود التي هي: الوليمة، والعقيقة؛ وهذا أمرٌ جيد!.. ولكن يُفترض عليه بمجرد أن يسمع هذا النبأ، أن يصلي لله -عز وجل- ركعتين، ويقول: يا رب، بارك لي فيما رزقتني، ولا تشغلني بهذا المولد بما يصدني عن الآخرة.. حيث أن بعض الأولاد صدقة جارية، وبعض الأوقات ليس بصدقة، وإنما فتنة وعدو.. وفرق بين العدو، والصدقة الجارية!..

﴿.. وَانْحَرْ﴾.. إن هناك عدة تفسيرات:
التفسير الأول: فُسّر النحر، بذبح ذبيحة!.. حيث أن إراقة الدماء أمر مطلوب عند الله -عز وجل-، فقد روي عن النبي () أنه قال: (إن في الجنة غرفاً يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، يسكنها من أمتي: مَن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام).. إن البعض ينتظر أن يُسلّم عليه، ولكن المطلوب أن يبادر هو لإلقاء السلام.. وكذلك فإن من صفات المؤمنين إطعام الطعام، فإبراهيم -عليه السلام- من موجبات بركته وخلته؛ حبه وإكرامه للضيف.

التفسير الثاني: وقيل في ﴿وَانْحَرْ﴾: أي ارفع يديك إلى نحرك في التكبير.. فرب العالمين يطلب منا بإزاء المعاني، أن نقوم بحركات.. ورفع اليدين حال التكبير: أمر ممدوح، وهو زينة الصلاة؛ وهذا معنى شاعري.. والمعاني الشاعرية تحتاج إلى ذوق، فلا بأس أن يعيش الإنسان هذه المعاني، دون أن يقول: أن هذا الأمر مستحب، أو أنه تشريع!.. مثلاً: في مد العنق في الركوع، كأن لسان حاله يقول: يا رب، أنا عبدٌ لك ولو قطعوا عنقي!.. بإمكانه أن يستحضر هذا المعنى الرمزي.. وفي التكبير: يا رب، هذه الدنيا وما فيها، رميتها وراء ظهري.. أي هذه الحركة حركة الرفض؛ كأنه بهذه الحركة يريد أن يقول: يا رب، أنا رفضت ما سواك، “وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَأوَاتِ وَالأَرْضَ، حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ”.. عن علي بن أبي طالب قال: (لما نزلت هذه السورة على النبي () ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال النبي () لجبريل: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟.. قال: إنها ليست بنحيرة، ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة، أن ترفع يديك إذا كبرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع.. فإنها صلاتنا، وصلاة الملائكة الذين في السماوات السبع.. وأن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة، رفع اليدين عند كل تكبيرة).

التفسير الثالث: وقيل: “معنى الآية: صلّ لربك صلاة العيد، وانحر البُدن”.

التفسير الرابع: وقيل: “صلّ لربك، واستو قائماً عند رفع رأسك من الركوع”.

﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾.. الشانىء: هو المبغض.. والأبتر: من لا عقب له.. وكلمة “الكوثر” بالوزن هي ككلمة “الأبتر”، أي: ذلك الكاذب، ذلك الآثم؛ هو الأبتر، وأنت يا رسول الله أعطيناك الكوثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى