اجتماعيات

اجتماعيات – 6

51 حبيب السعيدي

السكينة والاستقرار آية من ايات الله
السكينة والاستقرار آية من آيات الله
قال تعالى في محكم كتابه الكريم : (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة).

عظيمة تلك الآيات الإلهية التي غطت الآفاق وامتلأت بها النفوس : (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم)، فلا تقع أعيننا على شيء من السماء أو الأرض إلا هو آية من آيات الله تعالى، تشير إلى ربوبيته وإلهيته وحده، ونفي الأنداد والأضداد عنه تعالى.
وعجبا لمن يجعل فيهما آلهة غير الله، وفي كل شيء آية تشير إلى أنه واحد أحد فرد صمد : وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد
فأي ضلال قاده إلى الاعتقاد بتعدد الآلهة؟!.. وأي عمى أرشده إلى إله غير الله؟!.. أليس الإله الذي منع مرج البحرين، من أن يبغي احدهما على الآخر، هو نفسه الذي منع السماء أن تسقط على الأرض، وهو نفسه الذي سير الأفلاك والنجوم والكواكب بنظام دقيق عجيب لم يختل، منذ أن خلق السموات والأرض.. ولو اختل للحظة، لأعدمت الاصطدامات الكونية كل شيء.. أليس هو نفسه الذي حفظ العلاقة بين الإنسان والمخلوقات الأخرى؟!.. وهو نفسه الذي وضع الأسس لحياة زوجية هانئة؟.. أليس هو نفسه الذي حفظ الجنين في رحم أمه، وحفظ له الحياة في كيس متكور في رحم الأم؟!.. أليس هو نفسه الذي جعل الآباء والأمهات تحنو على صغارهم حتى يبلغوا أشدهم؟!.. أليس هو الذي جعل الغريزة عند الأبوين تجاه أبناء هم، تحفظ نظام الوجود البشري؟!..
فنعم الإله، إله لم يغفل عن تنظيم الحياة الخاصة والعامة، ووضع الأسس الرصينة، لبناء أسرة سعيدة هادئة هانئة, حيث الأسرة اللبنة الأساسية لبناء المجتمع, وجعل أساس تكوين الأسرة، آية من آياته، وهدى من هداه، لمن له قلب سليم.

لا يخفى على أحد ماذا يعني الزواج للإنسان، وما هي أهميته وفائدته في تحقيق الاستقرار والسكينة لنفس الإنسان, بل وفائدته في دفع الإنسان ليكون عنصرا منتجا في المجتمع, يتفاعل مع الآخرين ويتفاعل الآخرين معه، في علاقة متبادلة من المنفعة، سواء على الصعيد الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو السياسي، أو غيره من الأصعدة الأخرى.

ولو لاحظت عزيزي القارئ انه لولا الزواج وما يفرضه على الإنسان، لما كان هناك أي تطور ولا أي تكامل.. بل على العكس، لكان هناك تسافل وانحدار في جميع الميادين العلمية والثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها، وبالتالي ضمور الحياة بكل صورها وأشكالها، وصولا إلى انعدام الوجود.

الزواج الذي يكون بمثل هذه الأهمية، لا يمكن أن يكون منتجا إلا إذا كان زواجا ناجحا.. ولا أقصد بكونه منتجا، مسالة الإنجاب فقط، بل الزواج المنتج، هو المنتج على جميع الأصعدة والمجالات.. وهل يكون زواجا منتجا سعيدا، مع انعدام أسباب السعادة؟!.. بالتأكيد لا يكون ذلك أبدا, فلابد من تهيئة أسباب ومقدمات النجاح للزواج, وهذه المقدمات على قسمين :
أحدهما مقدمات قبلية، لابد من توفرها قبل انعقاد الزواج.. وهي أيضا على فرعين : أحدهما من مختصات الله تعالى – وهو ما يخص موضوعنا هذا – والآخر يجب على الإنسان تهيئته وتوفيره، وهو أيضا لا يتحقق إلا بالاستعانة بالله تعالى، من قبيل الاستمكان المادي، ليقوم بالإنفاق الواجب على الزوجة..
وقسم آخر هو مقدمات بعد انعقاد الزواج، وهو تهيئة سبل السعادة للحياة الزوجية بين الزوجين، وهو أمر يجب على كلا الزوجين العمل على تحقيقه.

وفي القسم الأول الذي هو من مختصات الله تعالى، فقد من الله تعالى به علينا، إذ خلق لنا أزواجا من أنفسنا، من جنسنا, فما أعظمها من نعمة, فتصور لو جعل الله تعالى أزواجنا من غير أنفسنا ومن غير جنسنا، أي ليست من البشر, تصور كيف تكون الحياة مع زوجة ليست آدمية أو زوجا ليس ادميا.. ستكون الحياة عبارة عن جحيم لا يطاق لكلا الزواجين.. لكن الرحمة الإلهية والحكمة الإلهية، اقتضت أن يكون لنا من أنفسنا أزواجا, فما أعظمها من نعمة!..

ومن نعمته أيضا أن نبهنا تعالى أن كون الزوج من أنفسنا، لا يكفي لتحقيق السعادة والسكينة والهدوء.. بل إن هناك عملا لابد أن يقوم به الزوجان، لتحقيق السعادة, فبين الله تعالى أن العلة من جعل أزواجنا من أنفسنا، هو تحقيق السكينة والاستقرار : (لتسكنوا إليها).. وهنا لابد للإنسان المتزوج أن يسعى لتحقيق السكينة واستقرار النفس بعد اضطرابها وهيجانها، سواء الشهوي أو الغضبي، وبالتالي اتزان النفس وهدوئها واستقرارها.. فمفتاح السكينة دائما، يكون عند الزوج الآخر، ولكن تحصيله يحتاج إلى مقدمات لابد منها.. إذ لا يعقل أبدا أن يكون ضرب الزوجة، مقدمة لتحصيل مفتاح السكينة.. وأي سكينة هذه التي تحصل بالضرب والاهانة والتوبيخ الدائم؟!.. بل أي سكينة تحصل بوجود المنفرات للزوج، سواء المنفرات الكلامية أو الفعلية أو الطبعية؟!..
وهنا نلاحظ أن كلا الزوجين شريكين في تحصيل السكينة، وهو ما أرشدنا الله تعالى إليه : (الأشياء والمقدمات).
وفوق ذلك زادنا الله بيانا وتبيانا، وأرشدنا إلى أهم مقدمة لتحصيل السكينة، وهو مقدمة إلهية، من جعل الله تعالى : (وجعل بينكم مودة ورحمة)، فالمودة موجودة، والرحمة موجودة، من جعل الله تعالى، وهي أيضا تحتاج إلى ما يظهرها ويديمها.
أإله غير الله يفعل ذلك؟!.. سبحانه وتعالى عما يشركون!.

52 سراجي

أمرني ربي بمداراة الناس
أمرني ربي بمداراة الناس

الروايات الشريفة في مدح المداراة و الحثّ عليها كثيرة. منها ما رواه الشيخ الكليني عليه الرحمة – عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال جَاء َ جَبْرَئِيلُ – عَلَيهِ السَّلام – إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه – فَقَالَ (يَا مُحَمَّدُ رَبُّكَ يُقْرِئكَ السَّلامَ وَيَقُولُ لَكَ دَارِ خَلْقِي).

كما روى عن الإمام الصادق عليه السلام – قَالَ رَسُولُ الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه – (أَمَرَنِي رَبِّي بِمُدَارَاة ِ النَّاسِ كَمَا أَمَرَنِي بِأَدَاء ِ الْفَرَائِضِ).

من خلال الروايات الشريفة تتضح لنا أهمية ” المداراة ” ففي الحديث الأولى أمر للرسول الأكرم عليه و آله الصلاة و السلام بمداراة الناس, بل وفي الحديث الثاني قرن بين مداراة الناس و أداء الفرائض. فمداراة الناس لا تقل أهمية عن أداء الفرائض.

******************************

مــا هـي الـمــداراة؟

مداراة الناس هي حسن صحبتهم واحتمال أذاهم، وعدم مجابهتهم بما يكرهون. و حيث أن عقول الناس مختلفة و متفاوتة فمداراة الناس أن تتعامل معهم على قدر عقولهم أيضاً.

******************************

مــا أهمية الـمـداراة؟

يجد المؤمن أصنافاً من الناس يختلفون في طاقاتهم وإمكاناتهم الفكرية والعاطفية والسلوكية، فلابدّ وأن يتصف بالمداراة ليستطيع التأثير على تعدد أصناف الناس المنتمين إلى مدارس عقائدية وفكرية متنوعة، والمنتسبين إلى ولاء ات متعددة قبلية وقومية وطائفية.

(أ) عَنْ أَبِي عَبْدِ الله – عَلَيهِ السَّلام قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه – : ثلاث من لم يكنّ فيه لم يتم له عمل. ورع يحجزه عن معاصي الله, و خلق يداري به الناس, و حلم يردّ به جهل الجاهل.

(ب) عنه عليه السلام – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وآله : مداراة الناس نصف الإيمان والرفق بهم نصف العيش……..

(ج) عن رسول الله صلى الله عليه و آله – : رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس في غير ترك الحق.

(د) عن أمير المؤمنين عليه السلام : رأس العقل بعد الإيمان بالله عزّ و جلّ مداراة الناس.

(هـ) عنه عليه السلام – : المداراة أحمد الخلال.

(و) عنه عليه السلام – : ثمرة العقل مداراة الناس.

(ز) عنه عليه السلام – : رأس الحكمة مداراة الناس.

(ح) عنه عليه السلام – : عنوان العقل مداراة الناس.

(ط) عن الإمام الرضا عليه السلام عندما سئل عن العقل : التجرع للغصة, و مداهنة الأعداء, و مداراة الأصدقاء.

******************************

مـن فـوائـد المـداراة :

(أ) عن أمير المؤمنين عليه السلام – : دارِ الناس تستمتع بإخائهم، والقهم بالبشر تمت أضغانهم.

(ب) عنه (عليه السلام) : دار الناس تأمن غوائلهم، وتسلم من مكائدهم.

(ج) عنه (عليه السلام) : سلامة الدين والدنيا في مداراة الناس.

(د) عنه (عليه السلام) : من دارى أضداده أمن المحارب.

******************************

أمـثـلـة للمـداراة :

أولاً : تكليم الناس على قدر عقولهم. عن رسول الله صلى الله عليه و آله – : إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم.

ثانياً : عدم تحميل الناس تكاليف وأعمالاً فوق طاقتهم.

ثالثاً : التدرج معهم في هدايتهم للحق. قال تعالى (وقولا له قولا ليناً لعله يتذكر أو يخشى).

رابعاً : وأن يتحدث المكلف بكلام مفهوم من قبل الجميع بلا حاجة إلى استخدام العبارات الغامضة، والمصطلحات غير الواضحة. عن أمير المؤمنين – عليه السلام – : أحسن الكلام ما زانه حُسنُ النظام، وفهمه الخاص والعام.

خامساً : ومن المداراة اختصار الكلام وعدم التطويل المؤدي إلى الملل، قال أمير المؤمنين – عليه السلام – : الكلام كالدواء قليله ينفع وكثيره قاتل.

سادساً : من المداراة كشف الحقائق في حال التشكيك بشخصك، عن أمير المؤمنين – عليه السلام ـ في وصيته لمالك الأشتر ـ : وان ظنّت الرعية بك حيفاً، فأصحر لهم بعذرك، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك، فان تلك رياضة منك لنفسك، ورفق منك برعيتك، وإعذار تبلغ فيه حاجتك من تقويمهم على الحق.

سابعاً : عدم المجادلة إلا بالتي هي أحسن.

53 سراجي

نحن والنقد والآخرون
نحن والنقد والآخرون

نقدنا الآخرين نقد بناء, ونقد الآخرين إيانا نقد هدّام.
نقدنا الآخرين تلاقح أفكار وتطوير وتكامل, ونقد الآخرين إيانا فتنة ورجوع نحو الوراء.
نقدنا الآخرين من باب ” رحم الله من أهدى إليّ عيوبي “, ونقد الآخرين إيانا من باب تتبع عثرات الناس وسيئاتهم.
نقدنا الآخرين يجب أن يكون علانية وبكل الوسائل المتاحة, ونقد الآخرين إيانا يجب أن يكون في سرية تامة.
نقدنا الآخرين ضروري في تصحيح العمل, ونقد الآخرين إيانا تنظير يعيق العمل.
نقدنا الآخرين تعاون و تكاتف, ونقد الآخرين إيانا تفرقة وتشرذم.
نقدنا الآخرين حق, ونقد الآخرين إيانا ظلم.
نقدنا الآخرين دعم, ونقد الآخرين إيانا تسقيط وتشهير.
نقدنا الآخرين إيمان بحرية الرأي والحقيقة, ونقد الآخرين إيانا احتكار للرأي وللحقيقة.
نقدنا الآخرين محاسبة النفس, ونقد الآخرين إيانا جلد الذات.
نقدنا الآخرين شورى, ونقد الآخرين إيانا استبداد.
نقدنا الآخرين مبني على فهم دقيق لهم, ونقد الآخرين إيانا مبني على سوء فهم أو تفاهم.
نقدنا الآخرين مبني على مصادر موثوقة معتمدة, ونقد الآخرين إيانا مبنى على إشاعات واتهامات.
نقدنا الآخرين منصف, ونقد الآخرين إيانا مجحف.
نقدنا الآخرين يحتاج إلى جواب وتفكير, ونقد الآخرين إيانا لا يستحق التفكير.
نقدنا الآخرين موضوعي وواقعي, ونقد الآخرين إيانا جزافي وخيالي.
نقدنا الآخرين نقد, ونقد الآخرين إيانا حقد.
54 ابو حيدرا

كيف تجعلين ابنك مطيعا
يعتبر وضع القواعد السلوكية للأطفال أهم مهام الأم وأصعبها في الوقت نفسه فسوف يقاوم الطفل كثيراً لكي يؤكد استقلاله وأنت أيتها الأم تحتاجين للصبر، وأن تكرري حديثك مرة بعد مرة.
وفي النهاية سوف يدفعه حبه لك، ورغبته في الحصول على رضاك إلى تقبل هذه القواعد.
وسوف تكونين المرشد الداخلي الخاص به وضميره الذي سيوجهه خلال الحياة.

ولكن كيف نقنع الطفل بطاعة الأوامر واتباع قواعد السلوك التي وضعها الوالدان؟
تجيب الاستشارية النفسية ” فيرى والاس ” بمجموعة من الخطوات يمكن اتباعها مع الطفل :
1) انقلي إلى الطفل القواعد بشكل إيجابي :
ادفعي طفلك للسلوك الإيجابي من خلال جمل قصيرة وإيجابية وبها طلب محدد، فبدلاً من ” كن جيدًا “، أو ” أحسن سلوكك ولا ترمي الكتب “، قولي : ” الكتب مكانها الرف “.

2) اشرحي قواعدك واتبعيها :
إن إلقاء الأوامر طوال اليوم يعمل على توليد المقاومة عند الطفل، ولكن عندما تعطي الطفل سبباً منطقياً لتعاونه، فمن المحتمل أن يتعاون أكثر، فبدلاً من أن تقولي للطفل ” اجمع ألعابك “، قولي : ” يجب أن تعيد ألعابك مكانها، وإلا ستضيع الأجزاء أو تنكسر “، وإذا رفض الطفل فقولي : ” هيا نجمعها معاً “، وبذلك تتحول المهمة إلى لعبة.

3) علقي على سلوكه، لا على شخصيته :
أكدي للطفل أن فعله، وليس هو، غير مقبول فقولي : ” هذا فعل غير مقبول “، ولا تقولي مثلاً : ” ماذا حدث لك؟”، أي لا تصفيه بالغباء، أو الكسل، فهذا يجرح احترام الطفل لذاته، ويصبح نبوء ة يتبعها الصغير لكي يحقق هذه الشخصية.

4) اعترفي برغبات طفلك :
من الطبيعي بالنسبة لطفلك أن يتمنى أن يملك كل لعبة في محل اللعب عندما تذهبون للتسوق، وبدلاً من زجره ووصفه بالطماع قولي له : ” أنت تتمنى أن تحصل على كل اللعب، ولكن اختر لعبة الآن، وأخرى للمرة القادمة “، أو اتفقي معه قبل الخروج ” مهما رأينا فلك طلب واحد أو لعبة واحدة ” وبذلك تتجنبين الكثير من المعارك، وتشعرين الطفل بأنك تحترمين رغبته وتشعرين به.

5) استمعي وافهمي :
عادة ما يكون لدى الأطفال سبب للشجار، فاستمعي لطفلك، فربما عنده سبب منطقي لعدم طاعة أوامرك فربما حذاؤه يؤلمه أو هناك شيء يضايقه.

6) حاولي الوصول إلى مشاعره :
إذا تعامل طفلك بسوء أدب، فحاولي أن تعرفي ما الشيء الذي يستجيب له الطفل بفعله هذا،
هل رفضت السماح له باللعب على الحاسوب مثلاً؟ وجهي الحديث إلى مشاعره فقولي : ” لقد رفضت أن أتركك تلعب على الحاسوب فغضبت وليس بإمكانك أن تفعل ما فعلت، ولكن يمكنك أن تقول أنا غاضب ” وبهذا تفرقين بين الفعل والشعور، وتوجهين سلوكه بطريقة إيجابية.. وكوني قدوة، فقولي ” أنا غاضبة من أختي، ولذلك سأتصل بها، ونتحدث لحل المشكلة “.

7) تجنبي التهديد والرشوة :
إذا كنت تستخدمين التهديد باستمرار للحصول على الطاعة، فسيتعلم طفلك أن يتجاهلك حتى تهدديه.
إن التهديدات التي تطلق في ثورة الغضب تكون غير إيجابية، ويتعلم الطفل مع الوقت ألا ينصت لك. كما أن رشوته تعلمه أيضاً ألا يطيعك، حتى يكون السعر ملائماً، فعندما تقولين ” سوف أعطيك لعبة جديدة إذا نظفت غرفتك “، فسيطيعك من أجل اللعبة، لا لكي يساعد أسرته أو يقوم بما عليه.

8) الدعم الإيجابي :
عندما يطيعك طفلك قبليه واحتضنيه أو امتدحي سلوكه ” ممتاز، جزاك الله خيراً، عمل رائع “، وسوف يرغب في فعل ذلك ثانية. ويمكنك أيضاً أن تحدي من السلوكيات السلبية، عندما تقولين : ” يعجبني أنك تتصرف كرجل كبير ولا تبكي كلما أردت شيئاً “. بعض الآباء يستخدمون الهدايا العينية، مثل نجمة لاصقة، عندما يريدون تشجيع أبنائهم لأداء مهمة معينة مثل حفظ القرآن، ويقومون بوضع لوحة، وفي كل مرة ينجح فيها توضع له نجمة، وبعد الحصول على خمس نجمات يمكن أن يختار الطفل لعبة تشترى له أو رحلة وهكذا. إن وضع القواعد صعب بالنسبة لأي أم، ولكن إذا وضعت قواعد واضحة ومتناسقة وعاملت طفلك باحترام وصبر، فستجدين أنه كلما كبر أصبح أكثر تعاوناً وأشد براً.

55 المسكين

أكلة لحوم البشر حقيقة أم خيال؟
عندما يُمسخ الباطن، ويموت الضمير، ويتحول الإنسان إلى شيء آخر أقرب للحيوان بل أضل، وتٌفتح الأبواب أمام قوى الإنسان الضالة لتعيث في الأرض فساداً، قد يقصد الإنسان إحدى المقابر والتي دفن فيها أخيه، ويذهب نحو قبره، لا لزيارته والترحم عليه، بل لاستخراج جثته، ونهش لحمه وعظمه، فيستقبح الناس فعله، وهو إما غافل لفظاعة ما يفعله أو قاصد لذلك عن رغبة وتلذذ، وذلك لفطرته المنحرفة السقيمة.

قد نسمع عن أكلة لحوم البشر، وقد نصدق ذلك أو لا نصدق، وقد يكون هذا الأمر مستبعد في النظرة الأولى، وهو أن ينهش الإنسان لحم الإنسان، ولكن أحكم الحاكمين وأصدق الصادقين أخبرنا عن مثل هذا الأمر في القرآن الكريم :
(.. وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) سورة الحجرات / 12

إنها الغيبة وليست شيء آخر، فالغيبة في حقيقتها وملكوتها هي ما ذكره القرآن وإن بدا للإنسان الغافل أن الغيبة مجرد كلمات تخرج من بين شفتين لتدخل في أذن آخر.

خطورة الغيبة :
– قال النبي (صلى الله عليه وآله) : إياكم والغيبة!.. فإن الغيبة أشدّ من الزنا، إنّ الرجل قد يزني ويتوب فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه

يكفي هذا الحديث في بيان قبح هذا الذنب، فالزنا والعياذ بالله – مستقبح في المجتمع والغيبة ليست كذلك، ولكن بمقاييس الإسلام فإن الغيبة أشد من الزنا..

– قال النبي (صلى الله عليه وآله) : ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد.
– قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لرجل اغتاب عنده رجلا : يا هذا!.. كفّ عن الغيبة، فإنه إدام كلاب النار.
ما أبلغ هذا الحديث لمن كان له قلب.. فالغيبة طعام كلاب النار، فهي من جهة طعام في النار لا يٌستساغ طعمه، ومن جهة أخرى فهو طعام لكلاب النار وليس للبشر.

أسباب الغيبة :
للغيبة أسباب وسيتم الحديث – إن شاء الله – عن بعض الأسباب، وذلك للتركيز على العلاج العملي لها :
– خبث النفس :
فالمغتاب قد يتكلم دون مراقبة لما يقول، ولأنه أعطى العنان لنفسه الأمارة لتتحدث بما تشاء، فما يخرج من الخبيث يكون خبيثاً، فيصدر منه هذا الذنب.

– التسلية :
فالغيبة تسمى فاكهة المجالس، فلا يطيب الحديث عن البعض إلا بمائدة شهية فيها لحم أخيه ينهش منه هو وأقرانه.. وأحيانا يفقد الإنسان ما يتحدث به، فيرى أن الغيبة هي السبيل لملأ هذا الفراغ الذي قد يكون في المجلس..

وغيرها من الأسباب كالحقد والحسد وغيرها..

استماع الغيبة :
قد يحفظ الإنسان نفسه من هذا الداء الوبيل، ولكن لا يمكنه أن يمنع غيره من الغيبة، فيكون مستمع لها..

قال النبي (صلى الله عليه وآله) : ما عمر مجلس بالغيبة إلا خرب من الدين، فنزّهوا أسماعكم من استماع الغيبة، فإن القائل والمستمع لها شريكان في الإثم.

علاجها :
العلاج يبدأ من الالتفات إلى قبح هذا الذنب، ووجود إرادة التغيير في النفس..
ومن الخطوات العملية في العلاج :
1 – التوبة الصادقة على هذا الذنب الذي يعد من الكبائر، ومن شروط التوبة الصادقة : الندامة والعزم على عدم العود، وإن أمكن الاستحلال ممن استغابه، والدعاء والاستغفار له..
سئل النبي (ص): ما كفّارة الاغتياب؟.. قال : (تستغفر الله لمن اغتبته كلمّا ذكرته).

2 – المحاسبة اليومية للنفس، وهي كفيلة مع باقي الخطوات من المشارطة والمراقبة والمعاقبة – بأن يتخلص الإنسان من كثير من السلبيات، فيقف وقفة مع نفسه في نهاية كل يوم، ويرى هل صدر مني غيبة في هذا اليوم؟

قال الكاظم (عليه السلام): ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل خيرا استزاد الله منه وحمد الله عليه، وإن عمل شرا استغفر الله منه وتاب إليه.

مع عدم إغفال المحاسبة الأسبوعية والشهرية ليأتي بحصيلة يعتد بها في هذا الجانب، يمكنه من خلالها أن يعرف مدى التزامه بترك الغيبة. والمحاسبة الأسبوعية والشهرية لا يمكن أن تتم – حسب الظاهر – بشكل دقيق إلا من خلال المحاسبة اليومية، والمحاسبة اليومية لا يمكن أن تعطي ثمارها بشكل جيد إلا بمحاسبة النفس بطريقة علمية إن صح التعبير – أي بعدم الاكتفاء بالتفكير في الأخطاء بل تدوينها، ليسهل عليه مراجعة الأخطاء عند المحاسبة الأسبوعية والشهرية.

3 – معاتبة ومعاقبة النفس عند ارتكاب الغيبة، فالمحاسبة الناجحة والتي تعطي ثمارها بشكل أفضل هي ما اجتمعت فيها معاتبة النفس وتوبيخها، ومعاقبة النفس بما يرضاه الشرع.
كأن يلزم نفسه بصوم يوم صياماً مستحباً إذا تجاوز الحد – مثلا -، مع الالتفات إلى ضرورة عدم الضغط الشديد على النفس بما لا تطيق، والذي قد يجعل ردة الفعل عكس ما أراده فتتمرد وينفلت زمام الأمر من يد صاحبها.
قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ترك الغيبة أحب إلى الله عز وجل من عشرة آلاف ركعة تطوعا

4 – التحرز من الحديث عن الغير حتى بما ليس في غيبة، حتى تعتاد النفس على تركها وتمتلك جهازاً حساساً يكشف عن الغيبة كلما سمعها، حتى قد يصل الحال إلى أنه لو سمع الغيبة من التلفاز في مشهد تمثيلي مثلاً – يلتقط جهازه الرقابي أن هذه غيبة، وإن كانت ليست كذلك، حيث أن الأمر مجرد تمثيل لا واقع له.
عن رسول الله صلى الله عليه وآله :” يا أبا ذر.. إن المتقين الذين يتقون الله عز وجل من الشيء الذي لا يٌتقى منه خوفاً من الدخول في الشبهة.”

5 – مصاحبة المؤمنين الصالحين المترفعين عن هذا الداء (الغيبة)، حتى ينهونه عن المنكر عند وقوعه في الغيبة في حال غفلته ويحذرونه منها، وكذلك يضمن نفسه من عدم استماع الغيبة، بعكس الجلوس مع الغافلين عن هذا الأمر، فلا يضمن نفسه من استماع الغيبة، ولا يجد من يعينه على تركها، وعليه عدم الجلوس في مجلس الغيبة.
قال الصادق (عليه السلام) : لا ينبغي للمؤمن أن يجلس مجلساً يُعصى الله فيه، ولا يقدر على تغييره.

6 – الدعاء والطلب من الله تعالى ليخلص الإنسان من أمراض القلب ومن الذنوب.

إن مراتب الكمال لا حد لها، ولكن الإنسان عليه أن يبدأ من التزام الواجبات وترك المحرمات، فعليه أن يترك الغيبة، ليمكنه التخلص من بقية آفات اللسان، فلا بد من السعي لتطهير النفس من هذه الآفة الكاشفة عن وجود بذور فساد مزروعة في النفس..
وهذا شهر الله شهر التوبة والإنابة، شهر التغيير والإصلاح، فهو خير معين، وهذه من أفضل الفرص للسعي لتطهير النفس مما تعلق بها من أوساخ الغيبة..
قال النبي (صلى الله عله وآله وسلم): من اغتاب مسلماً في شهر رمضان، لم يؤجر على صيامه.

56 سراجي

فن الانصات
فن الانصات
كثيرة هي الفنون و المهارات التي يحتاجها الإنسان, و بها يتمكن من تحقيق كثيراً من الإنجازات و التفوق في حياته على مختلف الأصعدة و المجالات. و من هذه الفنون فن الاستماع أو الإنصات إلى الآخر. و عادة ما يقصد بذلك المحادثات اللفظية, و لكن يمكن تعميم المصطلح ليشمل الاستماع للكلام المكتوب و الإنصات إليه مع الاعتراف بوجود فوارق كثيرة بين المحادثات اللفظية و الأخرى الكتابية. و قد أولت الشريعة المقدسة أهمية لهذا الفن, فقد اشتهر الرسول الكريم صلى الله عليه و آله – بهذه الميزة حتى وصفه المنافقون بأنه أذن. كما أمر الله تعالى رسوله بأن يبشر عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

و لا يخفى أن طريقة الناس و آدابهم في الحديث تتفاوت, فمنهم من يتحدث أثناء حديثك و يقاطعك, و منهم من يصمت أثناء حديثك و يسرح بفكره, و منهم من يترك لك العنان لتأخذ بيده إلى أفقك و عالمك, و هناك مراتب أخرى أيضاً. و يجب أن نعلم بأن المتحدث الجيد يجب أن يكون مستمعاً جيداً أيضاً حتى لا يقع في زلات وهفوات. و قديماً قالواً (كل شخص تقابله يعرف شيئاً لا تعرفه). فعليك أن تسعى لمعرفته و استكشاف أغوار الطرف الآخر, لذا فأنت تحتاج إلى فن الاستماع و الإنصات. كما أن هذا الفن يعطيك الفرصة المناسبة لاتخاذ الإجراء المناسب للرد, ففي العجلة الندامة. مضافاً إلى أن هيبة الإنصات تعطيك قوة أمام الطرف الآخر و أمام الجمهور, و به تكسب مودة الأصدقاء و ولائهم, و تمتص غضب العدو و تسيطر على الموقف.

و إليك نقاطاً مقتضبة في هذا المجال :
1 – قبل الإجابة على سؤال الطرف الآخر, حاول إعادة صياغة السؤال مرة أخرى بأسلوبك الخاص, ثم دع الفرصة لمحدثك ليعلق على السؤال بالطريقة الجديدة. و كذا قبل أن تجيب على اقتراح أو انتقاد قم يإعادة صياغته و دع الفرصة له.

2 – لا تتعجل بوصم الآخر بالكذب أو التزوير أو الخطأ أو ما أشبه, أعط نفسك الوقت الكافي للتحقق من ذلك وجمع المزيد من المعلومات و الأدلة و اطلب من الطرف الآخر بأسلوب لبق المزيد من الإيضاح و الشرح لما يقوله. إذ لعله أخطأ في التعبير في المرة الأولى فلا تتعجل في اتهامه قبل إتاحة الفرصة له لتعديل أو شرح مراده.

3 – تدوين رؤوس الأقلام لما يذكر الطرف المقابل يوحي له بجديتك و اهتمامك بكل ما يقوله, كما يتيح لك الفرصة الملائمة للنقد أو الامتثال دون أن تنسى أو تغفل.

4 لا تكثر من الأسئلة في الأوقات الحرجة و ظروف التوتر.

5 استعمل لغة البدن في التعبير عن إنصاتك و اهتمامك, فطريقة جلوسك أو وقوفك و حركات رأسك و يديك كلها لها دلالات و تساعد في الإيحاء إلى الطرف المقابل و إيصال رسالة له بطريقة مفهومة و واضحة.

6 الأسئلة التي إجابتها (نعم) أو (لا) تعتبر أسئلة مغلقة و لا تتيح المجال للطرف الآخر للإسهاب في حديثه. فعليك أن تتقن فن السؤال لتميز بين الأوقات التي تحتاج فيها إلى أسئلة مغلقة, و الأوقات التي يتوجب عليك طرح أسئلة مفتوحة.

57 سراجي

فن الاستماع
فن الاستماع
قال الله تعالى (…. فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (18)) سورة الزمر

– عن الإمام علي (عليه السلام) : إذا لم تكن عالما ناطقا فكن مستمعا واعيا.

– عنه (عليه السلام) : جعل لكم أسماعا لتعي ما عناها، وأبصارا لتجلو عن عشاها.

– عنه (عليه السلام) : عوّد أذنك حسن الاستماع، ولا تصغ إلى ما لا يزيد في صلاحك.

– عنه (عليه السلام) : من أحسن الاستماع تعجل الانتفاع.

– عن الإمام الحسن (عليه السلام) : إن أبصر الأبصار ما نفذ في الخير مذهبه، وأسمع الأسماع ما وعى التذكير وانتفع به.

– عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) : لكل شيء فاكهة، وفاكهة السمع الكلام الحسن.

****************************

وسائل اتصال الإنسان بالخارج :
الوسائل التي يتصل بها الإنسان بالخارج غالباً أربعة : وهي التكلم, السمع, القراء ة, الكتابة. و لكل وسيلة من هذه الوسائل فنون و طرق. أما فنون التكلم فقد نالت حظاً من اهتمام الناس خصوصاً الخطباء و المعلمين. و كذا فنون القراء ة و الكتابة نالت حظاً ما في المنهاج الدراسية. أما فنون السمع فكان حظها الأقل في ذلك. علماً أن بعض الدراسات أثبتت أن 45 % من ساعات الناس اليومية في الاتصال اللغوي تقضيها مستمعة، والأطفال يزيدون عن الكبار 5 %, بينما 30 % من تلك الساعات تقضيها الناس متحدثة, والبقية 25 % موزعة بين القراء ة والكتابة.

****************************

أهمية فنون ” الاستماع ” :
إن عدم معرفتنا بأهمية مهارة الاستماع و طرقه تؤدي بدورها لحدوث الكثير من المشاكل و اضطراب التفاهم، و بالتالي تضييع الأوقات والجهود والأموال والعلاقات. و تتأزم المشكلة أكثر عندما يكون الطرفان لا يحسنان هذه الفنون. و لا نجازف إذا قلنا أن بعض المشاكل الزوجية تنبع من سوء استماع الزوجين لما يقوله بعضهما.

****************************

الفرق بين ” السمع ” و ” الاستماع ” :
هناك فرق واضح بين السمع الساذج و الاستماع الهادف. فالاستماع يتضمن تعمد تلقي أي مادة صوتية بقصد فهمها، والتمكن من تحليلها واستيعابها. و نتيجة لذلك يمكن إبداء الرأي فيها بشكل صحيح و نقدها و تقييمها.

إذن الاستماع يتضمن ثلاث مراحل : تلقي المعلومات ثم الفهم ثم والتحليل.

****************************

نصائح للمتكلم :
1 – قم باختيار المادة التي تناسب مستوى المستمعين العمري، والثقافي، والاجتماعي.

2 – كلما كانت ميول المستمعين متوافقة مع الحديث انجذب المستمعون أكثر.

3 – كلما كنت متسلطاً على هذه المادة و واثقاً بنفسك كنت أقدر على جذب أسماع الآخرين.

4 – لا بد من تهيئة الجو المناسب من إنارة، وتهوية إلخ فالشعر يحتاج جواً شاعرياً, و الندوة تحتاج جواً يقظاً.

5 – اختصر حديثك بالمقدار الممكن.

6 – تحدّث بأسلوب مبسط و ابتعد عن التعقيد بقدر الإمكان.

****************************

نصائح للمستمع :
1 – استمع بهدف الفهم، لا بهدف العثور على عثرات وزلات و أخطاء.

2 – لا تفكر في الرد و أنت تستمع.

3 – تأنى في الرد و خذ الوقت الكافي حتى تجمع أفكارك و ترتبها و تصيغها صياغة مناسبة و صحيحة.

4 – إذا لم تكن الفكرة واضحة فاستفهم من المتكلم عن مراده.

5 – أشعر المتكلم أنك بكاملك معه في حديثه.

6 – استعن بلغة الجسد في إبراز تفاعلك مع المتكلم.

7 – من آداب الحديث أن لا تقاطع المتكلم أبداً.

****************************

فوارق بين الرجل و المرأة :
في كثير من الأحيان تشتكي المرأة من أمر معيّن. يبادر الرجل بالصمت و التحديق في زوجته و بعد أن تفرغ من حديثها يبادر بوضع الاقتراحات و الحلول. هذا الرجل يستمع لزوجته و كأنه يستمع لصديقه. السكوت أثناء حديث المرأة تفهمه النساء على انه عدم مبالاة, و وضع الاقتراحات و الحلول بعد حديثها تفهمه النساء عدم شعور بالألم الذي يعتصرها.

الرجل يتحدث عن مشكلة قابلته هذا اليوم. الرد الطبيعي للمرأة إذا كانت منفعلة مع حديث شريكها هو أن تكثر من مقاطعته بكثرة الأسئلة وعلامات الاستفهام والتعجب محاولة إيصال رسالة أنها تهتم له و تتألم لما يحدث. هذا الأسلوب هو ما تتبعه بنات حواء فيما بينهن وهو فعال في عالم المرأة فقط. لكن أثره مدمّر مع الرجال. و تتأزم المشكلة عندما تحاول المرأة وضع حلول بعيدة كل البعد عن طبيعة المشكلة مما يقدم في ذهن الرجل انه غير مفهوم بتاتا وهذا يخلق في نفسه الشعور بالإحباط.

58 سراجي

الإنفاق في سبيل الله تعالى
الإنفاق في سبيل الله تعالى

احتل موضوع الإنفاق في سبيل الله تعالى مكانة مرموقة في النصوص الشرعية من قرآن كريم و سنة شريفة. و قد مثّل الله تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيله بالحبة التي أنبتت سبع سنابل, في كل سنبلة مائة حبة. إذن فالحبة أنتجت سبعمائة حبة, و الله يضاعف لمن يشاء أكثر فأكثر بلا حدود. و قد أوضح القرآن الكريم حقيقة الإنفاق و فائدته و هو الخير العائد على المنفق ذاته, و من يبخل فإنما يبخل عن نفسه. و أما الله تعالى فهو الغني الذي لا يعتريه فقر و لا حاجة.

المحور الأول : مصرف الإنفاق و جهته :
قال الله تعالى (هَا أَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ…) (محمد : 38). إذن فالإنفاق مصرفه سبيل الله تعالى. و المراد به جميع سبل الخير التي فيها مرضاة الله تعالى, و قال عز و جل (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة : 215). كان السؤال (ماذا ينفقون) فأجابهم القرآن بمصرف الإنفاق. و هو أسلوب بلاغي يهدف إلى إرشاد السائل إلى سؤال أهم و أعظم من سؤاله. و نلاحظ أن القرآن الكريم في هذه الآية قد ذكر مصاديق لسبيل الله تعالى و هم الوالدان و الأقربين و اليتامى و المساكين و ابن السبيل. فأحق الناس و أولاهم بإحسانك هما الوالدان ثم الأقربين و هكذا. و بذلك يتضح خطأ ما يقع فيه بعض المؤمنين من فعل الخير للأبعدين و إهمال الأقربين ووطنهم. و قد ورد في الحديث الشريف (لا صدقة و ذو رحم محتاج). كيف تتصدق على البعيد و أنت في غفلة عن رحمك؟؟!!.

المحور الثاني : ماذا ننفق؟.
تطالعنا في هذا المحور عدة آيات كريمة, كقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (البقرة : 267). ما بال الإنسان منا إذا أنفق على حياته الدنيوية أنفق أفضل ما لديه بدون حساب, و إذا أنفق في سبيل الله تعالى أنفق الخبيث من أمواله التي لا يقبلها لنفسه. كيف ذلك و نحن نعلم بأنا لن ننال البر حتى ننفق مما نحب. لا ينبغي أن تأكل أطيب الطعام و تلبس أجمل الثياب و لكن تتصدق بالفتات و بالثياب الممزقة. أيها الأحبة قدموا لأنفسكم و حياتكم الأبدية أفضل ما لديكم في هذه الحياة.

و ليكن المنهج هو الوسطية (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) (الفرقان : 67). و على العاقل أن لا يستحي من تقديم القليل فإن الحرمان أقل منه. مضافاً إلى أن تراكم القليل يورث الكثير. و هل البحر و المحيط إلا قطرات ماء قد اجتمعت و اتحدت. إذن فلتجتمع السواعد و الجهود و النفقات فتصبح بإذن الله تعالى غيثاً عذباً. لا سيما و نحن نعلم أن الله تعالى يكتب كل أعمالنا صغيرها و كبيرها, و قال سبحانه (وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَة ً صَغِيرَة ً وَلاَ كَبِيرَة ً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (التوبة : 121).

من جهة أخرى فالنفقات تتفاوت من حيث المضمون و النوعية, هذا ينفق ماله, و ثان ينفق وقته و جهده في سبيل الله و يخصص مقداراً من الوقت في خدمة الدين و المجتمع, و ثالث ينفق وجاهته في سبيل تيسير أمور المحتاجين و المشاريع الخيرية, و رابع ينفق اقتراحاً جميلاً أو انتقاداً بناء يوصله إلى ذوي الشأن بأسلوب جميل. فكم من فكرة أو اقتراح أو انتقاد كانت منطلقاً لمشروع إصلاحي أو خيري. و لكن لا نغفل عن ضرورة معرفة أين نقدم ذلك و كيف و متى.

المحور الثالث : متى ننفق؟.
ليس للإنفاق وقت مخصوص, بل الباب مفتوح ليلاً و نهاراً, سراً و علانية. و قد جاء ت الروايات الشريفة في الحث على صدقة السر فإنها تطفئ غضب الرب. نعم كلما ازدادت حاجة الإسلام و المسلمين كلما كان الإنفاق أفضل و أسمى و لذا قال الله تعالى (.. لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَة ً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (الحديد : 10).

المحور الرابع : مبطلات الإنفاق.
أساس قبول جميع الأعمال أن تكون قربة إلى الله تعالى, و أن تصدر من قلب تقي, و لذا قال هابيل لأخيه قابيل ” إنما يتقبل الله من المتقين “. و قد صرّح القرآن بعلة عدم قبول بعض النفقات إذ قال (قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ) (التوبة : 53).

فإذا كان الفسق مانعاً فلا شك بأن الكفر كذلك (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَة َ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ) (التوبة : 54). أيها الأحبة لننفق في سبيل الله مع رغبة و إقبال و سرور, فإن ما ننفقه ندخره لحياتنا الأبدية و نعيم لا يزول. فإذا علم عقلنا و قلبنا بذلك نشتاق إلى الإنفاق. و لنعلم بأن فائدة الإنفاق لا تقتصر على الآخرة, بل تعم حتى الدنيا. و لذا سميت الزكاة بهذا الاسم لأنها سبب في زيادة الأموال و في تطهيره و تطهير النفس.

و أخيراً ما دخل الرياء في عمل إلا و أبطله. لذا تكرر التحذير من الرياء في جميع الأعمال و منها الإنفاق في سبيل الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى..) (البقرة : 264).

59 سراجي

فظاً غليظ القلب
فظاً غليظ القلب

كيف ندعوا إلى الحق؟.
كيف نخاطب الآخرين؟.
كيف نقوم بواجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر؟.
كيف نقوم بإرشاد الناس و تعليم الجاهل و هداية الضال؟.

قال الله تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) سورة آل عمران 159.

هذه الآية الكريمة تشير إلى عصب مهم في الدعوة إلى الله تعالى. فالله سبحانه و تعالى يذكر اللين برحمة الله سبحانه. و لو كان الرسول فظاً غليظ القلب لانفض الناس من حوله, بالرغم من كونه نبياً رسولاً و أفضل الخلق و سيد البشر. لذا يجب علينا أن نتحلى بصفة الرحمة و اللين و إلا فلا نتوقع أن يلتف الناس حولنا و يسمعوا و يطيعوا, بل التحلي بالأخلاق العالية من أهم أهداف الدعوة الإسلامية سواء كنت داعية أم لم تكن. لذا احتلت الأخلاق مساحة كبيرة في القرآن الكريم و في سيرة النبي و أحاديثه. و قد عرف النبي في زمن الجاهلية بالصادق الأمين.

أخرج البيهقي في الدلائل (5 / 341) لما أتى بسبايا طيء قامت جارية فقالت (يا محمد, إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، وأنا ابنة حاتم طيء). فقال النبي صلى الله عليه [و آله] وسلم : ” يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا لو كان أبوك مؤمنا لترحمنا عليه، خلوا عنا فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله تعالى يجب مكارم الأخلاق. فقام أبو بردة بن ينار فقال يا رسول الله، والله يحب مكارم الأخلاق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة أحد إلا بحسن الخلق “.

و قد أوضح الله تعالى سبل الدعوة إذ قال في كتابه (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) سورة النحل 125. فأساليب الدعوة ثلاثة, أولها الحكمة, و ثانية الموعظة الحسنة, و ثالثها الجدال بالتي هي أحسن. و إنما يلجأ إلى الأسلوب الثالث في حال عدم جدوى الأسلوبين الأولين. و ليس من أساليب الدعوة التكفير أو تبديع الآخرين أو الصراخ و السباب و الشتائم و الإهانة.

ليس هناك بدعة و ضلال أعظم و أكبر من أن يدعي إنسان الألوهية. إلا أن الله تعالى أوصى نبيه موسى عليه السلام بقوله (اذهبا إلى فرعون إنه طغى [43] فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى [44]) سورة طه.

مهما كان الآخر ضالاً أو مبتدعاً فالحل الأولي و الأسلوب الأساسي في دعوته هو القول اللين وحسن الخلق, نعم إذا استنفذت جميع الوسائل الطيبة في الدعوة قد يرى الداعية وجوب القسوة في الخطاب بدرجة ما, كما رآه الكليم موسى عليه السلام إذ قال (و إني لأظنك يا فرعون مثبوراً) سورة الإسراء 102.

60 سراجي

فاكهة المجالس
فاكهة المجالس
قال الله تعالى (ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) الحجرات 12

عن رسول الله صلى الله عليه و آله – (من اغتاب مسلما أو مسلمة لم يقبل الله تعالى صلاته ولا صيامه أربعين يوما وليلة، إلا أن يغفر له صاحبه).

عنه (ص) : (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم! فقلت : من هؤلاء يا جبريل؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم).

عنه (ص) : (من اغتاب مسلماً في شهر رمضان لم يؤجر على صيامه).

عنه (ص) : (الغيبة أشد من الزنا قيل : وكيف؟ قال : الرجل يزني ثم يتوب فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه).

عن أمير المؤمنين عليه السلام – (العاقل من صان لسانه عن الغيبة).

عنه عليه السلام – (الغيبة جهد العاجز).

عنه عليه السلام – (الغيبة آية المنافق).

عنه عليه السلام – (إياك والغيبة، فإنها تمقتك إلى الله والناس، وتحبط أجرك).

عنه عليه السلام – (أبغض الخلائق إلى الله المغتاب).

عنه عليه السلام – (الغيبة قوت كلاب النار).

عن الإمام الصادق عليه السلام (لا تغتب فتغتب، ولا تحفر لأخيك حفرة فتقع فيها فإنك كما تدين تدان).

****************************************

الـفـرق بيـن الغـيبة و البهــتان

عن رسول الله صلى الله عليه و آله – (يا أبا ذر! إياك والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنا… قلت : يا رسول الله وما الغيبة؟ قال : ذكرك أخاك بما يكره، قلت يا رسول الله فإن كان فيه ذاك الذي يذكر به؟ قال : اعلم أنك إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته).

****************************************

أصــناف الغـيبة
عن الإمام الصادق – عليه السلام – (وجوه الغيبة تقع بذكر عيب في الخلق و الفعل و المعاملة و المذهب و الجهل و أشباهه).

الغيبة تشمل النقصان في البدن و النسب و الخلق و الفعل و القول و الدين و الدنيا.

مثال الغيبة في البدن أن يقول (فلان أعور أو أحول).

مثال الغيبة في النسب أن يقول (فلان أبوه فاسق أو خبيث أو خسيس أو جاهل).

مثال الغيبة في الأخلاق أن يقول (فلان المتكبّر و المرائي و الشديد الغضب و الجبان).

مثال الغيبة في الأفعال أن يقول (فلان لا يحسن الركوع و السجود, عاق الوالدين, يغتاب الناس, قليل الأدب, كثير الكلام, كثير النوم).

مثال الغيبة في الثياب أن يقول (فلان واسع الكم, وسخ الثياب).

و لا تقتصر الغيبة على القول باللسان بل تشمل الفعل المفهم لذلك و الإشارة و الإيماء و الغمز و اللمز و الكتابة و كل ما يفهم المقصود. ومن ذلك ما روي عن عائشة أنها قالت : دخلت علينا امرأة فلما ولّت أومأت بيدي أي قصيرة, قال (صلى الله عليه و آله) اغتبتها.

و من ذلك المحاكاة بأن يمشي متعارجاً كما يمشي ذلك المؤمن بل هو أشد من الغيبة لآنه أعظم في التصوير و التفهيم.

و من الغيبة أن يقول الإنسان : بعض من مرّ بنا اليوم أو بعض من رأيناه حاله كذا, إذا كان المخاطب معهم يفهم منه شخصاً معيناً.

قال الشهيد الثاني عليه الرحمة – (و من أضرّ أنواع الغيبة غيبة المتسمين بالفهم و العلم المرائين فإنهم يفهمون المقصود على صفة أهل الصلاح و التقوى ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة و يفهمون المقصود و لا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين الرياء و الغيبة. وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول : الحمد لله الذي لم يبتلينا بحب الرياسة أو حب الدنيا أو بالتكيّف بالكيفية الفلانية. أو يقول : نعوذ بالله من قلة الحياء أو من سوء التوفيق أو نسأل الله أن يعصمنا من كذا. بل مجرد الحمد على شيء إذا علم منه اتصاف المحدّث عنه بما ينافيه و نحو ذلك فإنه يغتابه بلفظ الدعاء و سمة أهل الصلاح).

و من ذلك أن يقدّم مدح من يريد غيبته فيقول ما أحسن أحوال فلان. ما كان يقصّر في العبادات و لكن قد اعتراه فتور و ابتلي بما يبتلى به كلّنا و هو قلة الصبر. فيذكر نفسه بالذم و مقصوده أن يذم غيره و أن يمدح نفسه بالتشّبه بالصالحين المتعففين في ذّم أنفسهم فيكون مغتاباً مرائياً مزكياً نفسه فيجمع بين ثلاث فواحش.

ومن أقسامها الخفية الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب فإنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب فيزيد الغيبة. فيقول للمغتاب (ما كنت أعلم أن هذا يصدر من فلان!!!!!).

****************************************

الســامـع للغـيبة
عن رسول الله صلى الله عليه و آله – (من أغتيب عنده أخوه المسلم فاستطاع نصره فلم ينصره خذله الله في الدنيا و الآخرة).

عن أمير المؤمنين عليه السلام – (السامع للغيبة أحد المغتابين).

****************************************

دوافـع الغـيبة
الإمام الصادق – عليه السلام – (أصل الغيبة يتنّوع بعشرة أنواع : 1 – شفاء غيظ 2 – و مساعدة قوم 3 – و تصديق خبر بلا كشفه 4 – و تهمة 5 – و سوء ظن 6 – و حسد 7 – و سخريّة 8 – و تعجّب 9 – و تبّرم 10 – و تزيّن).

و إليك بعض الشرح :
الأول : تشفي الغيظ : عندما يغضب بسبب ذلك الشخص يشفي غضبه بذكر مساويه. و يدخل تحت التشفي الحقد و الحسد و الغضب فإنها عوامل تدفع الإنسان إلى الغيبة.

الثاني : موافقة الأقران و مجاملة الرفقاء و مساعدتهم على الكلام : عندما يتفكهّون بالغيبة يرى أنه لو أنكر عليهم أو قطع المجلس استثقلوه و نفروا منه فيساعدهم في الغيبة و يرى ذلك من حسن المعاشرة. وقد يغضب رفقاء ه على إنسان فيغضب لغضبهم إظهاراً للمساهمة في السرآء و الضراء فيخوض معهم في ذكر عيوب ذلك الإنسان.

الثالث : يشعر الإنسان أن ذلك الشخص سيشهد عليه أو يطوّل لسانه عليه أو سيسقط شخصيته أمام الناس فيبادر قبل ذلك فيطعن فيه.

الرابع : أن يُنسَب إلى الإنسان تهمة فيبّرأ نفسه من ذلك بتهمة غيره. أو يذكر من شاركه في ذلك الإثم ليخفف من عتاب الناس عليه.

الخامس : قد يظن أن في تنقيص قدر غيره رفع لمقامه هو فيغتابه بقوله (فلان جاهل و فهمه ركيك و كلامه ضعيف).

السادس : يحسد من يثني عليه الناس و يحبّونه فيغتابه ليسقط من أعين الناس.

السابع : السخرية و الإستهزاء و منشأ هذا الأمر التكّبر.

الثامن : اللعب و الهزل و المطايبة و تمضية الوقت بالضحك فيذكر غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة و التعجّب.

التاسع : يغتمّ بسبب ما يبتلى به أحد فيقول (فلان مسكين قد غمّني أمره و ما ابتلى به) و يذكر سبب الغم فيلهيه الغم عن الحذر عن ذكر اسمه فيذكره بما يكره فيكون مغتاباً.

العاشر : الغضب لله تعالى. فإنه قد يغضب على منكر قارفه انسان فيظهر غضبه و لكنه يذكر اسمه على غير وجه النهي عن المنكر فيكون مغتاباً.

****************************************

عـلاج الغـيبة
كل الأخلاق الذميمة تعالج بمعجون العلم و العمل و علاج كل علة بضد سببها. فيجب أن تعلم أن المغتاب عرضة لسخط الله تعالى و مقته و أن حسناتك تنتقل إلى ذلك الشخص و أما إذا لم يكن لديك حسنات فتنتقل سيئاته إليك. و أعلم أن الغيبة أكل لحم الميتة و هي قوت كلاب النار فهل ترضى ذلك لنفسك. و اعلم أن الاشتغال بإصلاح عيوب النفس أولى من ذكر عيوب الآخرين. و من رأى نفسه خالياً من العيوب فهو جاهل مسكين.

و أما العلاج الخاص فهو كالتالي :
إذا كان السبب الباعث على الغيبة هو الغضب فقل لنفسك (إن أمضيت غضبي عليه سيمضي الله تعالى غضبه عليّ بسبب الغيبة).

عن رسول الله صلى الله عليه و آله – (إن لجهنم باباً لا يدخلها إلا من شفى غيظه بمعصية الله تعالى) و عنه (ص) (أوحى الله إلى نبي من أنبيائه : ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق).

و أما إذا كان السبب الباعث على الغيبة هو موافقة الأقران فاعلم أنك اشتريت رضا المخلوق بغضب الخالق و أي صفقة أخسر من هذه؟؟!!!

و أما إذا كان السبب تنزيه النفس بنسبة الخيانة إلى الغير فاعلم أن التعرض لمقت الله جبّار السموات و الأرض أشد من التعرض لمقت الخلق. و أنت بالغيبة متعرض لمقت الله لا محالة كل ذلك لأجل تحصيل رضا الناس وأنت تعلم أن رضا الناس غاية لا تدرك.

و أما قصدك المباهاة و تزكية النفس فتقدح في غيرك بالغيبة فاعلم أنك بالغيبة أبطلت فضلك عند الله و ربما نقص اعتقاد الناس فيك إذا أدركوا أنك تغتاب. و لو فرضنا أنك حصلت على المكانة عند هؤلاء القوم فما عسى ذلك أن يفيدك ذلك يا مسكين؟؟!!!

و أما الغيبة للحسد فاعلم أن الحسد عذاب فلا تجمع معه عذاب الغيبة و تهدي إلى ذلك الشخص حسناتك و تأخذ سيئاته. و ربما كان حسدك سبباً لنشر فضيلة ذلك الشخص فقد قيل (و إذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود).

و أما إذا كان الدافع للغيبة هو الاستهزاء فاعلم أن مقصودك إخزاء غيرك عند الناس بإخزاء نفسك عند الله و عند الملائكة و النبيين!!!!.

و أما الضحك من المغتاب فاعلم أنك ضحكت منه قليلاً في ملإ صغير فكيف حالك و أنت تساق إلى النار و أنت تحمل سيئاته على ظهرك و هو يضحك عليك في ذلك الملأ!!!!.

و أما الرحمة على إثمه و الغضب لله فهما أمران حسنان و لكن أحذر من الشيطان أن يسوّل لك الغيبة ليحبط أجرك و يغويك عن الطريق المستقيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى