عرفانيات

عرفانيات – 13

121 alialhasani

كلمة لها مغزى
جزء من بيت شعر لحافظ الشيرازي، يقول فيه :
” ليس هناك من حائل بين العاشق والمعشوق.. فأنت الحائل يا حافظ فانهض “.

122 لا قطع الله رجائي فيه

خواطر عن التوبة النصوح وحسن الظن بالله
خاطرة 1
=====
طريق التوبة النصوح هو طريق النجاة من كل البلايا في الدنيا والآخرة.. وفي أثناء تطبيقها فإن الفرج والمدد الإلهي يهطل بغزارة، سواء رأيته أم لم تره، فإنك ستراه قريبا، ولن يحرمك الله تعالى من رؤيته، فقط اترك الخيار له تعالى متى يريك إياه، فطريق التوبة لا بد من مسلكه.. واعلم أنه قد تواجه فيه صعوبات، والله يعلم بتلك الصعوبات، ويرأف بحالك وأنت تعانيها، فيعينك عليها، فاحتملها لأنه لا بد من تخطيها بارك الله تعالى في خطاك.

خاطرة 2
=====
التوبة النصوح مشروع، حاله كحال أي مشروع آخر، لا بد له من دراسة وتخطيط كي يتم بنجاح ويخرج الإنسان منه بخير الدنيا والآخرة.. فما إن تبدأ هذا المشروع بنية صادقة إلا ونصَّب الله نفسه كفيلا لك، وحرص على سلامتك أشد الحرص في أمورك كلها.. ومن كان الله كفيله وشديد الحرص عليه، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

خاطرة 3
=====
اجعل كل توبة تتوبها هي توبة نصوح، وأخلص النية لله فيها.

خاطرة 4
=====
التوبة النصوح هي عقد بينك وبين الله تعالى.. واعلم وتيقَّن أنه حالما توقع على هذا العقد بنية صادقة، فإن التوفيقات الإلهية تبدأ وتهطل عليك بغزارة من حيث تعلم ومن حيث لا تعلم.. فابق عليها حتى النهاية، كي يُتم الله نعمته عليك، فتكون من الناجين والمقربين عند الله تعالى.

خاطرة 5
=====
هناك نوعين من النجاح وهما : النجاح الحقيقي، والنجاح المزيف.. والفرق هو أن الأول يبدأ بالتوفيق، وينتهي بالسعادة.. أما الثاني فإنه يبدأ بالاستدراج الإلهي -(ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين)-، وينتهي بالخسران والحسرة.
كما أن هناك نوعين من السعادة وهما : السعادة الحقيقية، والسعادة المزيفة.. والفرق هو أن الأولى أولها جمعٌ بين اليسر والعسر، وآخرها كله يسر وطمأنينة.. أما الثانية فإن أولها جمع بين اليسر والعسر، وآخرها كله عسر وشقاء.. فمن أراد النجاح والسعادة الحقيقيين، فإن التوبة النصوح هي أول خطوة صحيحة، يتخذها الإنسان في طريق الوصول إليهما.. وأما إذا اتخذ أي إنسان خطوة أخرى، (غير التوبة النصوح)، كخطوة أولى، فقد أخطأ في خياره خطأً فادحاً، وعليه أن يرجع وأن يبدلها بالتوبة النصوح، وإلا فسبيله إلى ما هو مزيف من النجاح والسعادة، فينتهي أمره إلى الخسران العظيم.

خاطرة 6
=====
ابق على ثقتك بالله، وأحسن الظن به.. فإنه ما منعك من متعة، ليفوتها عليك.. فإن علة المنع، هو الاختبار لا الحرمان.. فإن تجاوزت الاختبار، جاء ك ما تريد وأكثر، ويزيد الله المحسنين.

خاطرة 7
=====
ابق على خط الله.. فإنك ما دمت دائما على خطه، فإنه يدبر لك أمورا قد تراها وقد لا تراها، للفوز بالدنيا والآخرة.

خاطرة 8
=====
ابق على إلحاحك في الدعاء لقضاء حاجاتك.. فإن الله لم يوفقك للإلحاح كي يردك خائبا.

خاطرة 9
=====
الإلحاح بالدعاء سلاح بمقدوره أن يعمل المعجزات.. فإن تعسرت عليك حاجة، لكونها (في علم الله تعالى) أنها ليست لمصلحتك إن قُضِيَت لك، فابق على إلحاحك على الله، متيقناً بأنه يمحو ما يشاء ويثبت، وعندها فإنه – تبارك وتعالى – سيبدل شرها إلى خير، فيقضيها لك برحمته حينها.

خاطرة 10
=====
اعبد الله كما هو يريد، لا كما أنت تريد، وأعطته ما يريد يعطيك ما تريد.

خاطرة 11
=====
تذكر هذه الآية الكريمة باستمرار، فإنها حصن حصين من الذنوب، وفيها علة تهدي إلى الثقة بالله تعالى، لمن يطبقها : (ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا).
ربنا!.. تب علينا توبة نصوحاً، وارزقنا حسن الظن بك، والتوكل عليك، والاستعانة بك، واجعلنا عندك من المقربين، برحمتك يا أرحم الرحمين!.

123 batul

آداب التوبة
اعلم أيها العزيز!.. أن التوبة من المعاصي أول طريق الســالكين إلى الله تعـــالى، وهي رأس مال الفائزين، ومفتاح استغاثة المريدين، وأصل نجاة الناجين

وقد وردت الآيات والأخبار الصحاح في فضل ذلك، ويكفي مدحاً لها قول أصدق الصادقين في كتابه الكريم :
{إن الله يحب التوابين}. البقرة / 222.. وقول النبي (ص) : التائب من الذنب كمن لا ذنب لـه. الكافي 2 / ص435..
وقد ذكرتْ معان عديدة للتوبة، فمنها :

المعنى الفقهي : وهو ترك المعاصي في الحال، والعزم على الترك في الاستقبال، وتدارك ما يمكن تداركه في المآل.
ومن معانيه : خلع لباس الجفاء، ثم نشر بساط الوفاء.
ومن معانيه : مطلق الندم.
وعلى أي حال، لا إشكال في وجوبه عقلاً وشرعاً بلا تأمل، إذ لو علمت انحصار السعادة الحقيقية الأبدية في لقاء الله تعالى، لعلمت أن المحجوب عنه شقي محترقٌ بنار الفراق في دار البوار، ومن المعلوم أن من أغلظ الحجب : حجاب اتباع الشهوات وارتكاب السيئات، لكونه إعراضاً عن الله تعالى بمتابعة الشيطان والهوى، بل بعبادتهما في الواقع، لما روى من أنه : من أصغى إلى ناطق فقد عبده. الكافي 6 / ص434..
ولعلمت أيضا أن الانصراف عن طريق البعد للوصول إلى مقام القرب واجب، ولا يتم الانصراف إلا بالأمور الثلاثة المذكورة في معنى التوبة، وقد تقرر في محله أن مقدمة الواجب واجبة عقلاً وشرعاً، نظراً إلى الملازمة بينهما، كما أن وجوبه أيضا فوري كما لا يخفى.. فكما أن شارب السم لا بد له من إخراج السم من بدنه فوراً – بقيء ٍ أو بغيره – وإلا سبّب له الهلاك الدائم، فكذلك الأمر في سموم المعاصي، فلو تساهل في التوبة منها، فسيحل عليه الهلاك ويختم له بالشر، وقد كانت عمدة خوف الأنبياء والأولياء من سوء الخاتمة.

فالبدار البدار!.. يا إخوان الحقيقة وخلان الطريقة إلى التوبة الحقيقية، قبل أن تعمل سموم الذنوب في روح الإيمان بما لا ينفع بعده الاحتماء، وينقطع عنه تدابير الأطباء، ويعجز عن التأثير فيه نصح العلماء، وتكونوا من مصاديق قوله تعالى :
{وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}. يس / 9

ثم اعلم أيها الأخ الأعز!.. أنك لا تخلو من المعصية في جــوارحك من : الغيبــة، والإيـذاء، والبهتـان، وخيـانة البصـر وغيـرها من صنـوف المعاصي، ولـو فـرض خلـوك منها، فإنك لا تخلو عن الرذائل في نفسك والهمّ بهـا، وإن سلِمت منها فلا أقل من الخواطر المتفـرقة المذهلة عن ذكر الله، ولـو سلِمت منها أيضاً فلا أقـل من الغفلة والقصـور في معـرفة الله وصفات جمـاله وجلاله وعجائب صنعه وأفعـاله، ولا ريب في أن كل تلك الأمور، من موجبـات النقص التي ينبغي تداركهـا، ولذلك وجبت التوبة في كل آنٍ من الآنات.. إذ قــال أشرف المخلوقات صلى الله عليه وآله :
إنه ليغان على قلبي، حتى استغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة المستدرك 5 / ص320..

فإذا عرفت معنى التوبة وضرورتها، والتفت إلى أن تركها يعني الإصرار على الذنب، فاعلم أن الله تعالى إنما يقبل التوبة الصحيحة بشروطها، ومنها غسل وسخ القلوب بالدموع، بعد اشتعال نيران الندامة فيها.
وكلما زادت نيران الندم اشتعالا كلما تحقق الأمل بتكفير الذنب، وبذلك تتحقق علامة الصدق في التوبة.. وعليه فلا بد من تبديل حلاوة الشهوات بمرارة الندم، ليكون علامة على تبدل السيئات بالحسنات.. ألم تسمع قصة ذلك النبي من بني إسرائيل الذي سأل الله التوبة لعبدٍ أمضى حياته جاهداً في عبادة ربه، فلم يقبل الله تعالى توبته لأنه كان يجد حلاوة المعصية – التي تاب منها – في قلبه!!.
ومن هنا قالوا أنه لا بد من إذابة اللحم الذي نبت على الحرام، فهو لحمٌ فاسد ومفسد للصحيح.

ولا بد من تعلق قصده بترك كل مُحرّم، وأداء كل واجب في الحال وفي الاستقبال إلى أن يلقى ربه، كما أنه لا بد من تدارك ما قد فاته في سالف أيامه.
إن على التائب أن يستقصي في نفسه عالم ما قبل البلوغ وحين البلوغ وبعد البلوغ، لينظر إلى تصرفاته في أموال الآخرين، سواء كانت بعمد أم خطأ، مكلفاً كان أو غير مكلف.. فإذا كان حقـاً ماليـاً ووجـد صاحبه – ولو كان وارثا – استحل منه، وإلا رد تلك المظلمة حين القدرة والاستطاعة.

ثم ينظر في الطاعــات، فمـا ترك منهـا يلتزم بقضائها وكفارتها.. ثم ينظـر إلى الحقـوق الشرعية كالخمس والزكاة وما في ذمته، فيوصـلها إلى مصارفهـا الشرعية لئـلا يبقى في حياته ما يحتاج إلى تداركٍ وتعويض، فإنه لو مات على تلك الحالة أُبتلى بالعذاب الأليم.

وإلى جميع ما ذكر يشير قول أمير المؤمنين عليه السلام : الاستغفار واقع على ستة معان :
أولها الندم على ما مضى، ثم العزم على ترك العود اليه أبدا، وأن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم، حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة ٌ، وأن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيّعتها فتؤدي حقها، وأن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتُذيبه بالأحزان، حتى تُلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد، وأن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول : استغفر الله. البحار 90 – 285
ومن المناسب أن تكون الطاعة – في مقام التوبة – من جنس المعصية، فإذا كان عاصياً بسفر محرم فتداركُه إنما يكون بسفر الطاعة ونحو ذلك، مما يطول ذكر أمثلته..

ولا بد أن يحقق في نفسه شيئاً من الحزن والندامة الصادقة، ثم يتوب بالطريقة التي ذكرها السيد بن طاووس في مـا رواه عن النبي (ص) وهي : أن يغتسل ويتوضأ، ثم يصلي أربع ركعات : يقرأ في كل منها {الحمد} مرة و {قل هو الله أحد} ثلاث مرات {والمعوذتين} مرة ثم يسـتغفر سبعين مرة، ثم يختم بكلمة : لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، ثم يقول سبع مرات :
يا عزيز!.. يا غفار!.. اغفر لي ذنوبي وذنوب جميع المؤمنين والمؤمنات، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

فإن من قام بهذا العمل قُبلت توبته، وغُفرت ذنوبه، ورضي عنه خصماؤه يوم القيامة، ومات على الإيمان وما سلب منه الدِّين، ويُفسح في قبره ويُنوَّر فيه، ويرضى عنه أبواه، ويُغفر لأبويه ولذريته، ويوسَّع في رزقه، ويرفقُ به ملكُ الموت عند موته، ويخرج الروح من جسده بيسر وسهولة.
ومن المناسب – قبل هذا العمل – أن يُقدّم شيئاً من الصدقة ولو كانت قليلة، لأن صدقة السر تُطفئ غضب الرب تعالى.. وأن يذهب إلى مكان خالٍ جالساً على التراب، متذكراً معاصيه واحدة بعد أخرى، مصرحاً بزمانه ومكانه، ملتمساً من ربه المغفرة، معترفاً بالندامة.. وهكذا يحسن التفصيل في الاعتراف بجزئيات الذنوب، ببكاء وحزن.

كما أنه من المناسب أيضا بعد ذلك، قراء ة دعاء التوبة في الصحيفة السجادية وأوله : يا من لا يصفه نعت الواصفين.. الصحيفة ص138 وكذلك المناجاة الأولى من المناجاة الخمسة عشر.. ثم يقسم على الله تعالى بحق المقربين لديـــه أن يقبل توبتـه، ثم يسأله العـزم على الثبات، وليغلب على ظنـه أن الله تعـالى يقبـل التوبة ويعفـو عن السيئات، فهو يعامل عبده بمقدار حسن ظنـه به، كمـا تدل عليه الروايات.

ولو خالف التوبة وعاد إلى المعصية، فعليه بالتوبة مرة بعد أخرى ولا ينبغي له أن ينتابه اليأس من العودة إلى الذنب، فإنه أرحم من كل رحيم.
واعلم أن للإنسان ثلاث حالات في المعاصي : حالة ٌ قبل المعصية، وحالة ٌ حين المعصية، وحالة ٌ بعد المعصية، ولكل من الحالات أحكام مختلفة.
أما حاله قبل ارتكاب المعصية : فعليه أن يلقّن نفسه أخبار الخوف، لعل ذلك يوجب له الانصراف عن المعصية، فليتصوّر ما لو هدده مولاه بقوله : (إني لا أغفر لك أبداً).

فإن الرب قد جعل للعبد حدوداً من المخالفة يستحق فيها العفو.. فإذا تجاوز العبد حدّه طرده مولاه، وأخرجه من قابلية التوبة والمغـفرة، إذ أن الرحمة – في هذه الحالة – خلاف مقتضى الحكمة، ومن المعلوم أن العبد عند كل معصية، يحتمل أنه – بتلك المعصية – قد تجاوز الحدَّ الموجب للطرد.

وأما حاله حين ارتكاب المعصية : فإنه لا بد أن يشتد عندها خوفُه، لأن مالك الملوك – جلّ شأنه العظيم – حاضر لديه، وناظر إليه، والعبد في محضره يهتك حرمته وهو يعلم أن كل ما في الوجود، جنود مجندة بين يدي مولاه، بل جوارحه التي عصى بها، فإنها طوع إرادته في أن يعاقب بها من يريد.
وليعلم أن العودة إلى التوبة، مما يُحمد عليها في أية مرحلة من مراحل المعصية..
وأما حاله بعد المعصية وغلبة الشهوة : فإنه ينبغي مراجعة أخبار الرجاء، لئلا يُلقي الشيطان في روعه اليأس قائلا : إنك عصيت عن عمدٍ والتفـــات، فما فائدة التوبة بعد ذلك؟..

إن على العبـد – في هذه الحالـة – أن يعلـم أن كل وهـمٍ وخيـالٍ يمنعــانه عن التوبـة والتدارك إنمـا هو من الشيطان.. فلا بد من تذكيــــر نفسه بكرم المولى عـز اسمه، وأن اليأس من رحمته من المعاصي الكبيرة.
فكيف لا يعـود العـبد إليه وهو الراحم لمن لا راحم له، وهـو الذي تسمى بالوهّاب لكثرة جوده، وهو الذي عند حسن ظن عبـده المؤمن.. كـل هـذه الأمـور تدل بوضوح على أن العبد إذا لم يكن متمرداً على المـولى، فإن الرحمـة الواسعة شاملة له، إلا إذا قبُحت الرحمة في حقه.

وقد ورد عن النبي (ص) قبـول توبة من قتل سبعين نبياً ثم تاب إلى الله تعالى.
ثم اعلم أيها الأخ الأعز!.. إن العبد إذا تاب على التفصيل المذكور فإنه سيكون في أول درجات التائبين.. فلا بد له من الوصول إلى حقيقـة التوبة بعد ذلك.
إنّ حقيقة التوبة ليست هذه الألفاظ وإنما لها واقع ودرجات، شأنها شأن جميع الدرجات الأخلاقية، التي لها حقائق لا بد من استيعابها، وهي مما لا يمسه إلا المطهرون.

فهذا آدم (ع) قال : {ربنا ظلمنا أنفسنا}. الأعراف / 23.. وهذا نبي الله أيوب (ع) قال : {رب إني مسني الضر وأنت ارحم الراحمين}. الأنبياء / 83.. ونحن نكـرر مـا قـالاه، ولكن كم من الفــرق بين الأمرين!!
إن استيعاب حقائق كلامهم (ع) ودقائق إشاراتهم، يفوق ما يدور بيننا من سؤال وجواب، ورسالتنا هذه لا تحتمل تفاصيل هذا الأمر.. اللهم اهدنا فيمن هديت.
فحاصل الكلام من البـدء إلى الختم بتقرير آخر : إن السالك سبيل التقوى يجب عليه مراعاة أمور.

124 batul

الأحزان التي ترد على قلب المؤمن
إن الإنسان قد يكون في أعلى درجات الرفاهية، ولكن قلبه يعتصر حزنا وألما.. حيث أنه ليس هناك أي تلازم بين أن يكون الإنسان في سعة من الرزق، وبين حزن قلبه أو فرحه.. فإذن، لا يعتقدن أحد أن الرفاهية المادية ستشفع له في هذا المجال.. وكما هو متعارف : فإن الفقراء من أصفى الناس باطنا، وبعض التجار المترفين من أشد الناس عذابا!..

إن الحزن ليس حالة واحدة، بل حالات متعددة :
أولا : الحزن المقدس : إن النبي الأكرم (ص) كان من أكثر الناس حزنا، يقول القرآن الكريم : {طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}.. كان يحمل حزنا عظيما، ولكن هذا الحزن كان مقدسا ؛ لأنه حزن على الناس وعلى الأمة، فقد كان (ص) عندما يؤذيه قومه، يقول : (اللهم!.. اغفر لقومي ؛ فإنهم لا يعلمون).

فإذن، عندما يرى المؤمن أن حزنه نابع من تقصيره في العبودية : حيث أنه من الصباح إلى المساء لم يوفق لطاعة معتبرة، أو عزم على ترك معصية، وفي ساعة الامتحان وقع في تلك المعصية.. أو لا هذه ولا تلك ؛ أي لم يرتكب معصية، ولكنه يعيش حالة الغفلة والبعد عن الله عز وجل ؛ فإن هذا الحزن مقدس.. لأن ذكر الله – عز وجل – بالنسبة للمؤمن الذي وصل إلى درجة عالية، هو بمثابة الهواء الذي يستنشقه.. فإذن، هذا الحزن مقدس.. وعلى المؤمن أن يدعو ويقول : يا رب، زدني حزنا!.. فهذا الحزن بمثابة المنبه، يجعل المؤمن يتنبه إلى أن هناك شيئا ما، أورثه هذا الحزن.

ثانيا : الحزن غير المقدس.. وهو حزن شيطاني، إذ أن الإنسان يحزّن نفسه دون سبب : هو وضعه جيد، في نعمة ظاهرية وباطنية ؛ ولكنه قلقل من المجهول، ويعيش في خوف من المستقبل.. حيث أن الله – عز وجل – منذ أن خلق آدم (ع) إلى يومنا هذا، ما أعطى ضمانا لأحد أن يعيش إلى آخر عمره على نحو ما هو يريد.. فالحياة فيها تقلبات.. فإذن، إن الحزن الذي منشؤه الدنيا والحرص عليها، غير مقدس.

ثالثا : الحزن الذي لا يعلم سببه.. وهناك حزن لا يعلم هل هو مقدس أو غير مقدس : لا هو من معصية، ولا من غفلة، ولا هو من ابتعاد، ولا من دنيا.. سببه مجهول، فما هو الحل؟.. على الإنسان أن يستقرئ باطنه، ويرى الأسباب التي أورثته هذه الحزن.. ومن الأسباب التي لا نقيم لها وزنا، إدخال الحزن على الآخرين.. إن رأيت حزنا في قلبك، ابحث عن القلوب المحيطة بك، لعلك كنت سببا في شعور إنسان بالألم والأذى ؛ فعجّل رب العالمين لك العقوبة في الدنيا، أن جعل في قلبك هذا الحزن، ليخفف عنك العذاب يوم القيامة.

كان أحدهم مبتلى بمولى قاسي القلب، شوهد جالسا مع كلب يأكل معه.. وعندما سئل عن السبب، قال : لعل بإدخالي السرور على هذا الحيوان، أرجو أن يدخل اللين على قلب المولى فيخلصني من شره.. إذا كان إدخال السرور على كلب نجس العين، يوجب الفرج للمؤمن.. فكيف بإدخال السرور على قلب مؤمن بالله؟.. وكيف إذا كان بقلب تقي؟.. واليكم متن الرواية :
رأى الحسين (ع) غلاماً يؤاكل كلباً، ولمّا سأله، قال : يا ابن رسول الله إنّي مغموم، أطلب سروراً بسروره، لأنّ صاحبي يهودي أريد أفارقه، فأتى الحسين (ع) إلى صاحبه بمأتي دينار ثمناً له، وقال اليهودي : الغلام فداء لخطاك، وهذا البستان له ورددت عليك المال، فقال (ع) : (قد وهبت لك المال)، قال : قبلت المال ووهبته للغلام. فقال الحسين (ع) : (أعتقت الغلام، ووهبته له جميعاً). فقالت امرأته : قد أسلمت ووهبت زوجي مهري. فقال اليهودي : وأنا أيضاً أسلمت وأعطيتها الدار.

125 ابو زهراء

قضاء حاجة المؤمن
بعد أكثر من عشرين سن من تقربي إلى الله تعالى، وسلوك مختلف طرق العرفان، لم أجد عملا يقرب إلى الله، أكثر من قضاء حاجة المؤمن.. فلعل كل العبادات، هي بين المرء وربه, وسترها أفضل من علنها، إلا قضاء حاجة المؤمن الملهوف المنقطع به السبيل.. فإن الوصول إليها ينبغي :
أولا : الاختلاط بالناس، والتودد إليهم، ومراقبتهم.
وثانيا : التمكن من أداء الخدمة للمؤمنين بالكلمة، أو العمل، أو المال، أو الدعاء.
وثالثا : أن يعرف أنه وبتوفيق من الله حصل على هذه النعمة، ألا وهي خدمة المؤمنين. ألا ترون أن العبد الصالح (الخضر) ذكر بعمله لا بتعبده. جعلني الله – وإياكم – من المنتجبين لقضاء حوائج المؤمنين!..
ووجدت أن أسرع الأعمال المحبطة للدرجات، هي كسر خواطر المؤمن.. فإن يفقد المرء ماله، خير من أن يكون السبب في حزن مؤمن معدوم الحيلة. اللهم! اغفر لي وللمؤمنين، ولا تحبط أعمالنا، ولا تدخلنا في مثل هذا الامتحان.

126 batul

rwaia
نشير في البدء إلى النقاط الرئيسية التي ينبغي للسالك مراعاتها في مسيرته التربوية، لتطهير روحه، وتهذيب أخلاقه، وتزكية نفسه من أدران المعاصي وأوساخ الغفلة.
يقول السيد صداقت : نذكر باختصار طريقة السيد الكشميري وسيرته العملية :
– لابدّ للسالك من أُستاذ يرشده.
– وجوب مراقبة النفس.
– وجوب التوسلات والأدعية, وهي الغذاء الدائم والمستمر للسالكين.
– لا يترقّـى مَـن أراد الدنيا والآخرة معاً.
– الذكر والتفكّـر بإرشاد الأُستاذ الحاذق يدفع بالسالك إلى الأمام بنحو أفضل وأسرع.
– لابدّ من المجاهدة, ولا يصل الكسول إلى نتيجة.
– ترك الأطعمة الحيوانية والأغذية اللذيذة لها تأثير أفضل في تهذيب النفس.
– ينبغي الحذر من كل عمل فيه شيء من تسخير الجن وأمثال ذلك.
– يجب نفي الخواطر بالذكر والتفكّـر للحيلولة دون نفوذ الشيطان.
– يظهر تأثير الأذكار طبقاً للروايات بعد المداومة عليها سنة كاملة.
– ضرورة تحصيل العلم من غير إفراط وتفريط, لأنّ الإفراط يجلب الغرور والتفـريط يورث الجهل.
– إحياء الليل بالعبادة والتهجد بالأسحار, وهو أفضل الأوقات.
– تلاوة القرآن وختمه وقراء ة ختومات بعض السور والآيات من لوازم طريق السلوك.
– لا يقبل العرفاء الشخص المتلوّن وأولئك الذين لايتمتعون بحال الحضور, وكذلك الأشخاص غير الموفقين.
– ينبغي الحذر من أدعياء السلوك وكل من أتخذ السلوك حانوتاً

127 ضي الحسين

نقطة في بحر فوائد الصلاة على محمد وآله
قال تعالى : (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).. إن للصلاة على محمد وآل محمد فضل عظيم لا يعد ولا يحصى ولست أبالغ إذا قلت أنها جنة وهذا نزر قليل من فضلها :
1) أنها طاعة لله.. وطاعة الله فوز عظيم.
2) نيل الشفاعة.
3) دفع البلاء.
4) غفران الذنوب.
5) تذهب النفاق.
6) أنها صفة ملائكية.
7) قضاء لحوائج الدنيا والآخرة.
8) صدقة جارية.

128 أم زينب

من خواص بسم الله الرحمن الرحيم
من خواص البسملة : أنه إذا تليت عند النوم إحدى وعشرين مرة، أمن تلك الليلة من الشيطان، ولم يسرق بيته، وحفظ من موت الفجأة.
وإذا تليت في وجه الظالم خمسون مرة، ذل له، وألقى الله في قلبه الهيبة.
وإذا تليت في أذن مصروع إحدى وأربعون مرة، أفاق من ساعته.
وإذا تليت عند طلوع الشمس وأنت مستقبلها ثلاثمئة مرة، ثم تصلى على النبي – صلى الله عليه واله وسلم – مئة مرة، لم يحل الحول إلا أغناك الله، ورزقك من حيث لا تحتسب.
وهناك قصة تدل على عظمة بسم الله الرحمن الرحيم، وهي : أن معلما لصبيان كتب لطفل من أهل مكتبه : بسم الله الرحمن الرحيم.. وكان بين بيت الطفل وبين المكتب نهر عظيم، فقبض الطفل على الرقعة بيمنه، وركب على عباء ته بعد أن فرشها على الماء، وقطع النهر، ولبس العباء ة من ساعته، ولم يصبها الماء.. ولم تزل هذه عادته في كل يوم، فاتفق أن الطفل أضاف المعلم بإذن أبيه، فمشى الطفل بالمعلم حتى قطع النهر على جاري العادة، فالتفت إلى الخلف، فوجد المعلم واقفا على ساحل النهر في الجانب الآخر، فصاح به، فقال له : ألست أنت الكاتب للرقعة، والقائل لي افعل هكذا؟!.. ألم تقل لي أخرج الدواة والقلم، وأكتب لك رقعة فيها بسم الله الرحمن الرحيم، وامش على الماء؟!.. فقال : يا ولدي، إذا قبضت على الرقعة بيمني، من أين لي بمثل اعتقادك!.. ومن أين لي الجرأة والإقدام، بإلقاء نفسي في هذا الماء المواج الغزير العظيم العظيم اللجة!.. فراح إلى بيت الطفل على الطريق الدائر البعيد.

129 ملاك الطـاعة

الدعاء آداب وشروط
من شروط استجابة الدعاء :
1 – استحضار عظمة المدعو، وافتقار الداعي :
ويتأتى ذلك من المعرفة الراسخة بالله تعالى, والرؤية العقائدية, والخلفية الفكرية التي يحملها الداعي.. وكلما ازدادت هذه المعرفة، ازداد خشوع الداعي، وخضوعه، وانقطاعه لله تعالى, ويأسه عما سواه.

2 – أداء الواجبات، واجتناب المحرمات :
بإقامة الفرائض, والحفاظ على الواجبات, وأهمها الصلاة, فإن الصلاة كما ورد في الحديث : (الصلاة عمود الدين، إن قبلت قبل ما سواها، وإن ردت رد ما سواها).
من كان في صحراء قاحلة شديدة العواصف والحرارة، فلا سبيل له إلا تثبيت خيمته بإحكام, بتركيز عمودها بقوة، لا تثنيه العواصف.. وخيمة بلا عماد، أو غير مثبتة العمود، ليست بخيمة!.. فهي لا تقي صاحبها من حر، ولا برد.. وكذلك، دين بلا صلاة جامعة لشرائط الصحة والقبول، لا يمكنه حماية صاحبه من وساوس الشيطان, ومغريات الدنيا, وعواصف الذنوب, وشدائد الحياة.. فلا يصمد أمام هذه التحديات, كما لا يصمد عماد الخيمة، المهتز أمام العواصف والرياح!.. فالصلاة هي العماد، التي يدور عليها قبول الأعمال, ومنها سماع الله لدعاء عبده.
وأداء الحقوق الشرعية, ورد الظلامات إلى أصحابها, واجتناب الحرام بكل أنواعه, والابتعاد عن أكل الحرام, كل ذلك من شروط قبول الدعاء واستجابته.

3 – التوكل على الله :
بالسعي للأخذ بالأسباب, لا التواكل عن العمل، والاتكال على الأماني والأحلام الزائفة!. فالدعاء أداة إثارة للقلق الإنساني المثمر, والدافع نحو العمل, وتحصيل الخير بكل أبعاده المعنوية والمادية.
————–
الدعاء واستكمال الشروط :
هل يتقبل الله دعاء من لم يستكمل الشروط؟..
قد يعيق الشيطان بوسوسته بعض المقبلين على الخيرات عموما, والدعاء على وجه الخصوص, بأن لا فائدة من عملك ودعائك، ما لم تستكمل شرائط القبول, وآداب الدعاء, فيوسوس له بأن لا داعي لعمل لا قبول فيه.. وعليك أن تتخلص من هذا المانع!.. فيعيقه من الدعاء, ويمنيه بالتسويف, فتنقضي الأيام والسنين، ولم يتقدم خطوة في سبيل تكامله ومستقبله الحقيقي. يقول أمير الؤمنين – عليه السلام -:
بادر هواك إذا هممت بصالح
خوف الغوالب أن تجيء فتغلب
والإعاقة الروحية، أخطر من الإعاقة الجسدية.. لأنها تعقد بالإنسان، وتشده إلى الحضيض, وتحجبه عن الكمالات.. لا خلاف في ضرورة التخلص من الموانع, ولكن لا أن يصبح السعي للتخلص من المانع مانعا!.. علينا أن نتحرك في خطين متوازنين : تخلية من الموانع، وفي الآن ذاته تحلية بالفضائل..
مهم للداعي أن يسعى ما استطاع، لتحصيل شروط الدعاء وآدابه.. ولكن إذا تعذر شرط من الشروط، أو أدب من الآداب، فهذا لا يعني حرمان نفسه من فيوضات الدعاء، وعطاء اته.. لأن الله إذا علم من عبده صدق النية، والإخلاص، أقبل عليه، وأذن له بالدعاء، رغم ذلك.
كما أن بعض هذه الآداب، تمثل درجات معنوية، لا يمكن تحصيلها بين عشية وضحاها.. إذ تتطلب زمنا، من المجاهدة والترويض والضراعة إلى الله, والدعاء جزء من هذه المجاهدة والترويض.

130 سلام

العظمة
من سعادة المرء انشغاله بإصلاح ذاته، وما يتصل بها، من خواطر وخلجات.. ولكن من التعاسة، أن تتحول هذه الأمور، لمادة العظمة، ولامتلاك صفات الظهور!.. و كل ذا، عندما يرى الإنسان نفسه، واجبة الوجود، و قادرة مؤثرة!.. إن من يرى نفسه مظهرا للحق، لا يسعى لإظهار ذاته المعدومة!..
والحقيقة، أن العمل لله، قد يكون عملا لغيره!.. وذلك، عندما يرى العبد نفسه، أنه بعبادة الله، يمتلك ميزات تعظمه في أعين الناس، فيسعى المسكين لتنقية نيته، ظنا منه أنه يتقرب من الله، ولكنه يخلص تحقيقا للعظمة!..
فيا لشديد الأسف!.. أن يصرف الإنسان عمره في مسلك، يظنه الصواب، والحال أنه قعر السجون الحالكة، حيث يعتقد العبد أنه على هدى، و كل مساعيه لغير الله!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى