الجزء الواحد والثمانون كتاب الصلاة

باب آداب القيام إلى الصّلاة ، والأدعية عنده ، والنية ، والتكبيرات الإفتتاحية ، وتكبيرة الإحرام

*
المصدر:بحار الانوارج81/ص346
بيــان:
وأمّا قصد حصول الثّواب والخلاص من العقاب ، فلا ينافي الإخلاص لأنّهما بأمره تعالى .. وتكليف أكثر الخلق بإخلاص النيّة منهما قريب من التكليف بالمحال بل هو عينه ، نعم ذلك درجة المقرّبين من الأنبياء والأوصياء والصدّيقين صلوات الله عليهم أجمعين ، ومَن ادّعى ذلك من غيرهم فلعلّه لم يفهم معنى النيّة ، وجعلها محض حضور البال ، وهوليس من النيّة في شيء ، والنيّة هو الغرض الواقعي الباعث على الفعل ، وهذا مثل أن يقال :
في طريقك أسدٌ ولا تخف منه .. وأعددنا لك مائة ألف تومان للعمل الفلاني ، ولا يكن باعثك على العمل ذلك .. وهذا إنّما يصدق في دعواه إذا علم من نفسه أنه لو أيقن أنَّ الله يدخله بطاعته النّار وبمعصيته الجنّة ، يختار الطاعة ويترك المعصية تقرّباً إلى الله تعالى ، وأين عامّة الخلق من هذه الدرجة القصوى والمنزلة العليا ؟.. وقد مرّ تحقيق ذلك وساير ما يتعلّق به في باب الإخلاص من هذا الكتاب .ص346

دخلت على الرّضا (ع) وبين يديه إبريقٌ يريد أن يتوضّأ منه للصلاة ، فدنوت لأصبَّ عليه ، فأبى ذلك ، وقال (ع) : مهّ يا حسن !.. فقلت له : لِمَ تنهاني أن أصبّ عليك ؟.. تكره أن أوجر ؟.. فقال (ع) : تؤجر أنت وأوزر أنا ؟.. فقلت له : وكيف ذلك ؟.. فقال (ع) : أَمَا سمعت الله يقول :
{ فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً } ، ها أنذا أتوضّأ للصّلاة وهي العبادة ، فأكره أن يشركني فيها أحد .ص349
المصدر:الكافي 3/69 ، التهذيب 1/104

عن معاذ بن جبل : قلت : حدّثني بحديثٍ سمعته من رسول الله (ص) وحفظته من دقّة ما حدّثك به ، قال : نعم ، وبكى معاذ ، ثم قال : بأبي و أُمّي حدّثني وأنا رديفه ، قال : بينا نحن نسير إذ رفع بصره إلى السماء فقال (ص) : ” الحمد لله الذي يقضي في خلقه ما أحبَّ ” ، ثم قال (ص) : يا معاذ !.. قلت : لبيك يا رسول الله !.. إمام الخير ونبيَّ الرحمة ، قال (ص) : أُحدّثك ما حدَّث نبيّ أُمّته إن حفظته نفعك عيشك ، وإن سمعته ولم تحفظه انقطعت حجّتك عند الله ، ثم قال (ص) :
إنَّ الله خلق سبعة أملاكٍ قبل أن يخلق السموات ، فجعل في كلّ سماءٍ ملكاً قد جلّلها بعظمته ، وجعل على كلّ بابٍ من أبواب السماوات ملكاً بوّاباً ، فتكتب الحفظة عمل العبد من حين يصبح إلى حين يمسي ، ثم ترتفع الحفظة بعمله وله نورٌ كنور الشمس حتى إذا بلغ السماء الدّنيا فتزكيّه وتكثّره ، فيقول الملك : قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه !.. أنا ملك الغيبة ، فَمن اغتاب لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري ، أمرني بذلك ربّي .
قال (ص) : ثم تجيء الحفظة من الغد ومعهم عملٌ صالحٌ ، فتمرُّ به وتزكّيه وتكثّره حتى يبلغ السماء الثانية ، فيقول الملك الذي في السماء الثانية : قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه !.. إنّما أراد بهذا عرض الدّنيا ، أنا صاحب الدّنيا لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري .
قال (ص) : ثم تصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجاً بصدقةٍ وصلاةٍ ، فتُعجب به الحفظة وتجاوزه إلى السماء الثالثة ، فيقول الملك : قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه وظهره !.. أنا ملك صاحب الكبر فيقول : إنّه عمل وتكبّر فيه على الناس في مجالسهم ، أمرني ربّي أن لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري .
قال (ص) : وتصعد الحفظة بعمل العبد ، يزهر كالكوكب الدّري في السماء له دويٌّ بالتسبيح والصوم والحجّ ، فتمرّ به إلى ملك السماء الرابعة ، فيقول لهم الملك : قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه وبطنه!.. أنا ملك العجب إنّه كان يُعجب بنفسه ، وإنّه عمل وأدخل نفسه العجب ، أمرني ربّي لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري .
قال (ص) : وتصعد الحفظة بعمل العبد كالعروس المزفوفة إلى أهلها ، فتمرُّ به إلى ملك السماء الخامسة بالجهاد والصلاة ما بين الصلاتين ، ولذلك العمل رنين كرنين الإبل عليه ضوءٌ كضوء الشمس ، فيقول الملك : قفوا أنا ملك الحسد ، واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه واحملوه على عاتقه !.. إنّه كان يحسد مَن يتعلّم أو يعمل لله بطاعته ، وإذا راى لأحدٍ فضلاً في العمل والعبادة حسده ووقع فيه ، فيحملونه على عاتقه ويلعنه عمله .
قال (ص) : وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاةٍ وزكاةٍ وحجٍّ وعمرةٍ ، فيتجاوز إلى السماء السادسة فيقول الملك : قفوا أنا صاحب الرحمة اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه واطمسوا عينيه !.. لأنّ صاحبه لم يرحم شيئاً إذا أصاب عبداً من عباد الله ذنباً للآخرة أو ضرّاً في الدّنيا شمت به ، أمرني ربّي أن لا أدع عمله يجاوزني ، قال (ص) :
وتصعد الحفظة بعمل العبد بفقهٍ واجتهادٍ وورعٍ ، وله صوتٌ كالرعد ، وضوءٌ كضوء البرق ، ومعه ثلاثة آلاف ملك ، فتمرّ به إلى ملك السماء السابعة فيقول الملك : قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه !.. أنا ملك الحجاب ، أحجب كلّ عملٍ ليس لله ، إنّه أراد رفعةً عند القوّاد ، وذكراً في المجالس ، وصيتاً في المدائن ، أمرني ربّي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري ما لم يكن لله خالصاً .
قال (ص) : وتصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجاً به من صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحجٍّ وعمرةٍ وحسن خُلق وصمتٍ وذكرٍ كثيرٍ ، تشيّعه ملائكة السّماوات والملائكة السبعة بجماعتهم ، فيطوف الحجب كلّها حتى يقوموا بين يديه سبحانه ، فيشهدوا له بعملٍ ودعاء ، يقول الله : أنتم حفظة عمل عبدي ، وأنا رقيبٌ على ما في نفسه ، إنّه لم يردني بهذا العمل ، عليه لعنتي!.. فتقول الملائكة : عليه لعنتك ولعنتنا .
ثم بكى معاذ ، قال : قلت : يا رسول الله (ص) !.. ما أعمل ؟.. قال (ص) : اقتد بنبيّك يا معاذ في اليقين !.. قال : قلت : أنت رسول الله وأنا معاذ ، قال (ص) :
وإن كان في عملك تقصيرٌ يا معاذ !.. فاقطع لسانك عن إخوانك وعن حملة القرآن!.. ولتكن ذنوبك عليك لا تحملها على إخوانك !.. ولا تزكّ نفسك بتذميم إخوانك .. ولا ترفع نفسك بوضع إخوانك..ولا تراء بعملك ..ولا تدخل من الدّنيا في الآخرة .. ولا تفحش في مجلسك ، لكي يحذروك بسوء خلقك .. ولا تناج مع رجل وأنت مع آخر .. ولا تتعظّم على الناس ، فينقطع عنك خيرات الدّنيا .. ولا تمزّق الناس ، فتمزّقك كلاب أهل النار ، قال الله تعالى : { والناشطات نشطاً } أفتدري ما الناشطات ؟.. كلاب أهل النار تنشط الّلحم والعظم .
قلت : ومَن يطيق هذه الخصال ؟. قال (ص) : يا معاذ !.. أما إنّه يسيرٌ على مَن يسّره الله عليه .ص354
المصدر:عدة الداعي

قال الصادق (ع) : إنَّ رجلاً دخل مسجد رسول الله (ص) ورسول الله (ص) جالسٌ ، فقام الرجل يصلّي فكبّر ثم قرأ ، فقال رسول الله (ص) : عجل العبد على ربّه ، ثم دخل رجلٌ آخر فصلّى على محمد وآله ، وذكر الله وكبّر وقرأ ، فقال رسول الله (ص) :
سل تُعط .ص355
المصدر:كتاب جعفر بن محمد بن شريح
بيــان:
وحاصل الكلام أنّ في وقت ذكره تعالى التضرُّع والابتهال مناسبٌ مطلوبٌ ، لا سيّما وقت هذا الذكر المخصوص ، أعني تكبير الافتتاح لأنه وقت إحضار نيّة الصلاة والإخلاص القربة ، وقطع النظر عن جميع الأغراض ، فناسب رفع اليد إلى الله ونفض اليد عمّا سواه ، وتنزيهه عن مشابهة مَن عداه .ص364

في القول عند التوجّه إلى القبلة : اللهم !.. إليك توجّهت ، ورضاك طلبت ، وثوابك ابتغيت ، وبك آمنت ، وعليك توّكلت .. اللهم !.. صلّ على محمد وآل محمد ، وافتح مسامع قلبي لذكرك ، وثبتني على دينك ، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني ، وهب لي من لدنك رحمةً إنّك أنت الوهاب . ص365
المصدر:مكارم الأخلاق ص344 ، مصباح الشيخ

قال رجلٌ عند الصادق (ع) : ” الله أكبر ” فقال : الله أكبر ، من أي شيء ؟.. فقال : من كلّ شيء ، فقال أبو عبد الله (ع) : حددته.. فقال الرجل : كيف أقول ؟.. فقال (ع) : الله أكبر من أن يُوصف . ص366
المصدر:الكافي 1/117

ويقول بعد ثلاث تكبيرات من تكبيرات الافتتاح ما رواه الحلبي وغيره عن الصادق (ع) :
” اللهم !.. أنت الملك الحقُّ ، لا إله إلاّ أنت ، سبحانك وبحمدك ، عملتُ سوءً وظلمتُ نفسي ، فاغفر لي ذنبي ، إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت ” ثم يكبّر تكبيرتين ويقول :
” لبّيك وسعديك !.. والخير في يديك ، والشر ليس إليك ، والمهديُّ مَن هديت ، عبدك وابن عبديك بين يديك ، منك وبك ولك وإليك ، لا ملجأ ولا منجا ولا مفرَّ منك إلاّ إليك ، سبحانك وحنانيك !.. تباركت وتعاليت ، سبحانك ربّ البيت الحرام !..” ثم يكبّر تكبيرتين أُخريين كما أشرنا إليه ، ثم يتوجه كما كنّا نبهنا عليه ويقول :
وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم ، ودين محمد ، ومنهاج علي ، حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين ، إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين ، لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا من المسلمين ، وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم .ص367
المصدر:فلاح السائل ص227
بيــان:
” لبّيك وسعديك “: أي إقامة على طاعتك بعد إقامة ، وإسعاداً لك بعد إسعاد ، يعني مساعدة على امتثال أمرك بعد المساعدة ، وفي النهاية : ” لبّيك ” أي إجابتي لك يا ربِّ !.. وهو مأخوذ من لبّ بالمكان وألبَّ إذا أقام به ، وألبَّ على كذا إذا لم يفارقه ، ولم يستعمل إلاّ على لفظ التثنية في معنى التكرير أي إجابة بعد إجابة ، وهو منصوبٌ على المصدر بعامل لا يظهر ، كأنّك قلت : أُلبّ إلباباً بعد إلباب ، وقيل : معناه اتّجاهي وقصدي يا ربِّ إليك !.. من قولهم : داري تلبُّ دارك أي تواجهها ، وقيل : معناه إخلاصي لك من قولهم : حَسَبٌ لباب إذا كان خالصاً محضاً ، ومنه لبّ الطعام ولبابه ، وزاد في القاموس معنى آخر قال : أو معناه محبّتي لك ، من امرأة لبّة : محبّة زوجها .ص367

شهدتُّ الصادق واستقبل القبلة قبل التكبير وقال (ع) : اللهم !.. لا تؤيسني من روحك ، ولا تقنطني من رحمتك ، ولا تؤمنّي مكرك ، فإنّه لا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون .ص370
المصدر:الكافي 2/544

قال الصادق (ع) : إذا قمت إلى الصلاة فقل :
اللهم !.. إنّي أُقدِّم إليك محمداً (ص) بين يدي حاجتي ، وأتوجّه به إليك ، فاجعلني به وجيهاً عندك في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين ، واجعل صلاتي به مقبولةً ، وذنبي به مغفوراً ، ودعائي به مستجاباً ، إنّك أنت الغفور الرحيم . ص371
المصدر:الكافي 2/544
بيــان:
وأمّا القربة فهي أصعب الأمور ، ولا يتيسّر تصحيحها عند إرادة الصّلاة ، بل يتوقّف على مجاهدات عظيمة وتفكّرات صحيحة ، وإزالة حبّ الدّنيا والأموال والاعتبارات الدنيويّة عن النفس ، والتوسّل في جميع ذلك بجناب الحقّ تعالى ، ليتيسّر له إحدى المعاني السابقة بحسب استعداده وقابليّته ، وما صادفه من توفيق الله وهدايته فإنّ كلاًّ يعمل على شاكلته .
ونيّة كلّ امرئٍ تابع لما استقرّ في قلبه من حبّ الله أو حبّ الدنيا أو حبّ الجاه أو المال أو غير ذلك ، و قلع عروق هذه الأغراض عن النفس في غاية العسر والإشكال ، ومعها تصحيح النيّة من قبيل المحال ، ولذا ورد ( نيّة المؤمن خير من عمله ) والمراد إخلاص القصد من أغراضه وعلله .
ولما جعل أكثر الخلق خطور البال النيّة ، صاروا من هذا الإشكال والضيق في غاية الفسحة ، فكم من عابدٍ من أهل الدنيا يظنّ أنّ نيّته خالصة لله ، ولا يعبد في جميع عمره إلاّ نفسه وهواه ، فيسعى غاية السعي فيما يحمده الناس من الطاعات ، وإذا عرضت له عبادة لا يرتضيها الناس ولا يحمدون عليها ، يصير عندها كالأموات ، ومَن تتبّع أغراض النفوس وداءها ودواءها ، يعرف ذلك بأدنى تأمّل في أحوال نفسه وإلاّ فلا يستيقظ من سنة هذه الغفلة إلاّ عند حلول رمسه .
وفّقنا الله وجميع المؤمنين لسلوك مسالك المتّقين ، وتحصيل نيّاتهم على اليقين .ص373

قال أمير المؤمنين (ع) : إنّ النبيّ (ص) مرَّ برجلٍ يصلّي وقد رفع يديه فوق رأسه ، فقال : ما لي أرى أقواماً يرفعون أيديهم فوق رؤوسهم كأنّها آذان خيل شمس .ص373
المصدر:الذكرى

قال الصادق (ع) : كان أمير المؤمنين (ع) : يقول لأصحابه : مَن أقام الصّلاة وقال قبل أن يحرم ويكبّر :
” يا محسن قد أتاك المسيء ، وقد أمرت المحسن أن يتجاوز عن المسيء ، وأنت المحسن وأنا المسيء ، فبحقّ محمد وآل محمد صلّ على محمد وآل محمد ، وتجاوز عن قبيح ما تعلم منّي ” فيقول الله :
ملائكتي!.. اشهدوا أنّي قد عفوت عنه ، وأرضيت عنه أهل تبعاته .ص375
المصدر:فلاح السائل ص155

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى