الجزء الخامس والسبعون كتاب الروضة

باب مواعظ موسى بن جعفر وحكمه عليهما السلام

وصيته (ع) لهشام وصفته للعقل :
يا هشام !.. لكل شيء دليل ، ودليل العاقل التفكّر ، ودليل التفكّر الصمت.. ولكلِّ شيء مطيّة ، ومطية العاقل التواضع ، وكفى بك جهلاً أن تركب ما نُهيت عنه.
يا هشام !.. لو كان في يدك جوزة وقال الناس : في يدك لؤلؤة ، ما كان ينفعك وأنت تعلم أنّها جوزة ، ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس : إنّها جوزة ، ما ضرّك وأنت تعلم أنّها لؤلؤة….
يا هشام !.. ما من عَبدٍ إلاّ ومَلَكٌ آخذ بناصيته ، فلا يتواضع إلاّ رفعه الله ولا يتعاظم إلاّ وضعه الله.
يا هشام !.. إنّ لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة ، وحجة باطنة :
فأمّا الظاهرة فالرسول والأنبياء والائمة ، وأمّا الباطنة فالعقول.
يا هشام !.. إنّ العاقل ، الذي لا يُشغل الحلال شكره ، ولا يغلب الحرام صبره.
يا هشام !.. من سلّط ثلاثاً على ثلاث فكأنّما أعان هواه على هدم عقله : من أظلم نور فكره بطول أمله ، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه ، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه ، فكأنّما أعان هواه على هدم عقله ، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه .
يا هشام !..كيف يزكو عند الله عملك ، وأنت قد شغلت عقلك عن أمر ربك ، وأطعت هواك على غلبة عقلك .
يا هشام !.. الصبر على الوحدة علامة قوة العقل ، فمن عقل عن الله تبارك وتعالى اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها ، ورغب فيما عند ربّه ، وكان الله آنسه في الوحشة وصاحبه في الوحدة ، وغناه في العيلة ، ومعزَّه في غير عشيرة.
يا هشام !.. نُصب الخلق لطاعة الله ولا نجاة إلا بالطاعة ، والطاعة بالعلم ، والعلم بالتعلم ، والتعلم بالعقل يُعتقد ، ولا علم إلا من عالم ربّاني ، ومعرفة العالم بالعقل.
يا هشام !.. قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف ، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود.
يا هشام !.. إنّ العاقل رضي بالدّون من الدنيا مع الحكمة ، ولم يرض بالدّون من الحكمة مع الدنيا ، فلذلك ربحت تجارتهم.
يا هشام !.. إن كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك ، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شيء من الدنيا يغنيك.
يا هشام !.. إنّ العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب ، وترك الدنيا من الفضل ، وترك الذنوب من الفرض.
يا هشام !.. إنّ العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة ، لأنهم علموا أنّ الدنيا طالبة ومطلوبة ، والآخرة طالبة ومطلوبة ، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته.
يا هشام !.. من أراد الغنى بلا مال ، وراحة القلب من الحسد ، والسلامة في الدين ، فليتضرع إلى الله في مسألته بأن يكمل عقله ، فمن عقل قنع بما يكفيه ، ومن قنع بما يكفيه استغنى ، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبداً.
يا هشام !.. إنّ الله جلّ وعزّ حكى عن قوم صالحين أنّهم قالوا:
{ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنّك أنت الوهاب} حين علموا أنّ القلوب تزيغ ، وتعود إلى عماها ورداها ، إنّه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه ، ولا يكون أحد كذلك إلاّ من كان قوله لفعله مصدقاً ، وسرّه لعلانيته موافقاً ، لأنّ الله لم يدلّ على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه.
يا هشام !.. كان أمير المؤمنين (ع) يقول : ما من شيء عُبد الله به أفضل من العقل ، وما تمّ عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتى :
الكفر والشر منه مأمونان ، والرشد والخير منه مأمولان ، وفضل ماله مبذول ، وفضل قوله مكفوف ، نصيبه من الدنيا القوت ، ولا يشبع من العلم دهره ، الذل أحبّ إليه مع الله من العز مع غيره ، والتواضع أحب إليه من الشرف ، يستكثر قليل المعروف من غيره ، ويستقلّ كثير المعروف من نفسه ، ويرى الناس كلهم خيراً منه وأنه شرّهم في نفسه ، وهو تمام الأمر ….
يا هشام !.. لا تمنحوا الجهّال الحكمة فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.
يا هشام !.. لا دين لمن لا مروّة له ، ولا مروة لمن لا عقل له ، وإنّ أعظم الناس قدراً ، الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطراً ، أمَا إنّ أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة ، فلا تبيعوها بغيرها.
يا هشام !.. إنّ أمير المؤمنين (ع) كان يقول : ( لا يجلس في صدر المجلس إلاّ رجلٌ فيه ثلاث خصال:
يجيب إذا سُئل ، وينطق إذا عجز القوم عن لكلام ، ويشير بالرأي الذي فيه صلاح أهله ، فمن لم يكن فيه شيء منهنّ فجلس فهو أحمق ).. وقال الحسن بن علي (ع) :
( إذا طلبتهم الحوائج فاطلبوها من أهلها ) ، قيل : يا بن رسول الله ومنْ أهلُها ؟!.. قال: ( الذين قصّ الله في كتابه وذكَرهم فقال:
{إنما يتذكر أولو الألباب} قال: هم أولوا العقول ).. وقال عليّ بن الحسين (ع) :
مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح ، وأدب العلماء زيادة في العقل ، وطاعة ولاة العدل تمام العزّ ، واستثمار المال تمام المروة ، وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة ، وكفّ الأذى من كمال العقل ، وفيه راحة البدن عاجلاً وآجلاً.
يا هشام !.. إنّ العاقل لا يحدّث من يخاف تكذيبه ، ولا يسأل من يخاف منعه ، ولا يعِدْ ما لا يقدر عليه ، ولا يرجو ما يعنّف برجائه ، ولا يتقدم على ما يخاف العجز عنه ، وكان أمير المؤمنين (ع) يوصي أصحابه يقول:
” أوصيكم بالخشية من الله في السرّ والعلانية ، والعدل في الرضا والغضب ، والاكتساب في الفقر والغنى ، وأن تصلوا من قطعكم ، وتعفوا عمّن ظلمكم ، وتعطوا على من حرمكم ، وليكن نظركم عبراً ، وصمتكم فكراً ، وقولكم ذكراً ، وطبيعتكم السخاء ، فإنه لا يدخل الجنّة بخيل ، ولا يدخل النار سخي “.
يا هشام !.. رحم الله من استحيا من الله حق الحياء ، فحفظ الرأس وما حوى ، والبطن وما وعى ، وذكر الموت والبِلَى ، وعلم أن الجنة محفوفة بالمكاره والنار محفوفة بالشهوات.
يا هشام !.. من كفّ نفسه من أعراض الناس أقاله الله عثرته يوم القيامة ، ومن كفّ غضبه عن النّاس كفّ الله عنه غضبه يوم القيامة.
يا هشام !.. إنّ العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه….
يا هشام !..أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله بعد المعرفة به : الصلاة ، وبرّ الوالدين ، وترك الحسد والعجب والفخر….
يا هشام !.. إنّ كل الناس يبصر النّجوم ، ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها ومنازلها ، وكذلك أنتم تدرسون الحكمة ، ولكن لا يهتدي بها منكم إلاّ من عمل بها.
يا هشام !.. إنّ المسيح (ع) قال للحواريّين:
يا عبيد السوء !.. يهولكم طول النخلة ، وتذكرون شوكها ومؤونة مراقيها ، وتنسون طيب ثمرها ومرافقها ، كذلك تذكرون مؤونة عمل الآخرة ، فيطول عليكم أمده ، وتنسون ما تفضون إليه من نعيمها ونورها وثمرها .
يا عبيد السوء !.. نقّوا القمح وطيّبوه وأدقّوا طحنه تجدوا طعمه ويهنئكم أكله ، كذلك فأخلصوا الإيمان وأكملوه تجدوا حلاوته وينفعكم غبّه .
بحق أقول لكم: لو وجدتم سراجاً يتوقّّد بالقطران في ليلة مظلمة ، لاستضأتم به ولم يمنعكم منه ريح نتنه ، كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممّن وجدتموها معه ، ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها.
يا عبيد الدنيا !.. بحق أقول لكم: لا تدركون شرف الآخرة إلا بترك ما تحبّون ، فلا تنظروا بالتوبة غداً ، فإنّ دون غدٍ يوماً وليلة ، وقضاء الله فيهما يغدو ويروح.
بحقّ أقول لكم: إنّ من ليس عليه دَين من الناس ، أروح وأقلّ همّاً ممّن عليه الدَّين ، وإن أحسن القضاء ، وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح همّا ممن عمل الخطيئة ، وإن أخلص التوبة وأناب ، وإنّ صغار الذنوب ومحقّراتها من مكائد إبليس ، يحقّرها لكم ويصغّرها في أعينكم فتجتمع وتكثر فتحيط بكم.
بحق أقول لكم: إنّ الناس في الحكمة رجلان : فرجل أتقنها بقوله وصدّقها بفعله ، ورجل أتقنها بقوله وضيّعها بسوء فعله ، فشتان بينهما ، فطوبى للعلماء بالفعل !.. وويل للعلماء بالقول !..
ياعبيد السوء !.. اتخذوا مساجد ربّكم سجوناً لأجسادكم وجباهكم ، واجعلوا قلوبكم بيوتاً للتقوى ، ولا تجعلوا قلوبكم مأوى للشهوات ، إنّ أجزعكم عند البلاء لأشدكم حباً للدنيا ، وإنّ أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا .
يا عبيد السوء !.. لا تكونوا شبيهاً بالحداء الخاطفة ، ولا بالثعالب الخادعة ، ولا بالذئاب الغادرة ، ولا بالأسُد العاتية ، كما تفعل بالفراس ، كذلك تفعلون بالناس ، فريقاً تخطفون ، وفريقاً تخدعون ، وفريقاً تغدرون بهم.
بحقّ أقول لكم : لا يغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحاً وباطنه فاسداً ، كذلك لا تغني أجسادكم التي قد أعجبتكم وقد فسدت قلوبكم ، وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة ، لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة ، كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ، ويبقى الغل في صدوركم .
يا عبيد الدنيا !.. إنمّا مثلكم مثل السراج ، يضيء للناس ويحرق نفسه.
يا بني إسرائيل !.. زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جُثواً على الركب ، فإنّ الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة ، كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر ….
يا هشام !.. قلة المنطق حكمٌ عظيم ، فعليكم بالصمت ، فإنّه دعة حسنة ، وقلة وزر ، وخفة من الذنوب ، فحصّنوا باب الحلم فإنّ بابه الصبر ، وإنّ الله عزّ وجل يبغض الضحّاك من غير عَجَب ، والمشّاء إلى غير أرَب ، ويجب على الوالي أن يكون كالراعي لا يغفل عن رعيته ولا يتكبّر عليهم ، فاستحيوا من الله في سرائركم كما تستحيون من الناس في علانيتكم ، واعلموا أن الكلمة من الحكمة ضالة المؤمن ، فعليكم بالعلم قبل أن يُرفع ، ورفعُه : غيبة عالمكم بين أظهركم .
يا هشام !.. تعلّم من العلم ما جهلت ، وعلّم الجاهل ممّا علمت ، وعظّم العالم لعلمه ، ودع منازعته ، وصغّر الجاهل لجهله ولا تطرده ، ولكن قربّه وعلّمه….
يا هشام !.. قال الله جلّ وعزّ : وعزّتي وجلالي وعظمتي وقدرتي وبهائي وعلوي في مكاني !.. لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا جعلت الغنى في نفسه ، وهمّه في آخرته ، وكففت عليه ضيعته ، وضمّنت السماوات والأرض رزقه ، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر.
يا هشام !.. الغضب مفتاح الشر ، وأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ، وإن خالطت الناس فإن استطعت أن لا تخالط أحداً منهم إلا من كانت يدك عليه العليا فافعل….
يا هشام !.. قول الله : {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} ، جرت في المؤمن والكافر والبرّ والفاجر.. من صُنع إليه معروف فعليه أن يكافيء به ، وليست المكافأة أن تصنع كما صنع حتى ترى فضلك ، فإن صنعت كما صنع فله الفضل بالابتداء.
يا هشام !.. إنّ مَثَل الدنيا مثل الحية مسّها لين ، وفي جوفها السم القاتل ، يحذرها الرجال ذووا العقول ، ويهوي إليها الصبيان بأيديهم….
يا هشام !.. مَثَل الدنيا مثل ماء البحر ، كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله ….
يا هشام !.. تمثّلت الدنيا للمسيح (ع) في صورة امرأة زرقاء ، فقال لها :
كم تزوجتِ ؟.. فقالت : كثيرا ، قال : فكلٌّ طلّقكِ ؟.. قالت : لا ، بل كلاًّ قتلت ، قال المسيح (ع) : فويح لأزواجك الباقين ، كيف لا يعتبرون بالماضين؟!..
يا هشام !.. إنّ ضوء الجسد في عينه ، فإن كان البصر مضيئا استضاء الجسد كله ، وإنّ ضوء الروح العقل ، فإذا كان العبد عاقلا كان عالما بربه ، وإذا كان عالما بربه أبصر دينه ، وإن كان جاهلا بربه لم يقم له دين ، وكما لا يقوم الجسد إلا بالنفس الحية ، فكذلك لا يقوم الدِّين إلا بالنية الصادقة ، ولا تثبت النية الصادقة إلا بالعقل .
يا هشام !.. إنّ الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا ، فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار ، لأنّ الله جعل التواضع آلة العقل ، وجعل التكبر من آلة الجهل ، ألم تعلم أنّ من شمخ إلى السقف برأسه شجّه ، ومن خفض رأسه استظل تحته وأكنّه ، وكذلك من لم يتواضع لله خفضه الله ، ومن تواضع لله رفعه .
يا هشام !.. ما أقبح الفقر بعد الغنى ، وأقبح الخطيئة بعد النسك ، وأقبح من ذلك العابد لله ثم يترك عبادته .
يا هشام !.. لا خير في العيش إلا لرجلين : لمستمع واع ، وعالم ناطق .
يا هشام !.. ما قُسّم بين العباد أفضل من العقل ، نوم العاقل أفضل من سهر الجاهل ، ما بعث الله نبيا إلا عاقلا حتى يكون عقله أفضل من جميع جهد المجتهدين ، وما أدى العبد فريضة من فرائض الله حتى عقل منه .
يا هشام !.. قال رسول الله (ص): ” إذا رأيتم المؤمن صموتا فادنوا منه ، فإنه يُلَقِّى الحكمة ، والمؤمن قليل الكلام كثير العمل ، والمنافق كثير الكلام قليل العمل ” .
يا هشام !.. أوحى الله تعالى إلى داود (ع) : قل لعبادي : لا تجعلوا بيني وبينهم عالما مفتونا بالدنيا ، فيصدهم عن ذكري وعن طريق محبتي ومناجاتي ، أولئك قطّاع الطريق من عبادي ، إنّ أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع محبتي ومناجاتي من قلوبهم .
يا هشام !.. من تعظّم في نفسه لعنته ملائكة السماء وملائكة الأرض ، ومن تكبّر على إخوانه واستطال عليهم فقد ضادّ الله ، ومن ادّعى ما ليس له فهو أعنى لغير رشده .
يا هشام !.. أوحى الله تعالى إلى داود(ع): يا داود!.. حذّر فأنذّر أصحابك عن حبّ الشهوات ، فإنّ المعلقة قلوبهم شهوات الدنيا قلوبهم محجوبة عني ….
يا هشام !.. إياك ومخالطة الناس والأنس بهم ، إلا أن تجد منهم عاقلا ومأمونا ، فأْنسْ به واهرب من سائرهم كهربك من السباع الضارية ، وينبغي للعاقل إذا عمل عملا أن يستحيي من الله ….
وإياك أن تغلب الحكمة وتضعها في الجهالة ، فقلت له : فإن وجدت رجلا طالبا له غير أنّ عقله لا يتسع لضبط ما ألقي إليه ؟.. قال (ع) : فتلطّف له في النصيحة ، فإن ضاق قلبه فلا تعرضنّ نفسك للفتنة ، واحذر رد المتكبرين….
واعلم أن الله لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم ، ولكن رفعهم بقدر عظمته ومجده ، ولم يؤمَن الخائفين بقدر خوفهم ، ولكن آمنهم بقدر كرمه وجوده ، ولم يفرّج المحزونين بقدر حزنهم ، ولكن بقدر رأفته ورحمته ، فما ظنك بالرؤوف الرحيم الذي يتودّد إلى من يؤذيه بأوليائه ، فكيف بمن يؤذى فيه ، وما ظنك بالتواب الرحيم الذي يتوب على من يعاديه ، فكيف بمن يترضاه ، ويختار عداوة الخلق فيه .
يا هشام !.. من أحبّ الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه ، وما أوتي عبد علماً فازداد للدنيا حبا ، إلا ازداد من الله بعدا ، وازداد الله عليه غضبا.
قال هشام : فقلت له : فأي الأعداء أوجبهم مجاهدة؟..قال (ع) :
أقربهم إليك ، وأعداهم لك ، وأضرهم بك ، وأعظمهم لك عداوة ، وأخفاهم لك شخصا مع دنوه منك ، ومن يحرّض أعداءك عليك – وهو إبليس الموكل بوسواس من القلوب – فله فلتشتدّ عداوتك ، ولا يكوننّ أصبر على مجاهدتك لهلكتك منك على صبرك لمجاهدته ، فإنه أضعف منك ركنا في قوته ، وأقل منك ضررا في كثرة شره ، إذا أنت اعتصمت بالله فقد هديت إلى صراط مستقيم .
يا هشام !.. من أكرمه الله بثلاث فقد لطف به : عقل يكفيه مؤونة هواه ، وعلم يكفيه مؤونة جهله ، وغنى يكفيه مخافة الفقر .
يا هشام !..احذر هذه الدنيا واحذر أهلها ، فإنّ الناس فيها على أربعة أصناف :
رجل متردِّي معانق لهواه .. ومتعلم مقري كلما ازداد علما ازداد كبراً ، يستعلي بقراءته وعلمه على من هو دونه .. وعابد جاهل يستصغر من هو دونه في عبادته ، يحبّ أن يُعظّم ويُوقّر .. وذو بصيرة عالم عارف بطريق الحق يحب القيام به ، فهو عاجز أو مغلوب ، ولا يقدر على القيام بما يعرفه فهو محزون مغموم بذلك ، فهو أمثل أهل زمانه وأوجههم عقلا …. الخبر .ص316
المصدر: التحف ص383

قال (ع) : المؤمن مثل كفتي الميزان كلما زِيد في إيمانه زِيد في بلائه.ص320
المصدر: التحف ص408

قال (ع) عند قبر حضره : إنّ شيئاً هذا آخره لحقيق أن يُزهد في أوله ، وإنّ شيئاً هذا أوله لحقيق أن يُخاف آخره . ص320
المصدر:التحف ص408

قال (ع) : اشتدت مؤونة الدنيا والدين : فأما مؤونة الدنيا فإنك لا تمدّ يدك إلى شيء منها ، إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه ، وأما مؤونة الآخرة فإنك لا تجد أعوانا يعينونك عليه .ص320
المصدر:التحف ص408

قال (ع) : لا تُذهب الحشمة بينك وبين أخيك وابق منها ، فإنّ ذهابها ذهاب الحياء .ص320
المصدر:التحف ص408

قال (ع) لبعض ولده : يا بني!.. إياك أن يراك الله في معصية نهاك عنها ، وإياك أن يفقدك الله عند طاعة أمرك بها !..
وعليك بالجدّ ، ولا تخرجنّ نفسك من التقصير في عبادة الله وطاعته ، فإنّ الله لا يُعبد حق عبادته ..
وإياك والمزاح !.. فإنه يذهب بنور إيمانك ويستخفّ مروتك ، وإياك والضجر والكسل !.. فإنهما يمنعان حظك من الدنيا والآخرة . ص321
المصدر:التحف ص408

قال (ع) : اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات :
ساعة لمناجاة الله ، وساعة لأمر المعاش ، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يعرِّفونكم عيوبكم ، ويخلُصون لكم في الباطن ، وساعة تخلون فيها للذّاتكم في غير محرّم ، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات.
ولا تحدثوا أنفسكم بفقر ولا بطول عمر ، فإنه من حدّث نفسه بالفقر بخل ، ومن حدّثها بطول العمر يحرص .
اجعلوا لأنفسكم حظا من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال ، وما لا يثلم المروة وما لا سرف فيه ، واستعينوا بذلك على أمور الدين ، فإنه رُوي :
” ليس منا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه “.ص321
المصدر:التحف ص408

قال (ع) : تفقهوا في دين الله فإنّ الفقه مفتاح البصيرة ، وتمام العبادة إلى المنازل الرفيعة ، والرتب الجليلة في الدين والدنيا ، وفضل الفقيه على العابد ، كفضل الشمس على الكواكب ، ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملا.ص321
المصدر:التحف ص408

قال (ع) : كلما أحدث الناس من الذنوب ما لم يكونوا يعملون ، أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعدّون .ص322
المصدر:التحف ص408

قال أبو حنيفة : حججت في أيام أبي عبد الله الصادق (ع) ، فلما أتيت المدينة دخلت داره ، فجلست في الدهليز أنتظر إذنه ، إذ خرج صبي يدرج ، فقلت : يا غلام !..أين يضع الغريب الغائط من بلدكم ؟..قال : على رسلك ، ثم جلس مستندا إلى الحائط ، ثم قال :
توقّ شطوط الأنهار ، ومساقط الثمار ، وأفنية المساجد ، وقارعة الطريق ، وتوار خلف جدار ، وشل ثوبك ، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ، وضع حيث شئت..فأعجبني ما سمعت من الصبي ، فقلت له : ما اسمك ؟.. فقال :
أنا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، فقلت له : يا غلام !.. ممن المعصية ؟.. فقال (ع) :
إنّ السيئات لا تخلو من إحدى ثلاث : إما أن تكون من الله – وليست منه – فلا ينبغي للرب أن يعذب العبد على ما لا يرتكب ، وإما أن تكون منه ومن العبد – وليست كذلك – فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف ، وإما أن تكون من العبد – وهي منه – فإن عفا فبكرمه وجوده ، وإن عاقب فبذنب العبد وجريرته.. قال أبو حنيفة : فانصرفت ولم ألق أبا عبد الله (ع) ، واستغنيت بما سمعت.ص324
المصدر:التحف ص408

رأى رجلان يتسابان فقال (ع) : البادي أظلم ، ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتد المظلوم.ص324
المصدر:التحف ص408

قال (ع) : ينادي مناد يوم القيامة : ألا من كان له على الله أجر فليقم ، فلا يقوم إلا من عفا ، وأصلح فأجره على الله .ص324
المصدر:التحف ص408

قال السندي بن شاهك – وكان الذي وكّله الرشيد بحبس موسى بن جعفر (ع) – لما حضرته الوفاة : دعني أكفّنك ، فقال (ع) : إنا أهل بيت ، حجُّ صرورتنا ، ومهور نسائنا ، وأكفاننا من طهور أموالنا .ص324
المصدر:التحف ص408

سمع (ع) رجلا يتمنى الموت ، فقال له : هل بينك وبين الله قرابة يحاميك لها ؟.. قال : لا ، قال :
فهل لك حسنات قدمتها تزيد على سيئاتك ؟.. قال : لا ، قال :
فأنت إذا تتمنى هلاك الأبد .ص324
المصدر:كشف الغمة 3/42

قال (ع) : وجدت علم الناس في أربع :
أولها : أن تعرف ربك ، والثانية : أن تعرف ما صنع بك ، والثالثة : أن تعرف ما أراد منك ، والرابعة : أن تعرف ما يخرجك من دينك .ص328
المصدر:كشف الغمة 3/45

كتب (ع) ردا على رسالة وهو في الحبس :
ادع إلى صراط ربك فينا من رجوت إجابته ، ولا تحصر حصرنا ، ووال آل محمد (ص) ، ولا تقل لما بلغك عنا أو نسب إلينا : هذا باطل وإن كنت تعرف خلافه ، فإنك لا تدري لما قلناه ، وعلى أي وجه وصفناه ، آمن بما أخبرتك ، ولا تفش ما استكتمتك ، أخبرك أنّ من أوجبِ حق أخيك أن لا تكتمه شيئا ينفعه لأمر دنياه ولأمر آخرته .ص329
المصدر:الكشي ص386

قال (ع) : المعروف غلّ لا يفكه إلا مكافأة أو شكر ، لو ظهرت الآجال افتضحت الآمال ، من ولده الفقر أبطره الغنى ، من لم يجد للإساءة مضضا لم يكن للإحسان عنده موقع ، ما تساب اثنان إلا انحط الأعلى إلى مرتبة الأسفل.ص333
المصدر:الدرة الباهرة

قال (ع) : أولى العلم بك ما لا يصلح لك العمل إلا به ، وأوجب العمل عليك ما أنت مسؤول عن العمل به ، وألزمُ العلم لك ما دلك على صلاح قلبك ، وأظهر لك فساده ، وأحمدُ العلم عاقبة ما زاد في علمك العاجل ، فلا تشتغلنّ بعلم ما لا يضرك جهله ، ولا تغفلنّ عن علم ما يزيد في جهلك تركه.ص333
المصدر:أعلام الدين

دخلت عليه (ع) وعنده محمد بن عبد الله الجعفري ، فتبسمت إليه ، فقال : أتحبه ؟..
فقلت : نعم ، وما أحببته إلا لكم ، فقال (ع) :
هو أخوك ، والمؤمن أخو المؤمن لأمه وأبيه وإن لم يلده أبوه ، ملعون من اتهم أخاه ، ملعون من غشّ أخاه ، ملعون من لم ينصح أخاه ، ملعون من اغتاب أخاه .ص333
المصدر:أعلام الدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى