الجزء الثاني والسبعون كتاب العشرة

باب التواضع

قال العسكري (ع): أعرف الناس بحقوق إخوانه وأشدهم قضاء لها ، أعظمهم عند الله شأنا ، ومن تواضع في الدنيا لإخوانه فهو عند الله من الصدّيقين ، ومن شيعة علي بن أبي طالب (ع) حقا ، ولقد ورد على أمير المؤمنين أخوان له مؤمنان : أب وابن ، فقام إليهما وأكرمهما في صدر مجلسه وجلس بين يديهما ، ثم أمر بطعام فأُحضر فأكلا منه ، ثم جاء قنبر بطست وإبريق خشب ومنديل لييبس ، وجاء ليصب على يد الرجل ، فوثب أمير المؤمنين (ع) وأخذ الإبريق ليصب على يد الرجل ، فتمرغ الرجل في التراب وقال :
يا أمير المؤمنين !.. الله يراني وأنت تصب على يديّ ؟.. قال :
اقعد واغسل !.. فإنّ الله عز وجل يراك ، وأخوك الذي لا يتميز منك ولا يتفضل عليك يخدمك ، يريد بذلك في خدمته في الجنة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا ، وعلى حسب ذلك في مماليكه فيها .. فقعد الرجل فقال له علي (ع): أقسمت عليك بعظم حقي الذي عرفته وبجلته ، وتواضعك لله حتى جازاك عنه ، بأن ندبني لما شرّفك به من خدمتي لك ، لما غسلت مطمئنا كما كنت تغسل لو كان الصاب عليك قنبر ، ففعل الرجل ذلك فلما فرغ ناول الإبريق محمد بن الحنفية وقال :
يا بني!.. لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده ، ولكن الله عز وجل يأبى أن يُسوى بين ابن وأبيه إذا جمعهما مكان ، لكن قد صبّ الأب على الأب فليصبّ الابن على الابن ، فصبّ محمد بن الحنفية على الابن..ثم قال الحسن العسكري (ع) :
فمن اتبع عليا (ع) على ذلك فهو الشيعي حقا .ص118
المصدر:تفسير الإمام ص131 ، الاحتجاج ص257

سألت الرضا (ع) : جعلت فداك!.. ما حد التوكل ؟.. فقال لي :
أن لا تخاف مع الله أحداً .. قلت : فما حد التواضع ؟..قال :
أن تعطي الناس من نفسك ما تحبّ أن يعطوك مثله.. قلت : أشتهي أن أعلم كيف أنا عندك ، فقال : أنظر كيف أنا عندك.ص118
المصدر:العيون 2/50 ، أمالي الصدوق ص145

قال الصادق (ع): إن من التواضع أن يرضى الرجل بالمجلس دون المجلس ، وأن يسلّم على من يلقى ، وأن يترك المراء وإن كان محقّاً ، ولا يحبّ أن يُحمد على التقوى .ص119
المصدر:معاني الأخبار ص381

قال الباقر (ع) : أرسل النجاشي ملك الحبشة إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه ، فدخلوا عليه وهو في بيت له جالس على التراب ، وعليه خلقان الثياب ، فقال جعفر بن أبي طالب : فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال ، فلما رأى ما بنا وتغّير وجوهنا قال:
الحمد لله الذي نصر محمّداً وأقرّ عيني به ، ألا أبشركم؟!..فقلت :
بلى أيها الملك ، فقال : إنه جاءني الساعة من نحو أرضكم عين من عيوني هناك ، وأخبرني أن الله قد نصر نبيه محمّداً (ص) ، وأهلك عدوّه ، وأسر فلان وفلان ، وقتل فلان وفلان ، التقوا بواد يقال له بدر ، كأني أنظر إليه حيث كنت أرعى لسيدي هناك ، وهو رجل من بني ضمرة ، فقال له جعفر :
أيها الملك الصالح !.. ما لي أراك جالسا على التراب ، وعليك هذه الخلقان ؟.. فقال: يا جعفر !.. إنا نجد فيما أنزل على عيسى أن من حق الله على عباده أن يحدثوا لله تواضعا عندما يحدث لهم من نعمة ، فلما أحدث الله تعالى لي نعمة نبيه محمد (ص) أحدثت لله هذا التواضع .
فلما بلغ النبي (ص) ذلك قال لأصحابه : إن الصدقة تزيد صاحبها كثرة فتصدّقوا يرحمكم الله ، وإن التواضع يزيد صاحبه رفعة فتواضعوا يرفعكم الله ، وإن العفو يزيد صاحبه عزّا فاعفوا يعزّكم الله.ص120
المصدر:مجالس المفيد ، أمالي الطوسي 1/13

قال عليٌ (ع): ما من أحد من ولد آدم إلاّ وناصيته بيد مَلَك ، فإن تكبر جذبه بناصيته إلى الأرض وقال له : تواضع !.. وضعك الله ، وإن تواضع جذبه بناصيته ثم قال له: ارفع رأسك !.. رفعك الله ، ولا وضعك بتواضعك الله.ص120
المصدر:ثواب الأعمال ص160

كان محمد بن مسلم رجلا شريفا موسرا فقال له الباقر (ع): تواضع يا محمد!.. فلما انصرف إلى الكوفة أخذ قوصرة من تمر مع الميزان ، وجلس على باب مسجد الجامع وصار ينادي عليه ، فأتاه قومه فقالوا له : فضحتنا ، فقال :
إن مولاي أمرني بأمر فلن أخالفه ، ولن أبرح حتى أفرغ من بيع ما في هذه القوصرة ، فقال له قومه : إذا أبيت إلا أن تشتغل ببيع وشراء فاقعد في الطحانين ، فهيأ رحا وجملاً وجعل يطحن.ص122
المصدر:الكشي ص147

قال الصادق (ع) : أفطر النبي (ص) عشية الخميس في مسجد قبا ، فقال : هل من شراب؟.. فأتاه أوس بن خولة الأنصاري بعس من لبن مخيض بعسل ، فلما وضعه على فيه نحاه ، ثم قال :
شرابان يُكتفى بأحدهما عن صاحبه لا أشربه ولا أحرّمه ، ولكني أتواضع لله فإن من تواضع لله رفعه الله ، ومن تكبّر خفضه الله ، ومن اقتصد في معيشته رزقه الله ، ومن أكثر ذكر الله أحبه الله.ص122
المصدر:كتاب الحسين بن سعيد

قال الباقر (ع) : إن موسى بن عمران حُبس عنه الوحي ثلاثين صباحاً ، فصعد على جبل بالشام يقال له أريحا ، فقال:
يا رب !..لِمَ حبست عني وحيك وكلامك ؟!.. ألذنب أذنبته؟!.. فها أنا بين يديك فاقتص لنفسك رضاها ، وإن كنت إنما حبست عني وحيك وكلامك لذنوب بني إسرائيل فعفوك القديم ، فأوحى الله إليه أن :
يا موسى !.. تدري لم خصصتك بوحيي وكلامي من بين خلقي؟.. فقال :
لا أعلمه يا ربّ ، قال :
يا موسى !.. إني اطلعت على خلقي اطلاعة ، فلم أر في خلقي شيئاً أشد تواضعاً منك ، فمن ثّم خصصتك بوحيي وكلامي من بين خلقي ، قال :
وكان موسى (ع) إذا صلى لم ينفتل حتى يلصق خده الأيمن بالأرض ، وخده الأيسر بالأرض.ص123
المصدر:كتاب الحسين بن سعيد

قال الصادق (ع) : قدم أعرابي على النبي (ص) فقال : يا رسول الله !.. تسابقني بناقتك هذه؟.. فسابقه فسبقه الأعرابي ، فقال رسول الله (ص):
إنكم رفعتموها فأحب الله أن يضعها ، إن الجبال تطاولت لسفينة نوح – وكان الجودي أشد تواضعا – فحط الله بها على الجودي .ص123
المصدر:كتاب الحسين بن سعيد
بيــان:
وهذه الجملة إما على الاستعارة التمثيلية إشارة إلى أن الناس لما ظنوا وقوعها على أطول الجبال وأعظمها ولم يظنوا ذلك بالجودي ، وجعلها الله عليه ، فكأنها تطاولت وكأن الجودي خضع ، فإذا كان التواضع الخَلقي مؤثرا في ذلك ، فالتواضع الإرادي أولى بذلك ، ويحتمل أن يكون الله تعالى أعطاها في ذلك الوقت الشعور وخاطبها للمصلحة ، فالجميع محمول على الحقيقة ، وقد يقال : للجمادات شعور ضعيف بل لها نفوس أيضا وفهمه مشكل ، وإن أومأ إليه بعض الآيات والروايات.ص134

قال علي (ع): ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلباً لما عند الله ، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالاً على الله.ص123
المصدر:النهج 2/241

قال الصادق (ع): من أكثر ذكر الله ، أظله الله في جنته .ص127
المصدر:الكافي 2/122

قال الصادق (ع): مرّ علي بن الحسين (ع) على المجذومين وهو راكب حماره وهم يتغدون ، فدعوه إلى الغداء فقال : أما إني لولا أني صائم لفعلت ، فلما صار إلى منزله أمر بطعام فصنع ، وأمر أن يتنوقوا فيه ثم دعاهم ، فتغدوا عنده وتغدى معهم .ص130
المصدر:الكافي 2/123

نظر الصادق (ع) إلى رجل من أهل المدينة قد اشترى لعياله شيئا وهو يحمله ، فلما رآه الرجل استحيى منه ، فقال له الصادق (ع) : اشتريته لعيالك وحملته إليهم ، أما والله لولا أهل المدينة ، لأحببت أن أشتري لعيالي الشيء ثم أحمله إليهم .ص132
المصدر:الكافي 2/123

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى