الجزء السابع والستون كتاب الأيمان والكفر

باب النهي عن الرهبانية والسياحة ، وساير ما يأمر به أهل البدع والأهواء

توفى ابن لعثمان بن مظعون – رضي الله عنه – فاشتدّ حزنه عليه ، حتى اتخذ من داره مسجداً يتعبّد فيه ، فبلغ ذلك رسول الله (ص) فقال له :
يا عثمان !.. إنّ الله تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية ، إنّما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله.
يا عثمان بن مظعون !.. للجنّة ثمانية أبواب ، وللنار سبعة أبواب ، أفما يسرّك أن لا تأتي باباً منها إلا وجدت ابنك إلى جنبك آخذاً بحجزتك ، يشفع لك إلى ربّك ؟..قال : بلى ، فقال المسلمون : ولنا يا رسول الله في فرطنا ما لعثمان؟!…. قال : نعم ، لمن صبر منكم واحتسب.ص115
المصدر: أمالي الصدوق ص40

قال الصادق (ع) : وأما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا ، فدخلت امرأة عثمان على عائشة وكانت امرأة جميلة ، فقالت عائشة : ما لي أراك متعطلة؟.. قالت : ولمن أتزّين ؟.. فوالله ما قربني زوجي منذ كذا وكذا ، فإنه قد ترهب ، ولبس المسوح ، وزهد في الدنيا ، فلما دخل رسول الله (ص) أخبرته عائشة بذلك ، فخرج فنادى : الصلاة جامعة !.. فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
ما بال أقوام يحرّمون على أنفسهم الطيبات؟..ألا إني أنام بالليل ، وأنكح ، وأفطر بالنهار ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي …. الخبر .ص116
المصدر: تفسير القمي ص166

دخل علي (ع) في البصرة على العلاء بن زياد الحارثي يعوده و هو من أصحابه ، فلما رأى سعة داره قال :
ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا ؟..أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج .. وبلى ، إن شئت بلغت بها الآخرة : تقري فيها الضيف ، وتصل فيها الرحم ، وتطلع منها الحقوق مطالعها ، فإذاً أنت قد بلغت بها الآخرة ، فقال له العلاء : يا أمير المؤمنين !.. أشكو إليك أخي عاصم بن زياد ، قال :
وما له ؟.. قال : لبس العباء ، وتخلّى من الدنيا قال : عليّ به !.. فلما جاء قال :
يا عُديّ نفسه !.. لقد استهام بك الخبيث ، أما رحمت أهلك وولدك ، أترى الله أحلّ لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها ؟..أنت أهون على الله من ذلك ، قال :
يا أمير المؤمنين !.. هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك ، قال :
ويحك !.. إني لست كأنت ، إنّ الله تعالى فرض على أئمة الحق أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس ، كيلا يتبيّغ بالفقير فقره .ص118
المصدر: النهج 1/448

تزوج أمير المؤمنين (ع) ليلى فجُعل له حجلة فهتكها ، وقال : أُحبّ أهلي على ما هم فيه .ص119
المصدر: الغارات

دخل قوم من المتصوفة على علي بن موسى (ع) فقالوا له : إنّ أمير المؤمنين (ع) فكر فيما ولاه الله من الأمور ، فرآكم أهل بيت أولى الناس أن تؤمّوا الناس ، ونظر فيكم أهل البيت فرآك أولى الناس بالناس ، فرأى أن يردّ هذا الأمر إليك ، والإمامة تحتاج إلى من يأكل الجشب ، ويلبس الخشن ، ويركب الحمار ، ويعود المريض .. فقال لهم : إنّ يوسف كان نبيا يلبس أقبية الديباج المزرّدة بالذهب ، ويجلس على متكآت آل فرعون .
ويحكم!.. إنما يُراد من الإمام قسطه وعدله ، إذا قال صدق ، وإذا حكم عدل ، وإذا وعد أنجز ، إنّ الله لم يحرّم لبوسا ولا مطعما ، ثم قرأ :
{ قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } .ص121
المصدر: شرح النهج 3/12

أصابت الربيع بن زياد الحارثي نُشابة في جبينه ، فكانت تنتقض عليه في كل عام ، فأتاه أمير المؤمنين (ع) عائدا فقال :
كيف تجدك أبا عبد الرحمن ؟!.. قال : أجدني يا أمير المؤمنين لو كان لا يذهب ما بي إلا بذهاب بصري لتمنيت ذهابه ، قال :
وما قيمة بصرك عندك ؟.. قال : لو كانت لي الدنيا لفديته بها ، قال :
لا جرم ليعطينك الله على قدر ذلك ، إنّ الله يعطي على قدر الألم والمصيبة ، وعنده تضعيف كثير .ص121
المصدر: شرح النهج
قال رسول الله (ص) : خمس تمرات أو خمس قرص أو دنانير أو دراهم يملكها الإنسان ، وهو يريد أن يمضيها ، فأفضلها ما أنفقه الإنسان على والديه ، ثم الثانية على نفسه وعياله ، ثم الثالثة القرابة وإخوانه المؤمنين ، ثم الرابعة على جيرانه الفقراء ، ثم الخامسة في سبيل الله وهو أخسها أجرا.ص124
المصدر: التحف ص363

قال النبي (ص) للأنصاري حيث أعتق عند موته خمسة أو ستة من الرقيق ، ولم يكن يملك غيرهم ، وله أولاد صغار :
لو أعلمتموني أمَره ما تركتكم تدفنونه مع المسلمين ، ترك صبية صغارا يتكففون الناس.. وقال النبي (ص) : ابدأ بمن تعول الأدنى فالأدنى .ص124
المصدر: التحف ص363

قال رسول الله (ص) : إنّ أصنافا من أمتي لا يستجاب لهم دعاؤهم :
رجل يدعو على والديه .
ورجل يدعو على غريم ذهب له بمال ، ولم يشهد عليه .
ورجل يدعو على امرأته ، وقد جعل الله تخلية سبيلها بيده.
ورجل يقعد في البيت يقول : يا رب ارزقني ، ولا يخرج يطلب الرزق ، فيقول الله جل وعز : عبدي !.. أو لم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة ؟.. فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتباع أمري ، ولكيلا تكون كَلاّ على أهلك ، فإن شئت رزقتك ، وإن شئت قتّرت عليك ، وأنت معذور عندي .
ورجل رزقه الله مالا كثيرا فأنفقه ، ثم أقبل يدعو : يا رب ارزقني ، فيقول الله : ألم أرزقك رزقا واسعا ؟.. أفلا اقتصدت فيه كما أمرتك ، ولم تسرف كما نهيتك .
ورجل يدعو في قطيعة رحم .ص125
المصدر: التحف ص363

قال الصادق (ع) : فأما سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته ، حتى يحضره عطاؤه من قابل ، فقيل له :
يا أبا عبد الله !.. أنت في زهدك تصنع هذا ؟.. و إنك لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا ، وكان جوابه أن قال :
ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليّ الفناء ، أو ما علمتم يا جَهَلة !.. أنّ النفس قد تلتاث على صاحبها ، إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه ، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت.
فأما أبو ذر ، فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم ، أو نزل به ضيف ، أو رآى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة ، نحر لهم الجزور أو من الشاء على قدر ما يذهب عنهم قرم اللحم ، فيقسمه بينهم ، ويأخذ كنصيب أحدهم لا يفضل عليهم ، ومن أزهد من هؤلاء ؟!.. وقد قال فيهم رسول الله (ص) ما قال ، ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئاً البتة ، كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم وشيئهم ، ويؤثرون به على أنفسهم وعيالاتهم .ص126
المصدر: التحف ص363

قال رسول الله (ص) : ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن : إنه إن قرّض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيرا له ، وإن ملك ما بين مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له ، فكل ما يصنع الله به فهو خير له …. الخبر .ص126
المصدر: التحف ص363

قال الصادق (ع) : وأخبروني أنتم عن سليمان بن داود (ع) حيث سأل الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه الله ذلك ، وكان يقول الحق ويعمل به ، ثمّ لم نجد الله عاب ذلك عليه ، ولا أحداً من المؤمنين ، وداود قبله في ملكه وشدة سلطانه.
ثم يوسف النبي حيث قال لملك مصر : { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } ، فكان من أمره الذي كان أن اختار مملكة الملك وما حولها إلى اليمن ، فكانوا يمتارون الطعام من عنده لمجاعة أصابتهم ، وكان يقول الحقّ ويعمل به ، فلم نجد أحداً عاب ذلك عليه.
ثم ذو القرنين عبد أحبّ الله فأحبه ، طوى له الأسباب ، وملّكه مشارق الأرض ومغاربها ، وكان يقول بالحق ويعمل به ، ثم لم نجد أحداً عاب ذلك عليه.
فتأدّبوا أيها النفر بآداب الله للمؤمنين !.. واقتصروا على أمر الله ونهيه !.. ودعوا عنكم ما اشتبه عليكم مما لا علم لكم به !.. وردّوا العلم إلى أهله !.. تُؤجروا وتُعذروا عند الله ، وكونوا في طلب علم الناسخ من القرآن من منسوخه ، ومحكمه من متشابهه ، وما أحلّ الله فيه مما حرّم ، فإنه أقرب لكم من الله ، وأبعد لكم من الجهل !.. ودعوا الجهالة لأهلها !.. فإنّ أهل الجهل كثير ، وأهل العلم قليل وقد قال الله : { فوق كل ذي علم عليم }.ص128
المصدر: التحف ص363

قال الصادق (ع) : كان رسول الله (ص) يأتي أهل الصُفّة وكانوا ضيفان رسول الله (ص) ، كانوا هاجروا من أهاليهم وأموالهم إلى المدينة ، فأسكنهم رسول الله (ص) صُفّة المسجد وهم أربعمائة رجل ، فكان يسلّم عليهم بالغداة والعشيّ ، فأتاهم ذات يوم فمنهم من يخصف نعله ، ومنهم من يرقّع ثوبه ، ومنهم من يتفلّى ، وكان رسول الله (ص) يرزقهم مُدّا مُدّا من تمر في كل يوم ، فقام رجل منهم فقال :
يا رسول الله !.. التمر الذي ترزقنا قد أحرق بطوننا ، فقال رسول الله (ص) :
أما إني لو استطعت أن أطعمكم الدنيا لأطعمتكم ، ولكن من عاش منكم من بعدي يغدى عليه بالجفان ويغدو أحدكم في قميصة ويروح في أخرى ، وتنجّدون بيوتكم كما تنجّد الكعبة ، فقام رجل فقال :
يا رسول الله !.. أنا إلى ذلك الزمان بالأشواق فمتى هو ؟.. قال (ص) :
زمانكم هذا خير من ذلك الزمان ، إنكم إن ملأتم بطونكم من الحلال ، توشكون أن تملؤوها من الحرام ، فقام سعد بن أشجّ فقال :
يا رسول الله !.. ما يفعل بنا بعد الموت ؟..قال : الحساب والقبر ، ثم ضيْقه بعد ذلك أو سعته ، فقال : يا رسول الله !.. هل تخاف أنت ذلك ؟.. فقال :
لا ، ولكن أستحيي من النعم المتظاهرة التي لا أجازيها و لا جزءا من سبعة ، فقال سعد بن أشجّ :
إني أُشهد الله وأُشهد رسوله ومن حضرني أنّ نوم الليل عليّ حرام ، والأكل بالنهار عليّ حرام ، ولباس الليل عليّ حرام ، ومخالطة الناس عليّ حرام ، وإتيان النساء عليّ حرام ، فقال رسول الله :
يا سعد !.. لم تصنع شيئا ، كيف تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر إذا لم تخالط الناس ، وسكون البرّية بعد الحضر كفر للنعمة ، نم بالليل ، وكُل بالنهار ، والبس ما لم يكن ذهبا أو حريرا أو معصفرا ، وآت النساء .
يا سعد !.. اذهب إلى بني المصطلق فإنهم قد ردّوا رسولي ، فذهب إليهم فجاء بصدقة ، فقال رسول الله (ص) : كيف رأيتهم ؟..قال :
خير قوم ، ما رأيت قوماً قط أحسن أخلاقا فيما بينهم من قوم بعثتني إليهم ، فقال رسول الله (ص) : إنه لا ينبغي لأولياء الله تعالى من أهل دار الخلود الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم ، أن يكونوا أولياء الشيطان من أهل دار الغرور الذين كان لها سعيهم ، وفيها رغبتهم ، ثم قال :
بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر !..
بئس القوم قوم يقذفون الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر !..
بئس القوم قوم لا يقومون لله تعالى بالقسط !..
بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون الناس بالقسط في الناس !..
بئس القوم قوم يكون الطلاق عندهم أوثق من عهد الله تعالى !..
بئس القوم قوم جعلوا طاعة إمامهم دون طاعة الله !..
بئس القوم قوم يختارون الدنيا على الدين !..
بئس القوم قوم يستحلّون المحارم والشهوات والشبهات .
قيل : يا رسول الله فأي المؤمنين أكيس ؟.. قال : أكثرهم للموت ذكرا ، وأحسنهم له استعدادا ، أولئك هم الأكياس .ص130
المصدر: نوادر الراوندي ص25

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى