الجزء الستون كتاب السماء والعالم

باب تأثير السحر والعين وحقيقتهما زائداً على ما تقدّم في باب عصمة الملائكة

قال الطبرسي في قوله { لا تدخلوا من باب واحد } : خاف عليهم العين ، لأنهم كانوا ذوي جمالٍ ، وهيئةٍ وكمالٍ ، وهم أخوةٌ أولاد رجلٍ واحدٍ ، عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي وأبو مسلم .
وقيل : خاف عليهم حسد الناس إياهم ، وأن يبلغ الملك قوتهم وبطشهم ، فيحبسهم أو يقتلهم خوفاً على ملكه ، عن الجبائي ، وأنكر العين وذكر أنه لم يثبت بحجة ، وجوّزه كثيرٌ من المحققين ، ورووا فيه الخبر عن النبي (ص) :
” إن العين حقٌّ تستنزل الحالق ” ، والحالق المكان المرتفع من الجبل وغيره ، فجعل (ص) العين كأنها تحطّ ذروة الجبل من قوة أخذها ، وشدّة بطشها .
وورد في الخبر أنه (ص) كان يعوّذ الحسن والحسين (ع) بأن يقول :
” أعيذكما بكلمات الله التامة ، من كلّ شيطانٍ وهامّة ، ومن كلّ عينٍ لامّة ” .
ورُوي أنّ إبراهيم (ع) عوّذ ابنيه ، وأنّ موسى (ع) عوّذ ابني هارون بهذه العوذة .
ورُوي أنّ بني جعفر بن أبي طالب كانوا غلماناً بيضاً ، فقالت أسماء بنت عميس : يا رسول الله !.. إنّ العين إليهم سريعةٌ ، أفأسترقي لهم من العين ؟.. فقال (ص) : نعم .
ورُوي أنّ جبرائيل (ع) ، رقى رسول الله (ص) وعلّمه الرقية ، وهي :
” بسم الله أرقيك من كلّ عين حاسدٍ الله يشفيك ” .
ورُوي عن النبي (ص) أنه قال :
” لو كان شيءٌ يسبق القدر لسبقته العين “. ص7
المصدر:مجمع البيان 5/249

وعن رسول الله (ص) أنه نهى عن الرقى بغير كتاب الله عزّ وجلّ ، وما يعرف من ذكره .. وقال : إنّ هذه الرقى ، مما أخذه سليمان بن داود (ع) على الجنّ والهوام . ص18
المصدر:الدعائم

قال (ص) : إنّ العين لتُدخلَ الرجل القبر ، والجمل القدْرَ . ص20
المصدر:الشهاب
بيــان:
قد تقدّم الكلام فيه ، وأنّ المؤثر فيما يعينه العاين ، قدرة الله عزّ وجلّ الذي يفعل ما يشاء ، ويغيّر المستحسن من الأشياء عن حاله ، اعتباراً للناظر ، وإعلاماً أنّ الدنيا لا يدوم نعيمها ، ولا يبقى ما فيها على وتيرةٍ واحدةٍ .
والعين ماذا تكاد تفعل بنظرها ليت شعري ؟!.. ولو كان للعين نفسها أثرٌ ، لكان يصحّ أن ينظر العاين إلى بعض أعدائه ، الذين يريد إهلاكهم وقلعهم ، فيهلكهم بالنظر وهذا باطلٌ .
والعين كالجماد إذا انفردت عن الجملة فماذا تصنع ؟!.. وللفلاسفة في هذا كلامٌ لا أريد أن أطواه .
وفائدة الحديث إعلام أنّ الله تعالى قد يغيّر بعض ما يستحسنه الإنسان إظهاراً لقدرته ، واعتباراً للمعتبر من خليقته ، وراوي الحديث جابر . ص21

كنت مع الرضا (ع) بخراسان على نفقاته ، فأمرني أن أتخذ له غاليةً ، فلما اتخذتها فأُعجب بها فنظر إليها فقال لي :
يا معمر !.. إنّ العين حقٌّ ، فاكتب في رقعةٍ : الحمد ، و{ قل هو الله أحد } والمعوذتين ، وآية الكرسي ، واجعلها في غلاف القارورة . ص26
المصدر:مكارم الأخلاق ص445
بيــان:
قال الشهيد الثاني – رفع الله مقامه – : السحر هو كلامٌ أو كتابةٌ أو رقيةٌ أو أقسامٌ وعزائمٌ ونحوها ، يحدث بسببها ضررٌ على الغير ، ومنه عقد الرجل عن زوجته ، بحيث لا يقدر على وطيها ، وإلقاء البغضاء بينهما ، ومنه استخدام الملائكة والجنّ ، واستنزال الشياطين في كشف الغائبات ، وعلاج المصاب ، واستحضارهم وتلبّسهم ببدن صبي أو امرأة ، وكشف الغائب على لسانه ، فتعلّمُ ذلك وأشباهه ، وعملُه وتعليمه كلّه حرامٌ ، والتكسب به سحتٌ ، ويُقتل مستحلّه .
ولو تعلّمه ليتوقى به أو ليدفع به المتنبي بالسحر فالظاهر جوازه ، وربما وجب على الكفاية كما هو خيرة الدروس ، ويجوز حلّه بالقرآن والأقسام كما ورد في رواية القلا .
وهل له حقيقةٌ ، أو هو تخييلٌ ؟.. الأكثر على الثاني ، ويشكل بوجدان أثره في كثيرٍ من الناس على الحقيقة ، والتأثر بالوهم إنما يتمّ لو سبق للقابل علمٌ بوقوعه ، ونحن نجد أثره فيمن لا يشعر به أصلاً حتى يضرّ به ولو حمل تخييله على ما تظهر من تأثيره ، في حركات الحيّات والطيران ونحوهما أمكن ، لا في مطلق التأثير وإحضار الجانّ وشبه ذلك ، فإنه أمرٌ معلومٌ لا يتوجّه دفعه .
ثم قال : والكهانة عملٌ يوجب طاعة بعض الجانّ له ، واتباعه له بحيث يأتيه بالأخبار ، وهو قريبٌ من السحر ..
ثم قال : والشعبذة عرّفوها بأنها الحركات السريعة ، التي تترتب عليها الأفعال العجيبة ، بحيث يتلبّس على الحسّ الفرق بين الشيء وشبهه ، لسرعة الانتقال منه إلى شبهه . ص32
قال المازري : والفرق بين السحر والمعجزة والكرامة ، أنّ السحر يكون بمعاناة أقوالٍ وأفعالٍ ، حتى يتمّ للساحر ما يريد ، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك ، بل إنما تقع غالباً اتفاقاً ، وأما المعجزة فتمتاز من الكرامة بالتحدّي . ص36
أقول : الذي ظهر لنا مما مضى من الآيات والأخبار والآثار ، أنّ للسحر تأثيراً ما في بعض الأشخاص والأبدان ، كإحداث حبٍّ أو بغضٍ أو همٍّ أو فرحٍ ، وأما تأثيره في إحياء شخصٍ ، أو قلب حقيقةٍ إلى أخرى ، كجعل الإنسان بهيمة ، فلا ريب في نفيهما ، وأنهما من المعجزات .. وكذا في كل ما يكون من هذا القبيل ، كإبراء الأكمه والأبرص ، وإسقاط يد بغير جارحةٍ ، أو وصل يد مقطوع ، أو إجراء الماء الكثير من بين الأصابع ، أو من حجرٍ صغيرٍ وأشباه ذلك .
والظاهر أنّ الإماتة أيضاً كذلك ، فإنه بعيدٌ أن يقدر الإنسان على أن يقتل رجلاً بغير ضربٍ وجرحٍ وسمٍّ ، وتأثيرٍ ظاهرٍ في بدنه ، وإن أمكن أن يكون الله تعالى ، جعل لبعض الأشياء تأثيراً في ذلك ، ونهى عن فعله ، كما أنه سبحانه جعل الخمر مسكراً ، ونهى عن شربه ، وجعل الحديد قاطعاً ومنع من استعماله في غير ما أحلّه ، وكذا التمريض ، لكنه أقلّ استبعاداً .
وأما حدوث الحبّ والبغض والهمّ وأمثالها ، فالظاهر أنّ الله تعالى ، جعل لها تأثيراً وحرّمها كما أومانأ إليه ، وهذا مما لا ينكره العقل ، ويحتمل أن يكون للشياطين أيضاً مدخلاً في ذلك .. ويقلّ أو يبطل تأثيرها ، بالتوكل والدعاء والآيات والتعويذات .
ولذا كان شيوع السحر والكهانة وأمثالهما في الفترات بين الرسل ، وخفاء آثار النبوة ، واستيلاء الشياطين أكثر ، وتضعف وتخفى تلك الأمور عند نشر آثار الأنبياء ، وسطوع أنوارهم كأمثال تلك الأزمنة ، فإنه ليس من دارٍ ولا بيتٍ ، إلا وفيه مصاحف كثيرة ، وكتب جمة من الأدعية والأحاديث ، وليس من أحدٍ إلا ومعه مصحف أو عوذة أو سورة شريفة ، وقلوبهم وصدورهم مشحونة بذلك ، فلذا لا نرى منها أثراً بيّناً في تلك البلاد ، إلا نادراً في البلهاء والضعفاء والمنهمكين في المعاصي ، وقد نسمع ظهور بعض آثارها في أقاصي البلاد ، لظهور آثار الكفر وندور أنوار الإيمان فيها ، كأقاصي بلاد الهند والصين والترك .
وأما تأثير السحر في النبي والإمام – صلوات الله عليهما – فالظاهر عدم وقوعه ، وإن لم يقم برهانٌ على امتناعه ، إذا لم ينته إلى حدٍّ يخلّ بغرض البعثة ، كالتخبيط والتخليط ، فإنه إذا كان الله سبحانه أقدر الكفار – لمصالح التكليف – على حبس الأنبياء والأوصياء (ع) ، وضربهم وجرحهم وقتلهم بأشنع الوجوه ، فأي استحالة على أن يقدروا على فعلٍ يؤثّر فيهم همّاً ومرضاً ؟..
لكن لما عرفت أنّ السحر يندفع بالعوذ والآيات والتوكّل ، وهم (ع) معادن جميع ذلك ، فتأثيره فيهم مستبعدٌ ، والأخبار الواردة في ذلك أكثرها عامية ، أو ضعيفة ومعارضة بمثلها ، فيشكل التعويل عليها في إثبات مثل ذلك .
وأما العين فالظاهر من الآيات والأخبار أنّ لها تحقّقاً أيضاً ، إما بأن جعل الله تعالى لذلك تأثيراً ، وجعل علاجه التوكّل ، والتوسّل بالآيات ، والأدعية الواردة في ذلك ، أو بأنّ الله تعالى يفعل في المعين فعلاً عند حدوث ذلك ، لضربٍ من المصلحة ، وقد أومأنا إلى وجهٍ آخر فيما مرّ .
وبالجملة لا يمكن إنكار ذلك رأساً ، لما يشاهد من ذلك عيناً ، وورود الأخبار به مستفيضاً ، والله يعلم وحججه (ع) حقائق الأمور . ص42

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى