الجزء الثامن والخمسون كتاب السماء والعالم

باب حقيقة الرؤيا وتعبيرها وفضل الرؤيا الصادقة وعلتها وعلة الكاذبة

*
المصدر:بحار الانوار ج58/ص157

بيــان:
واعلم أنه سبحانه خلق جوهر النفس الناطقة ، بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك ، ومطالعة اللوح المحفوظ ، والمانع لها من ذلك هو اشتغالها بتدبير البدن وما يرد عليها من طريق الحواسّ ، وفي وقت النوم تقلّ تلك الشواغل ، فتقوى النفس على تلك المطالعة ، فإذا وقفت النفس على حالةٍ من تلك الأحوال ، فإن بقيت في الخيال كما شوهدت ، لم تحتج إلى التأويل ، وإن نزلت آثار مخصوصة مناسبة للإدراك الروحاني إلى عالم الخيال ، فهناك يفتقر إلى المعبّر .
ثم منها ما هي متّسقة منتظمة ، يسهل على المعبّر الانتقال من تلك المتخيلات إلى الحقائق الروحانيات .
ومنها ما تكون مختلطة مضطربة ، لا يضبط تحليلها وتركيبها ، لتشويش وقع في ترتيبها وتأليفها ، فهي المسماة بالأضغاث ، وبالحقيقة الأضغاث ما يكون مبدؤها تشويش القوة المتخيلة لفسادٍ وقع في القوى البدنية ، ولورود أمرٍ غريبٍ عليه من خارج ، لكن القسم المذكور قد تعدّ من الأضغاث من حيث أنها أعيت المعبّر عن تأويلها . ص155
قال السيد المرتضى – رحمه الله – : إن سأل سائلٌ عن قوله تعالى :
{ وجعلنا نومكم سباتا } ، فقال : إذا كان المراد بالسبات هو النوم ، فكأنه قال : وجعلنا نومكم نوماً ، وهذا مما لا فائدة فيه .
الجواب : قلنا : في هذه الآية وجوه : منها أن يكون المراد بالسبات الراحة والدعة ….
والوجه في الامتنان علينا بأن جعل نومنا ممتدا طويلاً ظاهر ، وهو لما في ذلك لنا من المنفعة والراحة ، لأنّ التهويم والنوم الغرار لا يكسبان شيئاً من الراحة ، بل يصحبهما في الأكثر القلق والانزعاج ، والهموم هي التي تقلّل النوم وتنزّره ، وفراغ القلب ، ورخاء البال ، تكون معهما غزارة النوم وامتداده ، وهذا واضحٌ . ص157

قال الباقر (ع) : إنّ لإبليس شيطاناً يقال له ” هزع ” ، يملأ المشرق والمغرب في كلّ ليلةٍ يأتي الناس في المنام . ص159
المصدر:أمالي الصدوق ص89

في قوله تعالى : { لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي الآخرة } ، قال : في الحياة الدنيا الرؤيا الحسنة يراها المؤمن ، وفي الآخرة عند الموت . ص159
المصدر:تفسير القمي ص289

بعثني إنسانٌ إلى الصادق (ع) ، زعم أنه يفزع في منامه من امرأةٍ تأتيه ، قال : فصحت حتى سمع الجيران ، فقال الصادق (ع) : اذهب فقل : إنك لا تؤدي الزكاة ، قال : بلى ، والله إني لأؤديها ، فقال : قل له : إن كنت تؤديها ، لا تؤديها إلى أهلها . ص159
المصدر:المحاسن ص87

كنت عند الصادق (ع) ، فجاءه رجلٌ ، فقال : رأيتك في النوم كأني أقول لك : كم بقي من أجلي ؟.. فقلت لي بيدك : هكذا – وأومأ إلى خمس – وقد شغل ذلك قلبي .. فقال (ع) : إنك سألتني عن شيءٍ لا يعلمه إلا الله عزّ وجلّ ، وهي خمس تفرّد الله بها { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير } . ص161
المصدر:دعوات الراوندي
بيــان:
هذا لا ينافي ما أخبروا (ع) به من هذه الأشياء على سبيل الإعجاز ، لأنه كان بالوحي والإلهام ، وكان عدم الإخبار في هذا المقام ، لعدم وصول الخبر من الله تعالى إليه في تلك الواقعه أو لمصلحة ، وقد مرّ القول فيه في كتاب الإمامة . ص161

جاء رجلٌ إلى الصادق (ع) ، فقال له : يا بن رسول الله !.. رأيت رؤيا هالتني : رأيت صهراً لي ميّتاً وقد عانقني ، وقد خفت أن يكون الأجل قد اقترب .. فقال :
يا موسى !.. توقّع الموت صباحاً ومساءً فإنه ملاقينا ، ومعانقة الأموات للأحياء أطول لأعمارهم ، فما كان اسم صهرك ؟.. قال : حسين ، فقال :
أمَا إنّ رؤياك تدلّ على بقائك ، وزيارتك أبا عبد الله (ع) ، فإنّ كل من عانق سمي الحسين (ع) يزوره ، إن شاء الله تعالى . ص163
المصدر:روضة الكافي ص293

قال أبو الحسن (ع) : الرؤيا على ما تعبّر ، فقلت له : إنّ بعض أصحابنا روى أنّ رؤيا الملك كانت أضغاث أحلام .. فقال أبو الحسن (ع) : إنّ امرأةً رأت على عهد رسول الله (ص) ، أن جذع بيتها انكسر ، فأتت رسول الله (ص) ، فقصّت عليه الرؤيا ، فقال لها النبي (ص) :
يقدم زوجك ويأتي وهو صالح – وقد كان زوجها غائباً – فقدم كما قال النبي (ص) ، ثم غاب عنها زوجها غيبةً أخرى ، فرأت في المنام كأن جذع بيتها قد انكسر ، فأتت النبي (ص) ، فقصّت عليه الرؤيا ، فقال لها :
يقدم زوجك ويأتي صالحاً ، فقدم على ما قال ثم غاب زوجها ثالثةً ، فرأت في منامها أن جذع بيتها قد انكسر ، فلقيت رجلاً أعسر فقصّت عليه الرؤيا ، فقال لها الرجل السوء :
يموت زوجك ، فبلغ النبي (ص) ، فقال : ألا كان عبّر لها خيراً ؟!.. ص164
المصدر:روضة الكافي ص335

قال الباقر (ع) : رأيت كأني على رأس جبلٍ ، والناس يصعدون إليه من كلّ جانبٍ ، حتى إذا كثروا عليه تطاول بهم في السماء ، وجعل الناس يتساقطون عنه من كلّ جانبٍ ، حتى لم يبقَ منهم أحدٌ إلا عصابة يسيرة ، ففعل ذلك خمس مرات في كلّ ذلك يتساقط عنه الناس ، وتبقى تلك العصابة ، أما إن قيس بن عبد الله بن عجلان في تلك العصابة .. فما مكث بعد ذلك إلا نحواً من خمس حتى هلك . ص165
المصدر:روضة الكافي ص182
بيــان:
كأنّ تأويل الرؤيا الفتن التي حدثت بعده – صلوات الله عليه – في الشيعة فارتدّوا . ص165

قال الصادق (ع) : رأت فاطمة (ع) في النوم كأنّ الحسن والحسين (ع) ذُبحا أو قُتلا ، فأحزنها ذلك ، فأخبرت به رسول الله (ص) ، فقال :
يا رؤيا !.. فتمثّلت بين يديه ، قال : أنت ِأريت ِفاطمة هذا البلاء ؟.. قالت : لا .. فقال :
يا أضغاث !.. وأنت أريت ِفاطمة هذا البلاء ؟.. قالت : نعم ، يا رسول الله ، قال : ما أردتِ بذلك ؟.. قالت :
أردت أُحزنها ، فقال (ص) لفاطمة (ع) : اسمعي ليس هذا بشيءٍ . ص166
المصدر:تفسير العياشي 2/172
بيــان:
كأن خطابه (ص) كان لملك الرؤيا ، وشيطان الأضغاث ، لقوله سبحانه : { إنما النجوى من الشيطان } ، أو تمثل بإعجازه (ص) لكلٍّ منهما مثال ، وتعلّق به روح فسأله ، ومثل هذا التسلّط الذي يذهب أثره سريعاً من الشيطان ، ولم يوجب معصية على المعصومين (ع) ، لم يدلّ دليلٌ على نفيه ، ولا ينافيه قوله تعالى :
{ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ، وقد مرّ بعض القول فيه في كتاب النبوة ، وسيأتي أيضا إن شاء الله تعالى . ص166

قال الصادق (ع) : إذا كان العبد على معصية الله عزّ وجلّ ، وأراد الله به خيراً ، أراه في منامه رؤيا تروّعه ، فينزجر بها عن تلك المعصية ، وإنّ الرؤيا الصادقة جزءٌ من سبعين جزء من النبوة . ص167
المصدر:الاختصاص ص241

قال الكاظم (ع) : من كانت له إلى الله حاجةٌ ، وأراد أن يرانا وأن يعرف موضعه ، فليغتسل ثلاثة ليالٍ يناجي بنا ، فإنه يرانا ويُغفر له بنا ، ولا يخفى عليه موضعه .. قلت : سيدي !.. فإن رجلاً رآك في المنام وهو يشرب النبيذ ؟.. قال : ليس النبيذ يفسد عليه دينه ، إنما يفسد عليه تركنا وتخلّفه عنا . ص167
المصدر:الاختصاص ص90

قلت للصادق (ع) : إنّ رجلاً رأى ربه عزّ وجلّ في منامه ، فما يكون ذلك ؟.. فقال :
ذلك رجلٌ لا دين له ، إنّ الله تبارك وتعالى لا يُرى في اليقظة ولا في المنام ، ولا في الدنيا ولا في الآخرة . ص167
المصدر:أمالي الصدوق ص708

قال الصادق (ع) : رأى رسول الله (ص) بني أمية يصعدون على منبره من بعده ، ويضلّون الناس عن الصراط القهقرى ، فأصبح كئيباً حزيناً .. فهبط عليه جبرائيل (ع) ، فقال :
يا رسول الله !.. ما لي أراك كئيباً حزيناً ؟.. قال :
يا جبرائيل !.. إني رأيت بني أمية في ليلتي هذه ، يصعدون منبري من بعدي يضلّون الناس عن الصراط القهقرى ، فقال :
والذي بعثك بالحقّ نبياً ، إن هذا شيءٌ ما اطّلعت عليه ، فعرج إلى السماء ، فلم يلبث أن نزل عليه بآي من القرآن يونسه بها ، قال :
{ أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } ، وأنزل عليه :
{ إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر } ، جعل الله عزّ وجل ليلة القدر لنبيه (ص) ، خيراً من ألف شهر ملك بني أمية . ص168
المصدر:الكافي

قال السجاد (ع) : كنت أدعو الله سنةً عقيب كلّ صلاةٍ ، أن يعلّمني الاسم الأعظم ، فإني ذات يوم قد صلّيتُ الفجر ، فغلبتني عيناي وأنا قاعدٌ ، إذا أنا برجلٍ قائمٍ بين يدي يقول لي :
سألت الله تعالى أن يعلّمك الاسم الأعظم ؟.. قلت : نعم .. قال : قل :
” اللهم!.. إني أسألك باسمك الله الله الله الله الذي لا إله إلا هو ربّ العرش العظيم ” ، قال : فوالله ما دعوت بها لشيءٍ ، إلا رأيت نجحه . ص170
المصدر:مكارم الأخلاق ص408

قال الصادق (ع) : كان في بني إسرائيل رجلٌ ، فدعا الله أن يرزقه غلاماً ثلاث سنين ، فلما رأى أن الله لا يجيبه قال :
يا ربّ !.. أبعيدٌ أنا منك فلا تسمعني ، أم قريبٌ أنت مني فلا تجيبني ؟.. فأتاه آتٍ في منامه فقال :
إنك تدعو الله عزّ وجلّ منذ ثلاث سنين ، بلسانٍ بذيٍّ ، وقلبٍ عاتٍ غير تقيٍّ ، ونيةٍ غير صادقةٍ ، فاقلع عن بذائك ، وليتّقِ الله قلبك ، ولتحسن نيتّك .
ففعل الرجل ذلك ، ثم دعا الله فوُلِد له الغلام . ص172
المصدر:الكافي 2/324

عن الأئمة (ع) : أنّ رؤيا المؤمن صحيحةٌ ، لأنّ نفسه طيبةٌ ، ويقينه صحيحٌ ، وتخرج فتتلقّى من الملائكة ، فهي وحيٌّ من الله العزيز الجبار . ص176
المصدر:جامع الأخبار

قال (ع) : انقطع الوحي وبقي المبشّرات ، ألا وهي نوم الصالحين والصالحات ولقد حدثني أبي عن جدي عن أبيه (ع) : أنّ رسول الله (ص) قال : من رآني في منامه فقد رآني ، فإنّ الشيطان لا يتمثّل في صورتي ، ولا في صورة أحدٍ من أوصيائي ، ولا في صورة أحدٍ من شيعتهم ، وإنّ الرؤيا الصادقة جزءٌ من سبعين جزء من النبوة . ص176
المصدر:جامع الأخبار

عن أئمتنا (ع) : أنّ من رأى رسول الله (ص) ، أو أحداً من الأئمة (ع) ، قد دخل مدينةً أو قريةً في منامه ، فإنه أمنٌ لأهل المدينة أو القرية مما يخافون ويحذرون ، وبلوغٌ لما يأملون ويرجون . ص176
المصدر:كمال الدين

قال الرضا (ع) : إنّ رسول الله (ص) إذا أصبح قال لأصحابه : هل من مبشّرات ؟.. يعني به الرؤيا . ص177
المصدر:روضة الكافي ص90

قال رسول الله (ص) : الرؤيا ثلاثة : بشرى من الله ، وتحزينٌ من الشيطان ، والذي يحدّث به الإنسان نفسه فيراه في منامه .. وقال (ص) : الرؤيا من الله ، والحلم من الشيطان . ص191
المصدر:التبصرة
بيــان:
قال الكراجكي – رحمه الله – في كتاب كنز الفوائد : وجدت لشيخنا المفيد – رضي الله عنه – في بعض كتبه أن الكلام في باب رؤيا المنامات عزيزٌ ، وتهاون أهل النظر به شديدٌ ، والبلية بذلك عظيمةٌ ، وصدقُ القول فيه أصلٌ جليلٌ .. والرؤيا في المنام يكون من أربع جهات :
أحدها : حديث النفس بالشيء والفكر فيه ، حتى يحصل كالمنطبع في النفس ، فيُتخيّل إلى النائم ذلك بعينه وأشكاله ونتائجه ، وهذا معروفٌ بالاعتبار .
الجهة الثانية : من الطباع وما يكون من قهر بعضها لبعض ، فيضطرب له المزاج ، ويتخيل لصاحبه ما يلائم ذلك الطبع الغالب ، من مأكولٍ ومشروبٍ ، ومرئيٍّ وملبوسٍ ، ومبهجٍ ومزعجٍ .. وقد ترى تأثير الطبع الغالب في اليقظة والشاهد ، حتى أنّ من غلب عليه الصفراء ، يصعب عليه الصعود إلى المكان العالي ، يتخيل له من وقوعه منه ، ويناله من الهلع والزمع ما لا ينال غيره ، ومن غلبت عليه السوداء ، يُتخيّل له أنه قد صعد في الهواء وناجته الملائكة ، ويظنّ صحة ذلك ، حتى أنه ربما اعتقد في نفسه النبوة ، وأنّ الوحي يأتيه من السماء وما أشبه ذلك .
والجهة الثالثة : ألطافٌ من الله عزّ وجلّ لبعض خلقه من تنبيهٍ وتيسيرٍ ، وإعذارٍ وإنذارٍ ، فيُلقي في روعه ما ينتج له تخييلات أمور تدعوه إلى الطاعة ، والشكر على النعمة ، وتزجره عن المعصية ، وتخوّفه الآخرة ، ويحصل له بها مصلحة ، وزيادة فائدة ، وفكر يحدث له معرفة .
والجهة الرابعة : أسبابٌ من الشيطان ، ووسوسةٌ يفعلها للإنسان ، يذكّره بها أموراً تحزنه ، وأسباباً تغمّه فيما لا يناله ، أو يدعوه إلى ارتكاب محظورٍ يكون فيه عطبه ، أو تخيّل شبهةٍ في دينه يكون منها هلاكه ، وذلك مختصٌّ بمن عُدم التوفيق ، لعصيانه وكثرة تفريطه في طاعات الله سبحانه ، ولن ينجو من باطل المنامات وأحلامها ، إلا الأنبياء والأئمة (ع) ، ومن رسخ في العلم من الصالحين .
وقد كان شيخي – رضي الله عنه – قال لي : إنّ كل من كثر علمه واتّسع فهمه قلّت مناماته ، فإن رأى مع ذلك مناماً وكان جسمه من العوارض سليماً فلا يكون منامه إلا حقا .
يريد بسلامة الجسم عدم الأمراض المهيّجة للطباع ، وغلبة بعضها على ما تقدّم به البيان .. والسكران أيضاً لا يصحّ منامه ، وكذلك الممتلئ من الطعام لأنه كالسكران ، ولذلك قيل : إنّ المنامات قلّ ما يصحّ في ليالي شهر رمضان .
فأما منامات الأنبياء (ع) فلا تكون إلا صادقة ، وهي وحي في الحقيقة ، ومنامات الأئمة (ع) جاريةٌ مجرى الوحي وإن لم تُسمَّ وحياً ، ولا تكون قطّ إلا حقّاً وصدقاً .
وإذا صحّ منام المؤمن ، فإنه من قِبَل الله تعالى كما ذكرناه ، وقد جاء في الحديث عن رسول الله (ص) أنه قال : رؤيا المؤمن جزءٌ من سبعة وسبعين جزء من النبوة .. وروي عنه (ص) أنه قال : رؤيا المؤمن تجري مجرى كلامٍ تكلّم به الربّ عنده .
فأما وسوسة شياطين الجنّ فقد ورد السمع بذكرها ، قال الله تعالى :
{ من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس } ، وقال :
{ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم } ، وقال :
{ شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } وورد السمع به فلا طريق إلى دفعه .
فأما كيفية وسوسة الجنيّ للإنسي ، فهو أنّ الجنّ أجسامٌ رقاقٌ لطافٌ ، فيصحّ أن يتوصل أحدهم – برقة جسمه ولطافته – إلى غاية سمع الإنسان ونهايته ، فيوقع فيه كلاماً يلبس عليه إذا سمعه ، ويشتبه عليه بخواطره ، لأنه لا يرد عليه ورود المحسوسات من ظاهر جوارحه .. ويصحّ أن يفعل هذا بالنائم واليقظان جميعاً ، وليس هو في العقل مستحيلاً .
روى جابر بن عبد الله أنه قال : بينما رسول الله (ص) يخطب ، إذ قام إليه رجلٌ فقال : يا رسول الله !.. إني رأيت كأن رأسي قد قُطع ، وهو يتدحرج وأنا أتبعه ، فقال له رسول الله (ص) : لا تحدّثْ بلعب الشيطان بك ، ثم قال : إذا لعب الشيطان أحدكم في منامه فلا يحدثن به أحداً .
وأما رؤية الإنسان للنبي (ص) ، أو لأحد الأئمة (ع) في المنام فإنّ ذلك عندي على ثلاثة أقسام :
قسمٌ أقطع على صحته ، وقسمٌ أقطع على بطلانه ، وقسمٌ أُجوّز فيه الصحة والبطلان ، فلا أقطع فيه على حال :
فأما الذي أقطع على صحته : فهو كلّ منامٍ رأى فيه النبي (ص) أو أحد الأئمة (ع) ، وهو الفاعل لطاعةٍ أو آمر بها ، وناهٍ عن معصيةٍ ، أو مبيّن لقبحها ، وقائل لحقّ أو داعٍ إليه ، وزاجر عن باطلٍ ، أو ذامّ لمن هو عليه .
وأما الذي أقطع على بطلانه : فهو كل ما كان ضدّ ذلك ، لعلمنا أنّ النبي (ص) والإمام (ع) صاحبا حقّ ، وصاحب الحقّ بعيدٌ عن الباطل.
وأما الذي أُجوّز فيه الصحة والبطلان : فهو المنام الذي يُرى فيه النبي والإمام (ع) ، وليس هو آمراً ولا ناهياً ، ولا على حالٍ يختصّ بالديانات ، مثل أن يراه راكباً أو ماشياً أو جالساً ونحو ذلك .
وأما الخبر الذي يروى عن النبي (ص) ، من قول : ” من رآني فقد رآني ، فإنّ الشيطان لا يتشبّه بي ” ، فإنه إن كان المراد به المنام ، يُحمل على التخصيص دون أن يكون في كلّ حالٍ ، ويكون المراد به القسم الأول من الثلاثة الأقسام ، لأنّ الشيطان لا يتشبّه بالنبي (ص) في شيءٍ من الحقّ والطاعات .
وجميع هذه الروايات أخبار آحاد ، فإن سلمت فعلى هذا المنهاج ، وقد كان شيخي – رحمه الله – يقول : إذا جاز من بشرٍ أن يدّعي في اليقظة أنه إلهٌ ، كفرعون ومن جرى مجراه – مع قلّة حيلة البشر ، وزوال اللبس في اليقظة – فما المانع من أن يدّعي إبليس عند النائم بوسوسة له أنه نبي ؟.. مع تمكّن إبليس مما لا يتمكّن منه البشر ، وكثرة اللبس المعترض في المنام .
ومما يوضح لك أنّ المنامات التي يتخيل للإنسان ، أنه قد رأى فيها رسول الله والأئمة ، منها ما هو حقّ ، ومنها ما هو باطل ، أنك ترى الشيعي يقول :
رأيت في المنام رسول الله (ص) ، ومعه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ، وهو يأمرني بالاقتداء به دون غيره ، ويعلمني أنه خليفته من بعده ، وأنّ أبا بكر وعمر وعثمان ظالموه وأعداؤه ، وينهاني عن موالاتهم ويأمرني بالبراءة منهم .. ونحو ذلك مما يختصّ بمذهب الشيعة ، ثم ترى الناصبي يقول :
رأيت رسول الله في النوم ، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ، وهو يأمرني بمحبتهم وينهاني عن بغضهم ، ويعلمني أنهم أصحابه في الدنيا والآخرة ، وأنهم معه في الجنة .. ونحو ذلك مما يختصّ بمذهب الناصبية .
فنعلم لا محالة أن أحد المنامين حقٌّ والآخر باطلٌ ، فأولى الأشياء أن يكون الحق منهما ، ما ثبت الدليل في اليقظة على صحة ما تضمّنه ، والباطل ما أوضحت الحجّة عن فساده وبطلانه . ص212

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى