الجزء الثالث والخمسون كتاب تاريخ الحجة (ع)

ذكر من فاز بلقاء الحجة (ع) أو معجزته في الغيبة الكبرى

الحكاية السادسة :
الشيخ إبراهيم الكفعمي في كتاب البلد الأمين عن المهدي (ع) : مَن كتب هذا الدعاء في إناءٍ جديدٍ بتربة الحسين (ع) وغسّله وشربه ، شُفي من علته :
بسم الله الرحمن الرحيم ، بسم الله دواء ، والحمد لله شفاء ، ولا إله إلا الله كفاء ، هو الشافي شفاء ، وهو الكافي كفاء ، اذهب البأس بربّ الناس شفاء لا يغادره سقم ، وصلى الله على محمد وآله النجباء .
ورأيت بخط السيد زين الدين علي بن الحسين الحسيني – رحمه الله – أنّ هذا الدعاء تعلّمه رجلٌ كان مجاوراً بالحائر – على مشرّفه السلام – عن المهدي سلام الله عليه في منامه ، وكان به علةٌ فشكاها إلى القائم – عجل الله فرجه – فأمره بكتابته وغسله وشربه ، ففعل ذلك فبرأ في الحال . ص227
المصدر:بحار الانوارج53/ص227

الحكاية الثامنة :
في تاريخ قم ، تأليف الشيخ الفاضل الحسن بن محمد بن الحسن القمي ، من كتاب مونس الحزين في معرفة الحق واليقين ، من مصنّفات أبي جعفر محمد بن بابويه القمي ما لفظه بالعربية :
باب ذكر بناء مسجد جمكران ، بأمر الإمام المهدي الله الرحمن وعلى آبائه المغفرة : سبب بناء المسجد المقدّس في جمكران بأمر الإمام (ع) ، على ما أخبر به الشيخ العفيف الصالح حسن بن مثلة الجمكراني ، قال :
كنت ليلة الثلاثاء – السابع عشر من شهر رمضان المبارك ، سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة – نائماً في بيتي ، فلما مضى نصف من الليل فإذا بجماعةٍ من الناس على باب بيتي فأيقظوني ، وقالوا : قم وأجب الإمام المهدي صاحب الزمان ، فإنه يدعوك ….
فلما جئت إلى الباب ، رأيت قوماً من الأكابر ، فسلّمت عليهم ، فردّوا ورحبّوا بي ، وذهبوا بي إلى موضعٍ هو المسجد الآن ، فلما أمعنتُ النظر رأيتُ أريكةً فُرشت عليها فراش حسان ، وعليها وسائد حسان .
ورأيتُ فتىً في زي ابن ثلاثين متكئاً عليها ، وبين يديه شيخٌ ، وبيده كتابٌ يقرؤه عليه ، وحوله أكثر من ستين رجلاً يصلّون في تلك البقعة ، وعلى بعضهم ثيابٌ بيض ، وعلى بعضهم ثيابٌ خضر .
وكان ذلك الشيخ هو الخضر (ع) ، فأجلسني ذلك الشيخ (ع) ، ودعاني الإمام (ع) باسمي …. إلى أن قال عنه (ع) :
وقل للناس : ليرغبوا إلى هذا الموضع ويعزّروه ، ويصلّوا هنا أربع ركعاتٍ للتحية : في كلّ ركعة يقرأ سورة الحمد مرة ، وسورة الإخلاص سبع مرات ، ويسبّح في الركوع والسجود سبع مرات ، وركعتان للإمام صاحب الزمان (ع) هكذا : يقرأ الفاتحة فإذا وصل إلى { إياك نعبد وإياك نستعين } كرره مائة مرة ثم يقرؤها إلى آخرها ، وهكذا يصنع في الركعة الثانية ، ويسبّح في الركوع والسجود سبع مرات ، فإذا أتمّ الصلاة يهلّل ، ويسبّح تسبيح فاطمة الزهراء (ع) ، فإذا فرغ من التسبيح يسجد ويصلي على النبي وآله مائة مرة ، ثم قال (ع) : ما هذه حكاية لفظه :
فمن صلاها فكأنما في البيت العتيق . ص231
المصدر:بحار الانوارج53/ص231

الحكاية التاسعة :
ما حدثني به العالم العامل ، والعارف الكامل غوّاص غمرات الخوف والرجاء ، وسيّاح فيافي الزهد والتقى ، صاحبنا المفيد ، وصديقنا السديد ، الآغا علي رضا ابن العالم الجليل الحاجّ المولى محمد النائيني – رحمهما الله تعالى – عن العالم البدل الورع التقي ، صاحب الكرامات والمقامات العاليات ، المولى زين العابدين ابن العالم الجليل المولى محمد السلماسي – رحمه الله – تلميذ آية الله السيد السند ، والعالم المسدّد فخر الشيعة ، وزينة الشريعة العلامة الطباطبائي السيد محمد مهدي المدعو ببحر العلوم – أعلى الله درجته -وكان المولى المزبور من خاصته في السرّ والعلانية .
قال : كنت حاضراً في مجلس السيد في المشهد الغروي ، إذ دخل عليه لزيارته المحقّق القمي – صاحب القوانين في السنة – الذي رجع من العجم إلى العراق ، زائراً لقبور الأئمة (ع) ، وحاجّاً لبيت الله الحرام ، فتفرّق من كان في المجلس وحضر للاستفادة منه – وكانوا أزيد من مائة – وبقيت ثلاثة من أصحابه ، أرباب الورع والسداد البالغين إلى رتبة الاجتهاد .
فتوجّه المحقّق الأيّد إلى جناب السيد وقال : إنكم فُزتم وحُزتم مرتبة الولادة الروحانية والجسمانية ، وقرب المكان الظاهري والباطني ، فتصدّقوا علينا بذكر مائدة من موائد تلك الخوان ، وثمرة من الثمار التي جنيتم من هذه الجنان ، كي ينشرح به الصدور ، ويطمئن به القلوب .
فأجاب السيد من غير تأمّل ، وقال : إني كنت في الليلة الماضية قبل ليلتين أو أقل – والترديد من الراوي – في المسجد الأعظم بالكوفة لأداء نافلة الليل ، عازماً على الرجوع إلى النجف في أول الصبح ، لئلا يتعطّل أمر البحث والمذاكرة – وهكذا كان دأبه في سنين عديدة – فلما خرجتُ من المسجد أُلقي في روعي الشوق إلى مسجد السهلة ، فصرفتُ خيالي عنه خوفاً من عدم الوصول إلى البلد قبل الصبح ، فيفوت البحث في اليوم ، ولكن كان الشوق يزيد في كلّ آنٍ ، ويميل القلب إلى ذلك المكان ، فبينا أقدّم رجلاً وأؤخّر أخرى ، إذا بريحٍ فيها غبارٌ كثيرٌ ، فهاجت بي وأمالتني عن الطريق ، فكأنها التوفيق الذي هو خير رفيقٍ ، إلى أن ألقتني إلى باب المسجد .
فدخلت فإذا به خالياً عن العبّاد والزوّار ، إلا شخصاً جليلاً مشغولاً بالمناجاة مع الجبّار بكلماتٍ ترقّ القلوب القاسية ، وتسح الدموع من العيون الجامدة ، فطار بالي ، وتغيّرت حالي ، ورجفت ركبتي ، وهملت دمعتي من استماع تلك الكلمات التي لم تسمعها أذني ، ولم ترها عيني مما وصلت إليه من الأدعية المأثورة ، وعرفت أن الناجي ينشئها في الحال ، لا أنه ينشد ما أودعه في البال . فوقفتُ في مكاني مستمعاً متلذّذاً إلى أن فرغ من مناجاته .
فالتفتَ إليّ وصاح بلسان العجم : ” مهدى بيا ” أي : هلمّ يا مهدي !.. فتقدّمتُ إليه بخطواتٍ فوقفتُ ، فأمرني بالتقدّم فمشيتُ قليلاً ثم وقفتُ ، فأمرني بالتقدّم وقال : إنّ الأدب في الامتثال ، فتقدّمتُ إليه بحيث تصل يدي إليه ، ويده الشريفة إليّ وتكلّم بكلمة .
قال المولى السلماسي رحمه الله : ولما بلغ كلام السيد السند إلى هنا أضرب عنه صفحاً ، وطوى عنه كشحاً ، وشرح في الجواب عما سأله المحقّق المذكور قبل ذلك عن سرّ قلّة تصانيفه ، مع طول باعه في العلوم ، فذكر له وجوهاً ، فعاد المحقّق القمي فسأل عن هذا الكلام الخفي ، فأشار بيده شبه المنكر بأن هذا سرّ لا يُذكر . ص236
المصدر:بحارالانوارج53/ص236

الحكاية العاشرة :
حدثني الأخ الصفي المذكور عن المولى السلماسي – رحمه الله تعالى – قال : كنتُ حاضراً في محفل إفادته ، فسأله رجلٌ عن إمكان رؤية الطلعة الغرّاء في الغيبة الكبرى – وكان بيده الآلة المعروفة لشرب الدخان ، المسمى عند العجم بغليان – فسكت عن جوابه وطأطأ رأسه ، وخاطب نفسه بكلامٍ خفي أسمعه ، فقال ما معناه :
” ما أقول في جوابه ؟.. وقد ضمّني صلوات الله عليه إلى صدره ، وورد أيضا في الخبر تكذيب مدّعي الرؤية في أيام الغيبة ” ، فكرّر هذا الكلام .. ثم قال في جواب السائل :
إنه قد ورد في أخبار أهل العصمة تكذيب مَن ادّعى رؤية الحجّة – عجّل الله تعالى فرجه – واقتصر في جوابه عليه من غير إشارة إلى ما أشار إليه . ص236
المصدر:بحار الانوارج53/ص236

الحكاية الحادية عشرة :
وبهذا السند عن المولى المذكور قال : صلينا مع جنابه في داخل حرم العسكريين (ع) ، فلما أراد النهوض من التشهد إلى الركعة الثالثة ، عرضته حالةٌ فوقف هنيئةً ثم قام .
ولما فرغنا تعجبنا كلنا ، ولم نفهم ما كان وجهه ، ولم يجترئ أحدٌ منا على السؤال عنه إلى أن أتينا المنزل ، وأُحضرت المائدة ، فأشار إليّ بعض السادة من أصحابنا أن أسأله منه ، فقلت : لا ، وأنت أقرب منا ، فالتفت – رحمه الله إليّ – وقال : فيمَ تقاولون ؟.. قلت – وكنت أجسر الناس عليه – :
إنهم يريدون الكشف عمّا عرض لكم في حال الصلاة ، فقال :
إنّ الحجّة – عجّل الله تعالى فرجه – دخل الروضة للسلام على أبيه (ع) ، فعرضني ما رأيتم من مشاهدة جماله الأنور إلى أن خرج منها . ص237
المصدر:بحار الانوارج53/ص237

الحكاية الثانية عشرة :
بهذا السند عن ناظر أموره في أيام مجاورته بمكة قال : كان رحمه الله مع كونه في بلد الغربة منقطعاً عن الأهل والأخوة ، قوي القلب في البذل والعطاء ، غير مكترثٍ بكثرة المصارف .
فاتفق في بعض الأيام أن لم نجد إلى درهمٍ سبيلاً ، فعرّفته الحال ، وكثرة المؤنة ، وانعدام المال ، فلم يقل شيئاً ، وكان دأبه أن يطوف بالبيت بعد الصبح ويأتي إلى الدار ، فيجلس في القبة المختصّة به ، ونأتي إليه بغليان فيشربه ، ثم يخرج إلى قبة أخرى تجتمع فيها تلامذته ، من كلّ المذاهب فيدرّس لكلٍّ على مذهبه.
فلما رجع من الطواف في اليوم الذي شكوته في أمسه نفود النفقة ، وأحضرت الغليان على العادة ، فإذا بالباب يدقه أحدٌ فاضطرب أشدّ الاضطراب ، وقال لي : خذ الغليان وأخرجه من هذا المكان !..
وقام مسرعاً خارجاً عن الوقار والسكينة والآداب ، ففتح الباب ودخل شخصٌ جليلٌ في هيئة الأعراب ، وجلس في تلك القبة وقعد السيد عند بابها ، في نهاية الذلة والمسكنة ، وأشار إليّ أن لا أُقرّب إليه الغليان.
فقعدا ساعةً يتحدثان ، ثم قام فقام السيد مسرعاً وفتح الباب ، وقبّل يده وأركبه على جمله الذي أناخه عنده ، ومضى لشأنه ، ورجع السيد متغيّر اللون وناولني براة ، وقال : هذه حوالةٌ على رجلٍ صرّاف قاعد في جبل الصفا ، واذهب إليه وخذ منه ما أُحيل عليه .
قال : فأخذتها وأتيت بها إلى الرجل الموصوف ، فلما نظر إليها قبّلها ، وقال : عليّ بالحماميل !.. فذهبت وأتيت بأربعة حماميل ، فجاء بالدراهم من الصنف الذي يقال له : ريال فرانسه ، يزيد كلّ واحدٍ على خمسة قرانات العجم ، وما كانوا يقدرون على حمله ، فحملوها على أكتافهم ، وأتينا بها إلى الدار .
ولما كان في بعض الأيام ، ذهبتُ إلى الصرّاف لأسأل منه حاله ، وممن كانت تلك الحوالة ؟.. فلم أرَ صرّافاً ولا دكاناً ، فسألت عن بعض من حضر في ذلك المكان عن الصرّاف ، فقال : ما عهدنا في هذا المكان صرّافاً أبداً وإنما يقعد فيه فلان ، فعرفت أنه من أسرار الملك المنّان ، وألطاف ولي الرحمان . ص238
المصدر:بحار الانوارج53/ص238

الحكاية الخامسة عشرة :
حدّث الشيخ الفاضل العالم الثقة الشيخ باقر الكاظمي ، المجاور في النجف الأشرف آل الشيخ طالب ، نجل العالم العابد الشيخ هادي الكاظمي قال :
كان في النجف الأشرف رجلٌ مؤمنٌ ، يُسمّى الشيخ محمد حسن السريرة ، وكان في سلك أهل العلم ذا نيةٍ صادقةٍ ، وكان معه مرض السعال ، إذا سعل يخرج من صدره مع الأخلاط دمٌّ ، وكان مع ذلك في غاية الفقر والاحتياج ، لا يملك قوت يومه ، وكان يخرج في أغلب أوقاته إلى البادية ، إلى الأعراب الذين في أطراف النجف الأشرف ، ليحصل له قوت ولو شعير ، وما كان يتيسر ذلك على وجهٍ يكفيه ، مع شدة رجائه ، وكان مع ذلك قد تعلّق قلبه بتزويج امرأة من أهل النجف ، وكان يطلبها من أهلها وما أجابوه إلى ذلك لقلة ذات يده ، وكان في همٍّ وغمٍّ شديدٍ من جهة ابتلائه بذلك .
فلما اشتدّ به الفقر والمرض ، وأيس من تزويج البنت ، عزم على ما هو معروفٌ عند أهل النجف ، من أنه من أصابه أمرٌ فواظب الرواح إلى مسجدالكوفة أربعين ليلةً الأربعاء ، فلا بدّ أن يرى صاحب الأمر – عجّل الله فرجه – من حيث لا يعلم ، ويقضي له مراده .
قال الشيخ باقر قدس سره : قال الشيخ محمد : فواظبتُ على ذلك أربعين ليلةً بالأربعاء ، فلما كانت الليلة الأخيرة وكانت ليلة شتاء مظلمة ، وقد هبّت ريحٌ عاصفةٌ ، فيها قليلٌ من المطر ، وأنا جالسٌ في الدكّة التي هي داخلٌ في باب المسجد ، وكانت الدكّة الشرقية المقابلة للباب الأول تكون على الطرف الأيسر عند دخول المسجد ، ولا أتمكن الدخول في المسجد من جهة سعال الدم ، ولا يمكن قذفه في المسجد ، وليس معي شيءٌ أتقي فيه عن البرد ، وقد ضاق صدري ، واشتدّ عليّ همّي وغمّي ، وضاقت الدنيا في عيني ، وأفكر أنّ الليالي قد انقضت وهذه آخرها ، وما رأيتُ أحداً ولا ظهر لي شيءٌ ، وقد تعبتُ هذا التعب العظيم ، وتحمّلتُ المشاق والخوف في أربعين ليلة ، أجيء فيها من النجف إلى مسجد الكوفة ، ويكون لي الاياس من ذلك .
فبينما أنا أفكّر في ذلك – وليس في المسجد أحدٌ أبداً ، وقد أوقدتُ ناراً لأسخن عليها قهوةً جئتُ بها من النجف ، لا أتمكن من تركها لتعوّدي بها ، وكانت قليلةً جداً – إذا بشخصٍ من جهة الباب الأول متوجهاً إليّ فلما نظرته من بعيد تكدّرتُ وقلت في نفسي :
هذا أعرابيٌّ من أطراف المسجد ، قد جاء إليّ ليشرب من القهوة ، وأبقى بلا قهوة في هذا الليل المظلم ، ويزيد عليّ همّي وغمّي .
فبينما أنا أُفكّر إذا به قد وصل إليّ وسلّم عليّ باسمي ، وجلس في مقابلي ، فتعجّبتُ من معرفته اسمي ، وظننته من الذين أخرجُ إليهم في بعض الأوقات من أطراف النجف الأشرف ، فصرتُ أسأله من أي العرب يكون ؟..
قال : من بعض العرب ، فصرت أذكر له الطوائف التي في أطراف النجف ، فيقول : لا لا ، وكلما ذكرتُ له طائفةً قال : لا ، لست منها .. فأغضبني وقلت له : أجل أنت من طُريطرة – مستهزئاً وهو لفظ بلا معنى – فتبسّم من قولي ذلك ، وقال : لا عليك من أينما كنتُ ، ما الذي جاء بك إلى هنا ؟.. فقلت : وأنت ما عليك السؤال عن هذه الأمور ؟.. فقال : ما ضرّك لو أخبرتني ؟.. فتعجبتُ من حسن أخلاقه وعذوبة منطقه ، فمال قلبي إليه ، وصار كلما تكلّم ازداد حبي له ، فعملت له السبيل من التتن وأعطيته ، فقال :
أنت اشرب فأنا ما أشرب ، وصببتُ له في الفنجان قهوةً وأعطيته ، فأخذه وشرب شيئاً قليلاً منه ، ثم ناولني الباقي وقال : أنت اشربه !.. فأخذته وشربته ، ولم ألتفت إلى عدم شربه تمام الفنجان ، ولكن يزداد حبي له آناً فآناً . فقلت له : يا أخي !.. أنت قد أرسلك الله إليّ في هذه الليلة تأنسني ، أفلا تروح معي إلى أن نجلس في حضرة مسلم (ع) ونتحدّث ؟..
فقال : أروح معك ، فحدّثْ حديثك !.
فقلت له : أحكي لك الواقع أنا في غاية الفقر والحاجة ، مذ شعرتُ على نفسي ، ومع ذلك معي سعالٌ أتنخّع الدم ، وأقذفه من صدري منذ سنين ، ولا أعرف علاجه ، وما عندي زوجة ، وقد علق قلبي بامرأة من أهل محلتنا في النجف الأشرف ، ومن جهة قلة ما في اليد ما تيسر لي أخذها .
وقد غرّني هؤلاء الملاّئية وقالوا لي : اقصد في حوائجك صاحب الزمان ، وبتْ أربعين ليلةً الأربعاء في مسجد الكوفة ، فإنك تراه ويقضي لك حاجتك ، وهذه آخر ليلة من الأربعين ، وما رأيت فيها شيئاً ، وقد تحمّلتُ هذه المشاق في هذه الليالي فهذا الذي جاء بي هنا ، وهذه حوائجي .
فقال لي – وأنا غافلٌ غير ملتفتٍ – : أمّا صدرك فقد برأ ، وأما الامرأة فتأخذها عن قريب ، وأما فقرك فيبقى على حاله حتى تموت – وأنا غير ملتفتٍ إلى هذا البيان أبدا – فقلت : ألا تروح إلى حضرة مسلم ؟.. قال : قم !..
فقمت وتوجّه أمامي ، فلما وردنا أرض المسجد فقال : ألا تصلي صلاة تحية المسجد ؟.. فقلت : أفعل ، فوقف هو قريباً من الشاخص الموضوع في المسجد ، وأنا خلفه بفاصلةٍ ، فأحرمتُ الصلاة وصرتُ أقرأ الفاتحة ..
فبينما أنا أقرأ وإذا يقرأ الفاتحة قراءةً ما سمعتُ أحداً يقرأ مثلها أبداً ، فمن حسْن قراءته قلت في نفسي : لعله هذا هو صاحب الزمان ، وذكرتُ بعض كلماتٍ له تدلّ على ذلك .
ثم نظرت إليه بعد ما خطر في قلبي ذلك – وهو في الصلاة – وإذا به قد أحاطه نورٌ عظيمٌ منعني من تشخيص شخصه الشريف ، وهو مع ذلك يصلي وأنا اسمع قراءته ، وقد ارتعدت فرائصي ، ولا أستطيع قطع الصلاة خوفاً منه ، فأكملتها على أي وجهٍ كان ، وقد علا النور من وجه الأرض ، فصرتُ أندبه وأبكي وأتضجّر وأعتذر من سوء أدبي معه في باب المسجد ، وقلت له : أنت صادق الوعد ، وقد وعدتني الرواح معي إلى مسلم .
فبينما أنا أكلّم النور ، وإذا بالنور قد توجّه إلى جهة المسلم ، فتبعتُه فدخل النور الحضرة ، وصار في جوّ القبة ، ولم يزل على ذلك ولم أزل أندبه وأبكي حتى إذا طلع الفجر عرج النور .
فلما كان الصباح التفتُ إلى قوله : أما صدرك فقد برأ ، وإذا أنا صحيح الصدر ، وليس معي سعالٌ أبداً ، وما مضى أسبوع إلا وسهّل الله عليّ أخذ البنت من حيث لا أحتسب ، وبقي فقري على ما كان كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين . ص243
المصدر:بحار الانوارج53/ص243

الحكاية العشرون :
قصة العابد الصالح التقي السيد محمد العاملي – رحمه الله – ابن السيد عباس – سلّمه الله – آل العباس شرف الدين ، الساكن في قرية جبشيث من قرى جبل عامل ، وكان من قصته أنه رحمه الله لكثرة تعدّي الجور عليه ، خرج من وطنه خائفاً هارباً ، مع شدة فقره وقلة بضاعته ، حتى أنه لم يكن عنده يوم خروجه إلا مقداراً لا يسوى قوت يومه ، وكان متعفّفاً لا يسأل أحداً .
وساح في الأرض برهةً من دهره ، ورأى في أيام سياحته في نومه ويقظته عجائب كثيرة ، إلى أن انتهى أمره إلى مجاورة النجف الأشرف على – مشرّفها آلاف التحية والتحف – وسكن في بعض الحجرات الفوقانية من الصحن المقدس ، وكان في شدة الفقر ، ولم يكن يعرفه بتلك الصفة إلا قليلٌ ….
وكان أحيانا يراودني ، وكان كثير العفة والحياء ، يحضر عندي أيام إقامة التعزية ، وربما استعار مني بعض كتب الأدعية لشدة ضيق معاشه ، حتى أنّ كثيراً ما لا يتمكن لقوته إلا على تميرات ، يواظب الأدعية المأثورة لسعة الرزق حتى كأنه ما ترك شيئاً من الأذكار المروية والأدعية المأثورة .
واشتغل بعض أيامه على عرض حاجته على صاحب الزمان – عليه سلام الله الملك المنان – أربعين يوماً وكان يكتب حاجته ، ويخرج كلّ يومٍ قبل طلوع الشمس من البلد من الباب الصغير الذي يخرج منه إلى البحر ، ويبعد عن طرف اليمين مقدار فرسخ أو أزيد ، بحيث لا يراه أحدٌ ، ثم يضع عريضته في بندقة من الطين ويودعها أحد نوّابه – سلام الله عليه – ويرميها في الماء إلى أن مضى عليه ثمانية أو تسعة وثلاثون يوماً .
فلما فعل ما يفعله كل يوم ورجع ، قال : كنت في غاية الملالة وضيق الخلق ، وأمشي مطرقاً رأسي ، فالتفتُ فإذا أنا برجلٍ كأنه لحق بي من ورائي – وكان في زي العرب – فسلّم عليّ فرددتُ عليه السلام بأقلّ ما يُردّ ، وما التفتُ إليه لضيق خلقي ، فسايرني مقداراً وأنا على حالي ، فقال بلهجة أهل قريتي :
سيد محمد !.. ما حاجتك ؟.. يمضي عليك ثمانية أو تسعة وثلاثون يوماً تخرج قبل طلوع الشمس إلى المكان الفلاني ، وترمي العريضة في الماء تظن أن إمامك ليس مطّلعاً على حاجتك ؟..
قال : فتعجبتُ من ذلك لأني لم أُطلع أحداً على شغلي ، ولا أحدٌ رآني ، ولا أحدٌ من أهل جبل عامل في المشهد الشريف لم أعرفه ، خصوصاً أنه لابس الكفّية والعقال وليس مرسوماً في بلادنا .
فخطر في خاطري وصولي إلى المطلب الأقصى ، وفوزي بالنعمة العظمى ، وأنه الحجّة على البرايا ، إمام العصر – عجّل الله تعالى فرجه – وكنت سمعتُ قديماً أنّ يده المباركة في النعومة بحيث لا يبلغها يد أحدٍ من الناس ، فقلت في نفسي :
أصافحه ، فإن كان يده كما سمعت أصنع ما يحقّ بحضرته ، فمددتُ يدي وأنا على حالي لمصافحته ، فمدّ يده المباركة فصافحته ، فإذا يده كما سمعت ، فتيقّنت الفوز والفلاح ، فرفعتُ رأسي ، ووجّهتُ له وجهي ، وأردتُ تقبيل يده المباركة ، فلم أر أحداً.ص249
المصدر:بحار الانوارج53/ص249

الحكاية الرابعة والعشرون :
العالم الجليل الشيخ يوسف البحريني ، في اللؤلؤة في ترجمة العالم الشيخ إبراهيم القطيفي المعاصر للمحقّق الثاني ، عن بعض أهل البحرين :
أنّ هذا الشيخ دخل عليه الإمام الحجّة (ع) في صورة رجلٍ يعرفه الشيخ ، فسأله : أي الآيات من القرآن في المواعظ أعظم ؟.. فقال الشيخ : { إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يُلقى في النار خيرٌ أم من يأتي آمناً يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير } ، فقال : صدقت يا شيخ !.. ثم خرج منه ، فسأل أهل البيت : خرج فلان ؟.. فقالوا : ما رأينا أحداً داخلاً ولا خارجاً . ص255
المصدر:بحار الانوارج69/ص255

الحكاية السابعة والعشرون :
حدثني مشافهةً …. شيخنا الأجلّ الحاجّ المولى علي بن الحاج ميرزا خليل الطهراني ، المتوطّن في الغري حيّاً وميتاً …
وكان يقول : إني ما زرتُ مرةً إلا ورأيت كرامةً ونلتُ مكرُمةً ، وكان يستر ما رآه غير أنه ذكر لي وسمعه عنه غيري :
أني كثيراً ما وصلتُ إلى باب السرداب الشريف في جوف الليل المظلم ، وحين هدوءٍ من الناس ، فأرى عند الباب – قبل النزول من الدرج – نوراً يشرق من سرداب الغيبة على جدران الدهليز الأول ، ويتحرك من موضع إلى آخر ، كأنّ بيد أحدٍ هناك شمعةً مضيئةً ، وهو ينتقل من مكانٍ إلى آخر ، فيتحرك النور هنا بحركته ، ثم أنزل وأدخل في السرداب الشريف ، فما أجد أحداً ولا أرى سراجاً . ص257
المصدر:بحار الانوارج53/ص257

الحكاية الثامنة والعشرون :
حدثني السيد الثقة التقي الصالح السيد مرتضى النجفي – رحمه الله – وقد أدرك الشيخ شيخ الفقهاء وعمادهم الشيخ جعفر النجفي ، وكان معروفاً عند علماء العراق بالصلاح والسداد ، وصاحبتُه سنين سفراً وحضراً فما وقفتُ منه على عثرةٍ في الدين ، قال : كنا في مسجد الكوفة مع جماعةٍ فيهم أحدٌ من العلماء المعروفين المبرزين في المشهد الغروي ، وقد سألته عن اسمه غير مرة فما كشف عنه ، لكونه محل هتك الستر وإذاعة السرّ .
ولما حضرت وقت صلاة المغرب ، جلس الشيخ لدى المحراب للصلاة ، والجماعة في تهيئة الصلاة بين جالسٍ عنده ومؤذّن ومتطهّر ، وكان في ذلك الوقت في داخل الموضع المعروف بالتنور ماء قليل من قناةٍ خربة ، وقد رأينا مجراها عند عمارة مقبرة هانئ بن عروة ، والدرج التي تنزل إليه ضيقة مخروبة ، لا تسع غير واحد .
فجئت إليه وأردت النزول ، فرأيتُ شخصاً جليلاً على هيئة الأعراب قاعداً عند الماء يتوضأ ، وهو في غايةٍ من السكينة والوقار والطمأنينة ، وكنت مستعجلاً لخوف عدم إدراك الجماعة ، فوقفتُ قليلاً فرأيته كالجبل لا يحرّكه شيءٌ ، فقلت – وقد أُقيمت الصلاة – ما معناه : لعلك لا تريد الصلاة مع الشيخ ؟.. أردتُ بذلك تعجيله ، فقال : لا ، قلت : ولِمَ ؟.. قال : لأنه الشيخ الدُّخني ، فما فهمت مراده ، فوقفتُ حتى أتم وضوءه ، فصعد وذهب ، ونزلتُ وتوضأتُ وصليتُ ، فلما قُضيت الصلاة وانتشر الناس – وقد ملأ قلبي وعيني هيئته وسكونه وكلامه – فذكرت للشيخ ما رأيتُ وسمعتُ منه ، فتغيّرت حاله وألوانه ، وصار متفكّراً مهموماً ، فقال : قد أدركتَ الحجّة (ع) وما عرفته ، وقد أخبر عن شيءٍ ما اطّلع عليه إلا الله تعالى .
اعلم أني زرعت الدُخنة ( أي حب الجاورس ) في هذه السنة في الرحبة ، وهي موضعٌ في طرف الغربي من بحيرة الكوفة ، محلّ خوفٍ وخطرٍ من جهة أعراب البادية المترددين إليه ، فلما قمتُ إلى الصلاة ودخلت فيها ذهب فكري إلى زرع الدُخنة وأهمّني أمره ، فصرت أتفكر فيه وفي آفاته .
هذا خلاصة ما سمعته منه – رحمه الله – قبل هذا التاريخ بأزيد من عشرين سنة ، وأستغفر الله من الزيادة والنقصان في بعض كلماته . ص258
المصدر:بحار الانوارج53/ص258

الحكاية الرابعة والثلاثون :
ورأيتُ في بعض المواضع نقلاً عن خط الشيخ زين الدين علي بن الحسن بن محمد الخازن الحائري تلميذ الشهيد ، أنه قد رأى ابن أبي جواد النعماني مولانا المهدي (ع) فقال له : يا مولاي !.. لك مقام بالنعمانية ، ومقام بالحلة ، فأين تكون فيهما ؟.. فقال له :
أكون بالنعمانية ليلة الثلاثاء ويوم الثلاثاء ، ويوم الجمعة وليلة الجمعة أكون بالحلّة ، ولكنّ أهل الحلّة ما يتأدّبون في مقامي ، وما من رجلٍ دخل مقامي بالأدب ، يتأدّب ويسلّم عليَّ وعلى الأئمة ، وصلّى عليَّ وعليهم اثني عشر مرة ، ثم صلّى ركعتين بسورتين ، وناجى الله بهما المناجاة ، إلا أعطاه الله تعالى ما يسأله ، أحدها المغفرة .. فقلت :
يا مولاي !.. علّمني ذلك ، فقال : قل : ” اللهم !.. قد أخذ التأديب مني حتى مسّني الضرّ وأنت أرحم الراحمين ، وإن كان ما اقترفته من الذنوب أستحق به أضعاف أضعاف ما أدبتني به ، وأنت حليمٌ ذو أناة تعفو عن كثير حتى يسبق عفوك ورحمتك عذابك ” .. وكرّرها عليّ ثلاثاً حتى فهمتها.ص270
المصدر:بحار الانوارج53/ص270

الحكاية الأربعون :
الشيخ الجليل أمين الإسلام فضل بن الحسن الطبرسي ، صاحب التفسير في كتاب كنوز النجاح ، قال : دعاءٌ علمه صاحب الزمان – عليه سلام الله الملك المنان – أبا الحسن محمد بن أحمد بن أبي الليث – رحمه الله تعالى – في بلدة بغداد في مقابر قريش ، وكان أبو الحسن قد هرب إلى مقابر قريش والتجأ إليه من خوف القتل ، فنجّي منه ببركة هذا الدعاء .
قال أبو الحسن المذكور : إنه علمني أن أقول : ” اللهم!.. عظم البلاء ، وبرح الخفاء ، وانقطع الرجاء ، وانكشف الغطاء ، ، وضاقت الأرض ، ومُنعت السماء ، وإليك يا ربّ المشتكى ، وعليك المعوّل في الشدة والرخاء ، اللهم!.. فصلّ على محمد وآل محمد ، أولي الأمر الذين فرضت علينا طاعتهم ، فعرّفتنا بذلك منزلتهم ، ففرّج عنا بحقهم فرجاً عاجلاً كلمح البصر ، أو هو أقرب ، يا محمد !.. يا علي !.. اكفياني فإنكما كافياي ، وانصراني فإنكما ناصراي ، يا مولاي !.. يا صاحب الزمان !.. الغوث الغوث الغوث !.. أدركني أدركني أدركني !.. ” .
قال الراوي : إنه (ع) عند قوله : ” يا صاحب الزمان !..” كان يشير إلى صدره الشريف . ص275
المصدر:بحار الانوارج53/ص275

الحكاية الحادية والأربعون :
قال العالم النحرير ، النقّاد البصير ، المولى أبو الحسن الشريف العاملي الغروي ، تلميذ العلامة المجلسي …. قال في أواخر المجلّد الأول منه ، في ضمن أحوال الحجّة (ع) بعد ذكر قصة الجزيرة الخضراء ، مختصرا ما لفظه :
ثم إنّ المنقولات المعتبرة في رؤية صاحب الأمر (ع) سوى ما ذكرناه كثيرة جداً ، حتى في هذه الأزمنة القريبة ، فقد سمعت أنا من ثقات أنّ مولانا أحمد الأردبيلي رآه (ع) في جامع الكوفة ، وسأل منه مسائل ، وأنّ مولانا محمد تقي والد شيخنا رآه في الجامع العتيق باصبهان ، والحكاية الأولى موجودة في البحار ، وأما الثانية فهي غير معروفة ، ولم نعثر عليها إلا ما ذكره المولى المذكور – رحمه الله – في شرح مشيخة الفقيه في ترجمة المتوكل بن عمير راوي الصحيفة .
قال رحمه الله : إني كنت في أوائل البلوغ طالباً لمرضاة الله ، ساعياً في طلب رضاه ، ولم يكن لي قرارٌ بذكره ، إلى أن رأيتُ بين النوم واليقظة ، أنّ صاحب الزمان (ع) كان واقفاً في الجامع القديم باصبهان ، قريباً من باب الطنبى الذي الآن مدرسي ، فسلّمت عليه وأردتُ أن أُقبّل رجله ، فلم يدعني وأخذني فقبّلت يده ، وسألت عنه مسائل قد أُشكلت عليّ .
منها أني كنت أوسوس في صلاتي ، وكنت أقول إنها ليست كما طُلبت مني ، وأنا مشتغلٌ بالقضاء ، ولا يمكنني صلاة الليل ، وسألتُ عنه شيخنا البهائي – رحمه الله تعالى – فقال : صلِّ صلاة الظهر والعصر والمغرب بقصد صلاة الليل ، وكنت أفعل هكذا ، فسألت عن الحجّة (ع) : أُصلي صلاة الليل ؟.. فقال : صلّها !.. ولا تفعل كالمصنوع الذي كنت تفعل ، إلى غير ذلك من المسائل التي لم يبقَ في بالي .
ثم قلت : يا مولاي !.. لا يتيسر لي أن أصل إلى خدمتك كل وقت ، فأعطني كتاباً أعمل عليه دائماً ، فقال (ع) : أعطيت لأجلك كتاباً إلى مولانا محمد التاج ، وكنتُ أعرفه في النوم ، فقال (ع) : رح وخذ منه !.. فخرجت من باب المسجد الذي كان مقابلاً لوجهه ، إلى جانب دار البطيخ – محلّة من إصبهان – فلما وصلتُ إلى ذلك الشخص ، فلما رآني قال لي :
بعثك الصاحب (ع) إليّ ؟.. قلت : نعم ، فأخرج من جيبه كتاباً قديماً ، فلما فتحته ظهر لي أنه كتاب الدعاء ، فقبّلته ووضعته على عيني ، وانصرفت عنه متوجّهاً إلى الصاحب (ع) ، فانتبهتُ ولم يكن معي ذلك الكتاب .
فشرعتُ في التضرّع والبكاء والحوار لفوت ذلك الكتاب إلى أن طلع الفجر ، فلما فرغتُ من الصلاة والتعقيب ، وكان في بالي أن مولانا محمد هو الشيخ ، وتسميته بالتاج لاشتهاره من بين العلماء .
فلما جئتُ إلى مدرسته – وكان في جوار المسجد الجامع – فرأيته مشتغلاً بمقابلة الصحيفة ، وكان القاري السيد صالح أمير ذو الفقار الجرفادقاني ، فجلستُ ساعةً حتى فرغ منه ، والظاهر أنه كان في سند الصحيفة ، لكن للغمّ الذي كان لي لم أعرف كلامه ولا كلامهم ، وكنتُ أبكي فذهبت إلى الشيخ ، وقلت له رؤياي وكنت أبكي لفوات الكتاب ، فقال الشيخ :
ابشر !.. بالعلوم الإلهية ، والمعارف اليقينية ، وجميع ما كنت تطلب دائماً ، وكان أكثر صحبتي مع الشيخ في التصوّف وكان مائلاً إليه ، فلم يسكن قلبي وخرجتُ باكياً متفكّراً ، إلى أن أُلقي في روعي أن أذهب إلى الجانب الذي ذهبتُ إليه في النوم ، فلما وصلتُ إلى دار البطيخ ، رأيتُ رجلاً صالحاً اسمه آغا حسن ، وكان يُلقب بتاجا ، فلما وصلت إليه وسلّمت عليه .. قال :
يا فلان !.. الكتب الوقفية التي عندي ، كلّ من يأخذه من الطلبة لا يعمل بشروط الوقف ، وأنت تعمل به ، وقال : وانظر إلى هذه الكتب ، وكلما تحتاج إليه خذه !.. فذهبتُ معه إلى بيت كتبه ، فأعطاني أول ما أعطاني الكتاب الذي رأيته في النوم ، فشرعتُ في البكاء والنحيب ، وقلت :
يكفيني وليس في بالي أني ذكرت له النوم أم لا ، وجئتُ عند الشيخ وشرعتُ في المقابلة مع نسخته التي كتبها جدّ أبيه مع نسخة الشهيد ، وكتب الشهيد نسخته مع نسخة عميد الرؤساء وابن السّكون ، وقابلها مع نسخة ابن إدريس بواسطةٍ أو بدونها ، وكانت النسخة التي أعطانيها الصاحب مكتوبة من خط الشهيد ، وكانت موافقة غاية الموافقة حتى في النسخ التي كانت مكتوبةً على هامشها ، وبعد أن فرغتُ من المقابلة شرع الناس في المقابلة عندي ، وببركة إعطاء الحجّة (ع) صارت الصحيفة الكاملة في جميع البلاد ، كالشمس طالعة في كلّ بيتٍ ، وسيّما في إصبهان فإنّ أكثر الناس لهم الصحيفة المتعددة ، وصار أكثرهم صلحاء وأهل الدعاء ، وكثيرٌ منهم مستجابو الدعوة ، وهذه الآثار معجزة لصاحب الأمر (ع) ، والذي أعطاني الله من العلوم بسبب الصحيفة لا أحصيها.ص278
المصدر:بحار الانوارج53/ص278

الحكاية الخامسة والأربعون :
قال سلّمه الله : وحدّثني الوالد – أعلى الله مقامه – قال : لازمتُ الخروج إلى الجزيرة مدةً مديدةً ، لأجل إرشاد عشائر بني زبيد إلى مذهب الحقّ ، وكانوا كلهم على رأي أهل التسنّن ، وببركة هداية الوالد – قدس سره – وإرشاده رجعوا إلى مذهب الإمامية كما هم عليه الآن ، وهم عددٌ كثيرٌ يزيدون على عشرة آلاف نفس ، وكان في الجزيرة مزارٌ معروفٌ بقبر الحمزة بن الكاظم ، يزوره الناس ويذكرون له كراماتٍ كثيرةً ، وحوله قرية تحتوي على مائة دار تقريباً .
فكنت أستطرق الجزيرة وأمرّ عليه ولا أزوره ، لما صح عندي أنّ الحمزة بن الكاظم مقبورٌ في الري مع عبد العظيم الحسني ، فخرجتُ مرةً على عادتي ، ونزلتُ ضيفاً عند أهل تلك القرية ، فتوقّعوا مني أن أزور المرقد المذكور ، فأبيتُ وقلت لهم : لا أزور من لا أعرف – وكان المزار المذكور قلّت رغبة الناس فيه لإعراضي عنه – ثم ركبتُ من عندهم ، وبتُّ تلك الليلة في قرية المزيدية عند بعض ساداتها .
فلما كان وقت السحر جلستُ لنافلة الليل وتهيّأتُ للصلاة ، فلما صلّيت النافلة بقيتُ ارتقب طلوع الفجر ، وأنا على هيئة التعقيب إذ دخل عليّ سيدٌ أعرفه بالصلاح والتقوى ، من سادة تلك القرية ، فسلّم وجلس .
ثم قال : يا مولانا !.. بالأمس تضّيفت أهل قرية الحمزة ، وما زرته ؟..
قلت : نعم ، قال : ولِمَ ذلك ؟.. قلت : لأني لا أزور من لا أعرف ، والحمزة بن الكاظم مدفونٌ بالري ، فقال : رُبّ مشهورٍ لا أصل له ، ليس هذا قبر الحمزة بن موسى الكاظم وإن اشتهر أنه كذلك ، بل هو قبر أبي يعلى حمزة بن القاسم العلوي العباسي ، أحد علماء الإجازة وأهل الحديث ، وقد ذكره أهل الرجال في كتبهم ، وأثنوا عليه بالعلم والورع .
فقلت في نفسي : هذا السيد من عوام السادة ، وليس من أهل الاطلاع على الرجال والحديث ، فلعله أخذ هذا الكلام عن بعض العلماء ، ثم قمتُ لأرتقب طلوع الفجر ، فقام ذلك السيد وخرج ، وأُغفلتُ أن أسأله عمن أخذ هذا لأنّ الفجر قد طلع ، وتشاغلتُ بالصلاة .
فلما صلّيتُ جلستُ للتعقيب حتى طلع الشمس ، وكان معي جملةٌ من كتب الرجال ، فنظرتُ فيها وإذا الحال كما ذكر ، فجاءني أهل القرية مسلّمين عليّ وفي جملتهم ذلك السيد ، فقلت :
جئتني قبل الفجر وأخبرتني عن قبر الحمزة أنه أبو يعلى حمزة بن القاسم العلوي ، فمن أين لك هذا وعمن أخذته ؟.. فقال : والله ما جئتك قبل الفجر ، ولا رأيتك قبل هذه الساعة ، ولقد كنتُ ليلة أمس بائتاً خارج القرية – في مكانٍ سمّاه – وسمعنا بقدومك فجئنا في هذا اليوم زائرين لك .
فقلت لأهل القرية : الآن لزمني الرجوع إلى زيارة الحمزة ، فإني لا أشكّ في أنّ الشخص الذي رأيته هو صاحب الأمر (ع).
قال : فركبتُ أنا وجميع أهل تلك القرية لزيارته ، ومن ذلك الوقت ظهر هذا المزار ظهوراً تاماً ، على وجهٍ صار بحيث تُشدّ الرحال إليه من الأماكن البعيدة . قلت : في رجال النجاشي : حمزة بن القاسم بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب (ع) ، أبو يعلى ثقة جليل القدر من أصحابنا ، كثير الحديث له كتاب ” من روى عن جعفر بن محمد (ع) من الرجال ” وهو كتاب حسن .
وذكر الشيخ الطوسي أنه يروي عن سعد بن عبدالله ، ويروي عنه التلعكبري رحمه الله ، إجازةً فهو في طبقة والد الصدوق . ص287
المصدر:بحار الانوارج53/ص287

الحكاية التاسعة والأربعون :
بغية المريد في الكشف عن أحوال الشهيد ، للشيخ الفاضل الأجلّ تلميذه محمد بن علي بن الحسن العودي ، قال في ضمن وقائع سفر الشهيد – رحمه الله – من دمشق إلى مصر ما لفظه :
واتفق له في الطريق ألطافٌ إلهيةٌ ، وكراماتٌ جليةٌ حكى لنا بعضها .. منها ما أخبرني به ليلة الأربعاء – عاشر ربيع الأول سنة ستين وتسعمائة – أنه في الرملة مضى إلى مسجدها المعروف بالجامع الأبيض لزيارة الأنبياء والذين في الغار وحده ، فوجد الباب مقفولاً وليس في المسجد أحدٌ ، فوضع يده على القفل وجذبه فانفتح فنزل إلى الغار ، واشتغل بالصلاة والدعاء ، وحصل له إقبالٌ على الله بحيث ذهل عن انتقال القافلة ، فوجدها قد ارتحلت ولم يبقَ منها أحدٌ ، فبقي متحيراً في أمره مفكّراً في اللحاق مع عجزه عن المشي ، وأخذ أسبابه ومخافته وأخذ يمشي على أثرها وحده ، فمشى حتى أعياه التعب فلم يلحقها ، ولم يرها من البعد ، فبينما هو في هذا المضيق ، إذ أقبل عليه رجلٌ لاحقٌ به وهو راكبٌ بغلاً ، فلما وصل إليه قال له :
اركب خلفي !.. فردفه ومضى كالبرق ، فما كان إلا قليلاً حتى لحق به القافلة وأنزله ، وقال له : اذهب إلى رفقتك !.. ودخل هو في القافلة ، قال : فتحرّيته مدة الطريق أني أراه ثانياً ، فما رأيته أصلاً ولا قبل ذلك . ص297
المصدر:بحار الانوارج53/ص297

الحكاية الخامسة والخمسون :
رأيت في ملحقات كتاب أنيس العابدين ، وهو كتاب كبير في الأدعية والأوراد ، ينقل عنه العلامة المجلسي في المجلد التاسع عشر من البحار ، والأميرزا عبدالله تلميذه في الصحيفة الثالثة ما لفظه :
نُقل عن ابن طاووس – رحمه الله – أنه سمع سَحَراً في السرداب عن صاحب الأمر (ع) أنه يقول :
اللهم !.. إنّ شيعتنا خُلقت من شعاع أنوارنا وبقية طينتنا ، وقد فعلوا ذنوباً كثيرةً اتكالاً على حبّنا وولايتنا ، فإن كانت ذنوبهم بينك وبينهم ، فاصفح عنهم فقد رضينا ، وما كان منها فيما بينهم فاصلح بينهم ، وقاصّ بها عن خمسنا ، وأدخلهم الجنة ، وزحزحهم عن النار، ولا تجمع بينهم وبين أعدائنا في سخطك . ص302
المصدر:بحار الانوارج53/ص302

الحكاية التاسعة والخمسون :
في سنة من سني عشرة السبعين ، كان عندي مقدارٌ من مال الإمام (ع) ، عزمتُ على إيصاله إلى العلماء الأعلام في النجف الأشرف ، وكان لي طلبٌ على تجارها ، فمضيتُ إلى زيارة أمير المؤمنين صلوات الله عليه في إحدى زياراته المخصوصة ، واستوفيتُ ما أمكنني استيفاؤه من الديون التي كانت لي ، وأوصلت ذلك إلى متعددين من العلماء الأعلام من طرف الإمام (ع) ، لكن لم يفِ بما كان عليّ منه ، بل بقي عليّ مقدار عشرين توماناً ، فعزمتُ على إيصال ذلك إلى أحد علماء مشهد الكاظمين .
فلما رجعت إلى بغداد ، أحببت أداء ما بقي في ذمتي على التعجيل ، ولم يكن عندي من النقد شيءٌ ، فتوجّهتُ إلى زيارة الإمامين (ع) في يوم خميس ، وبعد التشرّف بالزيارة دخلتُ على المجتهد – دام توفيقه – وأخبرته بما بقي في ذمتي من مال الإمام (ع) ، وسألته أن يحوّل ذلك عليّ تدريجاً ، ورجعتُ إلى بغداد في أواخر النهار ، حيث لم يسعني لشغلٍ كان لي ، وتوجّهتُ إلى بغداد ماشياً لعدم تمكني من كراء دابة .
فلما تجاوزتُ نصف الطريق ، رأيتُ سيداً جليلاً مهاباً متوجهاً إلى مشهد الكاظمين (ع) ماشياً ، فسلّمتُ عليه فردّ عليَّ السلام ، وقال لي :
يا فلان !.. – وذكر اسمي – لِمَ لم تبقَ هذه الليلة الشريفة ليلة الجمعة في مشهد الإمامين ؟.. فقلت : يا سيدنا !.. عندي مطلبٌ مهمٌّ منعني من ذلك فقال لي : ارجع معي !.. وبت هذه الليلة الشريفة عند الإمامين (ع) ، وارجع إلى مهمّك غداً إن شاء الله .
فارتاحت نفسي إلى كلامه ، ورجعتُ معه منقاداً لأمره ، ومشيتُ معه بجنب نهرٍ جارٍ ، تحت ظلال أشجارٍ خضرةٍ نضرةٍ ، متدلية على رؤوسنا ، وهواء عذب ، وأنا غافلٌ عن التفكّر في ذلك ، وخطر ببالي أنّ هذا السيد الجليل سمّاني باسمي مع أني لم أعرفه .
ثم قلت في نفسي : لعله هو يعرفني وأنا ناسٍ له.
ثم قلت في نفسي : إنّ هذا السيد كأنه يريد مني من حقّ السادة ، وأحببتُ أن أوصل إلى خدمته شيئاً من مال الإمام الذي عندي ، فقلت له : يا سيدنا !.. عندي من حقكم بقيةٌ ، لكن راجعتُ فيه جناب الشيخ الفلاني لأؤدي حقكم بإذنه – وأنا أعني السادة – فتبسّم في وجهي ، وقال : نعم ، وقد أوصلتَ بعض حقنا إلى وكلائنا في النجف الأشرف أيضاً .
وجرى على لساني أني قلت له : ما أديته مقبولٌ ؟.. فقال : نعم ، ثم خطر في نفسي أنّ هذا السيد يقول بالنسبة إلى العلماء الأعلام وكلائنا ، واستعظمتُ ذلك : ثم قلت : العلماء وكلاء على قبض حقوق السادة ، وشملتني الغفلة . ثم قلت : يا سيدنا !.. قرّاء تعزية الحسين (ع) يقرؤون حديثاً : أنّ رجلاً رأى في المنام هودجاً بين السماء والأرض فسأل عمن فيه ، فقيل له : فاطمة الزهراء وخديجة الكبرى ، فقال : إلى أين يريدون ؟..
فقيل : زيارة الحسين (ع) في هذه الليلة ليلة الجمعة ، ورأى رقاعاً تتساقط من الهودج ، مكتوبٌ فيها أمانٌ من النار لزوّار الحسين (ع) في ليلة الجمعة ، هذا الحديث صحيح ؟.. فقال (ع) : نعم ، زيارة الحسين (ع) في ليلة الجمعة أمانٌ من النار يوم القيامة.
قال : وكنت قبل هذه الحكاية بقليلٍ قد تشرّفت بزيارة مولانا الرضا (ع) ، فقلت له :
يا سيدنا !.. قد زرتُ الرضا علي بن موسى (ع) ، وقد بلغني أنه ضمن لزوّاره الجنة ، هذا صحيح ؟.. فقال (ع) : هو الإمام الضامن ، فقلت : زيارتي مقبولة ؟.. فقال (ع) : نعم مقبولة .
وكان معي في طريق الزيارة رجلٌ متديّنٌ من الكسبة ، وكان خليطاً لي وشريكاً في المصرف ، فقلت له : يا سيدنا !.. إنّ فلاناً كان معي في الزيارة ، زيارته مقبولة ؟.. فقال : نعم ، العبد الصالح فلان بن فلان زيارته مقبولة ، ثم ذكرتُ له جماعةً من كسبة أهل بغداد كانوا معنا في تلك الزيارة ، وقلت :
إنّ فلاناً وفلاناً وذكرت أسماءهم كانوا معنا ، زيارتهم مقبولة ؟..
فأدار (ع) وجهه إلى الجهة الأخرى ، وأعرض عن الجواب ، فهبته وأكبرته وسكتُّ عن سؤاله ، فلم أزل ماشياً معه على الصفة التي ذكرتها ، حتى دخلنا الصحن الشريف ، ثم دخلنا الروضة المقدسة من الباب المعروف بباب المراد ، فلم يقف على باب الرواق ، ولم يقل شيئاً حتى وقف على باب الروضة من عند رجلي الإمام موسى (ع) ، فوقفت بجنبه ، وقلت له :
يا سيدنا !.. اقرأ حتى أقرأ معك ، فقال : السلام عليك يا رسول الله !.. السلام عليك يا أمير المؤمنين !.. وساق على باقي أهل العصمة (ع) حتى وصل إلى الإمام الحسن العسكري (ع) .
ثم التفت إليّ بوجهه الشريف ، ووقف متبسّماً وقال : أنت إذا وصلت إلى السلام على الإمام العسكري ، ما تقول ؟.. فقلت : أقول : السلام عليك يا حجّة الله !.. يا صاحب الزمان !.. قال : فدخل الروضة الشريفة ، ووقف على قبر الإمام موسى (ع) والقبلة بين كتفيه .
فوقفتُ إلى جنبه ، وقلت : يا سيدنا !.. زرْ حتى أزور معك ، فبدأ (ع) بزيارة أمين الله الجامعة المعروفة ، فزار بها وأنا أتابعه ، ثم زار مولانا الجواد (ع) ، ودخل القبة الثانية قبة محمد بن علي (ع) ، ووقف يصلي فوقفتُ إلى جنبه متأخراً عنه قليلاً ، احتراماً له ، ودخلتُ في صلاة الزيارة ، فخطر ببالي أن أسأله أن يبات معي تلك الليلة لأتشرّف بضيافته وخدمته ، ورفعتُ بصري إلى جهته ، وهو بجنبي متقدّماً عليّ قليلاً فلم أره .
فخففتُ صلاتي وقمتُ ، وجعلتُ أتصفّح وجوه المصلين والزوّار ، لعلي أصل إلى خدمته ، حتى لم يبق مكانٌ في الروضة والرواق إلا ونظرتُ فيه ، فلم أر له أثراً أبداً ، ثم انتبهتُ وجعلتُ أتأسف على عدم التنبه لما شاهدته من كراماته وآياته ، من انقيادي لأمره مع ما كان لي من الأمر المهم في بغداد ، ومن تسميته إياي مع أني لم أكن رأيته ولا عرفته .
ولما خطر في قلبي أن أدفع إليه شيئاً من حق الإمام (ع) ، وذكرتُ له أني راجعت في ذلك المجتهد الفلاني لأدفع إلى السادة بإذنه ، قال لي ابتداءً منه : نعم ، وأوصلت بعض حقنا إلى وكلائنا في النجف الأشرف .
ثم تذكرتُ أني مشيتُ معه بجنب نهرٍ جارٍ ، تحت أشجارٍ مزهرةٍ متدليةٍ على رؤوسنا ، وأين طريق بغداد وظل الأشجار الزاهرة في ذلك التاريخ ؟..
وذكرتُ أيضا أنه سمى خليطي في سفر زيارة مولانا الرضا باسمه ، ووصفه بالعبد الصالح ، وبشّرني بقبول زيارته وزيارتي .
ثم إنه أعرض بوجهه الشريف عند سؤالي إياه ، عن حال جماعة من أهل بغداد من السوقة ، كانوا معنا في طريق الزيارة ، وكنت أعرفهم بسوء العمل ، مع أنه ليس من أهل بغداد ، ولا كان مطّلعاً على أحوالهم ، لولا أنه من أهل بيت النبوة والولاية ، ينظر إلى الغيب من وراء سترٍ رقيقٍ .
ومما أفادني اليقين بأنه المهدي (ع) ، أنه لما سلّم على أهل العصمة (ع) في مقام طلب الإذن ، ووصل السلام إلى مولانا الإمام العسكري ، التفت إليّ وقال لي : أنت ما تقول إذا وصلت إلى هنا ؟.. فقلت : أقول :
السلام عليك يا حجة الله !.. يا صاحب الزمان !.. فتبسّم ودخل الروضة المقدسة ، ثم افتقادي إياه وهو في صلاة الزيارة ، لما عزمت على تكليفه بأن أقوم بخدمته وضيافته تلك الليلة ، إلى غير ذلك مما أفادني القطع بأنه هو الإمام الثاني عشر صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين ، والحمد لله رب العالمين .
وينبغي أن يُعلم أنّ هذا الرجل والرجل المتقدّم ذكره في القصة السابقة هما من السوقة ، وقد حدثاني بهذين الحديثين باللغة المصحّفة التي هي لسان أهل هذا الزمان ، فاللفظ مني ، مع المحافظة التامة على المعنى ، فهو حديث بالمعنى ، وكتب أقلّ أهل العلم :
محمد بن أحمد بن الحسن الحسيني الكاظمي مسكنا.ص317
المصدر:بحار الانوارج53/ص317

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى