الجزء الثاني والخمسون كتاب تاريخ الحجة(ع)

باب ذكر من رآه (ع)

وقام فدخل الطواف ، فقمنا لقيامه وعاد من الغد في ذلك الوقت ، فقمنا لإقباله كفعلنا فيما مضى ، فجلس متوسطاً ونظر يميناً وشمالاً ، فقال : كان علي بن الحسين سيد العابدين يقول في سجوده في هذا الموضع – وأشار بيده إلى الحجر تحت الميزاب -:
” عبيدك بفنائك ، مسكينك بفنائك ، فقيرك بفنائك ، سائلك بفنائك ، يسألك ما لا يقدر عليه غيرك “.
ثم نظر يميناً وشمالاً ونظر إلى محمد بن القاسم من بيننا فقال : يا محمد بن القاسم !.. أنت على خير إن شاء الله ، وكان محمد بن القاسم يقول بهذا الأمر ، ثم قام فدخل الطواف ، فما بقي منا أحدٌ إلا وقد أُلهم ما ذكره من الدعاء ، وأُنسينا أن نتذاكر أمره إلا في آخر يوم .
فقال لنا أبو علي المحمودي : يا قوم !.. أتعرفون هذا ؟.. هذا والله صاحب زمانكم ، فقلنا : وكيف علمت يا أبا علي ؟!.. فذكر أنه مكث سبع سنين يدعو ربه ويسأله معاينة صاحب الزمان .
قال : فبينا نحن يوماً عشية عرفة وإذا بالرجل بعينه يدعو بدعاءٍ وعيته ، فسألته ممن هو ؟.. فقال : من الناس ، قلت : من أي الناس ؟.. قال : من عربها ، قلت : من أي عربها ؟.. قال : من أشرفها ، قلت : ومن هم ؟.. قال : بنو هاشم ، قلت : من أي بني هاشم ؟.. قال : من أعلاها ذروةً وأسناها ، قلت : ممن ؟.. قال : ممن فلق الهام ، وأطعم الطعام ، وصلّى والناس نيام .
قال : فعلمت أنه علويٌّ فأحببته على العلوية ، ثم افتقدته من بين يدي فلم أدرِ كيف مضى ، فسألت القوم الذين كانوا حوله : تعرفون هذا العلوي ؟.. قالوا : نعم ، يحجّ معنا في كلّ سنةٍ ماشياً ، فقلت : سبحان الله !.. والله ما أرى به أثر مشي .. قال : فانصرفت إلى المزدلفة كئيباً حزيناً على فراقه ونمت من ليلتي تلك ، فإذا أنا برسول الله (ص) فقال :
يا أحمد !.. رأيت طلبتك ؟.. فقلت : ومن ذاك يا سيدي ؟!.. فقال : الذي رأيته في عشيتك هو صاحب زمانك .
قال : فلما سمعنا ذلك منه عاتبناه على أن لا يكون أعلمنا ذلك ، فذكر أنه كان ينسى أمره إلى وقت ما حدّثنا به . ص9
المصدر:غيبة الشيخ

دخلت إلى علي بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي ، فسألته عن آل أبي محمد (ع) قال : يا أخي !.. لقد سألت عن أمرٍ عظيمٍ ..حججت عشرين حجّةً كُلاًّ أطلب به عيان الإمام ، فلم أجد إلى ذلك سبيلاً ، فبينا أنا ليلة نائمٌ في مرقدي إذ رأيت قائلاً يقول :
يا علي بن إبراهيم !.. قد أذن الله لي في الحجّ ، فلم أعقل ليلتي حتى أصبحتُ فأنا مفكّرٌ في أمري ، أرقب الموسم ليلي ونهاري .
فلما كان وقت الموسم ، أصلحت أمري وخرجت متوجّهاً نحو المدينة ، فما زلت كذلك حتى دخلتُ يثرب ، فسألتُ عن آل أبي محمد (ع) فلم أجد له أثراً ولا سمعتُ له خبراً ، فأقمت مفكّراً في أمري ، حتى خرجت من المدينة أريد مكة ، فدخلت الجحفة وأقمت بها يوماً وخرجت منها متوجّهاً نحو الغدير – وهو على أربعة أميال من الجحفة – فلما أن دخلت المسجد صلّيتُ وعفّرتُ ، واجتهدتُ في الدعاء ، وابتهلتُ إلى الله لهم ، وخرجتُ أريد عسفان ، فمازلت كذلك حتى دخلتُ مكة ، فأقمت بها أياماً أطوف البيت واعتكفت .
فبينا أنا ليلة في الطواف إذا أنا بفتىً حسن الوجه ، طيب الرائحة ، يتبختر في مشيته ، طائفٌ حول البيت ، فحسّ قلبي به ، فقمت نحوه فحككته ، فقال لي : من أين الرجل ؟.. فقلت : من أهل العراق ، فقال لي : من أي العراق ؟.. قلت : من الأهواز ، فقال لي : تعرف بها ابن الخضيب ؟.. فقلت : رحمه الله ، دُعي فأجاب ، فقال : رحمه الله .. فما كان أطول ليلته ، وأكثر تبتله ، وأغزر دمعته ، أفتعرف علي بن إبراهيم المازيار ؟..
فقلت : أنا علي بن إبراهيم ، فقال : حيّاك الله أبا الحسن !.. ما فعلت بالعلامة التي بينك وبين أبي محمد الحسن بن علي ؟.. فقلت : معي ، قال : أخرجها !.. فأدخلت يدي في جيبي فاستخرجتها ، فلما أن رآها لم يتمالك أن تغرغرت عيناه وبكى منتحباً حتى بلّ أطماره ، ثم قال : أُذن لك الآن يا بن المازيار !.. صرْ إلى رحلك ، وكنْ على أُهبة من أمرك ، حتى إذا لبس الليل جلبابه وغمر الناس ظلامه ، صر إلى شعب بني عامر !.. فإنك ستلقاني هناك . فصرت إلى منزلي فلما أن حسست بالوقت ، أصلحت رحلي وقدّمت راحلتي وعكمتها شديداً ، وحملت وصرت في متنه ، وأقبلت مجدّاً في السير حتى وردتُ الشعب ، فإذا أنا بالفتى قائمٌ ينادي : إليّ يا أبا الحسن إليّ !..
فما زلت نحوه فلما قربت بدأني بالسلام وقال لي : سرْ بنا يا أخ !.. فما زال يحدّثني وأحدثه حتى تخرّقنا جبال عرفات وسرنا إلى جبال منى ، وانفجر الفجر الأول ، ونحن قد توسّطنا جبال الطائف .
فلما أن كان هناك أمرني بالنزول وقال لي : انزل فصلِّ صلاة الليل ، فصلّيت وأمرني بالوتر فأوترت ، وكانت فائدة منه ، ثم أمرني بالسجود والتعقيب ، ثم فرغ من صلاته وركب وأمرني بالركوب ، وسار وسرتُ معه حتى علا ذروة الطائف ، فقال : هل ترى شيئاً ؟.. قلت : نعم ، أرى كثيب رمل ، عليه بيت شعر ، يتوقّد البيت نوراً ، فلما أن رأيته طابت نفسي ، فقال لي :
هنّاك الأمل والرجاء ، ثم قال : سرْ بنا يا أخ !.. فسار وسرتُ بمسيره إلى أن انحدر من الذروة وسار في أسفله ، فقال : انزل !.. فههنا يذلُّ كلّ صعبٍ ، ويخضع كلّ جبّارٍ ، ثم قال : خلِّ عن زمام الناقة !.. قلت :
فعلى من أُخلّفها ؟.. فقال : حرم القائم (ع) لا يدخله إلا مؤمنٌ ولا يخرج منه إلا مؤمنٌ ، فخلّيت عن زمام راحلتي ، وسار وسرتُ معه إلى أن دنا من باب الخباء ، فسبقني بالدخول وأمرني أن أقف حتى يخرج إليّ .
ثم قال لي : ادخل هنّأك السلامة !.. فدخلت فإذا أنا به جالسٌ قد اتّشح ببردةٍ واتّزر بأخرى ، وقد كسر بردته على عاتقه ، وهو كأُقحوانة أرجوان قد تكاثف عليها الندى وأصابها ألم الهوى ، وإذا هو كغصن بان أو قضيب ريحان ، سمحٌ سخيٌّ تقيٌّ نقيٌّ ، ليس بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللازق ، بل مربوع القامة ، مدوّر الهامة ، صلت الجبين ، أزجُّ الحاجبين ، أقنى الأنف ، سهل الخدين ، على خده الأيمن خالٌ كأنه فتات مسك على رضراضة عنبر .
فلما أن رأيته بدرته بالسلام فردّ عليّ أحسن ما سلّمت عليه ، وشافهني وسألني عن أهل العراق ، فقلت : سيدي !.. قد أُلبسوا جلباب الذلّة ، وهم بين القوم أذلاء ، فقال لي : يا بن المازيار !.. لتملكونهم كما ملكوكم ، وهم يومئذ أذلاء ، فقلت : سيدي !.. لقد بعُد الوطن وطال المطلب ، فقال :
يا بن المازيار !.. أبي أبو محمد عهد إليّ أن لا أجاور قوماً غضب الله عليهم ولهم الخزي في الدنيا والآخرة ، ولهم عذابٌ أليمٌ ، وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلا وعرها ، ومن البلاد إلا قفرها ، والله مولاكم أظهر التقية فوكلها بي ، فأنا في التقية إلى يوم يُؤذن لي فأخرج .
فقلت : يا سيدي !.. متى يكون هذا الأمر ؟.. فقال : إذا حيل بينكم وبين سبيل الكعبة ، واجتمع الشمس والقمر ، واستدار بهما الكواكب والنجوم ، فقلت : متى يا بن رسول الله !.. فقال لي :
في سنة كذا وكذا تخرج دابة الأرض من بين الصفا والمروة ، ومعه عصا موسى ، وخاتم سليمان ، تسوق الناس إلى المحشر .
فأقمت عنده أياماً وأذن لي بالخروج بعد أن استقصيت لنفسي ، وخرجت نحو منزلي ، والله لقد سرت من مكة إلى الكوفة ، ومعي غلامٌ يخدمني فلم أرَ إلا خيراً ، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً . ص12
المصدر:غيبة الشيخ

قال إسماعيل بن علي : دخلت على أبي محمد الحسن بن علي (ع) في المرضة التي مات فيها ، وأنا عنده إذ قال لخادمه عقيد – وكان الخادم أسود نوبياً قد خدم من قبله علي بن محمد ، وهو ربّى الحسن (ع) فقال له -: يا عقيد !.. اغل لي ماءً بمصطكي ، فأغلى له ثم جاءت به صقيل الجارية أم الخلف (ع) .. فلما صار القدح في يديه وهمّ بشربه ، فجعلت يده ترتعد حتى ضرب القدح ثنايا الحسن ، فتركه من يده ، وقال لعقيد :
ادخل البيت !.. فإنك ترى صبياً ساجداً فائتني به ، قال أبو سهل : قال عقيد : فدخلت أتحرّى فإذا أنا بصبيٍّ ساجد رافع سبابته نحو السماء ، فسلّمت عليه فأوجز في صلاته ، فقلت : إنّ سيدي يأمرك بالخروج إليه ، إذ جاءت أمه صقيل فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن (ع) .
قال أبو سهل : فلما مثُل الصبي بين يديه سلّم وإذا هو دريُّ اللون ، وفي شعر رأسه قطط ، مفلّج الأسنان ، فلما رآه الحسن بكى وقال : يا سيد أهل بيته !.. اسقني الماء فإني ذاهبٌ إلى ربي ، وأخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكي بيده ، ثم حرّك شفتيه ثم سقاه ، فلما شربه قال : هيّؤوني للصلاة !..
فطرح في حجره منديل فوضّأه الصبي واحدة واحدة ، ومسح على رأسه وقدميه ، فقال له أبو محمد (ع) : ابشر يا بني !.. فأنت صاحب الزمان ، وأنت المهدي ، وأنت حجّة الله على أرضه ، وأنت ولدي ووصيي ، وأنا ولدتك وأنت م ح م د بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب .
ولّدك رسول الله وأنت خاتم الأئمة الطاهرين ، وبشّر بك رسول الله وسمّاك وكنّاك ، بذلك عهد إليّ أبي عن آبائك الطاهرين صلى الله على أهل البيت ربنا إنه حميدٌ مجيدٌ ، ومات الحسن بن علي من وقته صلوات الله عليهم أجمعين . ص17
المصدر:غيبة الشيخ

دخلت على أبي محمد الحسن بن علي (ع) وأنا أريد أن أسأله عن الخلف بعده ، فقال لي مبتدءا :
يا أحمد بن إسحاق !.. إنّ الله تبارك وتعالى لم يُخلِ الأرض منذ خلق آدم ، ولا تخلو إلى يوم القيامة من حجّة الله على خلقه ، به يدفع البلاء عن أهل الأرض ، وبه يُنزل الغيث ، وبه يُخرج بركات الأرض .
فقلت : يا بن رسول الله !.. فمن الإمام والخليفة بعدك ؟..
فنهض (ع) فدخل البيت ثم خرج وعلى عاتقه غلامٌ ، كأنّ وجهه القمر ليلة البدر ، من أبناء ثلاث سنين فقال :
يا أحمد بن إسحاق !.. لولا كرامتك على الله وعلى حججه ، ما عرضتُ عليك ابني هذا ، إنه سمي رسول الله (ص) وكنيّهُ الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً .
يا أحمد بن إسحاق !.. مَثَله في هذه الأمة مثل الخضر (ع) ، ومثله كمَثَل ذي القرنين ، والله ليغيبنّ غيبةً لا ينجو فيها من التهلكة إلا من يثبته الله على القول بإمامته ، ووفّقه للدعاء بتعجيل فرجه .
فقلت له : يا مولاي !.. هل من علامةٍ يطمئن إليها قلبي ؟.. فنطق الغلام (ع) بلسانٍ عربيٍّ فصيحٍ ، فقال : أنا بقية الله في أرضه ، والمنتقم من أعدائه ، فلا تطلب أثراً بعد عين يا أحمد بن إسحاق !..
فخرجت مسروراً فرحاً ، فلما كان من الغد عدتُ إليه فقلت له :
يا بن رسول الله !.. لقد عظُم سروري بما أنعمت عليّ ، فما السُّنة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين ؟.. فقال : طول الغيبة يا أحمد !.. فقلت له :
يا بن رسول الله !.. وإنّ غيبته لتطول ؟.. قال :
إي وربي حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به ، فلا يبقى إلا من أخذ الله عهده بولايتنا ، وكتب في قلبه الإيمان ، وأيّده بروحٍ منه .
يا أحمد بن إسحاق !.. هذا أمرٌ من أمر الله ، وسرٌّ من سرّ الله ، وغيبٌ من غيب الله ، فخذ ما آتيتك واكتمه ، وكن من الشاكرين ، تكن غدا في علّيين .
قال الصدوق رحمه الله : لم أسمع هذا الحديث إلا من علي بن عبدالله الوراق ، ووجدته مثبتا بخطه ، فسألته عنه فرواه لي قراءةً ، عن سعد بن عبدالله ، عن أحمد بن إسحاق – رضي الله عنه – كما ذكرته . ص24
المصدر:إكمال الدين

ومن ذلك ما حدثني به الرشيد أبو العباس بن ميمون الواسطي ونحن مصعدون إلى سامرا ، قال : لما توجّه الشيخ – يعني جدي – ورّام بن أبي فراس – قدس الله روحه – من الحلّة متألماً من المغازي وأقام بالمشهد المقدس بمقابر قريش شهرين إلا سبعة أيام .. فتوجّهت من واسط إلى سرّ من رأى – وكان البرد شديداً – فاجتمعت مع الشيخ بالمشهد الكاظمي وعرّفته عزمي على الزيارة فقال لي :
أريد أنفذ إليك رقعةً تشدّها في تكّة لباسك – فشددتها أنا في لباسي – فإذا وصلتَ إلى القبة الشريفة ، ويكون دخولك في أول الليل ولم يبق عندك أحدٌ ، وكنتَ آخر من يخرج ، فاجعل الرقعة عند القبة !.. فإذا جئت بكرةً ولم تجد الرقعة فلا تقل لأحد شيئاً .
ففعلت ما أمرني ، وجئت بكرةً فلم أجد الرقعة ، وانحدرتُ إلى أهلي ، وكان الشيخ قد سبقني إلى أهله على اختياره ، فلما جئت في أوان الزيارة ولقيته في منزله بالحلّة قال لي : تلك الحاجة انقضت .
قال أبو العباس : ولم أحدّث بهذا الحديث قبلك أحداً منذ توفي الشيخ إلى الآن ، وكان له منذ مات ثلاثون سنةً تقريباً .
ومن ذلك ما عرفته ممن تحققت صدقه فيما ذكره ، قال : كنت قد سألت مولانا المهدي (ع) أن يأذن لي في أن أكون ممن يُشرّف بصحبته وخدمته في وقت غيبته ، أسوةً بمن يخدمه من عبيده وخاصته ، ولم أطّلع على هذا المراد أحداً من العباد ، فحضر عندي هذا الرشيد أبو العباس الواسطي المقدّم ذكره ، يوم الخميس تاسع عشرين رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة ، وقال لي ابتداء من نفسه : قد قالوا لك :
ما قصدنا إلا الشفقة عليك ، فإن كنت توطّن نفسك على الصبر حصل المراد ، فقلت له : عمن تقول هذا ؟.. فقال : عن مولانا المهدي (ع) . ص54
المصدر:النجوم

لما وصلتُ بغداد في سنة سبع وثلاثين للحجّ – وهي السنة التي ردّ القرامطة فيها الحجر إلى مكانه من البيت – كان أكبر همي من ينصب الحجر ؟.. لأنه مضى في أثناء الكتب قصة أخذه ، وأنه إنما ينصبه في مكانه الحجة في الزمان ، كما في زمان الحجاج وضعه زين العابدين في مكانه واستقرّ ، فاعتللتُ علّةً صعبةً خفتُ منها على نفسي ولم يتهيّأ لي ما قصدته .
فاستنبتُ المعروف بابن هشام ، وأعطيته رقعةً مختومةً أسأل فيها عن مدة عمري ، وهل تكون الموتة في هذه العلّة أم لا ؟.. وقلت : همي إيصال هذه الرقعة إلى واضع الحجر في مكانه وأخذ جوابه ، وإنما أندبك لهذا .
فقال المعروف بابن هشام : لما حصلتُ بمكة وعُزم على إعادة الحجر ، بذلتُ لسدنة البيت جملةً ، تمكّنتُ معها من الكون بحيث أرى واضع الحجر في مكانه ، فأقمت معي منهم من يمنع عني ازدحام الناس ، فكلما عمد إنسانٌ لوضعه اضطرب ولم يستقم .
فأقبل غلامٌ أسمر اللون حسن الوجه ، فتناوله ووضعه في مكانه ، فاستقام كأنه لم يزل عنه ، وعلت لذلك الأصوات ، فانصرف خارجاً من الباب ، فنهضتُ من مكاني أتبعه وأدفع الناس عني يميناً وشمالاً حتى ظُنّ بي الاختلاط في العقل ، والناس يفرجون لي وعيني لا تفارقه حتى انقطع عن الناس ، فكنت أُسرع الشدّ خلفه وهو يمشي على تؤدة السير ولا أدركه .
فلما حصل بحيث لا أحد يراه غيري وقف والتفت إليّ ، فقال :
هات ما معك !.. فناولته الرقعة ، فقال من غير أن ينظر إليها : قل له :
لا خوف عليك في هذه العلّة ، يكون ما لا بدّ بعد ثلاثين سنة ، فوقع عليّ الدمع حتى لم أطق حراكا وتركني وانصرف .
قال أبو القاسم : فأعلمني بهذه الجملة ، فلما كان سنة سبع وستين اعتلّ أبو القاسم ، وأخذ ينظر في أمره وتحصيل جهازه إلى قبره ، فكتب وصيته واستعمل الجدّ في ذلك ، فقيل له :
ما هذا الخوف ؟.. ونرجو أن يتفضّل الله بالسلامة فما عليك بمخوفةٍ .
فقال : هذه السنة التي خُوِّفتُ فيها ، فمات في علته . ص59
المصدر:الخرائج

روي أنّ أبا محمد الدعلجي كان له ولدان ، وكان من أخيار أصحابنا ، وكان قد سمع الأحاديث ، وكان أحد ولديه على الطريقة المستقيمة وهو أبو الحسن ، كان يغسّل الأموات ، وولد آخر يسلك مسالك الأحداث في الإجرام ، ودفع إلى أبي محمد حجّةً يحجّ بها عن صاحب الزمان (ع) – وكان ذلك عادة الشيعة وقتئذ – فدفع شيئا منها إلى ابنه المذكور بالفساد وخرج إلى الحجّ ، فلما عاد حكى أنه كان واقفاً بالموقف ، فرأى إلى جانبه شاباً حسن الوجه ، أسمر اللون ، بذؤابتين مقبلا على شأنه في الابتهال والدعاء والتضرّع وحسن العمل ، فلما قرب نفر الناس ، التفت إليّ فقال :
يا شيخ !.. أما تستحيي ؟.. فقلت : من أي شيء يا سيدي ؟!..قال : يُدفع إليك حجّةٌ عمن تعلم ، فتدفع منها إلى فاسقٍ يشرب الخمر ، يوشك أن تذهب عينك هذه – وأومأ إلى عيني – وأنا من ذلك إلى الآن على وجل ومخافة .
وسمع أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ذلك قال : فما مضى عليه أربعون يوماً بعد مورده ، حتى خرج في عينه التي أومأ إليها قرحةٌ فذهبت . ص59
المصدر:الخرائج

كنت مع رفيقٍ لي حاجا ، فإذا شابٌّ قاعدٌ ، عليه إزارٌ ورداءٌ ، فقوّمناهما مائة وخمسين دينارا ، وفي رجله نعلٌ صفراء ما عليها غبارٌ ولا أثر السفر ، فدنا منه سائلٌ فتناول من الأرض شيئاً فأعطاه ، فأكثر السائل الدعاء وقام الشاب وذهب وغاب .
فدنونا من السائل فقلنا : ما أعطاك ؟.. قال : آتاني حصاة من ذهب ، قدّرناها عشرين مثقالاً ، فقلت لصاحبي : مولانا معنا ولا نعرفه ، اذهب بنا في طلبه !.. فطلبنا الموقف كله فلم نقدر عليه ، فرجعنا وسألنا من كان حوله ، فقالوا : شابٌّ علويٌّ من المدينة يحجّ في كلّ سنة ماشياً . ص60
المصدر:الخرائج

عن أبي عبدالله بن صالح أنه رآه بحذاء الحجر ، والناس يتجاذبون عليه ، وهو يقول : ما بهذا أُمروا . ص60
المصدر:الإرشاد

كنت أنا بسرّ من رأى فسمعت سَحَراً دعاء القائم (ع) ، فحفظتُ منه من الدعاء لمن ذكره الأحياء والأموات : وأبقهم – أو قال : وأحيهم في عزّنا وملكنا ، أو سلطاننا ودولتنا – وكان ذلك في ليلة الأربعاء ثالث عشر ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وستمائة . ص61
المصدر:مهج الدعوات

فلما صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن علي (ع) على نعشه مكفّناً ، فتقدّم جعفر بن علي ليصلي على أخيه ، فلما همّ بالتكبير خرج صبيٌّ بوجهه سمرة ، بشعره قطط ، بأسنانه تفليج ، فجبذ رداء جعفر بن علي وقال : تأخّر يا عم !.. فأنا أحقّ بالصلاة على أبي ، فتأخّر جعفر وقد اربدّ وجهه ، فتقدّم الصبي فصلّى عليه ، ودُفن إلى جانب قبر أبيه (ع) ….
فدخل جعفر بن علي على المعتمد وكشف له ذلك ، فوجّه المعتمد خدمه فقبضوا على صقيل الجارية ، وطالبوها بالصبي فأنكرته ، وادّعت حملاً بها لتغطي على حال الصبي ، فسُلّمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي ، وبغتهم موت عبيد الله بن يحيى بن خاقان فجأةً ، وخروج صاحب الزنج بالبصرة ، فشُغلوا بذلك عن الجارية فخرجت عن أيديهم ، والحمد لله رب العالمين لا شريك له . ص68
المصدر:إكمال الدين

فصرت إلى صابر (صاريا ) فلما أشرفت على الوادي رأيت عنيزاتٍ عجافاً ، فدخلتُ القصر فوقفتُ أرقب الأمر إلى أن صلّيت العشاءين ، وأنا أدعو وأتضرّع وأسأل ، فإذا أنا ببدر الخادم يصيح بي : يا عيسى بن مهدي الجوهري !.. ادخل ، فكبّرتُ وهلّلتُ وأكثرتُ من حمد الله عزّ وجلّ والثناء عليه .
فلما صرتُ في صحن القصر ، رأيتُ مائدةً منصوبةً ، فمرّ بي الخادم إليها فأجلسني عليها ، وقال لي : مولاك يأمرك أن تأكل ما اشتهيت في علتك وأنت خارجٌ من فيد ، فقلت : حسبي بهذا برهاناً ، فكيف آكل ولم أرَ سيدي ومولاي ؟.. فصاح : يا عيسى !.. كُلْ من طعامك فإنك تراني .
فجلستُ على المائدة فنظرتُ فإذا عليها سمكٌ حارٌّ يفور ، وتمرٌ إلى جانبه أشبه التمور بتمورنا ، وبجانب التمر لبن ، فقلت في نفسي : عليلٌ وسمكٌ وتمرٌ ولبنٌ ؟!.. فصاح بي : يا عيسى !.. أتشكّ في أمرنا ؟.. أفأنت أعلم بما ينفعك ويضرّك ؟.. فبكيتُ واستغفرتُ الله تعالى ، وأكلتُ من الجميع ، وكلما رفعتُ يدي منه لم يتبين موضعها فيه ، فوجدته أطيب ما ذقته في الدنيا ، فأكلتُ منه كثيراً حتى استحييتُ .
فصاح بي : لا تستحي يا عيسى !.. فإنه من طعام الجنة لم تصنعه يد مخلوقٍ ، فأكلتُ فرأيتُ نفسي لا ينتهي عنه من أكله .
فقلت : يا مولاي !.. حسبي ، فصاح : أقبل إليّ ، فقلت في نفسي :
آتي مولاي ولم أُغسّل يدي ؟.. فصاح بي :
يا عيسى !.. وهل لما أكلت غمر ؟.. فشممتُ يدي وإذا هي أعطر من المسكّ والكافور ، فدنوتُ منه (ع) فبدا لي نورٌ غشي بصري ، ورهبتُ حتى ظننتُ أنّ عقلي قد اختلط ، فقال لي :
يا عيسى !.. ما كان لك أن تراني لولا المكذِّبون القائلون بأين هو ؟.. ومتى كان ؟.. وأين وُلِد ؟.. ومن رآه ؟.. وما الذي خرج إليكم منه ؟.. وبأي شيءٍ نبّأكم ؟.. وأي معجز أتاكم ؟.. أما والله لقد دفعوا أمير المؤمنين مع ما رووه وقدّموا عليه ، وكادوه وقتلوه ، وكذلك آبائي (ع) ، ولم يصدّقوهم ، ونسبوهم إلى السحر وخدمة الجنّ إلى ما تبيّن .
يا عيسى !.. فخبّر أولياءنا ما رأيت ، وإياك أن تخبر عدونا فتسلبه ، فقلت : يا مولاي !.. ادع لي بالثبات ، فقال : لو لم يثبّتك الله ما رأيتني ، وامضِ بنجحك راشداً ، فخرجتُ أكثر حمداً لله وشكراً . ص70
المصدر:مدينة المعاجز

كان الحاكم بالحلّة شخصاً يُدعى مرجان الصغير ، فرُفع إليه أنّ أبا راجح هذا يسبّ الصحابة ، فأحضره وأمر بضربه ، فضُرب ضرباً شديداً مهلكاً على جميع بدنه ، حتى أنه ضُرب على وجهه فسقطت ثناياه ، وأُخرج لسانه فجُعل فيه مسلّةٌ ( أي الإبرة العظيمة ) من الحديد ، وخُرق أنفه ، ووُضع فيه شرَكةٌ من الشعر وشُدّ فيها حبلاً ، وسلّمه إلى جماعة من أصحابه وأمرهم أن يدوروا به أزقّة الحلّة ، والضرب يأخذ من جميع جوانبه ، حتى سقط إلى الأرض وعاين الهلاك .. فأُخبر الحاكم بذلك فأمر بقتله ، فقال الحاضرون :
إنه شيخٌ كبيرٌ وقد حصل له ما يكفيه ، وهو ميّتٌ لما به ، فاتركه !.. وهو يموت حتف أنفه ، ولا تتقلّد بدمه !.. وبالغوا في ذلك حتى أمر بتخليته – وقد انتفخ وجهه ولسانه – فنقله أهله في الموت ، ولم يشكّ أحدٌ أنه يموت من ليلته .. فلما كان من الغد غدا عليه الناس ، فإذا هو قائمٌ يصلّي على أتمّ حالة ، وقد عادت ثناياه التي سقطت كما كانت ، واندملت جراحاته ولم يبق لها أثرٌ ، والشجّة قد زالت من وجهه .
فعجب الناس من حاله وسألوه عن أمره ، فقال : إني لما عاينت الموت ، ولم يبقَ لي لسان أسأل الله تعالى به ، فكنت أسأله بقلبي واستغثت إلى سيدي و مولاي صاحب الزمان (ع) ، فلما جنّ عليّ الليل فإذا بالدار قد امتلأت نوراً ، وإذا بمولاي صاحب الزمان قد أمرَّ يده الشريفة على وجهي ، وقال لي : اخرج وكدّ على عيالك !.. فقد عافاك الله تعالى ، فأصبحت كما ترون . ص71
المصدر:كتاب السلطان المفرّج عن أهل الإيمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى