الجزء التاسع والاربعون كتاب تاريخ الأمام الرضا(ع)

باب مداحيه وما قالوا فيه (ع)

لما جعل المأمون علي بن موسى الرضا (ع) وليّ عهده ، قصد الشعراء المأمون ، ووصلهم بأموال جمّة حين مدحوا الرضا (ع) ، وصوّبوا رأي المأمون في الأشعار دون أبي نواس ، فإنه لم يقصده ولم يمدحه ، ودخل إلى المأمون فقال له :
يا أبا نواس !.. قد علمتَ مكان علي بن موسى الرضا مني ، وما أكرمته به ، فلماذا أخّرت مدحه ، وأنت شاعر زمانك ، وقريع دهرك ؟..
فأنشأ يقول :
قيل لي أنت أوحد الناس طرّاً***في فنون من كلام النبيه
لك من جوهر الكلام بديع***يثمر الدر في يدي مجتنيه
فعلامَ تركت مدح ابن موسى***والخصال التي تجمّعن فيه
قلت : لا أهتدي لمدح إمام***كان جبريل خادماً لأبيه
فقال له المأمون : أحسنت !.. ووصله من المال بمثل الذي وصل به كافة الشعراء وفضّله عليهم . ص235
المصدر:العيون 2/142

خرج أبو نواس ذات يوم من داره ، فبصر براكبٍ قد حاذاه فسأل عنه ولم يرَ وجهه ، فقيل : إنه علي بن موسى الرضا (ع) ، فأنشأ يقول :
إذا أبصرتك العين من بعد غاية***وعارض فيه الشك أثبتك القلب
ولو أن قوماً أمّموك لقادهم***نسيمك حتى يستدل بك الركب
ص236
المصدر:العيون 2/144

سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول : أنشدت مولاي علي بن موسى الرضا (ع) قصيدتي التي أولها :
مدارس آيات خلت من تلاوة*** ومنزل وحي مقفر العرصات
فلما انتهيت إلى قولي :
خروج إمامٍ لا محالةَ خارجٌ *** يقوم على اسم الله والبركات
يميّز فينا كلّ حقٍّ وباطل***ويجزي على النعماء والنقمات
بكى الرضا (ع) بكاءً شديداً ثم رفع رأسه إليّ ، فقال لي :
يا خزاعي !.. نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين ، فهل تدري مَن هذا الإمام ؟.. ومتى يقوم ؟.. فقلت : لا يا مولاي ، إلا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهّر الأرض من الفساد ويملأها عدلاً ، فقال :
يا دعبل !.. الإمام بعدي محمد ابني ، وبعد محمد ابنه علي ، وبعد علي ابنه الحسن ، وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم المنتظر في غيبته ، المُطاع في ظهوره ، ولو لم يبقَ من الدنيا إلا يومٌ واحدٌ لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج ، فيملأها عدلاً كما مُلئت جوراً .. وأما متى ؟.. فإخبارٌ عن الوقت ، ولقد حدّثني أبي عن أبيه ، عن آبائه ، عن علي عليهم الصلاة والسلام أنّ النبي (ص) قيل له :
يا رسول الله !.. متى يخرج القائم من ذريتك ؟.. فقال :
مثله مثل الساعة { لا يجلّيها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لاتأتيكم إلا بغتة } . ص238
المصدر:العيون 2/265

دخلنا على أبي نواس الحسن بن هانئ نعوده في مرضه الذي مات فيه ، فقال له عيسى بن موسى الهاشمي : يا أبا علي !.. أنت في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة ، وبينك بين الله هناة ، فتب إلى الله عزّ وجلّ .
قال أبو نواس : سنّدوني فلما استوى جالساً قال : إياي تخوّفني بالله ، وقد حدّثني حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك قال :
قال رسول الله (ص) : ” لكلّ نبيٍّ شفاعةٌ ، وأنا خبّأتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة ” .. أفترى لا أكون منهم ؟.. ص239
المصدر:أمالي الطوسي

دخل دعبل بن علي الخزاعي – رحمه الله – على أبي الحسن علي بن موسى الرضا (ع) بمرو فقال له : يا بن رسول الله !.. إني قد قلت فيك قصيدةً ، وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك ، فقال (ع) : هاتها !.. فأنشده :
مدارس آيات خلت عن تلاوة*** ومنزل وحي مقفر العرصات
فلما بلغ إلى قوله :
أرى فيئهم في غيرهم متقسّماً***وأيديهم من فيئهم صفرات
فلما بلغ إلى قوله هذا ، بكى أبو الحسن الرضا (ع) وقال له : صدقت يا خزاعي ، فلما بلغ إلى قوله :
إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم*** أكفّاً عن الأوتار منقبضات
جعل أبو الحسن (ع) يقلّب كفّيه ويقول : أجل والله منقبضات .. فلما بلغ إلى قوله :
لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها***وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي
قال الرضا (ع) : آمنك الله يوم الفزع الأكبر ، فلما انتهى إلى قوله :
وقبرٌ ببغداد لنفس زكية***تضمّنها الرحمان في الغرفات
قال له الرضا (ع) : أفلا أُلحق لك بهذا الموضع بيتين ، بهما تمام قصيدتك ؟.. فقال : بلى ، يا بن رسول الله !.. فقال (ع) :
وقبرٌ بطوس يا لها من مصيبة***توقّد بالأحشاء في الحرقات
إلى الحشر حتى يبعث الله قائماً***يفرّج عنا الهمّ والكربات
فقال دعبل : يا بن رسول الله !.. هذا القبر الذي بطوس قبر من هو ؟.. فقال الرضا (ع) : قبري ! .. ولا تنقضي الأيام والليالي حتى يصير طوس مختلف شيعتي وزوّاري ، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفوراً له .
ثم نهض الرضا (ع) بعد فراغ دعبل من إنشاد القصيدة ، وأمره أن لا يبرح من موضعه ، ودخل الدار ، فلما كان بعد ساعة خرج الخادم إليه بمائة دينار رضوية .. فقال له : يقول لك مولاي اجعلها في نفقتك ، فقال دعبل :
والله ما لهذا جئت ، ولا قلت هذه القصيدة طمعاً في شيء يصل إليّ ، وردّ الصرّة ، وسأل ثوباً من ثياب الرضا (ع) ليتبرّك به ، ويتشرّف به ..
فأنفذ إليه الرضا (ع) جبّة خزّ مع الصرّة ، وقال للخادم : قل له : خذ هذه الصرّة !.. فإنك ستحتاج إليها ولا تراجعني فيها .
فأخذ دعبل الصرّة والجبة ، وانصرف وصار من مرو في قافلة ، فلما بلغ ميان قوهان وقع عليهم اللصوص ، فأخذوا القافلة بأسرها وكتّفوا أهلها ، وكان دعبل فيمن كُتّف ، وملكَ اللصوص القافلة ، وجعلوا يقسّمونها بينهم ، فقال رجلٌ من القوم متمثّلاً بقول دعبل في قصيدته :
أرى فيئهم في غيرهم متقسّماً*** وأيديهم من فيئهم صفرات
فسمعه دعبل فقال لهم دعبل : لمن هذا البيت ؟.. فقال : لرجل من خزاعة ، يُقال له دعبل بن علي ، قال دعبل : فأنا دعبل قائل هذه القصيدة التي منها هذا البيت ، فوثب الرجل إلى رئيسهم وكان يصلّي على رأس تل ، وكان من الشيعة ، وأخبره فجاء بنفسه حتى وقف على دعبل وقال له : أنت دعبل ؟.. فقال : نعم ، فقال له : أنشد القصيدة!.. فأنشدها فحلّ كتافه ، وكتاف جميع أهل القافلة ، وردّ إليهم جميع ما أخذوا منهم لكرامة دعبل ، وسار دعبل حتى وصل إلى قم ، فسأله أهل قم أن ينشدهم القصيدة ، فأمرهم أن يجتمعوا في المسجد الجامع ..
فلما اجتمعوا صعد المنبر فأنشدهم القصيدة ، فوصله الناس من المال والخلع بشيء كثير ، واتصل بهم خبر الجبّة فسألوه أن يبيعها منهم بألف دينار ، فامتنع من ذلك ، فقالوا له : فبعنا شيئاً منها بألف دينار ، فأبى عليهم ، وسار عن قم ..
فلما خرج من رستاق البلد لحق به قوم من أحداث العرب ، وأخذوا الجبّة منه ، فرجع دعبل إلى قم وسألهم ردّ الجبّة عليه ، فامتنع الأحداث من ذلك وعصوا المشايخ في أمرها ، فقالوا لدعبل :
لا سبيل لك إلى الجبّة فخذ ثمنها ألف دينار فأبى عليهم ، فلما يئس من ردّهم الجبّة عليه ، سألهم أن يدفعوا إليه شيئاً منها فأجابوه إلى ذلك ، وأعطوه بعضها ، ودفعوا إليه ثمن باقيها ألف دينار ..
وانصرف دعبل إلى وطنه ، فوجد اللصوص قد أخذوا جميع ما كان في منزله ، فباع المائة دينار التي كان الرضا (ع) وصله بها من الشيعة ، كل دينار بمائة درهم ، فحصل في يده عشرة آلاف درهم ، فذكر قول الرضا (ع) :
” إنك ستحتاج إلى الدنانير ” .
وكانت له جاريةٌ لها من قلبه محلٌّ ، فرمدت رمداً عظيماً ، فأدخل أهل الطب عليها ، فنظروا إليها فقالوا : أما العين اليمنى فليس لنا فيها حيلةٌ وقد ذهبت ، وأما اليسرى فنحن نعالجها ونجتهد ونرجو أن تسلم .
فاغتمّ لذلك دعبل غمّاً شديداً ، وجزع عليها جزعاً عظيماً ، ثم ذكر ما كان معه من فضلة الجبّة ، فمسحها على عيني الجارية ، وعصّبها بعصابة منها من أول الليل ، فأصبحت وعيناها أصحّ مما كانتا قبلُ ببركة أبي الحسن الرضا (ع) ص241
المصدر:العيون 2/263

سمعت علي بن دعبل بن علي الخزاعي يقول : لما حضر أبي الوفاة ، تغيّر لونه وانعقد لسانه ، واسودّ وجهه ، فكدت الرجوع عن مذهبه ، فرأيته بعد ثلاث في ما يرى النائم وعليه ثياب بيض ، وقلنسوة بيضاء ، فقلت له : يا أبه ، ما فعل الله بك ؟!.. فقال :
يا بني !.. إنّ الذي رأيته من اسوداد وجهي وانعقاد لساني كان من شربي الخمر في دار الدنيا ، ولم أزل كذلك حتى لقيت رسول الله (ص) وعليه ثياب بيض ، وقلنسوة بيضاء فقال لي : أنت دعبل ؟.. قلت : نعم ، يا رسول الله ، قال : فأنشدني قولك في أولادي فأنشدته قولي :
لا أضحك الله سنّ الدهر إن ضحكت***يوماً وآل أحمد مظلومون قد قُهروا
مشرّدون نُفوا عن عقر دارهم***كأنهم قد جنوا ما ليس يُغتفر
فقال لي : أحسنت !.. وشفّع فيّ وأعطاني ثيابه ، وها هي وأشار إلى ثياب بدنه.ص242
المصدر:العيون 2/266

لقيت دعبلاً فقلت له : أنت أجسر الناس حيث تقول في المأمون :
إني من القوم الذين سيوفهم***قتلت أخاك وشرّفتك بمقعد
رفعوا محلّك بعد طول خموله***واستنقذوك من الحضيض الأوهد
فقال لي : يا أبا إسحاق !.. إني أحمل خشبتي مذ أربعين سنة ، ولا أجد من يصلبني عليها . ص260
المصدر:الأغاني 20/69

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى