الجزء التاسع والاربعون كتاب تاريخ الأمام الرضا(ع)

باب سائر ما جرى بينه (ع) وبين المأمون وأمرائه

بعث المأمون إلى أبي الحسن الرضا (ع) جاريةً ، فلما أُدخلت إليه اشمأزت من الشيب ، فلما رأى كراهتها ردّها إلى المأمون وكتب إليه بهذه الأبيات :
نعى نفسي إلى نفسي المشيب***وعند الشيب يتعظ اللبيب
فقد ولّى الشباب إلى مداه***فلست أرى مواضعه تؤوب
سأبكيه وأندبه طويلا***وأدعوه إليّ عسى يجيب
وهيهات الذي قد فات منه***تمنيني به النفس الكذوب
وداع الغانيات بياض رأسي***ومن مدّ البقاء له يشيب
أرى البيض الحسان يحدن عني***وفي هجرانهن لنا نصيب
فإن يكن الشباب مضى حبيباً***فإنّ الشيب أيضا لي حبيب
سأصحبه بتقوى الله حتى***يفرق بيننا الأجل القريب
ص164
المصدر:العيون 2/178

كان الرضا (ع) إذا خلا جمع حشمه كلهم عنده الصغير والكبير ، فيحدّثهم ويأنس بهم ويؤنسهم ، وكان (ع) إذا جلس على المائدة لا يدع صغيراً ولا كبيراً حتى السائس والحجّام ، إلا أقعده معه على مائدته .
فبينا نحن عنده يوماً ، إذ سمعنا وقع القفل الذي كان على باب المأمون إلى دار أبي الحسن (ع) ، فقال لنا الرضا أبو الحسن (ع) : قوموا تفرّقوا فقمنا عنه ، فجاء المأمون ومعه كتابٌ طويلٌ ، فأراد الرضا (ع) أن يقوم فأقسم عليه المأمون بحقّ رسول الله (ص) أن لا يقوم إليه .
ثم جاء حتى انكبّ على أبي الحسن (ع) وقبّل وجهه ، وقعد بين يديه على وسادة ، فقرأ ذلك الكتاب عليه ، فإذا هو فتح لبعض قرى كابل فيه : إنا فتحنا قرية كذا وكذا ، فلما فرغ قال له الرضا (ع) : وسرّك فتح قرية من قرى الشرك ؟.. فقال له المأمون : أو ليس في ذلك سرور ؟.. فقال :
يا أمير المؤمنين !.. اتق الله في أمة محمد (ص) ، وما ولاّك الله من هذا الأمر وخصّك به ، فإنك قد ضيّعت أمور المسلمين ، وفوّضت ذلك إلى غيرك ، يحكم فيهم بغير حكم الله عزّ وجلّ ، وقعدت في هذه البلاد ، وتركت بيت الهجرة ، ومهبط الوحي ، وإنّ المهاجرين والأنصار يُظلمون دونك ، ولا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمّة ، ويأتي على المظلوم دهرٌ يتعب فيه نفسه ويعجز عن نفقته ، فلا يجد مَن يشكو إليه حاله ، ولا يصل إليك .
فاتق الله يا أمير المؤمنين في أمور المسلمين !.. وارجع إلى بيت النبوة ، ومعدن المهاجرين والأنصار .. أما علمت يا أمير المؤمنين !.. أنّ والي المسلمين مثل العمود في وسط الفسطاط ، من أراده أخذه ..
قال المأمون : يا سيدي فما ترى ؟!.. قال :
أرى أن تخرج من هذه البلاد ، وتتحوّل إلى موضع آبائك وأجدادك ، وتنظر في أمور المسلمين ، ولا تكلهم إلى غيرك ، فإنّ الله عزّ وجلّ سائلك عمّا ولاّك .
فقام المأمون فقال : نِعمَ ما قلت يا سيدي ، هذا هو الرأي وخرج ، وأمر أن تُقدّم النوائب .
وبلغ ذلك ذا الرئاستين فغمّه غمّاً شديداً ، وقد كان غلب على الأمر ، ولم يكن للمأمون عنده رأي ، فلم يجسر أن يكاشفه ، ثم قوي الرضا (ع) جدّاً فجاء ذو الرئاستين إلى المأمون فقال : يا أمير المؤمنين !.. ما هذا الرأي الذي أمرت به ؟.. فقال : أمرني سيدي أبو الحسن بذلك ، وهو الصواب.
فقال : يا أمير المؤمنين !.. ما هذا بصواب ، قتلتَ بالأمس أخاك ، وأزلت الخلافة عنه ، وبنو أبيك معادون لك ، وجميع أهل العراق وأهل بيتك والعرب ، ثم أحدثت هذا الحدث الثاني ، إنك جعلت ولاية العهد لأبي الحسن وأخرجتها من بني أبيك .. والعامة والعلماء والفقهاء وآل عباس لا يرضون بذلك ، وقلوبهم متنافرة عنك .
والرأي أن تقيم بخراسان حتى تسكن قلوب الناس على هذا ، ويتناسوا ما كان من أمر محمد أخيك ، وهيهنا يا أمير المؤمنين مشايخ قد خدموا الرشيد ، وعرفوا الأمر فاستشرهم في ذلك ، فإن أشاروا به فأمضه .
فقال المأمون : مثل مَن ؟ .. قال : مثل علي بن أبي عمران ، وابن مونس ، والجلودي وهؤلاء هم الذين نقموا بيعة أبي الحسن (ع) ولم يرضوا به.
فحبسهم المأمون بهذا السبب ، فقال المأمون : نعم ، فلما كان من الغد جاء أبو الحسن (ع) فدخل على المأمون فقال : يا أمير المؤمنين !.. ما صنعت ؟.. فحكى له ما قال ذو الرئاستين .
ودعا المأمون بهؤلاء النفر فأخرجهم من الحبس ، فأول من دخل عليه علي بن أبي عمران ، فنظر إلى الرضا (ع) بجنب المأمون فقال : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تُخرج هذا الأمر الذي جعله الله لكم وخصّكم به ، وتجعله في أيدي أعدائكم ومن كان آباؤك يقتلونهم ، ويشرّدونهم في البلاد.. قال المأمون له : يا بن الزانية ، وأنت بعد على هذا ؟!.. قدّمه يا حرسي واضرب عنقه ، فضربت عنقه .
وأُدخل ابن مونس ، فلما نظر إلى الرضا (ع) بجنب المأمون قال :
يا أمير المؤمنين !.. هذا الذي بجنبك والله صنمٌ يُعبد دون الله ، قال له المأمون : يا بن الزانية وأنت بعد على هذا ؟!.. يا حرسي قدّمه واضرب عنقه ، فضرب عنقه ، ثم أُدخل الجلودي .
وكان الجلودي في خلافة الرشيد لما خرج محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة بعثه الرشيد ، وأمره إن ظفر به أن يضرب عنقه ، وأن يغير على دور آل أبي طالب ، وأن يسلب نساءهم ولا يدع على واحدة منهن إلا ثوباً واحداً ، ففعل الجلودي ذلك ، وقد كان مضى أبو الحسن موسى (ع) فصار الجلودي إلى باب أبي الحسن الرضا (ع) ، فانهجم على داره مع خيله .
فلما نظر إليه الرضا (ع) ، جعل النساء كلهن في بيت ، ووقف على باب البيت ، فقال الجلودي لأبي الحسن (ع) : لا بدّ من أن أدخل البيت ، فأسلبهن كما أمرني أمير المؤمنين .. فقال الرضا (ع): أنا أسلبهن لك وأحلف أني لا أدع عليهن شيئاً إلا أخذته ، فلم يزل يطلب إليه ويحلف له حتى سكن ، فدخل أبو الحسن (ع) فلم يدع عليهن شيئاً ، حتى أقراطهن وخلاخيلهن وإزارهن إلا أخذه منهن ، وجميع ما كان في الدار من قليل وكثير.
فلما كان في هذا اليوم ، وأُدخل الجلودي على المأمون قال الرضا (ع) :
يا أمير المؤمنين !.. هب لي هذا الشيخ .. فقال المأمون : يا سيدي !.. هذا الذي فعل ببنات رسول الله (ص) ما فعل من سلبهن !..
فنظر الجلودي إلى الرضا (ع) وهو يكلّم المأمون ، ويسأله عن أن يعفو عنه ويهبه له ، فظنّ أنه يعين عليه ، لماَ كان الجلودي فعَله ، فقال :
يا أمير المؤمنين !.. أسألك بالله وبخدمتي للرشيد أن لا تقبل قول هذا فيّ ، فقال المأمون : يا أبا الحسن !.. قد استعفى ونحن نبرّ قسمه ، ثم قال :
لا ، والله لا أقبل فيك قوله ، ألحقوه بصاحبيه ، فقدِّم وضرب عنقه . ص167
المصدر:العيون 2/159

جئتُ إلى باب الدار التي حُبس فيه الرضا (ع) بسرخس وقد قُيّد ، فاستأذنت عليه السجّان ، فقال : لا سبيل لكم إليه ، فقلت : ولِمَ ؟.. قال :
لأنه ربما صلّى في يومه وليلته ألف ركعة ، وإنما ينفتل من صلاته ساعة في صدر النهار ، وقبل الزوال ، وعند اصفرار الشمس ، فهو في هذه الأوقات قاعد في مصلاّه يناجي ربه .
فقلت له : فاطلب لي في هذه الأوقات إذناً عليه ، فاستأذن لي عليه فدخلت عليه وهو قاعدٌ في مصلاّه متفكّرٌ ، قال أبو الصلت :
فقلت : يا بن رسول الله !.. ما شيءٌ يحكيه عنكم الناس ؟.. قال :
وما هو ؟.. قلت : يقولون : إنكم تدّعون أنّ الناس لكم عبيدٌ ؟.. فقال :
اللهم فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة !.. أنت شاهد بأني لم أقل ذلك قطّ ، ولا سمعت أحداً من آبائي (ع) قاله قطّ ، وأنت العالم بما لنا من المظالم عند هذه الأمة ، وأنّ هذه منها .
ثم أقبل عليّ فقال : يا عبد السلام !.. إذا كان الناس كلهم عبيدنا على ما حكوه عنا ، فممّن نبيعهم ؟.. فقلت : يا بن رسول الله !.. صدقت .
ثم قال : يا عبد السلام !.. أمنكرٌ أنت لما أوجب الله عزّ وجلّ لنا من الولاية كما ينكره غيرك ؟.. قلت : معاذ الله بل أنا مقرٌّ بولايتكم . ص171
المصدر:العيون 2/183

وجد الخليفة المأمون في يوم عيدٍ انحراف مزاج ، أحدث عنده ثقلاً عن الخروج إلى الصلاة بالناس ، فقال لأبي الحسن علي الرضا (ع) :
يا أبا الحسن !.. قم وصلّ بالناس ، فخرج الرضا (ع) وعليه قميص أبيض ، وعمامة بيضاء نظيفة ، وهما من قطن ، وفي يده قضيب ، فأقبل ماشياً يؤمّ المصلّى وهو يقول :
السلام على أبويّ آدم ونوح ، السلام على أبويّ إبراهيم وإسماعيل ، السلام على أبويّ محمد وعلي ، السلام على عباد الله الصالحين ..
فلما رآه الناس أهرعوا إليه ، وانثالوا عليه لتقبيل يديه .. فأسرع بعض الحاشية إلى الخليفة المأمون فقال :
يا أمير المؤمنين !.. تدارك الناس واخرج صلّ بهم ، وإلا خرجت الخلافة منك الآن ، فحمله على أن خرج بنفسه ، وجاء مسرعاً والرضا (ع) بعدُ من كثرة الزحام عليه لم يخلص إلى المصلّى ، فتقدّم المأمون وصلّى بالناس . ص172
المصدر:كشف الغمة 3/87

رُوي أنه لما سار المأمون إلى خراسان ، وكان معه الرضا علي بن موسى (ع) فبينا هما يسيران إذ قال له المأمون :
يا أبا الحسن !.. إني فكّرت في شيءٍ فنتج لي الفكر الصواب فيه ، فكّرت في أمرنا وأمركم ، ونسبنا ونسبكم ، فوجدت الفضيلة فيه واحدة ، ورأيت اختلاف شيعتنا في ذلك محمولاً على الهوى والعصبية .
فقال له أبو الحسن الرضا (ع) : إنّ لهذا الكلام جواباً إن شئتَ ذكرته لك ، وإن شئت أمسكت .. فقال له المأمون : إني لم أقله إلا لأعلم ما عندك فيه ، قال له الرضا (ع) : أنشدك الله يا أمير المؤمنين !.. لو أنّ الله تعالى بعث نبيه محمداً (ص) ، فخرج علينا من وراء أكَمة من هذه الآكام ، يخطب إليك ابنتك كنت مزوّجه إياها ؟.. فقال :
يا سبحان الله !.. وهل أحد يرغب عن رسول الله (ص) ؟.. فقال له الرضا (ع) : أفتراه كان يحلّ له أن يخطب إليّ ؟.. فسكت المأمون هنيئة .
ثم قال : أنتم والله أمسُّ برسول الله (ص) رحماً.ص188
المصدر:العيون ، المحاسن

قال المأمون يوماً للرضا (ع) : أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين يدلّ عليها القرآن ، فقال له الرضا (ع) : فضيلة في المباهلة ، قال الله جلّ جلاله : { فمن حاجّك فيه } ، فدعا رسول الله (ص) الحسن والحسين (ع) فكانا ابنيه ، ودعا فاطمة (ع) فكانت في هذا الموضع نساءه ، ودعا أمير المؤمنين (ع) فكان نفسه بحكم الله عزّ وجلّ .. فثبت أنه ليس أحدٌ من خلق الله تعالى أجلّ من رسول الله (ص) وأفضل ، فواجب أن لا يكون أحدٌ أفضل من نفس رسول الله (ص) بحكم الله عزّ وجلّ .
فقال له المأمون : أليس قد ذكر الله تعالى الأبناء بلفظ الجمع ، وإنما دعا رسول الله (ص) ابنيه خاصة ، وذكر النساء بلفظ الجمع ، وإنما دعا رسول الله (ص) ابنته وحدها .. فألا جاز أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه ، ويكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره ، فلا يكون لأمير المؤمنين (ع) ما ذكرت من الفضل .
فقال له الرضا (ع) : ليس يصحّ ما ذكرت يا أمير المؤمنين !.. وذلك أنّ الداعي إنما يكون داعياً لغيره ، كما أنّ الآمر آمر لغيره ، ولا يصحّ أن يكون داعياً لنفسه في الحقيقة ،كما لا يكون آمراً لها في الحقيقة ، وإذا لم يدعُ رسول الله (ص) رجلاً في المباهلة إلا أمير المؤمنين (ع) فقد ثبت أنه نفسه التي عناها الله سبحانه في كتابه ، وجعل له حكمه ذلك في تنزيله ..
فقال المأمون : إذا ورد الجواب سقط السؤال . ص189
المصدر:الفصول المختارة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى