الجزء السادس والاربعون كتاب تاريخ الأمام الباقر (ع)

باب نوادر أخباره صلوات الله عليه

عن المنهال بن عمر قال : كنت جالسا مع الباقر (ع) إذ جاءه رجل فسلّم عليه فردّ عليه السلام ، قال الرجل : كيف أنتم ؟.. فقال له محمد : أوَ ما آن لكم أن تعلموا كيف نحن ، إنما مثَلنا في هذه الأمة مثَل بني إسرائيل ، كان يُذبّح أبناؤهم وتُستحيى نساؤهم ، ألا وإن هؤلاء يذبّحون أبناءنا ويستحيون نساءنا ، زعمت العرب أن لهم فضلا على العجم فقالت العجم : وبما ذلك ؟..
قالوا : كان محمد منا عربيا ، قالوا لهم : صدقتم ، وزعمت قريش أن لها فضلا على غيرها من العرب فقالت لهم العرب من غيرهم : وبمَ ذاك ؟.. قالوا :
كان محمد قرشيا ، قالوا لهم : صدقتم ، فإن كان القوم صدقوا فلنا فضل على الناس لأنا ذرية محمد ، وأهل بيته خاصة وعترته ، لا يشركنا في ذلك غيرنا ، فقال له الرجل : والله إني لأحبكم أهل البيت قال :
فاتخذ للبلاء جلبابا ، فوالله !.. إنه لأسرع إلينا وإلى شيعتنا من السيل في الوادي ، وبنا يبدو البلاء ثم بكم ، وبنا يبدو الرخاء ثم بكم .ص360
المصدر: أمالي الطوسي ص95

بينا أنا مع الباقر (ع) والبيت غاصٌّ بأهله ، إذ أقبل شيخ يتوكأ على عنَزة ( أي عصاً في رأسها حديدة ) له ، حتى وقف على باب البيت فقال : السلام عليك يا بن رسول الله ورحمة الله وبركاته ، ثم سكت .. فقال الباقر (ع) : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، ثم أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت وقال : السلام عليكم ، ثم سكت حتى أجابه القوم جميعا وردّوا عليه السلام ، ثم أقبل بوجهه على الباقر (ع) ثم قال :
يا بن رسول الله !.. أدنني منك جعلني الله فداك ، فو الله إني لأحبكم وأحب من يحبكم ، ووالله ما أحبكم وأحب من يحبكم لطمع في دنيا ، وإني لأبغض عدوكم وأبرأ منه ، ووالله ما أبغضه وأبرأ منه لوتر كان بيني وبينه ، والله إني لأحلّ حلالكم وأحرّم حرامكم ، وأنتظر أمركم ، فهل ترجو لي ، جعلني الله فداك ؟.. فقال الباقر (ع): إليّ إليّ ، حتى أقعده إلى جنبه .. ثم قال :
أيها الشيخ !.. إن أبي علي بن الحسين (ع) أتاه رجل فسأله عن مثل الذي سألتني عنه ، فقال له أبي (ع) : إن تمتْ ترد على رسول الله (ص) وعلى عليّ والحسن والحسين ، وعلى علي بن الحسين ، ويثلج قلبك ، ويبرد فؤادك ، وتقرّ عينك ، وتستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين ، لو قد بلغت نفسك ههنا – وأهوى بيده إلى حلقه – وإن تعش ترى ما يقرّ الله به عينك ، وتكون معنا في السنام الأعلى .. قال الشيخ : قلت : كيف يا أبا جعفر ؟..
فأعاد عليه الكلام فقال الشيخ : الله أكبر !.. يا أبا جعفر إن أنا متُّ أرد على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ، وتقرّ عيني ، ويثلج قلبي ، ويبرد فؤادي ، واستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين ، لو قد بلغت نفسي ههنا ، وإن أعش أرى ما يقرّ الله به عيني ، فأكون معكم في السنام الأعلى ؟..
ثم أقبل الشيخ ينتحب ، ينشج هاهاها ، حتى لصق بالأرض ، وأقبل أهل البيت ينتحبون وينشجون ، لما يرون من حال الشيخ ، وأقبل الباقر (ع) يمسح بإصبعه الدموع من حماليق عينيه وينفضها .
ثم رفع الشيخ رأسه فقال لأبي جعفر (ع) : يا بن رسول الله !.. ناولني يدك جعلني الله فداك ، فناوله يده فقبّلها ، ووضعها على عينيه وخدّه ، ثم حسر عن بطنه وصدره ، فوضع يده على بطنه وصدره ، ثم قام ، فقال :
السلام عليكم ، وأقبل الباقر (ع) ينظر في قفاه وهو مدبر ، ثم أقبل بوجهه على القوم فقال : من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة ، فلينظر إلى هذا ، فقال الحكم بن عتيبة : لم أر مأتما قط يشبه ذلك المجلس .ص363
المصدر: الكافي 8/76

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى