الجزء السادس والاربعون كتاب تاريخ الأمام السجاد (ع)

باب أحوال أهل زمانه من الخلفاء وغيرهم

لقي عباد البصري علي بن الحسين (ع) في طريق مكة فقال له :
يا علي بن الحسين !.. تركت الجهاد وصعوبته ، وأقبلت على الحج ولينه ، وإن الله عز وجل يقول :
{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون } إلى قوله: { وبشّر المؤمنين }.. فقال علي بن الحسين (ع) : إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم ، فالجهاد معهم أفضل من الحج .ص116
المصدر: المناقب 3/298 ، الاحتجاج ص171

لما نزع معاوية بن يزيد بن معاوية نفسه من الخلافة ، قام خطيبا فقال :
أيها الناس !.. ما أنا بالراغب في التأمّر عليكم ، ولا بالآمن لكراهتكم ، بل بُلينا بكم وبُليتم بنا ، إلا أن جدي معاوية نازع الأمر من كان أولى بالأمر منه في قِدَمه وسابقته علي بن أبي طالب ، فركب جدي منه ما تعلمون ، وركبتم معه ما لا تجهلون ، حتى صار رهين عمله ، وضجيع حفرته ، تجاوز الله عنه .
ثم صار الأمر إلى أبي ، ولقد كان خليقا أن لا يركب سننه ، إذ كان غير خليقٍ بالخلافة فركب ردعه (أي لم يرتدع) ، واستحسن خطأه ، فقلت مدّته ، وانقطعت آثاره ، وخمدت ناره ، ولقد أنسانا الحزن به الحزن عليه ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ثم أخفت يترحم على أبيه .
ثم قال : وصرت أنا الثالث من القوم ، الزاهد فيما لديّ أكثر من الراغب ، وما كنت لأتحمّل آثامكم ، شأنكم وأمركم خذوه !.. من شئتم ولايته فولّوه !.. فقام إليه مروان بن الحكم فقال : يا أبا ليلى !.. سنّة عمرية ؟.. فقال له :
يا مروان !.. تخدعني عن ديني ، ائتني برجال كرجال عمر أجعلها بينهم شورى!.. ثم قال :
والله!.. إن كانت الخلافة مغنما فقد أصبنا منها حظّاً ، ولئن كانت شرّا فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها ..
ثم نزل ، فقالت له أمه : ليتك كنت حيضة!.. فقال : وأنا وددت ذلك ، ولم أعلم أن لله نارا يعذب بها من عصاه . و أخذ غير حقه !.ص119
المصدر: تنبيه الخواطر ص518
قال الباقر (ع) :كان عبدالملك يطوف بالبيت ، وعلي بن الحسين يطوف بين يديه ولا يلتفت إليه ، ولم يكن عبدالملك يعرفه بوجهه فقال : من هذا الذي يطوف بين أيدينا ولا يلتفت إلينا ؟.. فقيل : هذا علي بن الحسين (ع) فجلس مكانه ، وقال : ردّوه إليّ!.. فردّوه .. فقال له :
يا علي بن الحسين!.. إني لستُ قاتل أبيك ، فما يمنعك من المصير إلي ؟.. فقال علي بن الحسين (ع) :
إن قاتل أبي أفسد بما فعله دنياه عليه ، وأفسد أبي عليه بذلك آخرته ، فإن أحببتَ أن تكون كهو فكن ، فقال :
كلا ، ولكن صرْ إلينا لتنال من دنيانا .. فجلس زين العابدين (ع) وبسط رداه وقال : اللهّم أره حرمة أوليائك عندك!.. فإذا إزاره مملوّة درراً يكاد شعاعها يخطف الأبصار .
فقال له (ع) : من يكون هذا حرمته عند ربه يحتاج إلى دنياك ؟.. ثم قال : اللهّم !..خذها فلا حاجة لي فيه .ص121
المصدر: الخرائج ص194
قال السجاد (ع) : لم أر مثل التقدم في الدعاء ، فإن العبد ليس تحضره الإجابة في كل وقت.ص122
المصدر: الإرشاد ص277

قال الزهري : شهدت علي بن الحسين (ع) يوم حمله عبدالملك بن مروان من المدينة إلى الشام ، فأثقله حديدا ووكّل به حفّاظا في عدّة وجمع ، فاستأذنتهم في التسليم والتوديع له ، فأذنوا فدخلت عليه ، والأقياد في رجليه والغلّ في يديه ، فبكيتُ وقلتُ :
وددت أني مكانك وأنت سالم فقال :
يا زهري!.. أو تظن هذا بما ترى عليّ وفي عنقي يكربني ؟.. أما لو شئتُ ما كان فإنه وإن بلغ بك ومن أمثالك ، ليذكّرني عذاب الله .
ثم أخرج يديه من الغلّ ورجليه من القيد ، ثم قال : يا زهري!.. لا جزتُ معهم على ذا منزلتين من المدينة .
فما لبثنا إلا أربع ليال حتى قدم الموكّلون به يطلبونه بالمدينة فما وجدوه ، فكنت فيمن سألهم عنه ، فقال لي بعضهم :
إنا نراه متبوعا ، إنه لنازل ونحن حوله لا ننام نرصده ، إذ أصبحنا فما وجدنا بين محمله إلا حديده .
فقدمت بعد ذاك على عبدالملك ، فسألني عن علي بن الحسين فأخبرته .. فقال : إنه قد جاءني في يوم فقده الأعوان ، فدخل عليَّ فقال :
ما أنا وأنت ؟.. فقلت : أقم عندي!.. فقال : لا أحّب .. ثم خرج فوالله لقد امتلأ ثوبي منه خيفة ، قال الزهري : فقلت :
ليس علي بن الحسين (ع) حيث تظن ، إنه مشغول بنفسه .. فقال :
حبّذا شُغْل مثله ، فنعم ما شُغِل به.ص123
المصدر: المناقب 3/275

حج هشام بن عبد الملك ، فلم يقدر على الاستلام من الزحام ، فنُصب له منبر فجلس عليه وأطاف به أهل الشام فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين (ع) وعليه إزار ورداء ، من أحسن الناس وجها وأطيبهم رائحة ، بين عينيه سجادةكأنها ركبة عنز ، فجعل يطوف فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحّى الناس حتى يستلمه هيبة له ، فقال شامي :
من هذا يا أمير المؤمنين ؟..
فقال : لا أعرفه – لئلا يرغب فيه أهل الشام – فقال الفرزدق وكان حاضرا :
لكني أنا أعرفه ، فقال الشامي : من هو يا أبا فراس ؟..
فأنشأ قصيدة :
يا سائلي أين حلّ الجود والكرم ؟***عندي بيان إذا طلاّبه قدموا
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته***والبيت يعرفه والحلّ والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم***هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا الذي أحمد المختار والده***صلى عليه إلهي ماجرى القلم
لو يعلم الركن من قدجاء يلثمه***لخرّ يلثم منه ما وطى القدم
هذا عليّ رسول الله والده***أمست بنور هداه تهتدي الأمم
هذا الذي عمّه الطيار جعفر***والمقتول حمزة ليث حبّه قسم
هذا ابن سيدة النسوان فاطمة***وابن الوصي الذي في سيفه نقم
إذا رأته قريش قال قائلها***إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكة عرفان راحته***ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
وليس قولك من هذا بضائره***العرب تعرف من أنكرت والعجم
ينُمى إلى ذروة العزّ التي قصرت***عن نيلها عرب الإسلا م والعجم
يُغِضي حياءً ويُغَضى من مهابته***فما يُكلّم إلا حين يبتسم
ينجاب نور الدجى عن نور غرته***كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم
بكفّه خيزران ريحه عبق***من كفّ أروع في عرنينه شمم
ما قال لا قط إلا في تشهّده***لولا التشهّد كانت لاؤه نعم
مشتقةً من رسول الله نبعته***طابت عناصره والخيم والشيم
حمّال أثقال أقوام إذا فُدحوا***حلوُ الشمائل تحلو عنده نعم
إن قال قال بما يهوى جميعهم***وإن تكلّم يوما زانه الكلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله***بجدّه أنبياء الله قد ختموا
الله فضّلهِ قدْما وشّرفه***جرى بذاك له في لوحه القلم
من جده دان فضل الأنبياء له***وفضل أمته دانت لها الأمم
عمّ البرية بالإحسان وانقشعت***عنها العماية والإملاق والظلم
كلتا يديه غياث عمّ نفعهما***يستوكفان ولا يعروهما عدم
سهل الخليقة لا تُخشى بوادره***يزينه خصلتان الحلم والكرم
لا يُخلف الوعد ميمونا نقيبته***رحب الفناء أريب حين يعترم
من معشر حبهم دين وبغضهم***كفر وقربهم منجى ومعتصم
يُستدفع السوء والبلوى بحبهم***ويُستزاد به الإحسان والنعم
مقدّم بعد ذكر الله ذكرهم***في كل فرض ومختوم به الكلم
إن عُدّ أهل التقى كانوا أئمتهم***أو قيل من خير أهل الارض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم***ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت***والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم***خيم كريم وأيدٍ بالندى هُضُم
لا يقبض العسر بسطا من أكفهم***سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا
أي القبائل ليست في رقابهم***لأوّلية هذا أوله نعم
من يعرف الله يعرف أولية ذا***فالدّين من بيت هذا ناله الأمم
بيوتهم في قريش يستضاء بها***في النائبات وعند الحكم أن حكموا
فجدّه من قريش في أُرومتها***محمد وعلي بعده علم
بدر له شاهد والشَّعب من أُحد***والخندقان ويوم الفتح قد علموا
وخيبرٌ وحنينٌ يشهدان له***وفي قُريضةَ يوم صيلم قتم
مواطن قد علت في كل نائبة***على الصحابة لم أكتم كما كتموا
فغضب هشام ومنع جائزته وقال : ألا قلت فينا مثلها ؟.. قال : هات جدّا كجده وأبا كأبيه وأماً كأمه حتى أقول فيكم مثلها ، فحبسوه بعسفان بين مكة والمدينة ، فبلغ ذلك علي بن الحسين (ع) فبعث إليه باثني عشر ألف درهم وقال : اعذرنا يا أبا فراس ، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به ، فردّها وقال : يا بن رسول الله !.. ما قلت الذي قلت إلا غضبا لله ولرسوله ، وما كنت لأرزأ عليه شيئا ، فردّها إليه وقال : بحقي عليك لمّا قبلتها ، فقد رأى الله مكانك وعلم نيتك ، فقبلها.ص127
المصدر: المناقب 3/306
*
المصدر: القاموس 1/16
بيــان: قوله : عرفان مفعول لأجله ، والإغضاء : إدناء الجفون ، وأغضى على الشيء سكت .. وانجابت : السحابة انكشفت .. والخيزُران : بضم الزاء شجرٌ هنديٌّ وهو عروق ممتدة في الأرض ، والقصب .. وعبق به الطيب بالكسر عبقاً بالتحريك : أي لزق به ، ورجل ٌعبق : إذا تطيّب بأدنى طيب لم يذهب عنه أياماً .. والأروع : مَن يعجبك بحسنه وجهارة منظره ، والعِرنين بالكسر الأنف ، والشَّمَم : محركة ارتفاع قصبة الأنف وحسنها واستواء أعلاها .. وقوله : من كفّ : فيه تجريد مضاف إلى الأروع .. والخيم بالكسر : السجية والطبيعة .. والشِّيَم بكسر الشين وفتح الياء : جمع الشيمة بالكسر وهي الطبيعة ، وفَدَحه الدين : أثقله .. واستوكف : استقطر .. والبوادر : جمع البادرة وهي ما يبدو من حدّتك في الغضب من قول أو فعل .. والنقيبة : النفس والعقل ، والمشورة ونفاذ الرأي والطبيعة .. والأريب : العاقل .
وقوله : يُعترم على المجهول من العرام ، بمعنى الشدّة أي عاقل إذا أصابته شدة ، وقوله : بُعد غايتهم بضم الباء .. والأزمة : الشدة ، وأزمت أي لزمت ، والشرى : كعلى طريق في سلمى كثيرة الأُسد.. واحتدم عليه غيظاً : تحرّق ، والنار التهبت ، والدم اشتدت حمرته حتى تسود ، وفي بعض النسخ البأس بالباء الموحدة ، وفي بعضها بالنون ، وعلى الأول المراد أن شدتهم وغيظهم ملتهب في الحرب ، وعلى الثاني المراد أنّ الناس محتدمون عليهم حسداً ، قوله . خيم : أي لهم خيم ، والندى : المطر ، ويستعار للعطاء الكثير .
وهُضُم : ككتب جمع هضوم ، يقال : يد هضوم أي تجود بما لديها ، وأثرى : أي كثُر ماله .. والأرومة : كالأكولة الأصل .
وقوله : والخندقان : إشارة إلى غزوة الخندق ، إما لكون الخندق محيطاً بطرفي المدينة ، أو لانقسامه في الحفر بين المهاجرين والأنصار .. والصيلم : الأمر الشديد والداهية .. والقتام : الغبار ، والأقتم : الأسود كالقاتم .. وقوله : مواطن أي له أو هذه مواطن .. وقال الفيروز آبادي : رزأه ماله ، كجعله وعمله رُزء بالضم أصاب منه شيئاً ، ورزأه رزءاً ومرزئة أصاب منه خيراً . ص129
كان عبدالملك يصله في كل سنة بألف دينار ، فحرمه تلك السنة فشكا ذلك إلى علي بن الحسين (ع) وسأله أن يكلّمه فقال : أنا أصلك من مالي ، بمثل الذي كان يصلك به عبدالملك وصنّي عن كلامه فقال :
والله يا بن رسول الله لا رزأتك شيئا ، وثواب الله عز وجل في الآجل ، أحب إلي من ثواب الدنيا في العاجل .. فاتصل ذلك بمعاوية بن عبدالله بن جعفر الطيار ، وكان أحد سمحاء بني هاشم ، لفضل عنصره وأحد أدبائها وظرفائها ، فقال له : يا أبا فراس !.. كم تقدّر الذي بقي من عمرك ؟.. قال : قدر عشرين سنة ، قال : فهذه عشرون ألف دينار أعطيتكها من مالي ، وأعف أبا محمد أعزه الله عن المسألة في أمرك ، فقال :
لقد لقيت أبا محمد وبذل لي ماله ، فأعلمته أني أخّرت ثواب ذلك لأجر الآخرة .ص131
المصدر: الاختصاص ص191

سأل ليث الخزاعي سعيد بن المسيب عن إنهاب المدينة .. قال : نعم!.. شدوا الخيل إلى أساطين مسجد رسول الله (ص) ، ورأيت الخيل حول القبر ، وانتهب المدينة ثلاثا فكنت أنا وعلي بن الحسين نأتي قبر النبي (ص) ، فيتكلم علي بن الحسين (ع) بكلام لم أقف عليه ، فيحال ما بيننا وبين القوم ، ونصلي ونرى القوم وهم لا يروننا .
وقام رجل عليه حلل خضر على فرس محذوف أشهب بيده حربة مع علي بن الحسين (ع) فكان إذا أومأ الرجل إلى حرم رسول الله (ص)يشير ذلك الفارس بالحربة نحوه فيموت من غير أن يصيبه ، فلما أن كفّوا عن النهب دخل علي بن الحسين (ع) على النساء ، فلم يترك قرطا في أذن صبي ، ولا حلياّ على امرأة ، ولاثوبا إلا أخرجه إلى الفارس ، فقال له الفارس :
يا بن رسول الله !.. إني ملَك من الملائكة من شيعتك وشيعة أبيك لما أن ظهر القوم بالمدينة استأذنت ربي في نصرتكم آل محمد ، فأذن لي لأن أدخرها يدا عندالله تبارك وتعالى وعند رسوله (ص) وعندكم أهل البيت إلى يوم القيامة.ص131
المصدر: المناقب 3/284

وكان الزهري عاملا لبني أمية ، فعاقب رجلا فمات الرجل في العقوبة ، فخرج هائما وتوحش ودخل إلى غار ، فطال مقامه تسع سنين ، قال :
وحجّ علي بن الحسين (ع) فأتاه الزهري ، فقال له علي بن الحسين (ع) : إني أخاف عليك من قنوطك ما لا أخاف عليك من ذنبك ، فابعث بدية مسلّمة إلى أهله واخرجْ إلى أهلك ومعالم دينك .. فقال له :
فرّجت عني يا سيدي !.. الله أعلم حيث يجعل رسالاته ورجع إلى بيته ، ولزم علي بن الحسين ، وكان يُعدّ من أصحابه ، ولذلك قال له بعض بني مروان : يا زهري!.. ما فعل نبيّك ؟.. يعني علي بن الحسين (ع) .ص132
المصدر: المناقب 3/298

كتب ملك الروم إلى عبدالملك : أكلتُ لحم الجمل الذي هرب عليه أبوك من المدينة ، لأغزونّك بجنود مائة ألف ومائة ألف ومائة ألف .. فكتب عبدالملك إلى الحجاج أن يبعث إلى زين العابدين (ع) ويتوعده ويكتب إليه ما يقول ففعل .
فقال علي بن الحسين (ع) : إن لله لوحا محفوظا يلحظه في كل يوم ثلاثمائة لحظة ، ليس منها لحظة إلا يُحيي فيها ويُميت ، ويُعزّ ويذل ، ويفعل ما يشاء ، وإني لأرجو أن يكفيك منها لحظة واحدة .
فكتب بها الحجاج إلى عبدالملك ، فكتب عبدالملك بذلك إلى ملك الروم ، فلما قرأه قال : ما خرج هذا إلا من كلام النبوة .ص133
المصدر: المناقب 3/299

وردت حرة بنت حليمة السعدية على الحجاج بن يوسف الثقفي ، فمَثُلت بين يديه ، قال لها :
أنت حرة بنت حليمة السعدية ؟.. قالت له :
فراسة من غيرمؤمن !..فقال لها : الله جاء بكِ ، فقد قيل عنك إنك تفضّلين عليّا على أبي بكر وعمر وعثمان .. فقالت :
لقد كذب الذي قال : إني أفضّله على هؤلاء خاصة ، قال : وعلى مَنْ غير هؤلاء ؟.. قالت : أفضّله على آدم ونوح ولوط وإبراهيم وداود وسليمان وعيسى بن مريم عليهم السلام ، فقال لها :
ويلكِ!.. إنك تفضّلينه على الصحابة ، وتزيدين عليهم سبعة من الأنبياء من أولي العزم من الرسل ؟.. إن لم تأتيني ببيان ما قلتِ ضربت عنقكِ .. فقالت : ما أنا مفضّلته على هؤلاء الأنبياء ، ولكن الله عز وجل فضّله عليهم في القرآن بقوله عز وجل في حق آدم :
{ وعصى آدم ربه فغوى } ، وقال في حق عليّ : { وكان سعيكم مشكورا } .
فقال : أحسنتِ يا حرة !.. فبما تفضّلينه على نوح ولوط ؟.. فقالت : الله عز وجل فضّله عليهما بقوله :
{ ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين }، وعلي بن أبي طالب كان ملاكه تحت سدرة المنتهى ، زوجته بنت محمد فاطمة الزهراء التي يرضى الله تعالى لرضاها ويسخط لسخطها .
فقال الحجاج : أحسنتِ يا حرة !.. فبما تفضّلينه على أبي الأنبياء إبراهيم خليل الله ؟.. فقالت : الله عز وجل فضّله بقوله :
{ وإذ قال إبراهيم رب أرني كيفت تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } ، ومولاي أمير المؤمنين قال قولاً لا يختلف فيه أحد من المسلمين : لوكُشف الغطاء ما ازددت يقينا .. وهذه كلمة ما قالها أحد قبله ولا بعده .
فقال : أحسنتِ يا حرة!..فبما تفضّلينه على موسى كليم الله ؟.. قالت : يقول الله عز وجل :
{ فخرج منها خائفا يترقب } ، وعلي أبي طالب (ع) بات على فراش رسول الله (ص) لم يخف ، حتى أنزل الله تعالى في حقه : {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله } .
قال الحجاج : أحسنتِ يا حرة!.. فبما تفضّلينه على داود وسليمان (ع) ؟.. قالت : الله تعالى فضّله عليهما بقوله عز وجل :
{يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } ، قال لها : في أي شيء كانت حكومته ؟.. قالت : في رجلين : رجل كان له كرم والآخر له غنم ، فنفشت الغنم بالكرم فرعته ، فاحتكما إلى داود (ع) فقال : تُباع الغنم وينفق ثمنها على الكرم حتى يعود إلى ما كان عليه ، فقال له ولده : لا يا أبة ، بل يؤخذ من لبنها وصوفها ، قال الله تعالى :
{ ففهمناها سليمان } ، وإن مولانا أميرالمؤمنين عليا (ع) قال : سلوني عما فوق العرش ، سلوني عما تحت العرش ، سلوني قبل أن تفقدوني ، وإنه (ع) دخل على رسول الله (ص) يوم فتح خيبر فقال النبي (ص) للحاضرين : أفضلُكم وأعلمكم وأقضاكم عليّ .
فقال لها : أحسنتِ !.. فبما تفضّلينه على سليمان ؟.. فقالت : الله تعالى فضّله عليه بقوله تعالى :
{ رب اغفر لي وهب لي ملكا لاينبغي لأحد من بعدي } ومولانا أمير المؤمنين علي (ع) قال : طلقتكِ يا دنيا ثلاثا لا حاجة لي فيك ، فعند ذلك أنزل الله تعالى فيه : { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا } .
فقال : أحسنتِ يا حرة!.. فبما تفضّلينه على عيسى بن مريم (ع) ؟.. قالت : الله تعالى عز وجل فضّله بقوله تعالى :
{ إذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به } .. فأخّر الحكومة إلى يوم القيامة ، وعلي بن أبي طالب لما ادعوا النصيرية ( أي طائفة من الغلاة ) فيه ما ادعوه ، قتَلَهم ولم يؤخّر حكومتهم ، فهذه كانت فضائله لم تُعد بفضائل غيره..
قال : أحسنتِ يا حرة!.. خرجتِ من جوابك ، ولولا ذلك لكان ذلك ، ثم أجازها وأعطاها وسرّحها سراحا حسنا رحمة الله عليها .ص136
المصدر: الفضائل ص122 ، الروضة

قال الصادق (ع) : إن سعيد بن جبير كان يأتم بعلي بن الحسين (ع) ، فكان علي يثني عليه ، وما كان سبب قتل الحجاج له إلا على هذا الأمر ، وكان مستقيما ، وذكر أنه لما دخل على الحجاج بن يوسف قال : أنت شقي بن كسير ؟.. قال : أمي كانت أعرف بي ، سمتني سعيد بن جبير ..
قال : ما تقول في أبي بكر وعمر ، هما في الجنة أو في النار ؟..
قال : لو دخلت الجنة فنظرت إلى أهلها لعلمتُ من فيها ، ولو دخلت النار ورأيت أهلها لعلمتُ من فيها ..
قال : فما قولك في الخلفاء ؟.. قال : لستُ عليهم بوكيل ، قال : أيهم أحبُّ إليك ؟.. قال : أرضاهم لخالقي.. قال : فأيّهم أرضى للخالق ؟..
قال : علم ذلك عند الذي يعلم سرّهم ونجواهم ، قال : أبيت أن تصدُقني ، قال : بل لم أحبّ أن أكذبك .ص137
المصدر: روضة الواعظين ص248

حضر محمد بن أسامه الموت ، دخلت عليه بنوهاشم فقال لهم :
قد عرفتم قرابتي ومنزلتي منكم ، وعليّ دَيْن فأحبّ أن تضمنوه عني ، فقال علي بن الحسين (ع) : أما والله ثلث دَينك عليّ ، ثم سكت وسكتوا ..
فقال علي بن الحسين (ع) : عليّ دَينك كله ، ثم قال علي بن الحسين (ع) :
أما إنه لم يمنعني أن أضمنه أولا إلا كراهة أن تقولوا : سبَقَنا .ص137
المصدر: روضة الكافي 8/332

قال الباقر (ع) إن يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحج ، فبعث إلى رجل من قريش فأتاه ، فقال له يزيد :
أتقرّ لي أنك عبد لي ، إن شئتُ بعتك وإن شئتُ استرققتك ؟..فقال له الرجل :
والله يا يزيد ما أنت بأكرم مني في قريش حسبا ، ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهلية والإسلام ، وما أنت بأفضل مني في الدين ولا بخير مني ، فكيف أقرّ لك بما سألت ؟!.. فقال له يزيد :
إن لم تقرّ لي والله قتلتك ، فقال له الرجل : ليس قتلك إياي بأعظم من قتلك الحسين بن علي ابن رسول الله (ص) ، فأمر به فقُتل ، ثم أرسل إلى علي بن الحسين (ع) فقال له مثل مقالته للقرشي .. فقال له علي بن الحسين (ع) :
أرأيتَ إن لم أقرّ لك ، أليس تقتلني كما قتلت الرجل بالأمس ؟.. فقال له يزيد لعنه الله : بلى .. فقال له علي بن الحسين (ع) :
قد أقررت لك بما سألت ، أنا عبد مكره فإن شئتَ فأمسك ، وإن شئتَ فبع ْ، فقال له يزيد لعنه الله :
أولى لك ، حقنت دمك ، ولم ينقصك ذلك من شرفك !..
المصدر: روضة الكافي 8/234

بيــان: ثم اعلم أن في هذا الخبر إشكالا : وهو أن المعروف في السِّيَر أن هذا الملعون لم يأت المدينة بعد الخلافة ، بل لم يخرج من الشام حتى مات ودخل النار ، فنقول :
مع عدم الاعتماد على السير لا سيما مع معارضة الخبر ، يمكن أن يكون اشتبه على بعض الرواة ، وكان في الخبر أنه جرى ذلك بينه (ع) وبين من أرسله الملعون لأخذ البيعة وهو مسلم بن عقبة كما مر.ص138
سمع عامر بن عبدالله بن الزبير – وكان من عقلاء قريش – ابنا له ينتقص علي بن أبي طالب (ع) فقال له :
يا بني !.. لا تنتقص عليا ، فإن الدين لم يبن شيئا فاستطاعت الدنيا أن تهدمه ، وإن الدنيا لم تبن شيئا إلا هدمه الدين .
يا بني !.. إن بني أمية لهجوا بسبّ علي بن أبي طالب (ع) في مجالسهم ولعنوه على منابرهم ، فكأنما يأخذون والله بضبعيه ( أي بعضديه ) إلى السماء مدّا ، وإنهم لهجوا بتقريظ ذويهم وأوائلهم من قومهم ، فكأنما يكشفون منهم من أنتن من بطون الجيف ، فأنهاك عن سبه.ص140
المصدر: أمالي الطوسي ص23

دخلت أنا وأبي وجدي وعمي حماما بالمدينة ، فإذا رجل في بيت المسلخ فقال لنا : ممن القوم ؟.. فقلنا : من أهل العراق ، فقال : وأي العراق ؟.. فقلنا : كوفيون ، فقال : مرحبا بكم يا أهل الكوفة !.. أنتم الشعار دون الدثار .. ثم قال :
ما يمنعكم من الأزُر ، فإن رسول الله (ص) قال : عورة المؤمن على المؤمن حرام .
ثم بعث إلى أبي كرباسة فشقها بأربعة ثم أعطى كل واحد منا واحدا فدخلنا فيها ، فلما كنا في البيت الحار صمد لجدي ، فقال :
يا كهل !.. ما يمنعك من الخضاب ؟.. فقال له جدي : أدركت من هو خير مني ومنك لا يختضب ، فغضب لذلك حتى عرفنا غضبه في الحمام ، قال : ومن ذاك الذي هو خير مني ؟..فقال :
أدركت علي بن أبي طالب (ع) وهو لا يختضب ، فنكس رأسه وتصاب عرقا فقال : صدقت وبررت ، ثم قال :
يا كهل !.. إن تختضب فإن رسول الله (ص) قد خضب وهو خير من علي ، وإن تترك فلك بعليّ سُنّة .
فلما خرجنا من الحمام سألنا عن الرجل ، فإذا هو علي بن الحسين ومعه ابنه محمد بن علي صلوات الله عليهم .ص142
المصدر: الكافي 6/497

قال السجاد (ع) : ما ندري كيف نصنع بالناس ؟.. إن حدثناهم بما سمعنا من رسول الله (ص) ضحكوا ، وإن سكتنا لم يسعنا ..
فقال ضمرة بن معبد : حدثنا !.. فقال : هل تدرون ما يقول عدو الله إذا حُمل على سريره ؟.. فقلنا : لا ، فقال : إنه يقول لحمَلَته :
ألا تسمعون أني أشكو إليكم عدو الله خدعني وأوردني ثم لم يصدرني ، وأشكو إليكم إخوانا واخيتهم فخذلوني ، وأشكو إليكم أولادا حاميت عنهم فخذلوني ، وأشكو إليكم داراً أنفقت فيها حريبتي (أي مالي) فصار سكانها غيري ، فارفقوا بي ولا تستعجلوا !.. فقال ضمرة :
يا أبا الحسن !.. إن كان هذا يتكلم بهذا الكلام يوشك أن يثب على أعناق الذين يحملونه ، فقال علي بن الحسين (ع) : اللهم!.. إن كان ضمرة هزأ من حديث رسولك فخذه أخذ أسفٍ.
فمكث أربعين يوما ثم مات فحضره مولى له قال : فلما دُفن أتى علي بن الحسين (ع) فجلس إليه ، فقال له : من أين جئت يا فلان ؟!.. قال :
من جنازة ضمرة ، فوضعتُ وجهي عليه حين سوي عليه فسمعت صوته – والله أعرفه كما كنت أعرفه وهو حي – يقول : ويلك يا ضمرة بن معبد !.. اليوم خذلك كل خليل وصار مصيرك إلى الجحيم ، فيها مسكنك ومبيتك والمقيل .. فقال علي بن الحسين (ع) :
أسأل الله العافية ، هذا جزاء من يهزأ من حديث رسول الله (ص) .ص143
المصدر: الكافي 3/234

قال الصادق (ع) : ارتد الناس بعد الحسين (ع) إلا ثلاثة : أبوخالد الكابلي ، يحيى بن أم الطويل ، وجبير بن مطعم ..
ثم إن الناس لحقوا وكثروا ، وكان يحيى بن ام الطويل يدخل مسجد رسول الله (ص) ويقول : كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء .ص144
المصدر: الاختصاص ص64

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى