الجزء الواحد والاربعون كتاب تاريخ الأمام علي (ع)

باب حسن خلقه وبشره وحلمه وعفوه وإشفاقه وعطفه صلوات الله عليه

إنّ أمير المؤمنين (ع) مرّ بأصحاب التمر ، فإذا هو بجارية تبكي فقال :
يا جارية ما يبكيكِ ؟!.. فقالت : بعثني مولاي بدرهم فابتعت من هذا تمراً فأتيتهم به فلم يرضوه ، فلما أتيته به أبى أن يقبله ، قال :
يا عبد الله !.. إنها خادمٌ وليس لها أمر ، فاردد إليها درهماً وخذ التمر ، فقام إليه الرجل فلكَزه ( أي دفعه بجميع الكتف ) .
فقال الناس : هذا أمير المؤمنين ، فربا ( أي ضاق نفسه ) الرجل واصفرّ وأخذ التمر ، وردّ إليها درهمها ، ثم قال : يا أمير المؤمنين !.. ارض عني ، فقال :
ما أرضاني عنك إن أصلحتَ أمركَ ، وفي فضائل أحمد إذا وفيت الناس حقوقهم . ص48
المصدر: المناقب 1/316

دعا (ع) غلاماً مراراً فلم يجْبه ، فخرج فوجده على باب البيت ، فقال : ما حملك على ترك إجابتي ؟.. قال :
كسلتُ عن إجابتك ، وأمنْت عقوبتك .. فقال : الحمد لله الذي جعلني ممن يأمنُه خلقُه ، امض فأنت حرٌّ لوجه الله.ص48
المصدر: المناقب 1/316

كان علي (ع) في صلاة الصبح ، فقال ابن الكوّاء من خلفه : { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } .. فأنصت علي (ع) تعظيماً للقرآن حتى فرغ من الآية ، ثم عاد في قراءته ، ثم أعاد ابن الكوّاء الآية ، فأنصت علي (ع) أيضا ، ثم قرأ فأعاد ابن الكوّاء ، فأنصت علي (ع) ثم قال :
{ فاصبر إنّ وعد الله حقٌّ ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون } ، ثم أتم السورة وركع . ص48
المصدر: المناقب 1/316

بعث أمير المؤمنين (ع) إلى لبيد بن عطارد التميمي في كلام بلَغَه ، فمرّ به أمير المؤمنين (ع) في بني أسد ، فقام إليه نعيم بن دجاجة الأسدي فأفلته ، فبعث إليه أمير المؤمنين (ع) فأتوه به ، وأمر به أن يضرب .. فقال له :
نعم ، والله إنّ المقام معك لذلٌّ ، وإن فراقك لكفرٌ ، فلما سمع ذلك منه قال : قد عفونا عنك ، إنّ الله عزّ وجلّ يقول : { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } ما قولك : إن المقام معك لذلّ فسيئة اكتسبتها ، وأما قولك إنّ فراقك لكفر فحسنة اكتسبتها ، فهذه بهذه . ص49
المصدر: المناقب 1/316

مرّت امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم ، فقال أمير المؤمنين (ع) : إنّ أبصار هذه الفحول طوامع ، وإنّ ذلك سبب هناتها ، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلمس أهله ، فإنما هي امرأة كامرأة .
فقال رجل من الخوارج : قاتله الله كافراً ما أفقهه !.. فوثب القوم ليقتلوه فقال (ع) : رويداً إنما هو سبّ بسبّ ، أو عفو عن ذنب . ص49
المصدر: المناقب 1/316

جاءه أبو هريرة – وكان تكلّم فيه وأسمعه في اليوم الماضي – وسأله حوائجه فقضاها ، فعاتبه أصحابه على ذلك فقال : إني لأستحيي أن يغلب جهلُه علمي ، وذنبُه عفوي ، ومسألتُه جودي . ص49
المصدر: المناقب 1/316

دخلت مع أمير المؤمنين (ع) على عثمان فأحبّ الخلوة ، فأومأ إليّ بالتنحي فتنحيت غير بعيد ، فجعل عثمان يعاتبه وهو مطرقٌ رأسه ، وأقبل إليه عثمان فقال : ما لك لا تقول ؟..
فقال (ع) : ليس جوابك إلا ما تكره ، وليس لك عندي إلا ما تحبّ ، ثم خرج قائلا :

ص50
المصدر: المناقب 1/317

قالت عائشة يوم الجمل : ملكتَ فاسجح ، فجهّزها أحسن الجهاز ، وبعث معها بتسعين امرأة أو سبعين ، واستأمنت لعبد الله بن الزبير على لسان محمد بن أبي بكر ، فآمنه وآمن معه سائر الناس . ص50
المصدر: المناقب 1/317
بيــان:
قال الجزري في النهاية : قالت عائشة لعلي (ع) يوم الجمل حين ظهر : ” ملكت فاسجح ” أي قدرت فسهّل فأحسن العفو ، وهو مثل سائر.ص50

وجيء بموسى بن طلحة بن عبيد الله فقال له (ع) : قل : ” أستغفر الله وأتوب إليه ” ، ثلاث مرات ، وخلّى سبيله ، وقال :
اذهب حيث شئتَ !.. وما وجدتَ لك في عسكرنا من سلاحٍ أو كراعٍ فخذه ، واتق الله فيما تستقبله من أمرك ، واجلس في بيتك . ص50
المصدر: المناقب 1/317

لما ضرب عليّ (ع) طلحة العبدري تركه ، فكبّر رسول الله (ص) ، وقال لعليّ (ع) : ما منعك أن تجُهز عليه ؟.. قال : إنّ ابن عمي ناشدني الله والرحم حين انكشفت عورته فاستحييته . ص50
المصدر: المناقب 1/317

لما أدرك عمرو بن عبدود لم يضربه ، فوقعوا في عليّ (ع) فردّ عنه حذيفة فقال النبي (ص) : مه يا حذيفة !.. فإنّ عليّا سيذكر سبب وقفته ، ثم إنه ضربه .. فلما جاء سأله النبي (ص) عن ذلك فقال : قد كان شَتَم أمي وتَفَل في وجهي ، فخشيت أن أضربه لحظّ نفسي ، فتركته حتى سكن ما بي ثم قتلته في الله . ص51
المصدر: المناقب 1/317

إنّ عليّا (ع) لم يقم مرة على المنبر إلا قال في آخر كلامه قبل أن ينزل :
ما زلت مظلوماً منذ قبض الله نبيه ، وكان (ع) بشْره دائم ، وثغره باسم ، غيث لمن رغب ، وغياث لمن ذهب ، مآل الآمل ، وثمال الأرامل ، يتعطف على رعيته ، ويتصرف على مشيّته ، ويكفّه بحجته ، ويكفيه بمهجته . ص51
المصدر: المناقب 1/317

نظر علي (ع) إلى امرأة على كتفها قربةُ ماء ، فأخذ منها القربة فحملها إلى موضعها ، وسألها عن حالها فقالت : بعث علي بن أبي طالب صاحبي إلى بعض الثغور فقُتل ، وترك عليّ صبياناً يتامى ، وليس عندي شيءٌ ، فقد ألجأتني الضرورة إلى خدمة الناس .
فانصرف وبات ليلته قلقاً ، فلما أصبح حمل زنبيلاً فيه طعام ، فقال بعضهم : أعطني أحملُه عنك ، فقال : من يحمل وزري عني يوم القيامة ؟.. فأتى وقرع الباب ، فقالت : من هذا ؟.. قال : أنا ذلك العبد الذي حمل معك القربة ، فافتحي فإنّ معي شيئاً للصبيان ، فقالت : رضي الله عنك وحكم بيني وبين علي بن أبي طالب .
فدخل (ع) وقال : إني أحببت اكتساب الثواب ، فاختاري بين أن تعجنين وتخبزين وبين أن تعلّلين الصبيان لأخبز أنا ، فقالت : أنا بالخبز أَبصر وعليه أَقدر ، ولكن شأنك والصبيان ، فعلّلهم حتى أفرغ من الخبز .
قالت : فعمدت إلى الدقيق فعجنتُه ، وعمد علي (ع) إلى اللحم فطبخَه ، وجعل يلقّم الصبيان من اللحم والتمر وغيره ، فكلما ناول الصبيان من ذلك شيئاً قال له :
يا بنيّ !.. اجعل علي بن أبي طالب في حلّ مما أمر في أمرك ، فلما اختمر العجين قالت : يا عبد الله !.. إسجر التنور ، فبادر لسجره فلما أشعله ولفح في وجهه جعل يقول : ذق يا عليّ !.. هذا جزاء من ضيّع الأرامل واليتامى .. فرأته امرأة تعرفه فقالت : ويحك !.. هذا أمير المؤمنين ، قال :
فبادرت المرأة وهي تقول : واحيائي منك يا أمير المؤمنين !.. فقال : بل واحيائي منكِ يا أمة الله فيما قصّرت في أمركِ.ص52
المصدر: المناقب 1/317

قال الباقر (ع) : إنّ عليا (ع) صاحَبَ رجلاً ذميّاً ، فقال له الذميّ : أين تريد يا عبد الله ؟!.. قال : أريد الكوفة ، فلما عدل الطريق بالذميّ عدل معه عليّ ، فقال له الذميّ :
أليس زعمت تريد الكوفة ؟.. قال : بلى ، فقال له الذميّ : فقد تركتَ الطريق ، فقال : قد علمتُ ، فقال له :
فلِمَ عدلت معي وقد علمت ذلك ؟.. فقال له علي (ع) :
هذا من تمام حسن الصحبة أن يشيّع الرجل صاحبه هُنيئةً إذا فارقه ، وكذلك أمَرنا نبيُّنا ، فقال له : هكذا ؟.. قال : نعم .. فقال له الذميّ :
لا جرم إنما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة ، وأنا أُشهدك أني على دينك ، فرجع الذميّ مع عليّ (ع) ، فلما عرفه أسلم . ص53
المصدر: قرب الإسناد ص7

قال الصادق (ع) : دخل رجلان على أمير المؤمنين (ع) ، فألقى لكل واحد منهما وسادة ، فقعد عليها أحدهما وأبى الآخر ، فقال أمير المؤمنين (ع) :
اقعد عليها !.. فإنه لا يأبى الكرامة إلا الحمار ، ثم قال :
قال رسول الله (ص) : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه . ص53
المصدر: أصول الكافي 2/659

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى