الجزء الواحد والاربعون كتاب تاريخ الأمام علي (ع)

باب عبادته وخوفه (ع)

كنا جلوساً في مجلسٍ في مسجد رسول الله (ص) ، فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان ، فقال أبو الدرداء :
يا قوم !.. ألا أخبركم بأقلّ القوم مالاً وأكثرهم ورعاً وأشدّهم اجتهاداً في العبادة ؟.. قالوا : من ؟.. قال : أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) .
قال : فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلا معرضٌ عنه بوجهه ، ثم انتدب له رجلٌ من الأنصار فقال له : يا عويمر !.. لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحدٌ منذ أتيت بها .. فقال أبو الدرداء :
يا قوم !.. إني قائلٌ ما رأيتُ وليقلْ كلّ قوم منكم ما رأوا ، شهدت علي بن أبي طالب بشويحطات ( أي شجر يُتّخذ منه القسّي ) النجار ، وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممن يليه ، واستتر بمغيلات ( الشجر الكثير ) النخل ، فافتقدته وبَعُد عليّ مكانه ، فقلت : لحِقَ بمنزله ، فإذا أنا بصوت حزين ، ونغمة شجيّ وهو يقول :
” إلهي !.. كم من موبقة حلمتَ عن مقابلتها بنقمتك ، وكم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك .. إلهي !.. إن طال في عصيانك عمري ، وعظم في الصحف ذنبي ، فما أنا مؤمّل غير غفرانك ، ولا أنا براجٍ غير رضوانك ” .
فشغلني الصوتُ واقتفيت الأثر ، فإذا هو علي بن أبي طالب (ع) بعينه ، فاستترت له وأخملت الحركة ، فركع ركعات في جوف الليل الغابر ، ثم فرغ إلى الدعاء والبكاء والبثّ والشكوى ، فكان مما به الله ناجاه أن قال :
” إلهي !.. أفكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي ، ثم أذكر العظيم من أخْذك فتعظم عليّ بليّتي ” .
ثم قال : ” آه!.. إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها ، فتقول : خذوه ، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته ، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء ” .
ثم قال : ” آه !.. من نارٍ تنُضج الأكباد والكلى ، آه من نارٍ نزّاعة للشوى ، آهٍ !.. من غمرة من ملهبات لظى ” .
ثم أنعم في البكاء فلم أسمع له حسّاً ولا حركة ، فقلت : غلب عليه النوم لطول السهر ، أُوقظه لصلاة الفجر ، قال أبو الدرداء : فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحرّكته فلم يتحرك ، وزويته فلم ينزو ، فقلت :
{ إنا لله وإنا إليه راجعون } مات والله علي بن أبي طالب .. فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم ، فقالت فاطمة (ع) :
يا أبا الدرداء !.. ما كان من شأنه ومن قصته ؟.. فأخبرتُها الخبر ، فقالت : هي والله يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله .
ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ، ونظر إليّ وأنا أبكي ، فقال : مما بكاؤك يا أبا الدرداء ؟!.. فقلت : مما أراه تُنزله بنفسك ، فقال :
يا أبا الدرداء !.. فكيف ولو رأيتني ودُعي بي إلى الحساب ، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب ، واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ ، فوقفتُ بين يدي الملك الجبار ، قد أسلمني الأحباء ورحمني أهل الدنيا ، لكنتَ أشدّ رحمةً لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية ، فقال أبو الدرداء : فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله (ص) . ص12

المصدر:أمالي الصدوق ص48

قال عليّ (ع) في موضع آخر : إلهي !.. ما عبدتك خوفاً من عقابك ، ولا طمعاً في ثوابك ، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك . ص14

المصدر:شرح مئة كلمة ص219

كنت عند النبي (ص) وعلي إلى جنبه ، إذ قرأ النبي (ص) هذه الآية : { أمّن يجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض } ، فارتعد علي (ع) فضرب النبي (ص) على كتفيه وقال :
ما لك يا علي ؟!.. قال : قرأتَ يا رسول الله هذه الآية فخشيت أن أُبتلى بها ، فأصابني ما رأيت ، فقال رسول الله (ص) :
لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق إلى يوم القيامة . ص14

المصدر:المناقب 1/306
بيــان:
سيأتي في مكارم أخلاق علي بن الحسين عن الباقر (ع) أنه قال : كان علي بن الحسين (ع) يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة كما كان يفعل أمير المؤمنين (ع) ، كان له خمسمائة نخلة ، فكان يصلي عند كل نخلة ركعتين . ص15

قال الصادق (ع) : كان علي (ع) قد اتخذ بيتاً في داره ، ليس بالكبير ولا بالصغير ، وكان إذا أراد أن يصلّي من آخر الليل ، أخذ معه صبياً لا يحتشم منه ثم يذهب معه إلى ذلك البيت فيصلّي . ص15
المصدر: قرب الإسناد ص75

بتّ ليلة عند أمير المؤمنين (ع) فكان يصلي الليل كلّه ، ويخرج ساعة بعد ساعة فينظر إلى السماء ويتلو القرآن .
فمرّ بي بعد هدء من الليل ، فقال : يا نوف !.. أراقدٌ أنت أم رامقٌ ؟.. قلت : بل رامقٌ أرمقك ببصري يا أمير المؤمنين .
قال : يا نوف !.. طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة ، أولئك الذين اتخذوا الأرض بساطاً ، وترابها فراشاً ، وماءها طيباً ، والقرآن دثاراً ، والدعاء شعاراً ، وقُرّضوا من الدنيا تقريضاً على منهاج عيسى بن مريم .
إنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى عيسى بن مريم :
قل للملأ من بني إسرائيل : لا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بقلوب طاهرة ، وأبصار خاشعة ، وأكفّ نقية ، وقل لهم : اعلموا أني غير مستجيب لأحد منكم دعوة ولأحد من خلقي قبله مظلمة . ص12
المصدر: الخصال 1/164

قال علي (ع) : ما تركت صلاة الليل منذ سمعت قول النبي (ص) صلاة الليل نور ، فقال ابن الكوّاء : ولا ليلة الهرير ؟.. قال : ولا ليلة الهرير . ص17
المصدر: المناقب 1/323

سألت أم سعيد – سرية عليّ – عن صلاة عليّ في شهر رمضان ، فقالت : رمضان وشوال سواء ، يحيي الليل كله . ص17
المصدر: المناقب 1/323

كان (ع) إذا حضر وقت الصلاة تلوّن وتزلزل ، فقيل له : ما لك ؟.. فيقول :
جاء وقت أمانة عرضها الله تعالى على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ، وحملها الإنسان في ضعفي ، فلا أدري أُحسن إذا ما حملتُ أم لا.ص17
المصدر: المناقب 1/323

أخذ زين العابدين (ع) بعض صحف عباداته ، فقرأ فيها يسيراً ثم تركها من يده تضجّرا وقال : مَن يقوى على عبادة علي بن أبي طالب (ع) ؟.. ص17
المصدر: المناقب 1/323

لما نزلت الآيات الخمس في طس : { أم من جعل الأرض قرارا } ، انتفض عليّ انتفاض العصفور ، فقال له رسول الله (ص) :
ما لك يا عليّ ؟!.. قال :
عجبت يا رسول الله من كفرهم وحلم الله تعالى عنهم .. فمسحه رسول الله (ص) بيده ثم قال :
ابشر !.. فإنه لا يبغضك مؤمنٌ ولا يحبّك منافقٌ ، ولولا أنت لم يُعرف حزب الله . ص18
المصدر: المناقب 1/323

أُهدي إلى رسول الله (ص) ناقتان عظيمتان ، فجعل إحداهما لمن يصلّي ركعتين لا يهمّ فيهما بشيء من أمر الدنيا ، ولم يجبه أحدٌ سوى عليّ (ع) فأعطاه كلتيهما . ص18
المصدر: البيان لابن شهر آشوب

قال العسكري (ع) : لقد أصبح رسول الله (ص) يوماً وقد غصّ مجلسه بأهله ، فقال : أيكم اليوم أنفق من ماله ابتغاء وجه الله ؟.. فسكتوا .. فقال علي (ع) :
أنا خرجت ومعي دينار أُريد أشتري به دقيقاً ، فرأيت المقداد بن أسود وتبيّنت في وجهه أثر الجوع ، فناولته الدينار .. فقال رسول الله (ص) : وجبت ، ثم قام آخر فقال :
قد أنفقتُ اليوم أكثر مما أنفق عليّ ، جهّزت رجلاً وامرأة يريدان طريقاً ولا نفقة لهما ، فأعطيتهما ألف درهم ، فسكت رسول الله (ص) ، فقالوا :
يا رسول الله !.. ما لك قلت لعليّ : ” وجبت ” ولم تقل لهذا وهو أكثر صدقة ؟.. فقال رسول الله :
أما رأيتم ملِكا يهدي خادمه إليه هدية خفيفة ، فيحسن موقعها ويرفع محل صاحبها ، ويُحمل إليه من عند خادمٍ آخر هدية عظيمة ، فيردّها ويستخفّ بباعثها ؟.. قالوا : بلى ، قال :
فكذلك صاحبكم علي دفع ديناراً منقاداً لله سادّاً خلّة فقير مؤمن ، وصاحبكم الآخر أعطى ما أعطى معاندةً لأخي رسول الله ، يريد به العلو على علي بن أبي طالب (ع) ، فأحبط الله عمله وصيّره وبالاً عليه .
أما لو تصدّق بهذه النية من الثرى إلى العرش ذهباً أو لؤلؤاً ، لم يزدد بذلك من رحمة الله إلا بُعداً ، ولسخط الله تعالى إلا قرباً ، وفيه ولوجاً واقتحاماً …. الخبر . ص19
المصدر: تفسير الإمام ص30

بينا أنا ونوف نائمين في رحبة القصر ، إذ نحن بأمير المؤمنين (ع) في بقية من الليل ، واضعاً يده على الحائط شبيه الواله ، وهو يقول : { إن في خلق السماوات والأرض } إلى آخر الآية ، قال :
ثم جعل يقرأ هذه الآيات ويمرّ شبه الطائر عقلُه ، فقال لي : أراقدٌ أنت يا حبة أم رامقٌ ؟.. قلت : رامق هذا ، أنت تعمل هذا العمل فكيف نحن ؟!..
فأرخى عينيه فبكى ، ثم قال لي : يا حبة !.. إنّ لله موقفاً ولنا بين يديه موقفاً ، لا يخفى عليه شيء من أعمالنا .
يا حبة !.. إنّ الله أقرب إليّ وإليك من حبل الوريد .
يا حبة !.. إنه لن يحجبني ولا إياك عن الله شيء ، ثم قال :
أراقد أنت يا نوف ؟!.. قال : لا يا أمير المؤمنين ما أنا براقد ، ولقد أطلتَ بكائي هذه الليلة .. فقال :
يا نوف !.. إن طال بكاؤك في هذا الليل مخافةً من الله تعالى ، قرّت عيناك غداً بين يدي الله عزّ وجلّ .
يانوف !.. إنه ليس من قطرة قطرت من عين رجل من خشية الله ، إلا أطفأت بحاراً من النيران .
يا نوف !.. إنه ليس من رجل أعظم منزلة عند الله من رجل بكى من خشية الله ، وأحب في الله وأبغض في الله .
يا نوف !.. إنه من أحب في الله لم يستأثر على محبته ، ومن أبغض في الله لم ينل ببغضه خيراً ، عند ذلك استكملتم حقائق الإيمان .
ثم وعظهما وذكّرهما وقال في أواخره : فكونوا من الله على حذر فقد أنذرتكما ، ثم جعل يمر وهو يقول : ليت شعري في غفلاتي أمعرض أنت عني أم ناظر إليّ ؟.. وليت شعري في طول منامي وقلة شكري في نعمك عليّ ما حالي ؟.. فوالله ما زال في هذا الحال حتى طلع الفجر . ص 23
المصدر: فلاح السائل

قال السجاد (ع) : صلّى أمير المؤمنين (ع) الفجر ، ثم لم يزل في موضعه حتى صارت الشمس على قيد رمح ، وأقبل على الناس بوجهه ، فقال :
والله لقد أدركت أقواماً يبيتون لربهم سجّداً وقياماً يخالفون بين جباههم ورُكَبهم ، كأنّ زفير النار في آذانهم ، إذا ذُكر الله عندهم مادوا كما يميد الشجر ، كأنما القوم باتوا غافلين ، ثم قام فما رُئي ضاحكاً حتى قُبض (ع) . ص24
المصدر: أصول الكافي 2/236

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى