الجزء الاربعون كتاب تاريخ الأمام علي(ع)

باب زهده وتقواه وورعه (ع)

من أعلامه (ع) قوله : واعلم أنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ( أي الثوب الخلِق ) ، يسد فورة جوعه بقرصيه ، لا يطعم الفلذة ( أي القطعة من الكبد ) في حوله إلا في سنة أُضحيته ، ولن تقدروا على ذلك ، فأعينوني بورع واجتهاد ، وكأني بقائلكم يقول : إذا كان قوت ابن أبي طالب هذا قعد به الضعف عن مبارزة الأقران ومنازعة الشجعان ! ..
والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ، ولا بحركة غذائية ، ولكني أُيّدت بقوة ملكية ، ونفس بنور بارئها مضيئة . ص318
المصدر: الخرائج
بيــان:
قال في الخرائج : ومنها أنّ كلامه الوارد في الزهد والمواعظ والتذكير والزواجر ، إذا فكّر فيه المفكّر ولم يدر أنه كلام علي (ع) لا يشكّ أنه كلام من لا شغل له بغير العبادة ولا حظّ له في غير الزهادة ، وهذه من مناقبه العجيبة التي جمع بها بين الأضداد.ص319

قيل لعلي (ع) : أعط هذه الأموال لمن يُخاف عليه من الناس وفراره إلى معاوية ! فقال (ع) :
أتأمروني أن أطلب النصر بالجور ؟.. لا والله لا أفعل ما طلعت شمسٌ وما لاح في السماء نجمٌ ، والله لو كان ما لهم لي لواسيت بينهم ، وكيف وإنما هو أموالهم ؟.. ص321
المصدر: المناقب 1/303

دخلت عليه يوم عيد ، فإذا عنده فاثور ( أي خوان ) عليه خبز السمراء ، وصفحة فيها خطيفة (أي لبن يطبخ بدقيق ) ، وملبنة ( أي ملعقة ) .
فقلت : يا أمير المؤمنين !.. يوم عيدٍ وخطيفةٍ ؟.. فقال : إنما هذا عيدُ من غُفر له . ص326
المصدر: المناقب 1/305

وضع خوان من فالوذج بين يديه ، فوجأ (أي ضرب) بإصبعه حتى بلغ أسفله ، ثم سلّها ولم يأخذ منه شيئاً ، وتلمّظ ( أي تذوّق ) بإصبعه وقال : طيب طيب وما هو بحرام ، ولكن أكره أن أُعوّد نفسي بما لم أُعوّدها .
وعن الصادق (ع) أنه مدّ يده إليه ثم قبضها ، فقيل له في ذلك ، فقال : ذكرت رسول الله (ص) أنه لم يأكله ، فكرهت أن آكله .
وعن الصادق (ع) أنه قالوا له : تحرّمه ؟.. قال : لا ، ولكن أخشى أن تتوق إليه نفسي ، ثم تلا : { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا }.ص327
المصدر: المناقب 1/306

عن علي (ع) أنه تزوّج ليلى فجُعلت له حجلة ، فهتكها وقال : حسبُ آل عليّ ما هم فيه . ص327
المصدر: المناقب 1/306

بلغني أنّ علياً (ع) تزوّج امرأة فنجدت ( أي زيّنت ) له بيتاً ، فأبى أن يدخله.ص327
المصدر: المناقب 1/306

قال الباقر (ع) : إنه ما ورد عليه أمران كلاهما لله رضىً ، إلا أخذ بأشدّهما على بدنه .ص329
المصدر: المناقب 1/309

قال معاوية لضرار بن ضمرة : صف لي علياً ، قال : كان والله صوّاماً بالنهار قوّاماً بالليل ، يحبّ من اللباس أخشنه ، ومن الطعام أجشبه ، وكان يجلس فينا ، ويبتدئ إذا سكتنا ، ويجيب إذا سألنا ، يقسّم بالسوية ، ويعدل في الرعية ، لا يخاف الضعيفُ من جوره ، ولا يطمع القوي في ميله.
والله لقد رأيتُه ليلة من الليالي ، وقد أسدل الظلام سدوله وغارت نجومه ، وهو يتململ في المحراب تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين .
ولقد رأيته مسيلاً للدموع على خده ، قابضاً على لحيته ، يخاطب دنياه فيقول : يا دنيا !.. أبي تشوّقت ولي تعرّضت ؟.. لا حان حينك ، فقد أبنتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك ، فعيشك قصير وخطرك يسير ، آه من قلّة الزاد ، وبُعد السفر ، ووحشة الطريق!.. ص330
المصدر: المناقب 1/309

دخلت على علي بن أبي طالب (ع) العصر ، فوجدته جالساً بين يديه صحيفةٌ فيها لبن حازر ، أجد ريحه من شدة حموضته ، وفي يده رغيفٌ أرى قشار الشعير في وجهه ، وهو يكسر بيده أحيانا ، فإذا غلبه كسره بركبته وطرحه فيه ، فقال :
ادن فأصبْ من طعامنا هذا !.. فقلتُ : إني صائمٌ ، فقال : سمعتُ رسول الله (ص) يقول :
من منعه الصوم من طعام يشتهيه ، كان حقاً على الله أن يطعمه من طعام الجنة ، ويسقيه من شرابها ، فقلت لجاريته وهي قائمة بقريب منه :
ويحك ِيا فضة !.. ألا تتقين الله في هذا الشيخ ؟.. ألا تنخلون له طعاماً مما أرى فيه من النخالة ؟.. فقالت :
لقد تقدّم إلينا أن لا ننخل له طعاماً ، ما قلت لها فأخبرتْهُ ( أي عليّا ) .. فقال : بأبي وأمي !.. من لم ينخل له طعامٌ ، ولم يشبع من خبز البر ثلاثة أيام حتى قبضه الله عزّ وجلّ . ص331
المصدر: كشف الغمة ص47

وروي عن ابن غفلة مثله ، ثم قال : وقال لعقبة بن علقمة :
يا أبا الجندب !. أدركتُ رسول الله (ص) يأكل أيبس من هذا ، ويلبس أخشن من هذا ، فإن أنا لم آخذ به خفتُ أن لا ألحق به . ص331
المصدر: المناقب 1/305

قال أمير المؤمنين (ع) وقد أمر بكنس بيت المال ورشّه : يا صفراء غرّي غيري ، يا بيضاء غرّي غيري!.. ص333
المصدر: كشف الغمة ص47

خرج (ع) يوماً وعليه إزارٌ مرقوعٌ ، فعُوتب عليه ، فقال : يخشع القلب بلبسه ، ويقتدي به المؤمن إذا رآه عليّ . ص334
المصدر: كشف الغمة ص49

خرج يوماً إلى السوق ومعه سيفه ليبيعه ، فقال : مَن يشتري مني هذا السيف ؟.. فو الذي فلق الحبة !.. لطالما كشفت به الكُرب عن وجه رسول الله (ص) ، ولو كان عندي من إزار لما بعته . ص335
المصدر: كشف الغمة ص49

كان (ع) قد ولّى على عكبرا (بلدة قرب بغداد) رجلاً من ثقيف ، قال : قال لي علي (ع) : إذا صلّيت الظهر غداً فعد إليّ ، فعدتُ إليه في الوقت المعيّن فلم أجد عنده حاجباً يحبسني دونه ، فوجدته جالساً وعنده قدح وكوز ماء ، فدعا بوعاء مشدود مختوم.. فقلت في نفسي :
لقد أمِننَي حتى يخرج إليّ جوهراً ، فكسر الختم وحلّه فإذا فيه سويق ، فأخرج منه فصبّه في القدح وصبّ عليه ماءً ، فشرب وسقاني ، فلم أصبر فقلت :
يا أمير المؤمنين !.. أتصنع هذا في العراق وطعامه كما ترى في كثرته ؟.. فقال : أما والله ما أختم عليه بخلاً به ، ولكني أبتاع قدر ما يكفيني ، فأخاف أن ينقص فيُوضع فيه من غيره ، وأنا أكره أن أُدخل بطني إلا طيباً ، فلذلك أحترز عليه كما ترى ، فإياك وتناول ما لا تعلم حلّه . ص335
المصدر: كشف الغمة ص49

قال الصادق (ع) : كان رسول الله (ص) يسلّم على النساء ويرددن عليه السلام .. وكان أمير المؤمنين (ع) يسلّم على النساء وكان يكره أن يسلّم على الشابة منهن ، ويقول : أتخوّف أن تعجبني صوتها ، فيدخل عليّ أكثر مما أطلب من الأجر .
المصدر: فروع الكافي 5/535
بيــان:
لعلّه (ع) إنما فعل ذلك وقال ما قال ، تعليماً للأمة . ص335

من كلام له (ع) بالبصرة ، وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي يعوده وهو من أصحابه ، فلما رأى سعة داره قال : ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا ؟.. أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج ، وبلى إن شئتَ بلغت بها الآخرة تُقري فيها الضيف ، وتصل منها الرحم ، وتطلع منها الحقوق مطالعها ، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة .. فقال له العلاء :
يا أمير المؤمنين !.. أشكو إليك أخي عاصم بن زياد ، قال : وما له ؟.. قال : لبس العباء وتخلّى من الدنيا ، قال : عليّ به ، فلما جاء قال :
يا عُدي نفسه !.. لقد استهام بك الخبيث ، أما رحمتَ أهلك وولدك ؟.. أترى الله أحلّ الطيبات وهو يكره أن تأخذها ؟.. أنت أهون على الله من ذلك ، قال :
يا أمير المؤمنين !.. هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك .. قال :
ويحك !.. إني لست كأنت ، إنّ الله فرض على أئمة الحقّ أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس ، كيلا يتبيّغ بالفقير فقره.ص337
المصدر: النهج 1/448

من كتاب له (ع) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري ، وهو عامله على البصرة ، وقد بلغه أنه دُعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها :
أما بعد يا بن حنيف !.. فقد بلغني أنّ رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها ، يُستطاب لك الألوان ، وتُنقل إليك الجفان ( أي القصعة الكبيرة ) ، وما ظننتُ أنك تجيب إلى طعام قوم : عائلهم مجفوّ وغنيهم مدعوّ فانظر إلى ما تقضمه ( أي تأكله بأطراف اللسان ) من هذا المقضم ، فما اشتبه عليك علمه فالفظه ، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه ، ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يُقتدى به ويستضاء بنور علمه .
ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ( أي الإزار والرداء ) ، ومن طعمه بقرصيه ، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، فو الله ما كنزت من دنياكم تبراً ، ولا ادّخرت من غنائهما وفراً ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً ، بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء ، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين ، ونعم الحكم الله .
وما أصنع بفدك وغير فدك ؟.. والنفس مظانّها في غدٍ جدثٌ تنقطع في ظلمته آثارها ، وتغيب أخبارها ، وحفرةٌ لو زِيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها ، لأضغطها الحجر والمدر ، وسدّ فُرجِها التراب المتراكم ، وإنما هي نفسي أروّضها بالتقوى ، لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلق ، ولو شئتُ لاهتديتُ الطريق إلى مصفّى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقيدني جشعي إلى تخير الأطعمة ، ولعلّ بالحجاز أو باليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع ، أو أن أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى ( أي جائعة ) وأكباد حرّى ( أي عطشانة ) ، أوأكون كما قال القائل :

أأقنع من نفسي بأن يُقال : أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم في مكاره الدهر ؟.. أو أكون أسوةً لهم في جشوبة العيش ؟.. فما خُلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّهما ، تكترش ( أي تملأ الكرش ) من أعلافها وتلهو عما يُراد بها ، أو أُترك سدىً ، أو أُهمل عابثاً ، أو أجرّ حبل الضلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة .
وكأني بقائلكم يقول : إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب ، فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان ، ألا وإنّ الشجرة البرية أصلب عوداً ، والرواتع الخضرة أرقّ جلوداً ، والنباتات البدوية أقوى وقوداً وأبطأ خموداً ، وأنا من رسول الله (ص) كالصنو من الصنو والذراع من العضد.
والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها ، ولو أمكنت الفرصة من رقابها لسارعت إليها ، وسأجهد في أن أطهر الأرض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس ( أي معاوية ) حتى تخرج المدرة ( أي قطعة الطين اليابس ) من بين حبّ الحصيد .
إليكِ عني يا دنيا !.. فحبلك على غاربك ، قد انسللت ُمن مخالبك ، وأفلت من حبائلك ، واجتنبتُ الذهاب في مداحضك ، أين القرون الذين غررتهم بمداعبك ؟.. أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك ؟.. ها هم رهائن القبور ومضامين اللحود .
والله !.. لو كنتِ شخصاً مرئياً وقالباً حسيّاً ، لأقمت عليك حدود الله في عبادٍ غرّرتهم بالأماني ، وأممٍ ألقيتهم في المهاوي ، وملوك أسلمتهم إلى التلف ، وأوردتهم موارد البلاء ، إذ لا وَرَد ولا صَدَر ، هيهات مَن وطأ دحضك زلق ، ومَن ركب لججك غرق ، ومَن ازورّ ( أي انحرف ) عن حبالك وُفّق ، والسالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه ( كناية عن الضيق ) ، والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه ، اعزبي عني!..
فو الله لا أذلّ لك فتستذليني ، ولا اُسلس لك فتقوديني ، وأيم الله يميناً أستثني فيها بمشيئة الله ، لأروضنّ نفسي رئاضة تهشّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوماً ، وتقنع بالملح مأدوما ، ولأدعنّ مقلتي كعين ماء نضب معينها ، مستفرغة دموعها ، أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك ؟.. وتشبع الربيضة ( أي جماعة البقر والغنم ) عن عشبها فتربض ؟.. ويأكل علي من زاده فيهجع ( أي فينام ) ؟.. قرّت إذاً عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة ( أي لا راعي لها ) والسائمة المرعية !..
طوبى لنفس أدّت إلى ربها فرضها ، وعركت ( أي احتملت ) بجنبها بؤسها ، وهجرت في الليل غمضها حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها وتوسّدت كفّها في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم ، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم ، وهمهمت بذكر ربهم شفاههم ، وتقشّعت ( أي زالت ) بطول استغفارهم ذنوبهم ، فاتق الله يا بن حنيف !.. ولتكفك أقراصك ليكون من النار خلاصُك . ص342
المصدر: النهج 2/72

قال أمير المؤمنين (ع) : ولو شئت لتسربلت بالعبقري المنقوش من ديباجكم ، ولأكلت لباب هذا البرّ بصدور دجاجكم ، ولشربت الماء الزلال برقيق زجاجكم ، ولكني أصدّق الله جلّت عظمته حيث يقول : { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار }.
فكيف أستطيع الصبر على نار لو قذفت بشررة إلى الأرض لأحرقت نبتها ، ولو اعتصمت نفس بقلّة لأنضجها وهج النار في قلّتها ، وإنما خيرٌ لعلي أن يكون عند ذي العرش مقرّباً أو يكون في لظى خسيئا مبعدا ، مسخوطاً عليه بجرمه مكذَّباً .
والله لئن أبيتُ على حسك السعدان مرقداً وتحتي أطمارٌ على سفاها ممددا ، أو أُجرّ في أغلالي مصفّداً ، أحبّ إليّ من أن ألقى في القيامة محمدا خائناً في ذي يتمة ، أظلمُه بفلسه متعمداً ، ولم أظلم اليتيم وغير اليتيم لنفس تسرع إلى البلى قفولها ، ويمتدّ في أطباق الثرى حلولها ، وإن عاشت رويداً فبذي العرش نزولها ….
ألا إن الحديث ذو شجون ، فلا يقولنّ قائلكم إنّ كلام عليّ متناقض ، لأنّ الكلام عارض ، ولقد بلغني أنّ رجلاً من قطّان المدائن تبع بعد الحنيفية علوجه ( أي الرجل الضخم من الكفار ) ، ولبس من نالة دهقانه منسوجه ، وتضمخ بمسك هذه النوافج صباحه ، وتبخّر بعود الهند رواحه ، وحوله ريحان حديقة يشمّ تفاحه ، وقد مُدّ له مفروشات الروم على سرره ، تعساً له بعد ما ناهز السبعين من عمره ، وحوله شيخ يدبّ على أرضه من هرمه ، وذا يتمة تضوّر من ضره ومن قَرَمه ، فما واساهم بفاضلات من علقمه ، لئن أمكنني الله منه لأخضمنه خضم البرّ ، ولأقيمنّ عليه حدّ المرتد ، ولأضربنه الثمانين بعد حدّ ، ولأسدنّ من جهله كل مسد ….
والله لقد رأيت عقيلاً أخي وقد أملق حتى استماحني من برّكم صاعة ، وعاودني في عشر وسق من شعيركم ، يُطعمه جياعه ويكاد يلوي ثالث أيامه خامصا ما استطاعه ، ورأيت أطفاله شُعث الألوان من ضرّهم ، كأنما اشمأزت وجوههم من قرّهم .
فلما عاودني في قوله وكرره أصغيت إليه سمعي ، فغرّه وظنني أُوتغ ديني فأتبع ما سرّه ، أحميت له حديدة ينزجر إذ لا يستطيع منها دنواً ولا يصبر ، ثم أدنيتها من جسمه ، فضجّ من ألمه ضجيج ذي دنف يئن من سُقمه ، وكاد يسبّني سفهاً من كظمه ، ولحرقة في لظى أضنى له من عدمه ، فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل !.. أتئن من حديدة أحماها إنسانها لمدعبِه ، وتجرّني إلى نار سجّرها جبّارها من غضبه ؟.. أتئن من الأذى ولا أئن من لظى ؟….
وأعجب بلا صنع منا من طارق طرقنا بملفوفات زمّلها في وعائها ، ومعجونة بسطها في إنائها ، فقلت له : أصدقة أم نذر أم زكاة ؟.. وكل ذلك يحرم علينا أهل بيت النبوة ، وعوّضنا منه خمس ذي القربى في الكتاب والسنة .. فقال لي : لا ذاك ولا ذاك ، ولكنه هدية ، فقلت له :
ثكلتك الثواكل !.. أفعن دين الله تخدعني بمعجونة عرّقتموها بقندكم ؟.. وخبيصة صفراء أتيتموني بها بعصير تمركم ؟.. أمختبط أم ذو جنّة أم تهجر ؟.. أليست النفوس عن مثقال حبة من خردل مسؤولة ؟.. فماذا أقول في معجونة أتزقّمها معمولة ..
والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها ، واسترقّ لي قطّانها مذعنةً بأملاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها شعيرة فألوكها ، ما قبلتُ ولا أردتُ ولدنياكم أهون عندي من ورقة في فيّ جرادة تقضمها ، وأقذر عندي من عراقة خنزير يقذف بها أجذمها ، وأمرّ على فؤادي من حنظلة يلوكها ذو سقم فيبشمها ، فكيف أقبل ملفوفات عكمتها في طيها ؟.. ومعجونة كأنها عجنت بريق حية أو قيئها ؟….
فدعوني أكتفي من دنياكم بملحي وأقراصي ، فبتقوى الله أرجو خلاصي ، ما لعلي ونعيم يفنى ، ولذة تنحتها المعاصي ؟.. سألقى وشيعتي ربنا بعيون ساهرة ، وبطون خماص { ليمحّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين } ، ونعوذ بالله من سيئات الأعمال ، وصلى الله على محمد وآله . ص348
المصدر: أمالي الصدوق ص368
بيــان:
قوله (ع) : ” ولو اعتصمت ” أي بعد قذف الشررة لو التجأت نفس أي رأس جبل ، لأنضج تلك النفس وهج النار – بسكون الهاء – أي اتقادها وحرها ، والضمير في ” قلّتها ” للنفس أو للنار ، والإضافة للملابسة .. “والأطمار” جمع طمر بالكسر وهو الثوب الخلق البالي .
” والسفا “: التراب الذي تسفيه الريح ، وكلّ شجر له شوك ، والضمير في ” سفاها ” راجع إلى الأرض بقرينة المقام أو إلى حسك السعدان أي ما ألقته الرياح من تلك الأشجار .
وفائدة ذكر هذه الفقرة أنّ البيتوتة على حسك السعدان على قسمين : الأول : البيتوتة على الساقط منه والشدة فيها قليلة .. الثاني : البيتوتة عليه حين هو على الشجرة والشدة فيها عظيمة ، ولا سيما إذا لم يكن مع فراش ، وهو المراد هنا .
والمراد بالتناقض هنا عدم التناسب ، ولقد أبدع من حمله على ظاهره وأوله بأن المعنى : لا يزعم زاعم أنه مناقض لكلام آخر له مذكور في الكافي موافقا لقوله تعالى : { قل من حرم زينة الله } كما توهّمه عاصم بن زياد .
ومعنى عارض أنه لا يلزم طريقة واحدة بل هو بحسب اقتضاء المقام ، فإن كان في مقام بيان حال الأمراء حسن فيه ذمّ الزينة وأكل الطيبات ، وإن كان في مقام بيان حال الرعية قبح فيه الذم المذكور ، إلا إذا لم يكن مؤمناً وافياً بحقوق ماله ، كما سيشير إليه انتهى ، ولا يخفى ما فيه .
والرجل الذي ذمّه يحتمل أن يكون معاوية ، بل هو الظاهر “فالمدائن “: جمع المدينة لا الناحية الموسومة بذلك ، والمراد ” بعلوجه ” آباؤه الكفرة شبّههم في كفرهم بالعلوج .
” والنالة “: جمع النائل وهو العطاء ، أي ليس من عطايا دهقانه أو مما أصاب وأخذ منه ما نسجه الدهقان .
” وتضمّخ بالطيب “: تلطّخ به ، ” والنوافج “: جمع نافجة معرّب نافة ، ” ونفح ” الطّيب نفاحا بالضم أي فاح ،” إنه دخل على امرأة وهي تتضور من شدة الحمى ” أي تتلوى وتصيح وتتقلب ظهراً لبطن .
” والقرم “: شدة شهوة اللحم ، “والعلقم “: الحنظل وكل شيء مرّ ، وإنما شبّه ما يأكله من الحرام بالعلقم لسوء عاقبته ، وكثيراً ما يُشبّه الحرام في عرف العرب والعجم بسمّ الحية والحنظل .
” والخضم” : الأكل بأقصى الأضراس .. ” وضرب الثمانين ” لشرب الخمر أو قذف المحصنة وقوله :
” ولأسدن من جهله كل مسد ” كناية عن إتمام الحجة وقطع أعذاره ، أو تضييق الأمر عليه .
” والإملاق “: الفقر .. ” والاستماحة “: طلب السماحة والجود .. قوله : ” يكاد يلوي ” لعلة من ليّ الغريم وهو مَطَله، أي يماطل أولاده في ثالث الأيام ما استطاع حال كونه خامصاً أي جائعاً .
” والأشعث ” : المغبّر الرأس .. ” واشمأز” الرجل : انقبض .
” والقرّ ” : بالضم البرد .. ” وأُوتغ “: أهلك . ص353

قوله (ع) : ” زملها ” : أي لفّها.. ” والعراقة ” : بالضم العظم إذا أُكل لحمه ، وضمير ” أجذمها ” للدنيا أو الجرادة بأدنى ملابسة .. “والجذام “: هو الداء المعروف المسري ، وفيه من المبالغات في الإنكار ما لا يتصور فوقها .. ” فبَشَمها ” أي لفظها بغضاً وعداوةً لها ، فلفظه مع اختلال ذائقته يدلّ على كمال مرارته ، وملفوظه أقذر من ملفوظ غيره لمرارة فيه ولتوهم سراية مرضه أيضا .. “وعكمت المتاع “: شددته ، والمراد ” بالطيّ ” هنا ما يطوى فيه الشيء . ص355

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى