الجزء الخامس والعشرون كتاب الامامة

باب نفي الغلو في النبي والأئمة صلوات الله عليه وعليهم وبيان معاني التفويض وما لا ينبغي أن ينسب إليهم منها وما ينبغي

قال رسول الله (ص): يا علي !.. مَثَلك في أمتي مَثَل المسيح عيسى بن مريم ، افترق قومه ثلاث فرق :
فرقةٌ مؤمنون وهم الحواريون ، وفرقةٌ عادوه وهم اليهود ، وفرقةٌ غَلَوا فيه فخرجوا عن الإيمان ، وإنّ أمتي ستفترق فيك ثلاث فرق :
ففرقةٌ شيعتك وهم المؤمنون ، وفرقةٌ عدوك وهم الشاكّون ، وفرقةٌ تغلو فيك وهم الجاحدون ، وأنت في الجنة يا علي ّ!.. وشيعتك ومحبّ شيعتك .. وعدوك والغالي في النار . ص265
المصدر: إيضاح دفائن النواصب ص33

قال رسول الله (ص) : لا ترفعوني فوق حقي ، فإنّ الله تعالى اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً . ص265
المصدر: نوادر الراوندي ص16

ومما خرج عن صاحب الزمان صلوات الله عليه ردّاً على الغلاة من التوقيع جواباً لكتاب كُتب إليه على يدي محمد بن علي بن هلال الكرخي :
يا محمد بن علي !.. تعالى الله عزّ وجلّ عمّا يصفون ، سبحانه وبحمده ، ليس نحن شركاءه في علمه ولا في قدرته ، بل لا يعلم الغيب غيره كما قال في محكم كتابه تبارك وتعالى :
{ قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } ، وأنا وجميع آبائي من الأولين : آدم ونوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من النبيين ، ومن الآخرين : محمد رسول الله وعلي بن أبي طالب والحسن والحسين وغيرهم ممن مضى من الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين ، إلى مبْلغ أيامي ومنتهى عصري عبيدُ الله عزّ وجلّ ، يقول الله عزّ وجلّ :
{ ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشةً ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال ربّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } .
يا محمد بن علي !.. قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم ، ومن دينه جناحُ البعوضة أرجحُ منه .. وأُشهد الله الذي لا إله إلا هو وكفى به شهيداً ، ومحمداً رسوله وملائكته وأنبياءه وأولياءه ، وأُشهِدك وأُشهِد كل مَن سمع كتابي هذا ، أني بريءٌ إلى الله وإلى رسوله ممن يقول إنا نعلم الغيب ، أو نشارك الله في مُلكه ، أو يُحلّنا محلاً سوى المحل الذي نصبه الله لنا وخلقنا له ، أو يتعدّى بنا عمّا قد فسرتُه لك وبينتهُ في صدر كتابي .
وأُشهدكم أنّ كل من نتبرأ منه ، فإنّ الله يبرأ منه وملائكته ورسله وأولياؤه ، وجعلتُ هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب أمانةً في عنقك وعنق مَن سمعه ، أن لا يكتمه من أحد من مواليّ وشيعتي حتى يظهر على هذا التوقيع الكل من الموالي ، لعلّ الله عزّ وجلّ يتلافاهم فيرجعون إلى دين الله الحقّ ، وينتهوا عمّا لا يعلمون منتهى أمره ولا يبلغ منتهاه .. فكلّ مَن فهم كتابي ولم يرجع إلى ما قد أمرته ونهيته ، فلقد حلّت عليه اللعنة من الله ، وممن ذكرت من عباده الصالحين . ص268
المصدر: الاحتجاج ص265
بيــان:
المراد من نفي علم الغيب عنهم ، أنهم لا يعلمونه من غير وحي وإلهام ، وأما ما كان من ذلك فلا يمكن نفيه ، إذ كانت عمدة معجزات الأنبياء والأوصياء (ع) الإخبار عن المغيبات ، وقد استثناهم الله تعالى في قوله : { إلا من ارتضى من رسول } . ص268

قلت للرضا (ع) : يا بن رسول الله !.. ما شيء يحكيه عنكم الناس ؟.. قال : وما هو ؟.. قلت : يقولون : إنكم تدّعون أنّ الناس لكم عبيد ، فقال : اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة !.. أنت شاهدٌ بأني لم أقل ذلك قطّ ، ولا سمعت أحداً من آبائي (ع) قال قطّ ، وأنت العالم بما لنا من المظالم عند هذه الأمة ، وإنّ هذه منها ، ثم أقبل عليّ فقال :
يا عبد السلام !.. إذا كان الناس كلّهم عبيدنا على ما حكوه عنا فممّن نبيعهم ؟.. فقلت : يا بن رسول الله صدقتَ ، ثم قال : يا عبد السلام !.. أمنكرٌ أنت لما أوجب الله عزّ وجلّ لنا من الولاية كما ينكره غيرك ؟.. قلت : معاذ الله بل أنا مقرٌّ بولايتكم.ص268
المصدر: العيون ص311

قال الصادق (ع) : اتقوا الله وعظّموا الله وعظّموا رسوله (ص) ، ولا تفضّلوا على رسول الله (ص) أحداً ، فإنّ الله تبارك وتعالى قد فضّله ، وأحبّوا أهل بيت نبيكم حبّاً مقتصداً ، ولا تغلوا ولا تفرّقوا ولا تقولوا ما لا نقول ، فإنكم إن قلتم وقلنا متّم ومتّنا ، ثم بعثكم الله وبعثنا فكنا حيث يشاء الله وكنتم.ص269
المصدر: قرب الإسناد ص61
بيــان:
أي حيث يشاء الله في مكان غير مكاننا ، أو محرومين عن لقائنا ، هذا إذا كان المراد بقوله : قلتم وقلنا غير قولنا كما هو الظاهر ، وإن كان المعنى قلتم : مثل قولنا ، كان المعنى كنتم معنا أو حيث كنا ، أو هو عطف على كنا.ص269

قال الرضا (ع) : ومن تجاوز بأمير المؤمنين (ع) العبودية ، فهو من المغضوب عليهم ومن الضالين ، وقال أمير المؤمنين (ع) : ” لا تتجاوزوا بنا العبودية ثم قولوا ما شئتم ولن تبلغوا ، وإياكم والغلو كغلو النصارى ، فإني بريءٌ من الغالين ” فقام إليه رجلٌ فقال له : يا بن رسول الله !.. صف لنا ربك فإنّ من قبلنا قد اختلفوا علينا ، فقال الرضا (ع) :
إنه مَن يصف ربه بالقياس فإنه لا يزال الدهر في الالتباس ، مائلاً عن المنهاج ، طاعناً ( أي ذاهبا كثيرا ) في الاعوجاج ، ضالاً عن السبيل ، قائلاً غير الجميل ثم قال : أعرّفُه بما عرّف به نفسه ، أعرّفُه من غير رؤية ، وأصفُه بما وصف به نفسه ، أصفُه من غير صورة ، لا يُدرك بالحواس ، ولا يُقاس بالناس ، معروفٌ بالآيات ، بعيدٌ بغير تشبيه ، ومتدانٍ في بعده بلا نظير ، لا يُتوهّم ديمومته ، ولا يُمثّل بخليقته ، ولا يجور في قضيته .
الخلق إلى ما عُلم منهم منقادون ، وعلى ما سُطّر في المكنون من كتابه ماضون ، لا يعملون بخلاف ما عُلم منهم ولا غيره يريدون ، فهو قريبٌ غير ملتزق ، وبعيدٌ غير متقصّ ( أي غير بالغ الغاية في البعد ) ، يُحقّق ولا يُمثّل ، ويُوحّد ولا يُبعّض ، يُعرف بالآيات ، ويثبّت بالعلامات ، ولا إله غيره الكبير المتعال .
فقال الرجل :
بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله !.. فإنّ معي من ينتحل موالاتكم ، ويزعم أن هذه كلها صفات علي (ع) ، وأنه هو الله رب العالمين .
فلما سمعها الرضا (ع) ارتعدت فرائصه وتصبّب عرقاً ، وقال : سبحان الله ، سبحان الله عمّا يقول الظالمون والكافرون علواً كبيراً !.. أو ليس كان علي (ع) آكلاً في الآكلين ، وشارباً في الشاربين ، وناكحاً في الناكحين ، ومحدثا في المحدثين ؟.. وكان مع ذلك مصلّياً خاضعاً بين يدي الله ذليلاً ، وإليه أوّاهاً منيباً أفمن كان هذه صفته يكون إلهاً ؟..
فإن كان هذا إلهاً ، فليس منكم أحدٌ إلا وهو إلهٌ لمشاركته له في هذه الصفات الدالات على حدث كل موصوف بها ، فقال الرجل :
يا بن رسول الله !.. إنهم يزعمون أنّ علياً لما أظهر من نفسه المعجزات التي لا يقدر عليها غير الله دلّ على أنه إله ، ولمّا ظهر لهم بصفات المحدثين العاجزين لُبّس ذلك عليهم ، فامتحنهم ليعرفوه ، وليكون إيمانهم به اختياراً من أنفسهم .
فقال الرضا (ع) : أول ما ههنا أنهم لا ينفصلون ممن قلّب هذا عليهم ، فقال : لما ظهر منه الفقر والفاقة ، دلّ على أن مَن هذه صفاته وشاركه فيها الضعفاء المحتاجون ، لا تكون المعجزات فعلُه ، فعُلم بهذا أنّ الذي ظهر منه من المعجزات إنما كانت فعل القادر الذي لا يشبه المخلوقين ، لا فعل المحدَث المحتاج المشارك للضعفاء في صفات الضعف .
ثم قال الرضا (ع) : إنّ هؤلاء الضلاّل الكفرة ما أُتوا إلا من قِبَل جهلهم بمقدار أنفسهم ، حتى اشتدّ إعجابهم بها ، وكثُر تعظيمهم لما يكون منها ، فاستبدّوا بآرائهم الفاسدة ، واقتصروا على عقولهم المسلوك بها غير سبيل الواجب ، حتى استصغروا قدر الله واحتقروا أمره وتهاونوا بعظيم شأنه ، إذ لم يعلموا أنه القادر بنفسه ، الغني بذاته التي ليست قدرته مستعارةً ولا غناه مستفاداً ، والذي مَن شاء أفقره ، ومَن شاء أغناه ، ومَن شاء أعجزه بعد القدرة ، وأفقره بعد الغنى .
فنظروا إلى عبدٍ قد اختصه الله بقدرته ، ليبين بها فضله عنده ، وآثره بكرامته ليوجب بها حجته على خلقه ، وليجعل ما آتاه من ذلك ثواباً على طاعته ، وباعثاً على اتباع أمره ، ومؤمناً عباده المكلّفين من غلط من نصبه عليهم حجّة ولهم قدوة ، وكانوا كطلاب ملِك من ملوك الدنيا ينتجعون فضله ، ويأملون نائله ، ويرجون التفيؤ بظلّه والانتعاش بمعروفه ، والانقلاب إلى أهلهم بجزيل عطائه الذي يعينهم على كَلَب الدنيا ، وينقذهم من التعرّض لدنيّ المكاسب وخسيس المطالب .
فبينا هم يسألون عن طريق الملك ليترصدوه – وقد وجّهوا الرغبة نحوه وتعلّقت قلوبهم برؤيته – إذ قيل : سيطلع عليكم في جيوشه ومواكبه وخيله ورجله ، فإذا رأيتموه فأعطوه من التعظيم حقّه ، ومن الإقرار بالمملكة واجبَه ، وإياكم أن تسمّوا باسمه غيره ، وتعظّموا سواه كتعظيمه ، فتكونوا قد بخستم الملك حقه ، وأزريتم عليه واستحققتم بذلك منه عظيم عقوبته .
فقالوا : نحن كذلك فاعلون جهْدنا وطاقتنا ، فما لبثوا أن طلع عليهم بعضُ عبيد الملك في خيل قد ضمّها إليه سيده ، ورجلٌ قد جعلهم في جملته وأموال قد حباه بها ، فنظر هؤلاء وهم للملك طالبون ، واستكبروا ما رأوه بهذا العبد من نعم سيده ، ورفعوه عن أن يكون من هو المنعم عليه بما وجدوا معه عبدا ، فأقبلوا يحيّونه تحية الملك ويسمّونه باسمه ، ويجحدون أن يكون فوقه ملك أو له مالك .
فأقبل عليهم العبد المنعَم عليه وسائر جنوده بالزجر والنهي عن ذلك والبراءة مما يسمّونه به ، ويخبرونهم بأنّ الملك هو الذي أنعم عليه بهذا واختصّه به ، وإنّ قولكم ما تقولون ، يوجب عليكم سخط الملك وعذابه ، ويفوتكم كل ما أمّلتموه من جهته.
وأقبل هؤلاء القوم يكذّبونهم ويردّون عليهم قولهم ، فما زال كذلك حتى غضب عليهم الملك لما وجد هؤلاء قد ساووا به عبده ، وأزروا عليه في مملكته ، وبخسوه حقّ تعظيمه ، فحشرهم أجمعين إلى حبسه ، ووكّل بهم من يسومهم سوء العذاب ، فكذلك هؤلاء وجدوا أمير المؤمنين عبداً أكرمه الله ليبيّن فضله ويُقيم حجته ، فصغر عندهم خالقُهم أن يكون جعل علياً له عبداً ، وأكبروا علياً عن أن يكون الله عزّ وجلّ له رباً ، فسمّوه بغير اسمه ، فنهاهم هو وأتباعه من أهل ملته وشيعته…. الخبر.ص278
المصدر: الاحتجاج ص242 ، تفسير الإمام ص18

قال الصادق (ع) : أخبرني عن حمزة أيزعم أن أبي آتيه ؟!.. قلت : نعم ، قال :
كذب والله ما يأتيه إلا المتكوّن ، إنّ إبليس سلّط شيطاناً يقال له المتكوّن يأتي الناس في أي صورة شاء ، إنْ شاء في صورة كبيرة ، وإن شاء في صورة صغيرة ، ولا والله ما يستطيع أن يجيء في صورة أبي (ع) . ص281
المصدر: الكشي ص193

قال الصادق (ع) : تراءى والله إبليس لأبي الخطاب على سور المدينة أو المسجد ، فكأني أنظر إليه وهو يقول : إيهاً تظفر الآن ، إيهاً تظفر الآن . ص281
المصدر: الكشي ص195
بيــان:
الظاهر أنّ إبليس إنما قال له ذلك عندما أتى العسكرُ لقتله ، فحرضّه على القتال ليكون أدعى لقتله ، فالمعنى اسكت ولا تتكلم بكلمة توبة واستكانة فإنك تظفر عليهم الآن ، ويحتمل الرضا والتصديق أيضا.ص282

كنت جالساً عند الصادق (ع) فقال له رجل : جعلت فداك !.. إنّ أبا منصور حدّثني أنه رُفع إلى ربه وتمسح على رأسه ، وقال له بالفارسية يا بسر !.. فقال له الصادق (ع) :
حدثني أبي عن جدي أنّ رسول الله (ص) قال :
إنّ إبليس اتخذ عرشاً فيما بين السماء والأرض ، واتخذ زبانية بعدد الملائكة ، فإذا دعا رجلاً فأجابه وُطئ عقبُه وتخطت إليه الأقدام ، تراءى له إبليس ورُفع إليه ، وإنّ أبا منصور كان رسول إبليس ، لعن الله أبا منصور ، لعن الله أبا منصور ، ثلاثاً . ص282
المصدر: الكشي ص195

قال الباقر (ع) : إنّ عبد الله بن سبأ كان يدّعي النبوة ، ويزعم أنّ أمير المؤمنين (ع) هو الله – تعالى عن ذلك – فبلغ ذلك أمير المؤمنين (ع) فدعاه وسأله ، فأقرّ بذلك وقال : نعم أنت هو ، وقد أُلقي في روعي أنك أنت الله وأني نبيّ .
فقال له أمير المؤمنين (ع) : ويلك !.. قد سخر منك الشيطان ، فارجع عن هذا ثكلتك أمك وتب !.. فأبى فحبسه واستتابه ثلاثة أيام ، فلم يتب فأحرقه بالنار ، وقال : إنّ الشيطان استهواه ، فكان يأتيه ويلقي في روعه ذلك . ص286
المصدر: الكشي ص70

قال السجاد (ع) : لعن الله مَن كذب علينا ، إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كلّ شعرة في جسدي ، لقد ادّعى أمراً عظيماً ، ما له لعنه الله ؟.. كان عليّ (ع) والله عبداً لله صالحاً ، أخو رسول الله (ص) ، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله ، وما نال رسول الله (ص) الكرامة من الله إلا بطاعته لله.ص287
المصدر: الكشي ص71

قال الصادق (ع) : إنا أهل بيت صدّيقون ، لا نخلو من كذّاب يكذب علينا ويُسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس .
كان رسول الله (ص) أصدق الناس لهجةً وأصدق البرية كلها ، وكان مسيلمة يكذب عليه ، وكان أمير المؤمنين (ع) أصدق مَن برأ الله بعد رسول الله ، وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفتري على الله الكذب عبدُ الله بن سبأ .
وذكر بعض أهل العلم أنّ عبد الله بن سبأ كان يهودياً ، فأسلم ووالى علياً (ع) ، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو ، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله (ص) في علي (ع) مثل ذلك .
وكان أول من أشهر بالقول بفرض إمامة علي (ع) ، وأظهر البراءة من أعدائه ، وكاشف مخالفيه وأكفرهم ، فمن ههنا قال من خالف الشيعة : أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية . ص287
المصدر: الكشي ص71

لما لبّى القوم الذين لبّوا بالكوفة ، دخلت على الصادق (ع) فأخبرته بذلك ، فخرّ ساجداً وألزق جؤجؤه بالأرض ، وبكى وأقبل يلوذ بإصبعه ويقول : بل عبدٌ لله قنّ داخر – مراراً كثيرةً – ثم رفع رأسه ودموعه تسيل على لحيته ، فندمت ُعلى إخباري إياه فقلت : جعلت فداك !.. وما عليك أنت من ذا ؟.. فقال :
يا مصادف !.. إنّ عيسى لو سكتَ عمّا قالت النصارى فيه ، لكان حقّاً على الله أن يُصمّ سمعه ويُعمي بصره ، ولو سكتُّ عمّا قال أبو الخطاب ، لكان حقّاً على الله أن يُصمّ سمعي ويُعمي بصري . ص293
المصدر: الكشي ص192
بيــان:
قوله : لما لبى ، أي قالوا : لبيك جعفر بن محمد لبيك ، كما يلبون لله.ص293

قال الصادق (ع) : إنّ بنانا والسريّ وبزيعا – لعنهم الله – تراءى لهم الشيطان في أحسن ما يكون صورة آدمي من قرنه إلى سرّته ، فقلت : إنّ بنانا يتأول هذه الآية :
{ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } ، أن الذي في الأرض غير إله السماء وإله السماء غير إله الأرض ، وأنّ إله السماء أعظم من إله الأرض ، وأنّ أهل الأرض يعرفون فضل إله السماء ويعظّمونه ، فقال : والله ما هو إلا الله وحده لا شريك له ، إلهٌ في السماوات وإلهٌ في الأرضين ، كذب بنان – عليه لعنة الله – صغّر الله جلّ جلاله ، وصغّر عظمته . ص296
المصدر: الكشي ص196

ذكر الصادق (ع) أصحاب أبي الخطاب والغلاة فقال : يا مفضّل !.. لا تقاعدوهم ، ولا تؤاكلوهم ، ولا تشاربوهم ، ولا تصافحوهم ، ولا توارثوهم.ص296
المصدر: الكشي

ذكر الصادق (ع) الغلاة وقال : إنّ فيهم مَن يكذب حتى أنّ الشيطان ليحتاج إلى كذبه . ص296
المصدر: الكشي ص191

قيل للصادق (ع) : جُعلنا فداك !.. إنّ المفضّل بن عمر يقول إنكم تقدّرون أرزاق العباد ، فقال : والله ما يقدّر أرزاقنا إلا الله ، ولقد احتجت إلى طعامٍ لعيالي فضاق صدري ، وأبلغت إليّ الفكرة في ذلك حتى أحرزت قوتهم ، فعندها طابت نفسي ، لعنه الله وبرئ منه ، قالا : أفنلعنه ونتبرأ منه ؟.. قال : نعم ، فلعناه وبرئنا منه ، برئ الله ورسوله منه . ص301
المصدر: الكشي ص207

قال العسكري (ع) : لعن الله القاسم اليقطيني ، ولعن الله علي بن حسكة القمي ، إنّ شيطاناً تراءى للقاسم ، فيوحي إليه زخرف القول غرورا . ص316
المصدر: الكشي ص321

خرج إلينا الصادق (ع) وهو مغضب فقال : إني خرجت آنفاً في حاجة فتعرّض لي بعض سودان المدينة فهتف بي : لبيك جعفر بن محمد لبيك !.. فرجعت عَودي على بدئي إلى منزلي ، خائفاً ذعراً مما قال ، حتى سجدت في مسجدي لربي ، وعفّرت له وجهي ، وذلّلت له نفسي ، وبرئت إليه مما هتف بي …. الخبر . ص321
المصدر: روضة الكافي ص225

كان الرضا (ع) يقول في دعائه :
اللهم !.. إني بريءٌ من الحول والقوة ، ولا حول ولا قوة إلا بك .
اللهم !.. إني أعوذ بك ، وأبرأ إليك من الذين ادّعوا لنا ما ليس لنا بحق .
اللهم !.. إني أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا .
اللهم !.. لك الخلق ومنك الرزق ، وإياك نعبد وإياك نستعين .
اللهم !.. أنت خالقنا وخالق آبائنا الأولين وآبائنا الآخرين.
اللهم !.. لا تليق الربوبية إلا بك ولا تصلح الإلهية إلا لك ، فالعن النصارى الذين صغّروا عظمتك ، والعن المضاهئين لقولهم من بريّتك .
اللهم !.. إنا عبيدك وأبناء عبيدك ، لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً .
اللهم !.. مَن زعم أنّا أرباب فنحن منه براءٌ ، ومَن زعم أنّ إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن براءٌ منه ، كبراءة عيسى بن مريم (ع) من النصارى .
اللهم !.. إنّا لم ندعُهُم إلى ما يزعمون ، فلا تؤاخذنا بما يقولون ، واغفر لنا ما يدّعون ، ولا تدع على الأرض منهم ديارا ، إنك إن تذرهم يضلّوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفّاراً . ص343
المصدر: اعتقادات الصدوق ص109
بيــان:
اعلم أنّ الغلو في النبي والأئمة (ع) إنما يكون بالقول بأُلوهيتهم ، أو بكونهم شركاء لله تعالى في المعبودية أو في الخلق والرزق ، أو أنّ الله تعالى حلّ فيهم أو اتحد بهم ، أو أنهم يعلمون الغيب بغير وحي أو إلهام من الله تعالى أو بالقول في الأئمة (ع) أنهم كانوا أنبياء ، أو القول بتناسخ أرواح بعضهم إلى بعض ، أو القول بأن معرفتهم تغني عن جميع الطاعات ولا تكليف معها بترك المعاصي .
والقول بكل منها إلحادٌ وكفرٌ وخروجٌ عن الدين ، كما دلت عليه الأدلة العقلية والآيات والأخبار السالفة وغيرها ، وقد عرفت أنّ الأئمة (ع) تبرؤوا منهم وحكموا بكفرهم وأمروا بقتلهم .
وإن قرع سمعك شيءٌ من الأخبار الموهمة لشيء من ذلك ، فهي إما مأولة أو هي من مفتريات الغلاة .. ولكن أفرط بعض المتكلمين والمحدثين في الغلو لقصورهم عن معرفة الأئمة (ع) ، وعجْزهم عن إدراك غرائب أحوالهم وعجائب شؤونهم ، فقدحوا في كثير من الرواة الثقات لنقلهم بعض غرائب المعجزات حتى قال بعضهم :
من الغلو نفي السهو عنهم ، أو القول بأنهم يعلمون ما كان وما يكون وغير ذلك ، مع أنه قد ورد في أخبار كثيرة : ” لا تقولوا فينا ربّاً ، وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا ” وورد : ” أن أمرنا صعبٌ مستصعبٌ لا يحتمله إلا: ملكٌ مقرّ بٌ ، أو نبيٌّ مرسلٌ ، أو عبدٌ مؤمنٌ امتحن الله قلبه للإيمان ” وورد : ” لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ” وغير ذلك مما مر وسيأتي .
فلابد للمؤمن المتدين أن لا يبادر بردّ ما ورد عنهم من فضائلهم ومعجزاتهم ومعالي أمورهم ، إلا إذا ثبت خلافه بضرورة الدين ، أو بقواطع البراهين ، أو بالآيات المحكمة ، أو بالأخبار المتواترة ، كما مر في باب التسليم وغيره .. وأما التفويض فيُطلق على معانٍ بعضها منفيٌّ عنهم (ع) وبعضها مثبت لهم :
فالأول : التفويض في الخلق والرزق والتربية والإماتة والإحياء ، فإنّ قوماً قالوا : إنّ الله تعالى خلقهم وفوّض إليهم أمر الخلق ، فهم يخلقون ويرزقون ويميتون ويحيون ، وهذا الكلام يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يقال : إنهم يفعلون جميع ذلك بقدرتهم وإرادتهم وهم الفاعلون حقيقة ، وهذا كفرٌ صريحٌ دلّت على استحالته الأدلة العقلية والنقلية ، ولا يستريب عاقلٌ في كفر من قال به .
وثانيهما : أنّ الله تعالى يفعل ذلك مقارناً لإرادتهم كشقّ القمر ، وإحياء الموتى ، وقلب العصا حية وغير ذلك من المعجزات ، فإنّ جميع ذلك إنما تحصل بقدرته تعالى مقارناً لإرادتهم لظهور صدقهم ، فلا يأبى العقل عن أن يكون الله تعالى خلقهم وأكملهم وألهمهم ما يصلح في نظام العالم ، ثم خلق كل شيء مقارناً لإرادتهم ومشيتهم .
وهذا وإن كان العقل لا يعارضه كفاحاً ، لكن الأخبار السالفة تمنع من القول به فيما عدا المعجزات ظاهراً بل صراحاً ، مع أنّ القول به قول بما لا يُعلم ، إذ لم يرد ذلك في الأخبار المعتبرة فيما نعلم .
وما ورد من الأخبار الدالة على ذلك كخطبة البيان وأمثالها ، فلم يوجد إلا في كتب الغلاة وأشباههم ، مع أنه يحتمل أن يكون المراد كونهم علّة غائية لإيجاد جميع المكونات ، وأنه تعالى جعلهم مطاعين في الأرضين والسماوات ، ويطيعهم بإذن الله تعالى كل شيء حتى الجمادات ، وأنهم إذا شاؤا أمراً لا يردّ الله مشيتهم ، ولكنهم لا يشاؤن إلا أن يشاء الله .
وأما ما ورد من الأخبار في نزول الملائكة والروح لكلّ أمر إليهم وأنه لا ينزل ملك من السماء لأمر إلا بدأ بهم ، فليس ذلك لمدخليتهم في ذلك ، ولا الاستشارة بهم ، بل له الخلق والأمر تعالى شأنه ، وليس ذلك إلا لتشريفهم وإكرامهم وإظهار رفعة مقامهم .
الثاني: التفويض في أمر الدين ، وهذا أيضا يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون الله تعالى فوّض إلى النبي والأئمة (ع) عموما أن يحلّوا ما شاؤا ويحرّموا ما شاؤا من غير وحي وإلهام ، أو يغيّروا ما أوحى إليهم بآرائهم ، وهذا باطل لا يقول به عاقل ، فإن النبي (ص) كان ينتظر الوحي أياما كثيرة لجواب سائل ولا يجيبه من عنده ، وقد قال تعالى :
{ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } .
وثانيهما : أنه تعالى لما أكمل نبيه (ص) بحيث لم يكن يختار من الأمور شيئا إلا ما يوافق الحقّ والصواب ، ولا يحلّ بباله ما يخالف مشيته تعالى في كل باب ، فوّض إليه تعيين بعض الأمور كالزيادة في الصلاة ، وتعيين النوافل في الصلاة والصوم ، وطعمة الجدّ ، وغير ذلك مما مضى وسيأتي ، إظهارا لشرفه وكرامته عنده ، ولم يكن أصل التعيين إلا بالوحي ، ولم يكن الاختيار إلا بإلهام ، ثم كان يؤكد ما اختاره (ص) بالوحي ، ولا فساد في ذلك عقلاً ، وقد دلّت النصوص المستفيضة عليه مما تقدم في هذا الباب وفي أبواب فضائل نبينا (ص) من المجلد السادس .
ولعلّ الصدوق – رحمه الله – أيضا إنما نفى المعنى الأول حيث قال في الفقيه : وقد فوّض الله عزّ وجلّ إلى نبيه (ص) أمر دينه ، ولم يفوّض إليه تعدّي حدوده ، وأيضا هو رحمه الله قد روى كثيراً من أخبار التفويض في كتبه ولم يتعرّض لتأويلها .
الثالث : تفويض أمور الخلق إليهم من سياستهم وتأديبهم وتكميلهم وتعليمهم ، وأمر الخلق بإطاعتهم فيما أحبّوا وكرهوا ، وفيما علموا جهة المصلحة فيه وما يعلموا ، وهذا حقّ لقوله تعالى :
{ ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } وغير ذلك من الآيات والأخبار ، وعليه يُحمل قولهم (ع) : ” نحن المحللون حلاله ، والمحرّمون حرامه ” : أي بيانهما علينا ويجب على الناس الرجوع فيهما إلينا ، وبهذا الوجه ورد خبر أبي إسحاق والميثمي .
الرابع : تفويض بيان العلوم والأحكام بما رأوا المصلحة فيها ، بسبب اختلاف عقولهم ، أو بسبب التقية ، فيفتون بعض الناس بالواقع من الأحكام ، وبعضهم بالتقية ويبينون تفسير الآيات وتأويلها ، وبيان المعارف بحسب ما يحتمل عقل كل سائلٍ ، ولهم أن يبيّنوا ولهم أن يسكتوا كما ورد في أخبار كثيرة : ” عليكم المسألة ، وليس علينا الجواب ” كلّ ذلك بحسب ما يُريهم الله من مصالح الوقت كما ورد في خبر ابن أشيم وغيره .
وهو أحد معاني خبر محمد بن سنان في تأويل قوله تعالى : { لتحكم بين الناس بما أراك الله } ، ولعلّ تخصيصه بالنبي (ص) والأئمة (ع) لعدم تيسر هذه التوسعة لسائر الأنبياء والأوصياء (ع) ، بل كانوا مكلّفين بعدم التقية في بعض الموارد وإن أصابهم الضرر ، والتفويض بهذا المعنى أيضا ثابت حق بالأخبار المستفيضة.
الخامس : الاختيار في أن يحكموا بظاهر الشريعة ، أو بعلمهم وبما يلهمهم الله من الواقع ومخّ الحقّ في كل واقعة ، وهذا أظهر محامل خبر ابن سنان وعليه أيضا دلت الأخبار .
السادس : التفويض في العطاء ، فإنّ الله تعالى خلق لهم الأرض وما فيها ، وجعل لهم الأنفال والخمس والصفايا وغيرها ، فلهم أن يعطوا ما شاؤا ويمنعوا ما شاؤا ، كما مرّ في خبر الثمالي وسيأتي في مواضعه ، وإذا أحطت خبراً بما ذكرنا من معاني التفويض ، سهل عليك فهم الأخبار الواردة فيه ، وعرفت ضعف قول من نفى التفويض مطلقاً ولمّا يحط بمعانيه . ص350

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى