الجزء الخامس والعشرون كتاب الامامة

باب عصمتهم ولزوم عصمة الإمام (ع)

ما سمعتُ ولا استفدتُ من هشام بن الحكم في طول صحبتي إياه شيئاً أحسن من هذا الكلام في صفة عصمة الإمام ، فإني سألته يوماً عن الإمام أهو معصوم ؟.. قال : نعم ، قلت له : فما صفة العصمة فيه ؟.. وبأي شيء تُعرف ؟.. قال :
إنّ جميع الذنوب لها أربعة أوجه لا خامس لها : الحرص ، والحسد، والغضب ، والشهوة ، فهذه منتفية عنه :
لا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه ، لأنه خازن المسلمين فعلى ماذا يحرص ؟..
ولا يجوز أن يكون حسوداً ، لأنّ الإنسان إنما يحسد مَن هو فوقه ، وليس فوقه أحدٌ ، فكيف يحسد من هو دونه .
ولا يجوز أن يغضب لشيء من أمور الدنيا إلا أن يكون غضبه لله عزّ وجلّ ، فإنّ الله قد فرض عليه إقامة الحدود وأن لا تأخذه في الله لومة لائم ، ولا رأفة في دينه حتى يقيم حدود الله عزّ وجلّ .
ولا يجوز أن يتبع الشهوات ويُؤثر الدنيا على الآخرة ، لأنّ الله عزّ وجلّ حبّب إليه الآخرة كما حبّب إلينا الدنيا ، فهو ينظر إلى الآخرة ، كما ننظر إلى الدنيا ، فهل رأيت أحداً ترك وجهاً حسناً لوجه قبيح ؟..وطعاماً طيباً لطعام مرّ ؟.. وثوباً ليّناً لثوب خشن ؟.. ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية ؟.. ص193
المصدر: الخصال ، العلل ص79 ، معاني الأخبار ص44 ، أمالي الصدوق ص375

قيل لهشام بن الحكم : ما معنى قولكم : إن الإمام لا يكون إلا معصوما ؟.. قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن ذلك فقال :
المعصوم هو الممتنع بالله ( أي بتوفيق الله ) من جميع محارم الله ، وقد قال الله تبارك وتعالى :
{ ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم } . ص195
المصدر: معاني الأخبار ص44

*

المصدر: كشف الغمة ص254
بيــان:
كنت أرى الدعاء الذي كان يقوله موسى الكاظم (ع) في سجدة الشكر وهو :
ربّ عصيتك بلساني ، ولو شئتَ وعزّتك لأخرستني ، وعصيتك ببصري ، ولو شئتَ وعزّتك لأكمهتني ( أي أعميتني أو جعلتني أعشى ) وعصيتك بسمعي ، ولو شئت وعزّتك لأصممتني ، وعصيتك بيدي ، ولو شئت وعزّتك لكنعْتني ( أي شللتني ) ، وعصيتك بفرجي ، ولو شئت وعزّتك لأعقمتني ، وعصيتك برجلي ، ولو شئت وعزّتك لجذمتني ، وعصيتك بجميع جوارحي التي أنعمت بها عليّ ، ولم يكن هذا جزاك مني .
فكنت أفكر في معناه وأقول : كيف يتنزّل على ما تعتقده الشيعة من القول بالعصمة ؟..وما اتضح لي ما يدفع التردد الذي يوجبه .. فاجتمعت بالسيد السعيد النقيب رضي الدين أبي الحسن علي بن موسى بن طاووس العلوي الحسني – رحمه الله وألحقه بسلفه الطاهر – فذكرت له ذلك فقال : إنّ الوزير السعيد مؤيد الدين العلقمي – رحمه الله تعالى – سألني عنه فقلت :
كان يقول هذا ليعلّم الناس ، ثم إني فكرت بعد ذلك فقلت :
هذا كان يقوله في سجدته في الليل وليس عنده من يعلّمه !..
ثم سألني عنه الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي – رحمه الله – فأخبرته بالسؤال الأول الذي قلت والذي أوردته عليه ، وقلت : ما بقي إلا أن يكون يقوله على سبيل التواضع وما هذا معناه ، فلم يقع مني هذه الأقوال بموقع ولا حلّت من قلبي في موضع ·
ومات السيد رضي الدين – رحمه الله – فهداني الله إلى معناه ووفقني على فحواه ، فكان الوقوف عليه ، والعلم به ، وكشف حجابه بعد السنين المتطاولة والأحوال المجرّمة ( التامة ) والأدوار المكررة من كرامات الإمام موسى (ع) ومعجزاته ، ولتصحّ نسبة العصمة إليه ، وتصدُق على آبائه البررة الكرام ، وتزول الشبهة التي عرضت من ظاهر هذا الكلام .
وتقريره : أنّ الأنبياء والأئمة (ع) تكون أوقاتهم مشغولةً بالله تعالى ، وقلوبهم مملوة به ، وخواطرهم متعلقة بالملأ الأعلى ، وهم أبداً في المراقبة كما قال (ع) : ” اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ” .. فهم أبداً متوجّهون إليه ومقْبلون بكلّهم عليه ، فمتى انحطوا عن تلك الرتبة العالية والمنزلة الرفيعة إلى الاشتغال بالمأكل والمشرب والتفرغ إلى النكاح وغيره من المباحات ، عدّوه ذنباً ، واعتقدوه خطيئةً ، واستغفروا منه .. ألا ترى أنّ بعض عبيد أبناء الدنيا لو قعد وأكل وشرب ونكح ، وهو يعلم أنه بمرأى من سيده ومسمع ، لكان ملوماً عند الناس ومقصراً فيما يجب عليه من خدمة سيده ومالكه ؟.. فما ظنك بسيد السادات وملك الأملاك ؟..
وإلى هذا أشار (ع) ، ” إنه ليُغان على قلبي وإني لأستغفر بالنهار سبعين مرة ” ولفظة السبعين إنما هي لعدد الاستغفار لا إلى الرين ، وقوله :
” حسنات الأبرار سيئات المقرّبين ” ….
فقد بان بهذا أنه كان يعدّ اشتغاله في وقت ما بما هو ضرورة للأبدان معصية ويستغفر الله منها ، وعلى هذا فقس البواقي وكلّ ما يرد عليك من أمثالها ، وهذا معنى شريف يكشف بمدلوله حجاب الشبه ، ويهدي به الله من حسر عن بصره وبصيرته رين العمى والعمه . ص205

*

المصدر: بحار الانوارج15/211
بيــان:
اعلم أن الإمامية – رض – اتفقوا على عصمة الأئمة (ع) من الذنوب صغيرها وكبيرها ، فلا يقع منهم ذنبٌ أصلاً لا عمداً ولا نسياناً ، ولا لخطأ في التأويل ، ولا للاسهاء من الله سبحانه ، ولم يخالف فيه إلا الصدوق محمد بن بابويه وشيخه ابن الوليد رحمة الله عليهما ، فإنهما جوّزا الاسهاء من الله تعالى لمصلحة في غير ما يتعلق بالتبليغ وبيان الأحكام ، لا السهو الذي يكون من الشيطان ، وقد مرّت الأخبار والأدلة الدالة عليها في المجلد السادس والخامس ، وأكثر أبواب هذا المجلد مشحونة بما يدلّ عليها ، فأما ما يوهم خلاف ذلك من الأخبار والأدعية فهي مأوّلة بوجوه :
الأول : أن ترك المستحب وفعل المكروه قد يُسمى ذنباً وعصياناً ، بل ارتكاب بعض المباحات أيضا بالنسبة إلى رفعة شأنهم وجلالتهم ، ربما عبّروا عنه بالذنب لانحطاط ذلك عن سائر أحوالهم ، كما مرّت الإشارة إليه في كلام الأربلي رحمه الله .
الثاني: أنهم بعد انصرافهم عن بعض الطاعات التي أُمروا بها : من معاشرة الخلق ، وتكميلهم ، وهدايتهم ، ورجوعهم عنها إلى مقام القرب والوصال ومناجاة ذي الجلال ، ربما وجدوا أنفسهم – لانحطاط تلك الأحوال عن هذه المرتبة العظمى – مقصّرين ، فيتضرّعون لذلك وإن كان بأمره تعالى ، كما أن أحداً من ملوك الدنيا إذا بعث واحداً من مقرّبي حضرته إلى خدمة من خدماته التي يُحرم بها من مجلس الحضور والوصال ، فهو بعد رجوعه يبكي ويتضرع وينسب نفسه إلى الجرم والتقصير ، لحرمانه عن هذا المقام الخطير .
الثالث : أنّ كمالاتهم وعلومهم وفضائلهم لما كانت من فضله تعالى ، ولولا ذلك لأمكن أن يصدر منهم أنواع المعاصي ، فإذا نظروا إلى أنفسهم وإلى تلك الحال أقرّوا بفضل ربهم وعجز نفسهم بهذه العبارات الموهمة لصدور السيئات ، فمفادها أني أذنبتُ لولا توفيقك ، وأخطأتُ لولا هدايتك .
الرابع : أنهم لما كانوا في مقام الترقي في الكمالات ، والصعود على مدارج الترقيات ، في كلّ آن من الآنات في معرفة الرب تعالى ، وما يتبعها من السعادات ، فإذا نظروا إلى معرفتهم السابقة وعملهم معها اعترفوا بالتقصير وتابوا منه ، ويمكن أن يُنزّل عليه قول النبي (ص) : وإني لأستغفر الله في كلّ يوم سبعين مرة .
الخامس : أنهم (ع) لما كانوا في غاية المعرفة لمعبودهم ، فكلّ ما أتوا به من الأعمال بغاية جهدهم ، ثم نظروا إلى قصورها عن أن يليق بجناب ربهم ، عدّوا طاعاتهم من المعاصي ، واستغفروا منها كما يستغفر المذنب العاصي ، ومَن ذاق من كأس المحبة جرعةً شائقةً لا يأبى عن قبول تلك الوجوه الرائقة ، والعارف المحبّ الكامل إذا نظر إلى غير محبوبه ، أو توجّه إلى غير مطلوبه ، يرى نفسه من أعظم الخاطئين ، رزقنا الله الوصول إلى درجات المحبين . ص211

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى