الجزء الثاني والعشرون كتاب تاريخ النبي محمد (ص)

باب وفاته وغسله والصلاة عليه ودفنه (ص)

لما مرض رسول الله (ص) وعنده أصحابه ، قام إليه عمّار بن ياسر ، فقال له : فداك أبي وأمي يا رسول الله !.. مَن يغسّلك منا إذا كان ذلك منك ؟.. قال : ذاك علي بن أبي طالب ، لأنه لا يهمّ بعضو من أعضائي إلا أعانته الملائكة على ذلك ، فقال له : فداك أبي وأمي يا رسول الله !.. فمَن يصلّي عليك منا إذا كان ذلك منك ؟.. قال : مه رحمك الله ، ثم قال لعلي :
يا بن أبي طالب !.. إذا رأيت روحي قد فارقت جسدي فاغسلني ، وانق غسلي وكفنّي في طمري هاذين ، أو في بياض مصر وبرد ٍيمان ، ولا تغال في كفني ، واحملوني حتى تضعوني على شفير قبري .
فأول من يصلي علي الجبّار جلّ جلاله من فوق عرشه ، ثم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل في جنود من الملائكة لا يحصي عددهم إلا الله عزّ وجلّ ، ثم الحافّون بالعرش ، ثم سكّان أهل سماء فسماء ، ثم جلّ أهل بيتي ونسائي ، الأقربون فالأقربون ، يؤمون إيماء ، ويسلّمون تسليما ، لا يؤذوني بصوت نادية (أي نائحة) ولا مرنّة ، ثم قال :
يا بلال !.. هلمّ عليّ بالناس ، فاجتمع الناس فخرج رسول الله (ص) متعصّباً بعمامته متوكّياً على قوسه حتى صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : معاشر أصحابي أي نبي كنت لكم ؟!.. ألم أجاهد بين أظهركم ؟.. ألم تكسر رباعيتيّ ؟.. ألم يُعفّر جبيني ؟.. ألم تسل الدماء على حرّ وجهي حتى كنفتْ ( أي أحاطت ) لحيتي ؟.. ألم أكابد الشدة والجهد مع جهّال قومي ؟.. ألم أربط حجر المجاعة على بطني ؟..
قالوا : بلى يا رسول الله !.. لقد كنت َلله صابراً ، وعن منكر بلاء الله ناهياً ، فجزاك الله عنا أفضل الجزاء ، قال : وأنتم فجزاكم الله ، ثم قال :
إنّ ربي عزّ وجلّ حكم وأقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم ، فناشدتكم بالله أي رجل منكم كانت له قِبَل محمد مظلمة إلا قام فليقتصّ منه ، فالقصاص في دار الدنيا أحبّ إليّ من القصاص في دار الآخرة على رؤوس الملائكة والأنبياء .
فقام إليه رجلٌ من أقصى القوم يقال له سوادة بن قيس فقال له : فداك أبي وأمي يا رسول الله !.. إنك لما أقبلت من الطائف استقبلتك َوأنت على ناقتك العضباء ، وبيدك القضيب الممشوق ، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني ، فلا أدري عمداً أو خطأً ، فقال : معاذ الله أن أكون تعمدت ثم قال : يا بلال !.. قم إلى منزل فاطمة فائتني بالقضيب الممشوق ، فخرج بلال وهو ينادي في سكك المدينة :
معاشر الناس !.. من ذا الذي يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة ؟.. فهذا محمد يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة ، وطرق بلال الباب على فاطمة (ع) وهو يقول : يا فاطمة !.. قومي فوالدك يريد القضيب الممشوق ، فأقبلت فاطمة (ع) وهي تقول : يا بلال !.. وما يصنع والدي بالقضيب ، وليس هذا يوم القضيب ؟..
فقال بلال : يا فاطمة !.. أما علمت أنّ والدك قد صعد المنبر ، وهو يودّع أهل الدين والدنيا ، فصاحت فاطمة (ع) وقالت : واغمّاه لغمّك يا أبتاه !.. مَن للفقراء والمساكين وابن السبيل ، يا حبيب الله ، وحبيب القلوب ؟!..
ثم ناولت بلالاً القضيب ، فخرج حتى ناوله رسول الله (ص) ، فقال رسول الله (ص) : أين الشيخ ؟.. فقال الشيخ : ها أنا ذا يا رسول الله بأبي أنت وأمي !.. فقال : تعال فاقتصّ مني حتى ترضى ، فقال الشيخ ، فاكشف لي عن بطنك يا رسول الله !.. فكشف (ص) عن بطنه ، فقال الشيخ : بأبي أنت وأمي يا رسول الله !.. أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ؟..
فأذن له ، فقال : أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول الله من النار يوم النار ، فقال رسول الله (ص) : يا سوادة بن قيس !.. أتعفو أم تقتصّ ؟.. فقال : بل أعفو يا رسول الله !.. فقال (ص) : اللهم !.. اعف عن سوادة بن قيس ، كما عفا عن نبيك محمد .
ثم قام رسول الله (ص) فدخل بيت أم سلمة وهو يقول : ربّ !.. سلّم أمة محمد من النار ، ويسّر عليهم الحساب ، فقالت أم سلمة : يا رسول الله !.. ما لي أراك مغموماً متغيّر اللون ؟.. فقال : نعُيت إليّ نفسي هذه الساعة ، فسلام لك في الدنيا ، فلا تسمعين بعد هذا اليوم صوت محمد أبداً ، فقالت أم سلمة : واحزناه !.. حزناً لا تدركه الندامة عليك يا محمداه !.. ثم قال (ع) : ادع لي حبيبة قلبي وقرّة عيني فاطمة تجيء ، فجاءت فاطمة (ع) وهي تقول : نفسي لنفسك الفداء ، ووجهي لوجهك الوقاء يا أبتاه !.. ألا تكلّمني كلمةً ؟.. فإني أنظر إليك وأراك مفارق الدنيا ، وأرى عساكر الموت تغشاك شديداً ، فقال لها : يا بنية !.. إني مفارقك ، فسلامٌ عليك مني .
قالت : يا أبتاه !.. فأين الملتقى يوم القيامة ؟.. قال : عند الحساب ، قالت : فإن لم ألقك عند الحساب ؟.. قال : عند الشفاعة لأمتي ، قالت : فإن لم ألقك عند الشفاعة لأمتك ؟.. قال : عند الصراط ، جبرائيل عن يميني ، وميكائيل عن يساري ، والملائكة من خلفي وقدامي ينادون :
ربّ سلّم أمة محمد من النار ، ويسّر عليهم الحساب ، قالت فاطمة (ع) : فأين والدتي خديجة ؟.. قال : في قصر له أربعة أبواب إلى الجنة .
ثم أغمي على رسول الله (ص) فدخل بلال وهو يقول : الصلاة رحمك الله ، فخرج رسول الله (ص) وصلّى بالناس وخفّف الصلاة ، ثم قال : ادعوا لي علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد ، فجاءا فوضع (ع) يده على عاتق علي ، والأخرى على أسامة ، ثم قال : انطلقا بي إلى فاطمة .
فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها ، فإذا الحسن والحسين (ع) يبكيان ويصطرخان وهما يقولان : أنفسنا لنفسك الفداء ، ووجوهنا لوجهك الوقاء ، فقال رسول الله (ص) : مَن هذان يا علي ؟.. قال : هذان ابناك : الحسن والحسين ، فعانقهما وقبّلهما ، وكان الحسن (ع) أشد بكاء ، فقال له :
كفّ يا حسن فقد شققتَ على رسول الله . ص510
المصدر:أمالي الصدوق ص376

روي عن ابن عباس أنّ رسول الله (ص) في ذلك المرض كان يقول : ادعوا لي حبيبي ، فجعل يُدعى له رجل بعد رجل ، فيعرض عنه ، فقيل لفاطمة : امضي إلى علي فما نرى رسول الله يريد غير علي ، فبعث فاطمة إلى علي (ع) فلما دخل فتح رسول الله (ص) عينيه وتهلّل وجهه ثم قال : إليّ يا عليّ !.. إليّ يا علي !.. فما زال يدنيه حتى أخذه بيده وأجلسه عند رأسه ، ثم أغمي عليه ، فجاء الحسن والحسين (ع) يصيحان ويبكيان حتى وقعا على رسول الله (ص) فأراد علي (ع) أن ينحّيهما عنه ، فأفاق رسول الله (ص) ، ثم قال :
يا عليّ !.. دعني أشمّهما ويشمّاني ، وأتزوّد منهما ، ويتزودان مني ، أمَا إنهما سيُظلمان بعدي ويُقتلان ظلماً ، فلعنة الله على من يظلمهما ، يقول ذلك ثلاثاً .
ثم مدّ يده إلى علي ّ(ع) فجذبه إليه حتى أدخله تحت ثوبه الذي كان عليه ، ووضع فاه على فيه ، وجعل يناجيه مناجاةً طويلةً حتى خرجت روحه الطيبة ، صلوات الله عليه وآله ، فانسلّ علي من تحت ثيابه وقال :
أعظم الله أجوركم في نبيكم ، فقد قبضه الله إليه ، فارتفعت الأصوات بالضجة والبكاء ، فقيل لأمير المؤمنين (ع) :
ما الذي ناجاك به رسول الله (ص) حين أدخلك تحت ثيابه ؟.. فقال :
علّمني ألف باب ، يفتح لي كلّ باب ألف باب.ص511
المصدر:أمالي الصدوق ص376

قيل للصادق (ع) : جعلت فداك !.. هل للماء حدّ محدود ؟.. قال : إنّ رسول الله (ص) قال لأمير المؤمنين عليّ (ع) :
إذا أنا مت فاستق لي ستّ قرب من ماء بئر غرس ، فغسّلني وكفّني وحنّطني ، فإذا فرغتَ من غسلي فخذ بمجامع كفني وأجلسني ثم سائلني عما شئت ، فو الله لا تسألني عن شيء إلا أجبتك . ص514
المصدر:بصائر الدرجات ص81

قال السجاد (ع) في حديث طويل يقول في آخره : لما توفي رسول الله (ص) وجاءت التعزية ، جاءهم آت يسمعون حسّه ولا يرون شخصه فقال :
” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، كل نفس ذائقة الموت ، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ، إن في الله عزاء من كلّ مصيبة ، وخلفاً من كل هالك ، ودركاً من كلّ ما فات ، فبالله فثقوا ، وإياه فارجوا ، فإنّ المصاب من حُرم الثواب ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته “..
قال علي بن أبي طالب (ع) : هل تدرون من هذا ؟.. هذا الخضر (ع) . ص516
المصدر:إكمال الدين ص219

روي أنه قال جبرائيل : إنّ ملك الموت يستأذن عليك ، وما استأذن أحداً قبلك ولا بعدك ، فأذن له فدخل وسلّم عليه ، وقال : يا أحمد !.. إنّ الله تعالى بعثني إليك لأطيعك ، أقبض أو أرجع ، فأمره فقُبض . ص523
المصدر:المناقب 1/203

قال النبي (ص) : يا عليّ !.. مَن أُصيب بمصيبة فليُذكر مصيبته بي ، فإنها من أعظم المصائب . ص523
المصدر:المناقب 1/203

فلما فرغ علي (ع) من غسله كشف الإزار عن وجهه ، ثم قال :
بأبي أنت وأمي!.. طبت حيّاً وطبت ميّتاً ، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد ممن سواك من النبوة والأنباء ….
بأبي أنت وأمي!.. اذكرنا عند ربك ، واجعلنا من همّك ، ثم أكبّ عليه فقبّل وجهه والإزار عليه . ص527
المصدر:مجالس المفيد ص60

قال الصادق (ع) : إنّ الله لما قبض نبيه (ص) دخل على فاطمة (ع) من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عزّ وجلّ ، فأرسل إليها ملَكاً يسلّي غمّها ويحدّثها ، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين (ع) فقال لها : إذا أحسستَ بذلك وسمعت الصوت قولي لي ، فأعلمتْه ذلك وجعل أمير المؤمنين (ع) يكتب كل ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً ، ثم قال : أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ، ولكن فيه علم ما يكون . ص545
المصدر:أصول الكافي 1/240
بيــان:

قال الصادق (ع) : إنّ فاطمة (ع) مكثت بعد رسول الله (ص) خمسة وسبعين يوماً ، وكان دخلها حزنٌ شديدٌ على أبيها ، وكان جبرائيل (ع) يأتيها فيُحسن عزاءها على أبيها ، ويطيّب نفسها ، ويخبرها عن أبيها ومكانه ، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها ، وكان علي (ع) يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة (ع) . ص546
المصدر:أصول الكافي 1/241

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى