الجزء الثاني والعشرون كتاب تاريخ النبي محمد (ص)

باب كيفية إسلام سلمان – رضي الله عنه- ومكارم أخلاقه وبعض مواعظه وسائر أحواله

قال السجاد (ع) : وقع بين سلمان الفارسي – رحمه الله – وبين رجل كلام وخصومة ، فقال له الرجل :
من أنت يا سلمان ؟!.. فقال سلمان : أمّا أولي وأولك فنطفةٌ قذرة ، وأما آخري وآخرك فجيفةٌ منتنة ، فإذا كان يوم القيامة ووُضِعت الموازين ، فمَن ثقُل ميزانه فهو الكريم ، ومَن خفّ ميزانه فهو اللئيم.ص355
المصدر:أمالي الصدوق ص363

قال الصادق (ع) : قال سلمان رحمة الله عليه : عجبت بستّ : ثلاث أضحكتني وثلاث أبكتني :
فأما الذي أبكتني : ففراق الأحبة ، محمد وحزبه ، وهول المطّلع ، والوقوف بين يدي الله عزّ وجلّ .
وأما التي أضحكتني : فطالب الدنيا والموت يطلبه ، وغافلٌ وليس بمغفول عنه ، وضاحكٌ ملء فيه لا يدري أرضىً لله أم سخط . ص360
المصدر:الخصال 1/158

قال الصادق (ع) : مرض رجلٌ من أصحاب سلمان – رحمه الله – فافتقده فقال : أين صاحبُكم ؟.. قالوا : مريضٌ ، قال : امشوا بنا نعوده ، فقاموا معه فلما دخلوا عليه فإذا هو يجود بنفسه ، فقال سلمان : يا ملَك الموت !.. ارفق بولي الله ، فقال ملك الموت بكلام يسمعه مَن حضر : يا أبا عبد الله إني أرفق بالمؤمنين ، ولو ظهرتُ لأحد لظهرت لك . ص360
المصدر:أمالي الطوسي ص80

احتجاج سلمان الفارسي – رضوان الله عليه – على عمر بن الخطاب في جواب كتاب كتبه إليه ، كان حين هو عامله على المدائن بعد حذيفة بن اليمان :
بسم الله الرحمن الرحيم ، من سلمان مولى رسول الله (ص) إلى عمر بن الخطاب ، أما بعد :
فإنه قد أتاني منك كتاب يا عمر ، تؤنبني فيه وتعيّرني وتذكر فيه أنك بعثتني أميراً على أهل المدائن ، وأمرتني أن أقصّ أثر حذيفة ، وأستقصي أيام أعماله وسيره ، ثم أُعلمك قبيحها وحسنها ، وقد نهاني الله عن ذلك يا عمر ، في محكم كتابه ، حيث قال :
{ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله } ، وما كنت لأعصي الله في أثر حذيفة وأطيعك .
وأما ما ذكرت أني أقبلت على سفّ (أي نسج ) الخوص وأكل الشعير ، فما هما مما يُعيّر به مؤمن ويُؤنّب عليه ، وأيم الله يا عمر !.. لأكل الشعير وسفّ الخوص والاستغناء به عن ريع المطعم والمشرب ، وعن غصب مؤمن حقه ، وادعاء ما ليس له بحق ، أفضل وأحبّ إلى الله عزّ وجلّ وأقرب للتقوى ، ولقد رأيت رسول الله (ص) إذا أصاب الشعير أكله وفرح به ولم يسخط ، وأما ما ذكرت من عطائي فإني قدّمته ليوم فاقتي وحاجتي .. وربّ العزّة يا عمر !.. ما أُبالي إذا جاز طعامي لهواتي وساغ لي في حلقي ، أُلبَاب البُرّ ومخّ المعز كان أو خشارة ( أي بقيّة المائدة ) الشعير .
وأما قولك : إني أضعفت سلطان الله وأوهنته ، وأذللت نفسي وامتهنتها حتى جهل أهل المدائن أمارتي ، فاتخذوني جسراً يمشون فوقي ، ويحملون عليّ ثقل حمولتهم ، وزعمت أنّ ذلك مما يوهن سلطان الله ويذلّه ، فاعلم أنّ التذلّل في طاعة الله أحبّ إليّ من التعزّز في معصية الله ، وقد علمتَ أنّ رسول الله (ص) يتألف الناس ويتقرّب منهم ، ويتقرّبون منه في نبوته وسلطانه ، حتى كأنّه في الدنو منهم ، وقد كان يأكل الجشب ويلبس الخشن ، وكان الناس عنده قرشيهم وعربيهم وأبيضهم وأسودهم سواءً في الدين ، فأشهدُ أني سمعته يقول :
” من وليَ سبعة من المسلمين بعدي ثم لم يعدل فيهم ، لقي الله وهو عليه غضبان ” فليتني يا عمر أسلم من أمارة المدائن مع ما ذكرتَ أني ذلّلت نفسي وامتهنتها ، فكيف يا عمر حال من وليَ الأمة بعد رسول الله (ص) ؟!.. وإني سمعت الله يقول :
{ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين } ، اعلم أني لم أتوجه – أسوسهم وأُقيم حدود الله فيهم – إلا بإرشاد دليل ٍعالم ٍ، فنهجت فيهم بنهجه ، وسرت فيهم بسيرته …. الخبر . ص361
المصدر:الاحتجاج ص71

روي أنّ علياً (ع) دخل المسجد بالمدينة غداة يومٍ قال : رأيت في النوم رسول الله (ص) ، وقال لي : إنّ سلمان توفي ، ووصاني بغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه ، وها أنا خارجٌ إلى المدائن لذلك ، فقال عمر : خذ الكفن من بيت المال ، فقال علي (ع) ذلك مكفيّ مفروغ منه ، فخرج والناس معه إلى ظاهر المدينة ، ثم خرج وانصرف الناس .
فلما كان قبل ظهيرة رجع وقال : دفنتُه ، وأكثر الناس لم يصدّقوا حتى كان بعد مدة ، وصل من المدائن مكتوبٌ : أنّ سلمان توفي في يوم كذا ، ودخل علينا أعرابي فغسّله وكفّنه وصلّى عليه ودفنه ، ثم انصرف ، فتعجب الناس كلهم . ص368
المصدر:الخرائج

قال الصادق (ع) : أدرك سلمان العلم الأول والعلم الآخر ، وهو بحرٌ لا ينزح ، وهو منا أهل البيت ، بلغ من علمه أنه مر برجل في رهط فقال له : يا عبد الله !.. تب إلى الله عزّ وجلّ من الذي عملت به في بطن بيتك البارحة ، ثم مضى ، فقال له القوم :
لقد رماك سلمان بأمر فما رفعته عن نفسك ، قال : إنه أخبرني بأمر ما اطّلع عليه إلا الله وأنا . ص373
المصدر:الكشي ص8

دخل عليه سعد يعوده فجعل يبكي ويقول : لا أبكي جزعاً من الموت ، أو حزناً على الدنيا ، ولكن رسول الله (ص) عهد إلينا : ليكن بُلغة أحدكم مثل زاد الراكب ، وهذه الأساود حولي ، وما حوله إلا مطهرة وإجّانة وجفنة.ص381
المصدر:النهاية
بيــان:
يريد بالأساود : الشخوص من المتاع الذي كان عنده ، وكل شخص من إنسان أو متاع أو غيره سواد ، ويجوز أن يريد بالأساود الحيات جمع أسود ، شبّهها بها لاستضراره بمكانها . ص381

قال الصادق (ع) : قال سلمان ( رض ) : إنّ النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه ، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت . ص381
المصدر:فروع الكافي 1/352
بيــان:
الالتياث : الاختلاط ، والالتفات ، والإبطاء ، والحبس.ص381

قال الصادق (ع) : تزوج سلمان امرأة من كندة ، فدخل عليها فإذا لها خادمة وعلى بابها عباءة ، فقال سلمان : إن في بيتكم هذا لمريضاً ، أو قد تحوّلت الكعبة فيه ؟..
فقيل : إنّ المرأة أرادت أن تستّرت على نفسها فيه ، قال : فما هذه الجارية ؟.. قالوا : كان لها شيءٌ فأرادت أن تخدم ، قال : إني سمعت رسول الله (ص) يقول : أيما رجل كانت عنده جارية ، فلم يأتها أولم يزوّجها من يأتيها ، ثم فجرت كان عليه وزر مثلها ، ومَن أقرض قرضاً فكأنما تصدّق بشطره ، فإذا أقرضه الثانية كان برأس المال ، وأداء الحقّ إلى صاحبه أن يأتيه في بيته أو في رحله فيقول : ها خذه . ص383
المصدر:الكشي ص11

قال سلمان (رض) : لولا السجود لله ، ومجالسة قوم يتلفّظون طيب الكلام كما يتلفّظ طيب التمر لتمنيت الموت . ص384
المصدر:كتاب الحسين بن سعيد

ذكر عند الباقر (ع) سلمان ، فقال : ذاك سلمان المحمدي ، إنّ سلمان منا أهل البيت ، إنه كان يقول للناس :
هربتم من القرآن إلى الأحاديث ، وجدتم كتاباً دقيقا حوسبتم فيه على النقير والقطمير والفتيل وحبة خردل ، فضاق ذلك عليكم ، وهربتم إلى الأحاديث التي اتسعت عليكم . ص385
المصدر:الكشي ص12

قال الصادق (ع) : مرّ سلمان – رضي الله عنه – على الحدادين بالكوفة ، فرأى شاباً قد صعق ، والناس قد اجتمعوا حوله ، فقالوا له : يا أبا عبد الله !.. هذا الشاب قد صرع ، فلو قرأت في أذنه ، فدنا منه سلمان ، فلما رآه الشاب أفاق وقال :
يا أبا عبد الله !.. ليس بي ما يقول هؤلاء القوم ، ولكني مررت الحدّادين وهم يضربون المرزبات (أي عصا من حديد ) ، فذكرت قوله تعالى :
{ ولهم مقامع من حديد } ، فذهب عقلي خوفاً من عقاب الله تعالى ، فاتخذه سلمان أخاً ، ودخل قلبه حلاوة محبته في الله تعالى ، فلم يزل معه حتى مرض الشاب ، فجاءه سلمان فجلس عند رأسه وهو يجود بنفسه فقال : يا ملَك الموت !.. ارفق بأخي ، قال :
يا أبا عبد الله !.. إني بكل مؤمن رفيق . ص386
المصدر:مجالس المفيد ص79

قال الصادق (ع) : خطب سلمان فقال : الحمد لله الذي هداني لدينه بعد جحودي له…. إنّ عند علي (ع) علم المنايا وعلم الوصايا وفصل الخطاب ، على منهاج هارون بن عمران ، قال له رسول الله (ص) : ” أنت وصيي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى ” ولكنكم أصبتم سنّة الأولين ، وأخطأتم سبيلكم ، والذي نفس سلمان بيده لتركبن طبقا عن طبق ، سنّة بني إسرائيل القذّة بالقذّة ، أما والله لو ولّيتموها علياً لأكلتم من فوقكم ، ومن تحت أرجلكم ، فأبشروا بالبلاء واقنطوا من الرخاء ، ونابذتكم على سواء ، وانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء .
أما والله لو أني أدفع ضيماً أو أعزّ الله ديناً ، لوضعت سيفي على عاتقي ثم لضربت به قدماً قدماً ، ألا إني أحدّثكم بما تعلمون وبما لا تعلمون ، فخذوها من سنة السبعين بما فيها ، ألا إنّ لبني أمية في بني هاشم نطحات ، وإنّ لبني أمية من آل هاشم نطحات ، ألا وإنّ بني أمية كالناقة الضروس ( أي السيئة الخلق ) تعضّ بفيها ، وتخبط بيديها ، وتضرب برجليها ، وتمنع درّها إلا إنه حقّ على الله أن يذلّ ناديها …. الخبر . ص387
المصدر:الكشي ص13

كان لسلمان مجلس من رسول الله (ص) ينفرد به بالليل ، حتى كاد يغلبنا على رسول الله (ص) . ص391
المصدر:شرح النهج 4/224

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى