الجزء الحادي والعشرون كتاب تاريخ النبي محمد (ص)

باب المباهلة وما ظهر فيها من الدلائل والمعجزات

قال الطبرسي رحمه الله في نزول الآيات : قيل : نزلت في وفد نجران السيد والعاقب ومن معهما ، قالوا لرسول الله (ص) : هل رأيت ولداً من غير ذكر ؟.. فنزلت { إن مثل عيسى } الآيات ، فقرأها عليهم ، عن ابن عباس وقتادة والحسن ، فلما دعاهم رسول الله (ص) إلى المباهلة استنظروه إلى صبيحة غد من يومهم ذلك ، فلما رجعوا إلى رحالهم قال لهم الأسقف : انظروا محمدا في غدٍ ، فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته ، وإن غدا بأصحابه فباهلوه فإنه على غير شيء .
فلما كان من الغد جاء النبي (ص) آخذا بيد عليّ بن أبي طالب (ع) ، والحسن الحسين (ع) بين يديه يمشيان ، وفاطمة (ع) تمشي خلفه ، وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم ، فلما رأى النبي قد أقبل بمن معه سأل عنهم ، فقيل له : هذا ابن عمه وزوج ابنته وأحبّ الخلق إليه ، وهذان ابنا بنته من عليّ ، وهذه الجارية بنته فاطمة أعزّ الناس عليه وأقربهم إليه .
وتقدّم رسول الله فجثا على ركبتيه ، فقال أبو حارثة الأسقف : جثا والله كما جثا الأنبياء للمباهلة ، فرجع ولم يقدم على المباهلة فقال له السيد :
أُدنُ يا حارثة للمباهلة ، قال : لا ، إني لأرى رجلاً جريئاً على المباهلة ، وأنا أخاف أن يكون صادقاً ، ولئن كان صادقاً لم يحل علينا الحول والله وفي الدنيا نصرانيٌّ يطعم الماء ، فقال الأسقف : يا أبا القاسم !.. إنا لا نباهلك ولكن نصالحك ، فصالحْنا على ما ننهض به ….
وروي أنّ الأسقف قال لهم : إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله ، فلا تبتهلوا فتهلكوا ، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، وقال النبي (ص) : والذي نفسي بيده !.. لو لاعنوني لمُسخوا قردة وخنازير ، ولأضطرم الوادي عليهم ناراً ، ولما حال الحول على النصارى حتى هلكوا كلهم ، قالوا : فلما رجع وفد نجران لم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي (ص) وأهدى العاقب له حلةً وعصاً وقدحاً ونعلين وأسلما ….
{ وأنفسنا } يعني عليّا (ع) خاصة ، ولا يجوز أن يكون المعنيّ به النبي (ص) لأنه هو الداعي ، ولا يجوز أن يدعو الإنسان نفسه ، وإنما يصح أن يدعو غيره ، وإذا كان قوله : { وأنفسنا } لابدّ أن يكون إشارة إلى غير الرسول وجب أن يكون إشارة إلى عليّ (ع) ، لأنه لا أحد يدّعي دخول غير أمير المؤمنين وزوجته وولديه (ع) في المباهلة ، وهذا يدل على غاية الفضل وعلو الدرجة ، والبلوغ منه إلى حيث لا يبلغه أحدٌ ، إذ جعله الله سبحانه نَفْس الرسول ، وهذا ما لا يدانيه فيه أحدٌ ولا يقاربه ، ومما يعضده في الروايات ما صحّ عن النبي (ص) أنه سُئل عن بعض أصحابه ، فقال له قائل : فعليّ ؟.. فقال : إنما سألتني عن الناس ، ولم تسألني عن نفسي .
وقوله (ص) لبريدة : لا تبغض عليّا فإنه مني وأنا منه ، وإنّ الناس خُلقوا من شجرٍ شتّى وخُلقت أنا وعليّ من شجرة واحدة .. وقوله (ص) بأُحد وقد ظهر من نكايته في المشركين ووقايته إياه بنفسه حتى قال جبرائيل : يا محمد !.. إنّ هذه لهي المواساة ، فقال : يا جبرئيل !.. إنه لمني وأنا منه ، فقال جبرائيل : وأنا منكما. ص280
المصدر: مجمع البيان 2/451
وروى إمامهم الرازي في تفسيره الروايتين في المباهلة والكساء مثل ما رواه الزمخشري إلى قوله { ويطهركم تطهيرا } ثم قال : واعلم أنّ هذه الرواية كأنها متفقٌ على صحتها بين أهل التفسير والحديث ثم قال : هذه الآية دلت على أنّ الحسن والحسين (ع) كانا ابني رسول الله (ص).
ثم قال : كان في الري رجلٌ يقال له محمود بن الحسن الخصيمي ، وكان متكلّم الاثنى عشرية ، وكان يزعم أنّ عليّاً (ع) أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد (ص) ، قال : والذي يدل عليّه قوله تعالى : { وأنفسنا وأنفسكم } وليس المراد بقوله : { وأنفسنا } نفس محمد (ص) لأنّ الإنسان لا يدعو نفسه بل المراد به غيره ، وأجمعوا على أنّ ذلك الغير كان عليّ بن أبي طالب (ع) ، فدلت الآية على أنّ نفس عليّ هي نفس محمد ، ولا يمكن أن يكون المراد أنّ هذه النفس هي عين تلك النفس .
فالمراد أن هذه النفس مثل تلك النفس ، وذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه ، تُرك العمل بهذا العموم في حقّ النبوة وفي حقّ الفضل ، لقيام الدلائل على أنّ محمداً (ص) كان نبياً ، وما كان عليّ كذلك ولانعقاد الإجماع على أنّ محمداً (ص) كان أفضل من عليّ فيبقى فيما سواه معمولاً به ، ثم الإجماع دلّ على أنّ محمداً (ص) كان أفضل من سائر الأنبياء ، فهذا وجه الاستدلال بظاهر هذه الآية .
ثم قال : وتأكد الاستدلال بهذه الآية بالحديث المقبول عند الموافق والمخالف وهو قوله (ع) : ( من أراد أن يرى آدم في علمه ، ونوحا في طاعته ، وإبراهيم في خلّته ، وموسى في قربته ، وعيسى في صفوته ، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب (ع) ).. فالحديث دلّ على أنه اجتمع فيه ما كان متفرّقاً فيهم ، وذلك يدلّ على أنّ عليّاً أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد (ص) .
وأما سائر الشيعة فقد كانوا قديماً وحديثاً يستدلون بهذه الآية على أنّ عليّاً (ص) أفضل من سائر الصحابة ، وذلك لأنّ الآية لما دلت على أنّ نفس عليّ مثل نفس محمد (ص) إلا فيما خصّه الدليل ، وكان نفس محمد (ص) أفضل من الصحابة فوجب أن يكون نفس عليّ أفضل من سائر صحابته.ص283
المصدر: مفاتيح الغيب 2/471

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى