الجزء العشرون كتاب تاريخ النبي محمد (ص)

باب غزوة الحديبة ، وبيعة الرضوان ، وعمرة القضاء ، وسائر الوقايع

ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي (ص) إذا أمرهم رسول الله (ص) ابتدروا أمره ، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدّون إليه النظر تعظيماً له ، فرجع عروة إلى أصحابه وقال :
أيّ قوم !.. والله لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله ما رأيت مَلكاً قطّ يعظّمه أصحابه ، ما يعظّم أصحاب محمد محمداً ، إذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدّون إليه النظر تعظيماً له . ص332
المصدر: مجمع البيان 9/116

فلما قدم رسول الله (ص) أمر أصحابه فقال (ص) : ” اكشفوا عن المناكب واسعوا في الطواف ” ليرى المشركون جلدهم وقوّتهم ، فاستكفّ ( أي أحاطوا بهم ) أهل مكة الرجال والنساء والصبيان ينظرون إلى رسول الله (ص) وأصحابه وهم يطوفون بالبيت ….ص337
المصدر: مجمع البيان 9/127

فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة بعد الفراغ من الكتاب والنبي (ص) بالحديبية ، فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم – وقال مقاتل : هو صيفي بن الراهب – في طلبها ، وكان كافراً ، فقال : يا محمد !.. اردد عليّ امرأتي ، فإنك قد شرطت لنا أن تردّ علينا مَن أتاك منا ، وهذه طينة الكتاب لم تجفّ بعد.
فنزلت الآية : { يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات } من دار الكفر إلى دار الإسلام { فامتحنوهن } ، قال ابن عباس : امتحانهن أن يستحلفن ما خرجن من بغض زوج ولا رغبةً عن أرض إلى أرض ، ولا التماس دنيا ، ولا خرجت إلا حبّاً لله ولرسوله ، فاستحلفها رسول الله (ص) ما خرجت بغضاً لزوجها ، ولا عشقاً لرجل منا ، وما خرجت إلا رغبةً في الإسلام ، فحلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك ، فأعطى رسول الله (ص) زوجها مهرها ، وما أنفق عليها ولم يردّها عليه.ص338
المصدر: مجمع البيان 9/273

قال الصادق (ع) : كان سبب نزول هذه السورة { إنا فتحنا لك فتحا } وهذا الفتح العظيم ، أنّ الله عزّ وجلّ أمر رسول الله (ص) في النوم أن يدخل المسجد الحرام ويطوف ، ويحلق مع المحلّقين ، فأخبر أصحابه وأمرهم بالخروج فخرجوا ، فلما نزل ذا الحليفة أحرموا بالعمرة وساقوا البُدن ، وساق رسول الله (ص) ستة وستين بدنة وأشعرها عند إحرامه ، وأحرموا من ذي الحليفة ملبّين بالعمرة ، وقد ساق مَن ساق منهم الهدي معرات مجلّلات .
فلما بلغ قريش ذلك بعثوا خالد بن الوليد في مائتي فارس كميناً ليستقبل رسول الله (ص) فكان يعارضه على الجبال ، فلما كان في بعض الطريق حضرت صلاة الظهر ، فأذّن بلال وصلّى رسول الله (ص) بالناس ، فقال خالد بن الوليد : لو كنا حملنا عليهم في الصلاة لأصبناهم ، فإنهم لا يقطعون صلاتهم ، ولكن يجيء لهم الآن صلاة أخرى أحبّ إليهم من ضياء أبصارهم ، فإذا دخلوا في الصلاة أغرنا عليهم .
فنزل جبرائيل (ع) على رسول الله (ص) بصلاة الخوف في قوله : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } ، فلما كان في اليوم الثاني نزل رسول الله (ص) الحديبية وهي على طرف الحرم ، وكان رسول الله (ص) يستنفر الأعراب في طريقه معه ، فلم يتبعه منهم أحدٌ ، ويقولون : أيطمع محمد وأصحابه أن يدخلوا الحرم ، وقد غزتهم قريش في عقر ديارهم فقتلوهم ، إنه لا يرجع محمد وأصحابه إلى المدينة أبداً .
فلما نزل رسول الله (ص) الحديبية خرجت قريش يحلفون باللاّت والعزّى لا يدعون محمدا يدخل مكة وفيهم عينٌ تطرف ، فبعث إليهم رسول الله (ص) إني لم آت لحرب ، وإنما جئت لأقضي نسكي ، وأنحر بُدني ، وأخلي بينكم وبين لحماتها .
فبعثوا عروة بن مسعود الثقفي وكان عاقلاً لبيباً وهو الذي أنزل الله فيه :
{ وقالوا لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } ، فلما أقبل إلى رسول الله (ص) عظّم ذلك وقال : يا محمد !.. تركتُ قومك وقد ضربوا الأبنية ، وأخرجوا العوذ المطافيل ، يحلفون باللاّت والعزّى لا يدعوك تدخل حرمهم وفيهم عينٌ تطرف ، أفتريد أن تُبير أهلك وقومك يا محمد ؟!.. فقال رسول الله (ص) : ما جئت لحرب وإنما جئت لأقضي نسكي ، فأنحر بُدني وأخلّي بينكم وبين لحماتها ، فقال عروة : بالله ما رأيت كاليوم أحداً صدّ عما صُددت .
فرجع إلى قريش وأخبرهم ، فقالت قريش : والله لئن دخل محمد مكة وتسامعت به العرب لنذلّن ولتجترأن علينا العرب ، فبعثوا حفص بن الأحنف وسهيل بن عمرو ، فلما نظر إليهما رسول الله (ص) قال : ” ويح قريش !.. قد نهكتهم الحرب ، ألا خلوا بيني وبين العرب ؟.. فإن أكُ صادقاً فإنما أجرّ الملك إليهم مع النبوة ، وإن أكُ كاذباً كفتهم ذؤبان العرب ، لا يسأل اليوم امرؤٌ من قريش خطة ليس لله فيها سخط ، إلا أجبتهم إليه “.
فوافوا رسول الله (ص) فقالوا : يا محمد !.. إلى أن ننظر إلى ماذا يصير أمرك وأمر العرب على أن ترجع من عامك هذا ، فإنّ العرب قد تسامعت بمسيرك فإن دخلت بلادنا وحرمنا ، استذلّتنا العرب واجترأت علينا ونخلي لك البيت في القابل في هذا الشهر ثلاثة أيام ، حتى تقضي نسكك وتنصرف عنا ، فأجابهم رسول الله (ص) إلى ذلك ، وقالوا له : وتردّ إلينا كل من جاءك من رجالنا ، ونردّ إليك كل من جاءنا من رجالك ، فقال رسول الله (ص) : من جاءكم من رجالنا فلا حاجة لنا فيه ، ولكن على أن المسلمين بمكة لا يُؤذَون في إظهارهم الإسلام ولا يُكرهون ولا ينكر عليهم شيء يفعلونه من شرائع الإسلام ، فقبلوا ذلك .
فلما أجابهم رسول الله (ص) إلى الصلح أنكر عليه عامةُ أصحابه وأشد ما كان إنكارا عمر ، فقال : يا رسول الله !.. ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟.. فقال : نعم ، قال : فنعطي الدنية في ديننا ؟.. فقال : إنّ الله قد وعدني ولن يخلفني قال : لو أنّ معي أربعين رجلاً لخالفته ، ورجع سهيل بن عمرو وحفص بن الأحنف إلى قريش فأخبراهم بالصلح ، فقال عمر : يا رسول الله !.. ألم تقل لنا أن ندخل المسجد الحرام ونحلق مع المحلّقين ؟.. فقال : ” أمن عامنا هذا وعدتك ؟.. قلت لك : إنّ الله عزّ وجلّ قد وعدني أن أفتح مكة وأطوف وأسعى وأحلق مع المحلّقين “.
فلما أكثروا عليه قال لهم : إن لم تقبلوا الصلح فحاربوهم ، فمرّوا نحو قريش وهم مستعدّون للحرب وحملوا عليهم ، فانهزم أصحاب رسول الله (ص) هزيمةً قبيحةً ومرّوا برسول الله (ص) فتبسّم رسول الله (ص) ، ثم قال :
” يا علي !.. خذ السيف واستقبل قريشا ” .
فأخذ أمير المؤمنين (ع) سيفه وحمل على قريش ، فلما نظروا إلى أمير المؤمنين (ع) تراجعوا ، وقالوا : يا علي !.. بدا لمحمد فيما أعطانا ؟.. قال : لا ، فرجع أصحاب رسول الله (ص) مستحيين وأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله (ص) ، فقال لهم رسول الله (ص) :
“ألستم أصحابي يوم بدر إذ أنزل الله فيكم : { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } .. ألستم أصحابي يوم أحد { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ؟.. ألستم أصحابي يوم كذا ؟.. ألستم أصحابي يوم كذا ؟.. ” فاعتذروا إلى رسول الله (ص) وندموا على ما كان منهم ، وقالوا : الله أعلم ورسوله ، فاصنع ما بدا لك .
ورجع حفص بن الأحنف وسهيل بن عمرو إلى رسول الله (ص) فقالا :
يا محمد !.. قد أجابت قريش إلى ما اشترطت من إظهار الإسلام وأن لا يُكره أحدٌ على دينه ، فدعا رسول الله (ص) بالمكتب ودعا أمير المؤمنين (ع) ، فقال له : اكتب ، فكتب أمير المؤمنين (ع) : { بسم الله الرحمن الرحيم } ، قال سهيل بن عمرو : لا نعرف الرحمن اكتب كما كان يكتب آباؤك ” باسمك اللهم !.. ” فقال رسول الله (ص) : ” اكتب باسمك اللهم ، فإنه اسم من أسماء الله ” .
ثم كتب : “هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله (ص) والملأ من قريش ” فقال سهيل بن عمرو : ولو علمنا أنك رسول الله (ص) ما حاربناك ، اكتب هذا ما تقاضى عليه محمد بن عبد الله ، أتأنف من نسبك يا محمد ؟.. فقال رسول الله (ص) : ” أنا رسول الله وإن لم تقرّوا ” ثم قال : امح يا علي !.. واكتب محمد بن عبد الله ، فقال أمير المؤمنين (ع) : ما أمحو اسمك من النبوة أبداً ، فمحاه رسول الله (ص) بيده ثم كتب :
هذا ما تقاضى عليه محمد بن عبد الله والملأ من قريش وسهيل بن عمرو ، اصطلحوا على وضع الحرب بينهم عشر سنين ، على أن يكفّ بعضنا عن بعض وعلى أنه لا إسلال ولا إغلال ، وأنّ بيننا وبينهم عيبة مكفوفة ، وأنه من أحبّ أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل ، وأنه مَن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعقدها فعل ، وأنه مَن أتى محمدا بغير إذن وليه يردّه إليه ، وأنه مَن أتى قريشاً من أصحاب محمد لم يردّوه إليه ، وأن يكون الإسلام ظاهراً بمكة لا يُكره أحدٌ على دينه ولا يُؤذى ولا يعيّر ، وأنّ محمداً يرجع عنهم عامه هذا وأصحابه ثم يدخل علينا في العام القابل مكة ، فيقيم فيها ثلاثة أيام ، ولا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر ، السيوف في القِرَب ، وكتب علي بن أبي طالب وشهد على الكتاب المهاجرون والأنصار .
ثم قال رسول الله (ص) : يا علي !.. إنك أبيت أن تمحو اسمي من النبوة ، فو الذي بعثني بالحقّ نبياً لتجيبنّ أبناءهم إلى مثلها وأنت مضيضٌ ( أي بلغ الحزن قلبك ) مضطهد .
فلما كان يوم صفّين ورضوا بالحكمين كتب : ” هذا ما اصطلح عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ” فقال عمرو بن العاص :
لو علمنا أنك أمير المؤمنين ما حاربناك ، ولكن اكتب هذا ما اصطلح عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ، فقال أمير المؤمنين (ع) :” صدق الله وصدق رسوله (ص) ، أخبرني رسول الله (ص) بذلك ” ثم كتب الكتاب .ص353
المصدر: تفسير القمي ص631

قال الصادق (ع) : إنّ رسول الله (ص) في عمرة القضاء شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام من الصفا والمروة ، فتشاغل رجلٌ حتى ترك السعي حتى انقضت الأيام وأُعيدت الأصنام ، فجاؤا إليه فقالوا : يا رسول الله !.. إنّ فلاناً لم يسعَ بين الصفا والمروة وقد أُعيدت الأصنام ، فأنزل الله عزّ وجلّ : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } ، أي وعليهما الأصنام . ص365
المصدر: فروع الكافي 1/285

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى