الجزء السادس عشر كتاب تاريخ النبي محمد (ص)

باب أوصافه (ص) في خلقته وشمائله وخاتم النبوة

قالوا : يا علي !.. صف لنا نبينا (ص) كأننا نراه ، فإنا مشتاقون إليه ، فقال : كان نبي الله (ص) أبيض اللون ، مشربا حمرة ، أدعج العين ، سبط الشعر ، كث اللحية ، ذا وفرة ، دقيق المسربة ، كأنما عنقه إبريق فضة ، يجري في تراقيه الذهب ، له شعرٌ من لبّته إلى سرته كقضيب خيط إلى السرّة ، وليس في بطنه ولا صدره شعر غيره ، شثن الكفّين والقدمين ، شثن الكعبين .
إذا مشى كأنما يتقلع من صخر ، إذا أقبل كأنما ينحدر من صبب ، إذا التفت التفت جميعا بأجمعه كله ، ليس بالقصير المتردّد ، ولا بالطويل المتمعّط ( أي المتناهي في الطول ) ، وكان في الوجه تدوير ، إذا كان في الناس غمرهم ( أي كان فوق كل من كان معه ) ، كأنما عرقه في وجهه اللؤلؤ ، عرفه أطيب من ريح المسك .
ليس بالعاجز ولا باللئيم ، أكرم الناس عشرةً ، وألينهم عريكةً ، وأجودهم كفّاً ، مَن خالطه بمعرفة أحبه ، ومَن رآه بديهة هابه ، عزّه بين عينيه ، يقول ناعته لم أرَ قبله ولا بعده مثله ، صلى الله عليه وآله وسلّم تسليماً . ص147
المصدر: أمالي الطوسي ص217
قال الحسن (ع) : سألت خالي هند بن أبي هالة عن حلية رسول الله (ص) ، وكان وصّافا للنبي (ص) …. قلت : فصف لي منطقه ، فقال :
كان (ص) مواصل الأحزان ، دائم الفكر ، ليست له راحةٌ ، ولا يتكلم في غير حاجة ، يفتتح الكلام ، ويختمه بأشداقه ، يتكلم بجوامع الكلم فصلا لا فضول فيه ولا تقصير ، دمثا ليس بالجافي ولا بالمهين ، تعظم عنده النعمة وإن ذقّت ، لا يذمّ منها شيئا غير أنه كان لا يذمّ ذوّاقا ولا يمدحه ، ولا تُغضبه الدنيا وما كان لها ، فإذا تُعوطي الحق لم يعرفْه أحد ، ولم يقم لغضبه شيءٌ حتى ينتصر له .
إذا أشار أشار بكفه كلها ، وإذا تعجّب قلّبها ، وإذا تحدّث اتصل بها ، يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى ، وإذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غضّ طرفه ، جلُّ ضحكه التبسّم ، يفترّ عن مثل حبّ الغمام.ص150
المصدر: العيون ص176
قال الحسين (ع) : سألت أبي (ع) عن مدخل رسول الله (ص) ، فقال : كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك ، فإذا آوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء : جزءٌ لله ، وجزءٌ لأهله ، وجزءٌ لنفسه ، ثم جزّأ جزأه بينه وبين الناس ، فيرد ذلك بالخاصة على العامة ، ولا يدخر عنهم منه شيئا .
وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين ، فمنهم ذو الحاجة ، ومنهم ذو الحاجتين ، ومنهم ذو الحوائج ، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم ، وإخبارهم بالذي ينبغي ، ويقول : ليبلغ الشاهد منكم الغائب ، وأبلغوني حاجة من لا يقدر على إبلاغ حاجته ، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يقدر على إبلاغها ، ثبّت الله قدميه يوم القيامة….
فسألته عن مخرج رسول (ص) كيف كان يصنع فيه ؟.. فقال :
كان (ص) يخزن لسانه إلا عمّا يعنيه ، ويؤلّفهم ولا ينفرّهم ، ويكرم كريم كل قوم ، ويولّيه عليهم ، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشْره ولا خُلقه ، ويتفقّد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ، ويحسّن الحسن ويقوّيه ، ويقبّح القبيح ويوهنه ، معتدل الأمر ، غير مختلف ، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا ، ولا يقصر عن الحقّ ولا يجوزه ، الذين يلونه من الناس خيارهم ، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحةً للمسلمين ، وأعظمهم عنده منزلةً أحسنهم مواساةً وموازرةً .
وسألته عن مجلسه ، فقال : كان (ص) لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكرٍ ، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها ، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك ، ويعطي كل جلسائه نصيبه ، ولا يحسب أحد من جلسائه أنّ أحداً أكرم عليه منه ، مَن جالسه صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ، من سأله حاجةً لم يرجع إلا بها أو بميسورٍ من القول ، قد وسع الناس منه خلقه ، وصار لهم أبا ، وصاروا عنده في الحقّ سواء ، مجلسه مجلس حلم وحياء وصدق وأمانة ، لا تُرفع فيه الأصوات …. فقلت :
فكيف كانت سيرته في جلسائه ؟.. فقال :
كان دائم البشْر ، سهل الخلق ، ليّن الجانب ، ليس بفظٍّ ولا صخّاب ولا فحّاش ولا مدّاح ، يتغافل عما لا يشتهي ، فلا يؤيس منه ولا يخيب فيه مؤمّليه ، قد ترك نفسه من ثلاث : المراء ، والإكثار ، وما لا يعنيه ، وترك الناس من ثلاث : كان لا يذمّ أحداً ، ولا يعيّره ، ولا يطلب عورته ولا عثراته ، ولا يتكلّم إلا فيما رجا ثوابه .
إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، وإذا سكت تكلّموا ولا يتنازعون عنده الحديث ، مَن تكلّم أنصتوا له حتى يفرغ ، حديثهم عنده حديث أولهم ، يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجّب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في مسألته ومنطقه حتى أن كان أصحابه ليستجلبونهم ، ويقول : إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه ، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد كلامه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام .
فسألته عن سكوت رسول الله (ص) ، فقال :
كان سكوته على أربع : على الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكير .. فأما التقدير ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس .. وأما تفكّره ففيما يبقى ويفنى ، وجمع له الحلم في الصبر ، فكان لا يُغضبه شيءٌ ولا يستفزّه ، وجمع له الحذر في أربع :
أخْذه الحسَن ليُقتدى به ، وتركه القبيح ليُنتهى عنه ، واجتهاده الرأي في صلاح أمته ، والقيام فيما جمع لهم خير الدنيا والآخرة . ص153
المصدر: العيون ص176
لم يمض النبي (ص) في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلَكه من طيب عرقه ، ولم يكن يمرّ بحجر ولا شجر إلا سجد له .ص172
المصدر: قصص الأنبياء
قال رسول الله (ص) : إنا معاشر الأنبياء تنام عيوننا ، ولا تنام قلوبنا ، ونرى من خلفنا كما نرى من بين أيدينا . ص172
المصدر: بصائر الدرجات ص125
قال الصادق (ع) : طلب أبو ذر رسول الله (ص) فقيل له : إنه في حائط كذا وكذا ، فمضى يطلبه فدخل إلى الحائط والنبي (ص) نائم ، فأخذ عسيباً يابساً وكسّره ليستبرئ ( أي يمتحن ) به نوم رسول الله (ص) ، ففتح النبي (ص) عينه وقال :
أتخدعني عن نفسي يا أبا ذر ؟..أما علمت أني أراكم في منامي كما أراكم في يقظتي ؟.. ص172
المصدر: بصائر الدرجات ص125
نوره : كان إذا مشى في ليلة ظلماء بدا له نورٌ كأنه قمر ، قالت عائشة : فقدت إبرة ليلة فما كان في منزلي سراجٌ ، فدخل النبي (ص) فوجدت الإبرة بنور وجهه . ص176
المصدر: المناقب 1/84
كان لا يمر في طريق فيمرّ فيه إنسانٌ بعد يومين إلا عُرف أنه عبر فيه.ص176
المصدر: المناقب 1/84
كان النبي (ص) يقيل عند أم سلمة ، فكانت تجمع عرقه وتجعله في الطيب.ص176
المصدر: المناقب 1/84
أُتى رسول الله (ص) بدلوٍ من ماء ، فشرب ثم توضأ فتمضمض ، ثم مجّ مجّةً في الدلو، فصار مسكا أو أطيب من المسك . ص176
المصدر: المناقب 1/84
رأسه : كان يظلّه سحابة من الشمس ، وتسير لمسيره ، وتركد لركوده ، ولا يطير الطير فوقه . ص176
المصدر: المناقب 1/84
دخل أبو سفيان على النبي (ص) وهو يُقاد ، فأحس بتكاثر الناس ، فقال في نفسه :
واللات والعزى يا بن أبي كبشه ، لأملأنها عليك خيلا ورجلا ، وإني لأرجو أن أرقى هذه الأعواد ، فقال النبي (ص) : أو يكفينا الله شرّك يا أبا سفيان!..ص177
المصدر: المناقب 1/84
هيبته : كان عظيما مهيبا في النفوس حتى ارتاعت رسل كسرى ، مع أنه كان بالتواضع موصوفا ، وكان محبوبا في القلوب حتى لا يقليه مصاحبٌ ، ولا يتباعد عنه مقاربٌ ، قال السدي في قوله :
{ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب } : لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة قالوا : ما صنعنا ؟.. قتلناهم حتى لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم ، إذ همّوا وقالوا : ارجعوا فاستأصلوهم ، فلما عزموا على ذلك ، ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا . ص179
المصدر: المناقب 1/84
جاء الأعرابي فلما نظر إلى النبي (ص) عرفه ، قال بمحجنه على رأس ناقة رسول الله (ص) عند ذنَب ناقته ، فأقبل الناس تقول :
ما أجرأك يا أعرابي ؟!..
قال النبي (ص) : دعوه فإنه أرب ، ثم قال : ما حاجتك ؟!.. قال :
جاءتنا رسلك تقيموا الصلاة ، وتؤتوا الزكاة ، وتحجّوا البيت ، وتغتسلوا من الجنابة ، وبعثني قومي إليك رائدا ، أبغي أن أستحلفك وأخشى أن تغضب ، قال :
لا أغضب ، إني أنا الذي سماني الله في التوراة والإنجيل محمد رسول الله ، المجتبى المصطفى ، ليس بفحاّش ولا سخّاب في الأسواق ، ولا يتبع السيئة السيئة ، ولكن يتبع السيئة الحسنة ، فسلني عمّا شئت ، وأنا الذي سماني الله في القرآن : { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } فسل عما شئت .. قال : إنّ الله الذي رفع السماوات بغير عمد هو أرسلك ؟.. قال : نعم ، هو أرسلني ، قال :
بالله الذي قامت السماوات بأمره ، هو الذي أنزل عليك الكتاب ، وأرسلك بالصلاة المفروضة ، والزكاة المعقولة ؟.. قال : نعم ، قال :
وهو أمرك بالاغتسال من الجنابة وبالحدود كلها ؟.. قال : نعم ، قال :
فإنا آمنا بالله ورسله وكتابه واليوم الآخر والبعث والميزان والموقف والحلال والحرام صغيره وكبيره ، فاستغفر له النبي (ص) ودعا . ص186
المصدر: تفسير العياشي
قال أبو الحسن (ع) : إنّ علي بن الحسين (ع) كان يقرأ ، فربما يمرّ به المار فصُعق من حُسن صوته ، وإنّ الإمام لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس من حسنه ، قلت :
ولم يكن رسول الله (ص) يصلي بالناس ويرفع صوته بالقرآن ؟.. فقال :
إنّ رسول الله (ص) كان يحمل الناس من خلفه ما يطيقون . ص188
المصدر: أصول الكافي 2/615
قلت للصادق (ع) : أكان رسول الله (ص) يفرق شعره ؟.. قال : لا ، لأنّ رسول الله (ص) كان إذا طال شعره كان إلى شحمة أذنه . ص189
المصدر: فروع الكافي 2/215
قلت للصادق (ع) : إنهم يروون أنّ الفَرق من السنّة ، قال : من السنّة ؟.. قلت : يزعمون أنّ النبي (ص) فرق ، قال :
ما فرق النبي (ص) ولا كانت الأنبياء تمسك الشعر . ص189
المصدر: فروع الكافي 2/215
أتى رجل إلى النبي (ص) فقال : يا رسول الله !.. إني زوّجت ابنتي وإني أحبّ أن تعينني بشيء ، فقال :
ما عندنا شيءٌ ، ولكن إذا كان غدا فتعال وجئني بقارورة واسعة الرأس وعود شجر ، وآية بيني وبينك أني أجيف الباب ، فأتاه بقارورة واسعة الرأس وعود شجر ، فجعل رسول الله (ص) يسلت العرق من ذراعيه حتى امتلأت القارورة ، فقال : خذها وأمر ابنتك إذا أرادت أن تطيب أن تغمس العود في القارورة وتطيّب بها ، وكانت إذا تطيّبت شمّ أهل المدينة ذلك الطيب ، فسُمّوا بيت المتطيبين . ص192
المصدر: المنتقى في مولد المصطفى – الفصل4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى