الجزء العاشر كتاب الاحتجاج والمناظرة

باب مناظرات الرضا (ع) واحتجاجاته على أرباب الملل المختلفة والأديان المتشتة في مجلس المأمون وغيره

اُنتدب للرضا (ع) قومٌ يناظرون في الإمامة عند المأمون فأذن لهم ، فاختاروا يحيى بن الضحّاك السمرقندي ، فقال : سل يا يحيى !.. فقال يحيى : بل سل أنت يا بن رسول الله !.. لتشرّفني بذلك ، فقال (ع) :
يا يحيى !.. ما تقول في رجل ادّعى الصدق لنفسه وكذّب الصادقين ؟.. أيكون صادقا محقا في دينه أم كاذبا ؟.. فلم يحر جواباً ساعة ، فقال المأمون : أجبه يا يحيى !.. فقال : قطعني يا أمير المؤمنين .
فالتفت إلى الرضا (ع) فقال : ما هذه المسألة التي أقرّ يحيى بالانقطاع فيها ؟.. فقال (ع) : إن زعم يحيى أنه صدّق الصادقين فلا إمامة لمن شهد بالعجز على نفسه فقال على منبر الرسول :
” ولّيتكم ولست بخيركم ” والأمير خير من الرعية ، وإن زعم يحيى أنه صدّق الصادقين فلا إمامة لمن أقرّ على نفسه على منبر الرسول الله (ص) :
” إنّ لي شيطانا يعتريني ” والإمام لا يكون فيه شيطانٌ ، وإن زعم يحيى أنه صدّق الصادقين ، فلا إمامة لمن أقرّ عليه صاحبه ، فقال :
” كانت إمامة أبي بكر فلتةً وقى الله شرها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه ” فصاح المأمون عليهم فتفرّقوا ، ثم التفت إلى بني هاشم فقال لهم :
ألم أقل لكم أن لا تفاتحوه ولا تجمّعوا عليه ، فإنّ هؤلاء علمهم من علم رسول الله (ص) . ص348
المصدر: المناقب 2/404

قال الرضا (ع) لابن قرّة النصراني : ما تقول في المسيح ؟.. قال : يا سيدي !.. إنه من الله ، فقال : وما تريد بقولك : ” مِن ” و ” مِن ” على أربعة أوجه لا خامس لها ؟.. أتريد بقولك : ” من ” كالبعض من الكل فيكون مبعضا ؟.. أو كالخلّ من الخمر فيكون على سبيل الاستحالة ؟.. أو كالولد من الوالد ، فيكون على سبيل المناكحة ؟.. أو كالصنعة من الصانع ، فيكون على سبيل المخلوق من الخالق ؟.. أو عندك وجه آخر فتعرّفناه ؟.. فانقطع.ص349
المصدر: المناقب 2/405

قال المأمون يوماً للرضا (ع) : أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين (ع) يدلّ عليها القرآن ، فقال له الرضا (ع) :
فضيلة في المباهلة ، قال الله جلّ جلاله :
{ فمن حاجّك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين } .
فدعا رسول الله (ص) الحسن والحسين (ع) فكانا ابنيه ، ودعا فاطمة (ع) فكانت في هذا الموضع نساؤه ، ودعا أمير المؤمنين (ع) فكان نفسه بحكم الله عزّ وجلّ ، فقد ثبت أنه ليس أحدٌ من خلق الله تعالى أجلّ من رسول الله (ص) وأفضل ، فوجب أن لا يكون أحدٌ أفضل من نفس رسول الله (ص) بحكم الله تعالى .. فقال له المأمون :
أليس قد ذكر الله تعالى الأبناء بلفظ الجمع ، وإنما دعا رسول الله ابنيه خاصة ، وذكر النساء بلفظ الجمع ، وإنما دعا رسول الله (ص) ابنته وحدها ؟..
فلم لا جاز أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه ، ويكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره ، فلا يكون لأمير المؤمنين (ع) ما ذكرتَ من الفضل ؟.. فقال له الرضا (ع) :
ليس يصح ما ذكرت يا أمير المؤمنين ، وذلك أنّ الداعي إنما يكون داعيا لغيره كما أنّ الآمر آمرٌ لغيره ، ولا يصحّ أن يكون داعياً لنفسه في الحقيقة ، كما لا يكون آمراً لها في الحقيقة ، وإذا لم يدع رسول الله (ص) رجلا في المباهلة إلا أمير المؤمنين (ع)، فقد ثبت أنه نفسه التي عناها الله سبحانه في كتابه ، وجعل حكمه ذلك في تنزيله ، فقال المأمون :
إذا ورد الجواب سقط السؤال . ص351
المصدر: الفصول المختارة 1/16

قال للرضا (ع) الصوفية : إنّ المأمون قد ردّ إليك هذا الأمر وأنت أحقّ الناس به ، إلا أنه تحتاج أن تلبس الصوف وما يحسن لبسه ، فقال (ع) :
ويحكم !.. إنما يُراد من الإمام قسطه وعدله : إذا قال صدق ، وإذا حكم عدل ، وإذا وعد أنجز ، قال الله تعالى :
{ قل مَن حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} ، إنّ يوسف (ع) لبس الديباج المنسوج بالذهب ، وجلس على متكآت آل فرعون . ص351
المصدر: الدرة الباهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى