محاضرات رمضانية

هل أعددنا العدة لشهر رمضان ؟

إن من أفضل ما يروي لنا عظمة هذا الشهر الكريم: هو ما رواه علي (ع) عن النبي (ص) حول خطبته التي ألقاها في استقبال شهر رمضان.. وقبل أن نبحر في هذه الخطبة العظيمة لنستفيد من فقراتها المختلفة، من المناسب أن نذكر هاتين الملاحظتين:

الملاحظة الأولى: نلاحظ تخليد الله عزوجل لكلمات النبي (ص).. النبي (ص) يتكلم في جمع من المسلمين، ومع أنه لم يكن في ذلك الوقت أدوات تسجيل، وسنة النبي (ص) لم تكن تدون لسنوات كما نعلم؛ ومع ذلك شاء الله عزوجل أن تتدارس هذه الخطبة في كل عام، في هذه القرون المتمادية.. ذلك الرسول الذي أساء القوم الأدب بين يديه وهو يخطب فيهم، حيث انفضوا جرياً وراء قافلة جاءت بشيء من متاع الدنيا، وتركوه قائماً.. ولكن الله عزوجل شاء أن يجعل كنوز المعرفة في الأجيال اللاحقة.. ونرجو أن نكون نحن من ذلك الجيل الذي يكتشف خبايا كلام النبي (ص) وآله الميامين.

والثانية: اختيار الوقت المناسب للحديث.. إذا أردت أن تعظ أخاك، فاختر الوقت المناسب والظرف المناسب لذلك.. فمن الطبيعي أن الحديث عن شهر رمضان في شهر رجب وقبل ذلك، لا يكون حديثاً مثمراً، وذلك بخلاف الأيام القريبة.. وعليه، ما المانع أن يجلس أحدنا مع أهل بيته، أو مع أصدقائه، ويذكرهم بآداب هذا الشهر الكريم -تلك الآداب المخفية-، ويعرفهم على الأسرار الباطنية للصيام.

تأملات في خطبة النبي (ص):

قال أمير المؤمنين (ع): (إنّ رسول الله (ص) خطبنا ذات يومٍ فقال: أيها الناس!.. إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة).. إن النبي (ص) بدأ خطبته بعبارة مثيرة للعواطف، بذكر إقبال الشهر على الصائمين.. نحن نعلم أن الإنسان في العبادة هو المقبل، هو يقبل على الصلاة، هو يذهب إلى الحج من كل فج عميق، ولكن نلاحظ عندما يتحدث النبي المصطفى (ص) عن شهر رمضان، فإنه يقول: قد أقبل إليكم شهر الله.. ومن المعلوم أن إقبال الشيء على الشيء، فرع الاشتياق له.. وكأن شهر رمضان المبارك يشتاق إلينا، ويتحين الفرصة للقاء بنا في هذه الأيام المباركة!..

إن شهر رمضان بمثابة ضيف عزيز يأتي إلينا وبيده باقة من الورد، وهذه الباقة متمثلة: بالبركة، والرحمة، والمغفرة.. البركة: بمعنى النماء والزيادة.. أنت عندما تتقرب إلى الله عزوجل بصلاة ليل، أو صلاة جماعة، أو خمس واجب أو ما شابه ذلك؛ فإن هذا العمل في حد نفسه قد لا يؤثر كثيراً في تغيير مسيرة حياتك.. ولكنه تعالى هو الذي يربي الصدقات، هو الذي ينمي الصدقات.. فإن الأثر للصدقة المنماة، لا لأصل الصدقة.. الأثر البليغ لصلاة الليل المنماة المستنبتة، لا لهذه البذرة التي غرستها في جوف الليل.. أنت إنما غرست بذرة بسيطة، ولكن الله عزوجل جعلها تهتز، وتأتي بالثمرة: {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}.

والميزة لشهر رمضان: أنه منذ بدايته يأتي بالمغفرة.. إن الحاج عندما يعتمر ويحج، فإنه يحصل على المغفرة والخروج من الذنوب، ولكن عندما ينتهي الموسم.. عندما ينهي الأعمال، ويقوم بطواف الحج الواجب؛ عندئذ تشمله المغفرة.. ولكن شهر رمضان إذا دخل، فقد دخل بالمغفرة، فلله عزوجل عتقاء من النار في الليلة الأولى من شهر رمضان.. ولهذا فالأولياء الصالحون يقولون بأن الخواص لا يفكرون في المغفرة، لأن المغفرة هدية أول الشهر، وإنما جلّ تفكيرهم في الرضوان والقرب من المولى، لا غفران الذنوب فحسب!.. فطوبى لمن أقبل عليه الشهر الكريم بالمغفرة في أوله، وضمن الرضوان في آخره!..

(شهرٌ هو عند الله أفضل الشهور).. وهنا إشارة لأن نكون في كل حركاتنا وسكناتنا، مصداقاً لما يطابق رضى الله عزوجل.. فإذا أردنا أن نبحث عن الأفضل وعن الأجمل وعن الأحب، فلابد أن نعلم ماهيته عند الله عزوجل.. فالليالي الحمراء ليالٍ جميلة وممتعة، عند أصحاب الهوى!.. قد يسافر شهراً سفرة سياحية إلى بلاد بلا هدف، لمجرد تغيير الهواء والبيئة؛ فيكون هذا الشهر عنده من أفضل الشهور.. إذا أردنا أن نبحث عن الأمر الأفضل والأمثل للمؤمن، فلابد أن يكون له مقياس واضح عند الله عزوجل.. والقرآن الكريم يعطيك قاعدة، حينما يقول تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ}.. فالأفضلية هو لما عند الله عزوجل، وقد توافق الأفضلية عند البشر، وقد لا توافق.

(وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات).. لماذا ليالي شهر رمضان أفضل الليالي؟.. لأن هذه الليالي منتسبة إلى ما هو لله عزوجل.. الشهر أصبح لله، وإذا بكل جزء وبكل خاصية من خاصية هذا الشهر انقلبت عن ماهيتها.

(أنفاسكم فيه تسبيحٌ).. ومن المعلوم أن هذه الأنفاس ما هي إلا غازات سامة، ولو اجتمعت في مكان ودخلت الرئتين، لمات صاحبها.. فلا قيمة لهذه الأنفاس، وخاصة الزفير، فالشهيق هواء طبيعي، أما هذا الزفير فهو أمر لا قيمة له.. ولكن لأن هذا الأمر وقع في شهر رمضان؛ تحول إلى تسبيح.

وهذه العبارة من النبي (ص) -تحول الأنفاس التي لا قيمة لها إلى حسنات متمثلة بالتسبيح-، تفسر لنا آية من القرآن الكريم، تبعث الأمل في نفوس العاصين، وهي قوله تعالى: {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}.. وقد احتار العلماء في تفسير هذه الآية، أنه كيف يمكن تبديل السيئة إلى حسنة؟!.. والبعض شبه ذلك بالوردة الجميلة المعطرة.. لو تذهب إلى أسفل الوردة وتبحث في الأرض، فإذا بك ترى السماد المنتن.. إن الله عزوجل بقدرته وبخلاقيته، حول هذا السماد المنتن، إلى هذه الرائحة الفواحة في عالم الطبيعة، والأمر كذلك في عالم الأنفس.

(ونومكم فيه عبادةٌ).. ومن المعلوم أن الروايات تنهى عن النوم الكثير، فالإنسان الذي هو بطال في النهار وجيفة في الليل، من أبعد الناس عن الله عزوجل.. ولكن في شهر رمضان المقاييس مختلفة، فنلاحظ أنه لم يقيد النوم بساعات محددة، لم يقل نوم ست ساعات أو نوم ثماني ساعات، بل أطلق القول بأن النوم فيه تسبيح، ولم يقيده بقيد.. نعم، المؤمن في شهر رمضان بوجوده كله دخل في حماية الله عزوجل وفي بركته.

ومن المناسب هذه الوقفة مع الصائمين والمؤمنين:

إن الله عزوجل في عالم الآفاق قام بوظيفته، وقام بضيافته، فنفسك حوله إلى تسبيح، ونومك حوله إلى عبادة، وخلوف فم الصائم -الذي هو من مصاديق الروائح النتنة- عند الله خير من المسك.. ففي عالم البدن والآفاق هكذا عمل، ولكن ترك الأمر إليك في عالم الأنفس.. فإذا أدخلت الروح في عالم الضيافة الإلهية، تأتي هذه البركات، وإلا ستبقى الروح على ما هي عليه.. ومع الأسف فإن أرواح الصائمين المسلمين في شهر رمضان، هي مصداقاً لهذه المقولة: (وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا العناء)!.. إذن، بدن الصائم في ضيافة شهر رمضان، وتنزل البركات على هذا البدن، لأنه يصوم صوماً حسياً، ويمتنع من الطعام والشراب، فهذه من خصوصيات الأبدان.. ولهذا الصوم الظاهري ليس له كثير قيمة، وإنما الذي له القيمة الكبرى هو ذلك الذي ذكره النبي (ص) -في ختام هذه الخطبة- عندما سأله علي (ع) عن أفضل أعمال هذا الشهر، إذ قال النبي (ص): (أفضل الأعمال في هذا الشهر، الورع عن محارم الله عزوجل).. أي كف الجارحة والجانحة عما لا يرضي رب العالمين.

(وعملكم فيه مقبول).. لا يخفى أن قبول الأعمال من أشق الأمور، ولهذا ورد في الروايات: (أخلص العمل فإن الناقد بصير)!.. ولكن في شهر رمضان ترتفع القيود، فهنالك تنزيلات كبرى في عالم الوجود، فالله عزوجل لا يدقق في أعمال العباد كثيراً.. وإلا إذا كانت الموازين هي الموازين، فلماذا يقول النبي (ص) وعملكم فيه مقبول؟.. إذن، هنالك خصوصية في هذا الشهر، وهنالك رفق على العباد في هذا الشهر المبارك.

(فسلوا الله ربكم بنيّات صادقةٍ، وقلوبٍ طاهرةٍ أن يوفقّكم لصيامه، وتلاوة كتابه، فإنّ الشقي من حُرم غفران الله في هذا الشهر العظيم).. إن النبي (ص) يدعونا لأن نسال الله تعالى التوفيق لـ: (صيام هذا الشهر، وتلاوة كتابه).. وهذا يشعر معنى دقيقاً، وهو أن الصيام المقبول، والقراءة المؤثرة، لا يتم إلا بتسديد ومباركة من المولى الكريم.. (إذ كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا العناء)!..

إن النبي (ص) كأنه يريد أن يفهمنا أن هنالك صياما غير هذا الصيام الظاهري، فعلينا أن نسأل الله عزوجل أن يوفقنا لذلك للصيام.. فكما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} دعوة لأن نتقي الله تعالى حق التقوى، أيضاً هناك صوم، وهناك حق الصوم.. وهناك تلاوة للقرآن الكريم، وهناك تلاوة كما يحبها الله عزوجل ويرضى.. فهنالك صوم العوام: (وهو الكف عن الطعام والشراب)، وصوم الخواص: (وهو الكف عن المحارم كلها)، وصوم خواص الخواص: (وهو الإعراض عما سوى الله تعالى).. وهذا الأخير هو ثمرة لما كنا ندعوه في شهر شعبان: (إلهي، هب لي كمال الانقطاع إليك!).. فهذا الدعاء إذا أُريد له أن يستجاب، فمجاله الأكمل هو في شهر رمضان المبارك.. فلنتأمل هذه الدرجات الشاسعة، لنرى ما هو الجديد في صيام هذا العام.. فإن المغبون من تساوت رمضانيتاه!..

(واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه، جوع يوم القيامة وعطشه).. إن النبي (ص) يريد أن يعلمنا أن للصوم لغة الرمزية الواضحة، يريد منا أن ننتقل من ظاهر الصوم إلى باطنه.. أي أيها الصائم، لا تكن ساذجاً في صومك، ولا يكن همك الإفطار، لتتخلص من ثقل الصوم والجوع والعطش.. بل عليك أن تحاول ربط ما أنت فيه من الشعور، بتذكر عالم المعاد، وأهوال يوم القيامة وجوعها وعطشها.. وهذا بدوره يدعو الصائم إلى أن يعد العدة ليتجنب مثل تلك الأهوال، وذلك بالعمل الدائب لما يخفف عنه الحساب في ذلك اليوم العصيب!..

وقياساً على ذلك نضيف: أنه عندما تدخل الحمام وتجرد نفسك من الثياب تريد أن تغتسل، انتقل إلى المغتسل وإلى عالم غسل الأموات.. وعندما تذهب للحج وتلبس ثوبي الإحرام، تذكر الكفن.. وهكذا في كل العبادات.. فإن للشريعة ظاهرا وباطنا، هنالك رموز -دلالات خفية-، وعلينا أن ننتقل من هنا إلى هناك.. من الجوع والعطش في الدنيا، إلى الجوع والعطش في الآخرة.. وهذه عينة من لغة الرمزية في العبادات الظاهرية.

(وتصدّقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقّروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم).. إن الشريعة الخاتمة تربط دائماً بين البعد الفردي للعبادة وبين البعد الاجتماعي لها، فلا يريد منا أن نعيش حالة الرهبانية والصومعة، بل يريد منا أن نعيش حالة العبودية الجامعة، ومنها الاهتمام بأمور المسلمين، سواء في طعامهم المعنوي (إرشاداً وهداية) أو طعامهم المادي (إفطاراً للصائمين).. فالبعض يعيش حالة التقوقع عن المجتمع، وهمه الأوحد هو أن يتقرب إلى الله عزوجل، وكأنه لا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا هذه الطريقة!.. وكأن ما هو فيه يغنيه عن العمل بما أمره الله عزوجل به، من الالتفات إلى الغير من ذوي الحاجة من الفقراء والمساكين، والتحنن عليهم!.. ومن المعلوم أن ذلك من أعظم القربات إليه تعالى.

(وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلواتكم، فإنها أفضل الساعات، ينظر الله عزوجل فيها بالرحمة إلى عباده، يجيبهم إذا ناجوه، ويلبّيهم إذا نادوه، ويستجيب لهم إذا دعوه).. إن النبي (ص) يذكّر بالمحطة العبادية الكبرى في الحياة (وهي الصلاة)، حتى في شهر رمضان.. فإن العبد يزداد سمواً وتحليقاً في صلاته، عند المناسبات الزمانية والمكانية المتميزة.. ومن هنا ينبغي للصائم أن يستغل فرصة الصلاة في شهر رمضان، وكذلك الحاج ينبغي أن يستغل الصلاة في موسم الحج.. فالصلاة حديث مع الرب، وتقرب إلى الله عزوجل، ويحتاج إلى جو، وهذا الجو جو مكهرب في شهر رمضان، وفي المسجد الحرام، فالجو مساعد للخشوع.. فمن أهم ثمار الأزمنة والأمكنة المباركة، هي الصلاة الخاشعة.. ثمرة المسجد الحرام هي الصلاة الخاشعة، وثمرة الروضة النبوية المباركة هي الصلاة الخاشعة، وثمرة شهر رمضان هي الصلاة الخاشعة.. ولكن مع الأسف نلاحظ أن الصائم في النهار لا يتقن صلاته كسلاً وتعباً وإرهاقاً، بسبب الصيام.. ولا يتقن صلاة المغرب أيضاً؛ لأنه قد شبع من الطعام.. ففي النهار كسل الجوع، وفي الليل كسل الشبع، ولعله في صلاة الفجر ينام!.. فمتى إذن يصلي الصلاة الخاشعة؟!.. فهذه صلاة الصائم في شهر رمضان بين قضاء، وأداء كأداء الكسالى!..

ثم يشير المصطفى (ص) إلى أن أوقات الصلاة أفضل الساعات، فهي أوقات الرحمة والنظر الإلهي باللطف، ينظر الله تعالى فيها بالرحمة إلى عباده، يجيبهم إذا ناجوه، ويلبيهم إذا نادوه.. فكيف إذا كان في شهر رمضان؟!.. وكيف إذا كان في بيت الله الحرام؟!.. وكيف إذا كان في جماعة؟!.. وكيف إذا كان في خشوع وابتهال؟!.. إن ذلك معجون يخرق الحجب السبع!..

(أيها الناس !..إنّ أنفسكم مرهونةٌ بأعمالكم ففكّوها باستغفاركم، وظهوركم ثقيلةٌ من أوزاركم فخفّفوا عنها بطول سجودكم).. مما ينقل أن صحابي خدم النبي (ص)، فسأله النبي (ص) أجره على ذلك، فطلب أن يكون مع النبي (ص) في درجته في الجنة.. فيا له من طلب، يريد أن ينافس النبي (ص)، وهو الذي له ما له من الفضل والمقام عند الله عزوجل!.. ويا له من إنسان طموح، إذ لم يكتف فقط بطلب دخول الجنة، ولكنه كان يطمع في أعلى الدرجات!.. فكان جواب النبي (ص): أعني على ذلك بطول السجود.. (قال لي ذات يوم رسول الله (ص): يا ربيعة!.. خدمتني سبع سنين، أفلا تسألني حاجة؟.. فقلت: يا رسول الله!.. أمهلني حتى أفكر، فلما أصبحت ُودخلت عليه قال لي: يا ربيعة!.. هات حاجتك، فقلت: تسأل الله أن يدخلني معك الجنة، فقال لي: من علّمك هذا؟.. فقلت: يا رسول الله!.. ما علّمني أحدٌ، لكني فكرت في نفسي وقلت: إن سألته مالاً كان إلى نفاد، وإن سألته عمراً طويلاً وأولاداً كان عاقبتهم الموت، قال ربيعة: فنكس رأسه ساعةً ثم قال: أفعلُ ذلك، فأعني بكثرة السجود).

يبدو أن هنالك رمزا، فالذي يسجد للمرات الأولى قد لا يكتشف الرمز، ولكن المدمن على السجود الطويل، سيصل إلى درجة من درجات الارتباط بالمبدأ.. أشبه شيء بإنسان بيده هاتف نقال، يذهب به من زاوية إلى زاوية، ويخرج خارج المنزل مسرعاً، لأن هنالك مكالمة ضرورية، ويريد أن يذهب إلى المكان الذي يقوى فيه الالتقاط أينما كان، ولو كان على رأس جبل، فما دام هنالك التقاط قوي فإنه يذهب، حتى يتكلم مع حبيبته، أو حتى تتكلم هي مع حبيبها.. فكذلك الأمر في السجود.. فإن أفضل أنواع الالتقاط وأشدها قوة، هو في حال السجود.. والأمر يحتاج من الإنسان إلى تجربة؛ كي يستذوق ذلك.. وقد سمعنا عن بعضهم وعن أئمة الهدى (ع) بعض الإشارات، ومن هنا لو ورد هذا الخبر، فهو من الطبيعي جداً، وهو أن يسجد الإمام (ع) من بعد طلوع الشمس ولا يرفع رأسه إلا عند الزوال ليصلي صلاة واجبة.

(أيها الناس!.. من فطّر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر، كان له بذلك عند الله عتق رقبة، ومغفرة لما مضى من ذنوبه).. في شهر رمضان هناك دعوة للتواصل الاجتماعي.. ولا ينبغي أن يستغرب الإنسان من عظم الأجر.. فالذي يستغرب هذه الأجور، فإنه يشك في أحد أمرين: إما في قدرته، أو في كرمه.. ما دمت تعتقد بإله قدير، وتعتقد بإله كريم؛ فما المانع أن يبدل إطعاماً لمؤمن، بمقدار شق تمرة، ولو بشربة من ماء، بذلك الأجر العظيم، كما يقول النبي (ص)؟!..

(قيل: يا رسول الله وليس كلنا يقدر على ذلك؟.. فقال (ص): اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء؛ فإن الله تعالى يهب ذلك الأجر، لمن عمل هذا اليسير إذا لم يقدر على أكثر منه).. لنتأمل في قول الرسول (ص): (يهب ذلك الأجر).. فإذا كان الباب من باب الهبات والعطايا، فما المشكلة في ذلك؟!.. إذن، هذا أيضاً من أبواب التقرب إلى الله عزوجل في هذا الشهر المبارك.

(ومن أكثر فيه من الصلاة عليّ ، ثقّل الله ميزانه يوم تخفّ الموازين).. وهنا دعوة للإكثار من الصلاة على النبي (ص)؛ فإنها تثقل ميزان العبد.

(قال أمير المؤمنين (ع): فقمت فقلت: يا رسول الله!.. ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟..فقال: يا أبا الحسن!.. أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عزوجل).. إن الصوم المعروف هو صوم الكف عن الطعام والشراب، ولكن النبي (ص) أراد أمراً فوق هذا الكف الظاهري، فهلا سعينا لتحقيق ذلك الصوم؟..

كان المصطفى (ص) يستغل كل مناسبة للتذكير بخط الولاية، ولتثبيت قواعد الولاية.. فتراه في أول أيام المبعث يستغل الفرصة وينادي: (من يؤازرني على هذا الأمر)، ليعرف علي على الأمة.. وكذلك في حادثة المبيت، وفي الغزوات، وفي حادثة الاستخلاف، وفي حادثة الطائر المشوي، وفي حادثة الكساء، وفي حديث المنزلة، وفي حديث الثقلين، وفي حديث الغدير قبل وفاته.. وفي نهاية هذه الخطبة يبكي أمام المسلمين، لما يجري على علي: (ثم بكى، فقلت: يا رسول الله!.. ما يبكيك؟.. فقال: يا علي!.. أبكي لما يستحلّ منك في هذا الشهر، كأني بك وأنت تصلي لربك، وقد انبعث أشقى الأولين شقيق عاقر ناقة ثمود، فضربك ضربةً على قرنك فخضّب منها لحيتك).. والملفت بعد ذلك هو سؤال علي (ع): (فقلت: يا رسول الله!.. وذلك في سلامةٍ من ديني؟).. فيجيب النبي (ص) بالإيجاب: (في سلامةٍ من دينك).. فيقر لها عين أبي الحسن (ع).. فلننظر إلى قمة الرسالية والعبودية لرب العالمين، في حياة خاتم الأنبياء من جهة، وخاتم الأوصياء من جهة أخرى..

ثم قال: (يا علي!.. من قتلك فقد قتلني، ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن سبّك فقد سبّني، لأنك مني كنفسي، روحك من روحي، وطينتك من طينتي، إنّ الله تبارك وتعالى خلقني وإياك، واصطفاني وإياك، واختارني للنبوة، واختارك للإمامة، ومن أنكر إمامتك فقد أنكر نبوتي.. يا علي!.. أنت وصيي، وأبو ولدي، وزوج ابنتي، وخليفتي على أمتي في حياتي وبعد موتي: أمرك أمري، ونهيك نهيي، اقسم بالذي بعثني بالنبوة، وجعلني خير البرية، إنك لحجّة الله على خلقه، وأمينه على سرّه، وخليفته على عباده).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى