• متى نصفح ومتى ننتقم؟
Layer-5-1.png
عناوين المحاضرة
عناوين المحاضرة
Layer-5.png
Layer-5-1.png

متى نصفح ومتى ننتقم؟

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وأفضل الصلاة وأتم السلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين محمد المصطفى وآله الطيبين الطاهرين.

قد يتحير الإنسان أحيانا بين منقبتين أخلاقيتين وبين فضيلتين من الفضائل وقد لا يستطيع الجمع بينهما في بعض الأوقات فما هو الحل؟

وكنموذج على ما ذكرت، من الفضائل التي يتحلى بها المؤمن هو عدم تحمله للذل وقد أوكل الله عز وجل جميع أمور المؤمن إلى نفسه إلا أن يذل نفسه كما في الروايات: (إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَوَّضَ إِلَى اَلْمُؤْمِنِ أُمُورَهُ كُلَّهَا وَ لَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ)[١]، ونحن نقرأ في سورة المنافقين: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)[٢]، وهذه قاعدة إلهية ثابتة، فليس للمؤمن أن يجعل نفسه في مواضع الذل والوهن وهذه منقبة، وفي المقابل أمرنا بالصفح والتجاوز والتغاضي عن سيئات الآخرين وبعدم رد الكيل كيلين، والروايات كثيرة في هذا الباب: (صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وَأَحْسِنْ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ)[٣]، و(وَاُعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ)[٤]، والإنسان الذي يسامح الآخرين ويتحمل الأذى ولا ينتقم في بعض الأوقات، يحسب عرفا بأنه قد تحمل الذل، فكيف نوفق بين هذه المنقبة وتلك؟

والجواب سيحل لكم الأمور المتشابهة من قبيل هذه الموارد، ك الحمل على الأحسن وعد ظن السوء بالآخرين من جانب وبين الحذر من الآخرين، وكلامي هو حول الجمع بين عدم تحمل الذل وبين الصفح عن الآخرين.

نحن نعتقد أنه ليست هناك قاعدة عامة في هذا المجال، فمن قال أن الصفح مطلوب دائما ومن قال بأن الانتقام مطلوب دائما؟ على المؤمن أن يحكم على كل قضية بحسبها، فلكل قضية مقاييسها المستقلة ولكل واقعة ملفها، وعلى المؤمن أن ينظر إلى الطرف المقابل هل هو رحم أم لا؟ هل فعل ما فعل عن سوء وعناد وإصرار أم لا؟ هل كان متعمدا في ما أتى أم ساهيا؟ هل العفو يزيده عدواناً وشراسة أم يردعه ويرده إلى النصاب الطبيعي؟ إذا كل قضية بحسبها وعلينا أن ننظر إلى طبيعة الحادثة، وملخص القول هو: إن كان الصفح لا يؤدي إلى تمادي الطرف المقابل ويكون الصفح درساً عمليا له، فهذه منقبة أخلاقية.

وأخيرا، من قال بأن الإنسان عليه أن لا ينتقم؟ من قال بأن الفرصة فاتتك لاسترجاع عزتك؟ بإمكانك في وقت لاحق أن يدرس المؤمن كيفية استرجاع عزته، والدفاع عن نفسه في وضع متزن، وإلا فإن الإنسان الذي يملكه الغضب وتملكه العصبية والفوران الباطني هو إنسان مسلوب العقل، وهل يتكلم عاقل مع من لا عقل له؟ اتركه وشأنه ولا تدخل معه في نقاش وقل له ما قال القرآن الكريم: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)[٥]، فإذا ما خبت ناره وهدأت فورته؛ تحدث إليه ليكون حينئذ الكلام مؤثرا في أعماق وجوده، وهكذا كان دأب أئمتنا (ع).

إلهي بصرنا سبیلنا، اللهم لا تکلنا إلی أنفسنا طرفة عینٍ أبدا اللهم أعز الإسلام وأهله واخذل الکفر وأهله وإلی أرواح المؤمنین والمؤمنات الفاتحة مع الصلوات.

[١]  الکافي  ج٥ ص٦٤.
[٢] سورة المنافقون: ٨.
[٣]  بحار الأنوار  ج٧٤ ص١٧١.
[٤]  مستدرك الوسائل  ج١٥ ص٢٥٢.
[٥] سورة الفرقان: ٦٣.
Layer-5.png
Layer-5-1.png

خلاصة المحاضرة

  • إن الإسلام قد حرص أشد الحرص على عزة المؤمن وقد أوكل إليه أمر نفسه إلا أن يذل نفسه، إلا أن المؤمن قد يصفح ويتجاوز ويتحمل الأذى ممن الآخرين حتى كأنك تحسبه ذليلا بحسب الظاهر وهو ليس كذلك.
Layer-5.png