تأملات في خطبة المتّقين لأمير المؤمنين (ع) – ج10 – الشيخ حبيب الكاظمي
إنّ قلوب المتقين محزونة حزنًا مربيًا لا مُحبطًا؛ فإذا نزل بهم همّ بلا سبب ظاهر بدأوا بفحص علاقتهم مع الله ثم باستغفارٍ صادق، بدل الهروب إلى السفر والمطاعم وتغيير الأجواء الحسية.
إنّ من التقصير الخفي إدخال الحزن على قلب الوالدين دون معصية صريحة؛ كأن يفضّل المؤمن صحبة الأصدقاء على تلبية شوق أبيه لزيارته أو مريضٍ كان يتمنى أن يتولى ابنه علاجه بنفسه لا أن يوكله إلى الغير.
إنّ أدقّ التفاصيل في حياة المؤمن ليست جزافية؛ فسقوطٌ من كرسي دون تسمية اسم الله، أو عدم أداء ركعتين في مسجد السهلة، أو تركُ أولى في احترام أبٍ مؤمن، قد يغيّر بعض مجاري القدر أو يفوّت درجاتٍ عظيمة.
إنّ الله يستحي أن يردّ يدَ عبده صفرًا إذا رُفعت إليه بصدق، بينما لا يستحي أن يخلق بعوضةً أو ما فوقها؛ لذلك يكفي في كثير من الأحوال قول «إلهي العفو» بقلب منكسر لرفع الحزن وردّ البلاء.
إنّ كل نعمة دنيوية – كالولد والزواج والمال – يجب أن تُقرَن بدعاء أن تكون في الخير، بل بسؤال الله أن يقبض الولد أو النفس إن كان عمرهما «مرتَعًا للشيطان»، كما يعلّمنا دعاء الإمام السجّاد وقصة الغلام الذي قتله الخضر.
إنّ المتقي الحقيقي يمكن أن يصل إلى مقام «لا خوف عليهم ولا هم يحزنون»، فلا يأسى على ماضٍ مضى ولا يخاف من مستقبلٍ مجهول، مستيقنًا أن الله يفتح له باب الفرج عند ضيق البحر كما فتحه لموسى عليه السلام.
إنّ سلوك المتقين يجعل شرورهم مأمونة؛ فالناس يطمئنون إلى أمانتهم في الزواج والجيرة والمعاملة، وإلى حفظهم للأسرار وعدم استغلالهم لها للابتزاز، ويكون السلام الصادر منهم صادقًا في معناه: «لا يأتيك شرٌّ من ناحيتي».
إنّ بعد بذل الجهد في التزكية وطلب العلم والعمل، ينبغي للمؤمن أن يطلب من الله «تيسير الأمر» كما قال موسى عليه السلام «رب اشرح لي صدري ويسّر لي أمري»، فالهداية النهائية ليست إلا لمن ييسّره الله له.
إنّ تدبير الله الخفيّ في قصة أم موسى – من إلقائه في اليم، إلى تحريم المراضع عليه، إلى وقوع محبته في قلب فرعون الذي كان يذبح الأطفال خوفًا منه – يكشف أن يد العناية الإلهية تحيط بتفاصيل حياة المؤمن من حيث لا يحتسب.