الوضوء مفتاح الإقبال
الصلاة.. جسد وروح
كان حديثنا فيما سبق حول مقدمات الصلاة الخاشعة، و من المعلوم أنّ الصلاة دون خشوع وتوجه أشبه ما تكون بممارسة حركات رياضية، فالبدن يركع ويسجد ويقوم، وكما أنّ للبدن عالمه فللقلب عالمه أيضا، فإنْ خشع القلب خشع معه البدن والجوارح والعكس غير صحيح.
فالقضية في أصلها جوهرية وتحتاج إعمال فِكر، فالإنسان يبذل جهدًا للوصول إلى المسجد، ويقطع مسافة تُحمّله عناءً من أجل ذلك، ويعطي من عمره وقتًا، ويستيقظ صباحًا من النوم لصلاة الفجر وفيها ما فيها من المشقة. فلماذا لا يستغل كل هذا من أجل ترقية روحه وتصفيته، والتركيز مع ما يقول ويفعل حتى يحوّل هذه الصلاة إلى معراج تخرق الحجب فتصل إلى معدن العظمة و تسبح في الملكوت الأعلى في ساحة القدس الإلهي، لتلتذ بقربه وتنهل من كمالاته وتحقق هدف الخلقة أي العبودية.
إنّ الله عزّ وجل حين أمر الملائكة بالسجود لآدم – تبيانا لفضله وتعليما لهم لمعنى العبودية له تعالى وامتحانا لإطاعة أوامره – خاطبهم قائلا: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾[١]. وعليه، كان أمره بعد أنْ نفخ في آدم من روحه، فلا قيمة للجسد دون روح كذلك لا قيمة لشكل الصلاة الظاهري دون الخشوع الذي ينقل صاحبها من عالم الملك إلى عالم الملكوت ويجعل منها – أي الصلاة – قطعة ملكوتية تستضيء الملائكة من نورها.
الوضوء: حركة مائية وروحية
إنّ الطهارة من أهم مقدمات الصلاة، بل لا صلاة لمن لا وضوء له[٢]؛ وهو من كمالها وتمامها، كما أنّ الغُسل أيضا كذلك، وهُما كلاهما حركة بدنية تتمّ من خلال تمرير الماء على أعضاء البدن بكيفية وصفة معلومتين. فالوضوء واجباته غسلتان ومسحتان، لكن كسائر العبادات التي يُتقرب بها إلى الله تعالى له بُعد روحي يُستهدف من خلال هذه الحركات المائية إنْ صح التعبير.
كما أنّ الروايات تحثّ على الوضوء بمعنى الإسباغ وهو الإتيان به بجميع ضوابطه الواجبة والمستحبة نيةً وتوجها. ومن حقق هذا المعنى في أولى مقدمات الصلاة – أعني الوضوء – يُرجى له أنْ يحقق الصلاة الخاشعة بعدها. وما يُروى من سِير أئمة الهدى عليهم السلام أنّ ألوانهم تتبدل حين الوضوء،[٣] وقد ارتبط الوضوء في روايات أهل البيت الأطهار عليهم السلام بأدعية مفصلة لكل حركة من حركاته،[٤] ومن المؤكد أنه فيها ما فيها من الربط الروحي بين مقطع الدعاء وحركته الوضوئية الموضوع لها .
فعندما يغسل الإنسان وجهه في الوضوء، يقول: “اللهم بيّض وجهي يوم تسودّ فيه الوجوه، ولا تسوّد وجهي يوم تبيضّ فيه الوجوه”[٥].
هذا الدعاء على قِصره يُترجم عملية انتقال من حركة صب الماء على الوجه إلى عرصات يوم القيامة حيث يكون الناس هناك صنفين صنف وجوههم ضاحكة مستبشرة يطلب المتوضئ من الله تعالى أنْ يجعله منهم وصنف وجوههم عليها غبَرة ترهقها قترة يطلب من الله تعالى أنْ ينجيه ويعيذه أنْ يكون منهم.
إنّ هذا الدعاء للمتمعن فيه مؤثر، فكيف إذا اقترن بحركة غسل الوجه في الوضوء، سيُحدِث حالة من الرقة في قلب المؤمن التي ستكون فاتحة خير للخشوع في صلاته.
دعاء اليد اليمنى واليسرى
في حركة غسل اليدين كذلك وردت أدعية خاصة بهما، ومن اللافت أنه ورد لكل يد دعاء خاص، فيقال عند غسل اليد اليمنى: ” اللهم أعطني كتابي بيميني، والخلد في الجنان بيساري، وحاسبني حسابًا يسيرًا”[٦]. هنا يتذكر الإنسان عند غسل يده اليمنى أهوال يوم القيامة، فيذكر حالة تسلّمه لصحيفة أعماله ويدعوا الله تعالى أنْ يعطيه كتابه بيمينه وبالتالي الفوز بالجنة التي يطلب الخلود فيها بعد محاسبته حسابا يسيرا، وهنيئًا لمن حوسب حسابًا يسيرًا. فقد قيل في تفسير هذه الآية: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾[٧]. الحساب اليسير هو أنْ يتصفح الملك أعمالهم تصفحًا دون مداقة. يأتي الملك، يأخذ الكتاب، يتصفحه تصفحًا سريعًا ويعطيه إياه. هذا الكتاب فيه مخازي وسيئات، ولكنه يُغض عليها الطرف وتُغمض عليها العين ويُتجاوز عنها بعفو وصفحِ مليك السماء والأرض، وهذا إحدى معاني اليُسر في الحساب الذي يدعو به المتوضئ أثناء غسل يده اليمين.
على عكس مَن يحاسب حسابا عسيرا – والعياذ بالله المجير – فيداقّ في حسابه و يُسأل عن كل ما دُوّن في كتابه ويعذب بانتظار مصيره، حتى ورد أنه يتمنى أنْ يتخلص من عذاب الانتظار حتى بالنار. فيقول : إذا جمع الله الخلق يوم القيامة بقوا قياما على أقدامهم حتى يلجمهم العرق فينادوا : يا رب حاسبنا ولو إلى النار.[٨]
ومن الدعاء الذي ورد في غسل اليد الشمال: “اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي وأعوذ بك من مقطعات النيران”[٩].
وقد كان هذا الدعاء – كما في دعاء اليد اليمنى – ربطا بين حركة الوضوء في غسل اليد اليسرى وبين التعوذ من إعطاء صحيفة الأعمال بها فذلك فيه دلالة على استحقاق العذاب وطلب عدم غل اليد إلى العنق لأنه دلالة أخرى على استيجاب العقاب.
و بالمناسبة، هناك أقسام ثلاث ذكرها تعالى في مُحكم كتابه الكريم تخص الناس يوم الحساب وحالاتهم، فمنهم من يؤتى كتابه بيمينه، ومن يؤتى كتابه بشماله، ومن هو أسوء حالا منه يؤتى كتابه وراء ظهره. وقد ذكر تعالى مبيِّنا ما أسلفنا:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾[١٠]. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾[١١]. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾[١٢].
وقد وقع البحث بين المفسرين حول كيفية أخذ الإنسان كتابه وراء ظهره، هل هو باليمين أم بالشمال؟ وكيف يأخذه من وراءه؟ وهنا يمكن التطرق إلى معنى مخيف ورد في قوله تعالى: ﴿فَنَرُدُّ وُجُوهَهُمْ عَلَىٰ أَدْبَارِهَا﴾[١٣]. فبعض الناس يوم القيامة تنقلب رؤوسهم فتصبح وجوههم إلى الخلف، فيُعطون كتبهم وراء ظهورهم؛ لأنّ وجوههم مقلوبة إلى الخلف. يا له من منظر موحش! ألا يدعونا هذا المعنى إلى التوجه في الوضوء ومنه إلى الصلاة حتى يبيض هذا الوجه، فلا ينقلب يوم تُردّ الوجوه على أدبارها!
[٢] تحف العقول، ص١٧٩.
[٣] ميزان الحكمة، ج٢، ص١٦٣٤.
[٤] تهذيب الأحكام، ج١، ص٥٣.
[٥] تهذيب الأحكام، ج١، ص٥٣.
[٦] تهذيب الأحكام، ج١، ص٥٣.
[٧] سورة الانشقاق: ٨.
[٨] بحار الانوار،ج٧ ص ١٠٣.
[٩] تهذيب الأحكام، ج١، ص٥٣.
[١٠] سورة الحاقة: ١٩.
[١١] سورة الحاقة: ٢٥.
[١٢] سورة الانشقاق: ١٠.
[١٣] سورة النساء: ٤٧.