المزاجية في التعامل

المزاجية في التعامل
النقطة الأخرى في حديثنا ضمن الوصايا الاربعون المزاجية في التعامل ،اخواني علينا ان ننتبه، الانسان اذا أراد ان يتقرب الى الله عز وجل بشكل سوي عليه ان يختار الطريق الذي يطمئن الى انه هو الموصل الى الله عز وجل ،الانسان من خلال اختياره للمستحبات والواجبات دائماً يرجح جهة اليسر في القضية ،دائماً طبيعة النفس وخاصةً التي تريد شيء من التكامل تحاول ان تتحايل من ناحية النفس تريد ان تقوم بطاعة ،ولكن عند اختيار افراد الطاعة يحاول ان يختار الطاعة المحببة الى نفسه ، مثلا هو يريد ان يقوم بطاعة صلة المؤمنين او زيارة المؤمنين ، هناك زيارة مريحة محببة الى نفسه بشخص يرتاح اليه ،وهناك زيارة بشخص قد لا يرتاح اليه ولكن احتمال يأمره بمعروف ينهاه عن منكر او يدله على خير او يقضي له حاجة ،هنا النفس تميل الى جهة من اليسر ،مثلا انسان يدور الامر بين قراءة القرآن او الصلاة كلاهما مستحبان ،يميل عادة الى المستحب الذي ينسجم مع مزاجه
على المؤمن ان يرجح ما يريده الله سبحانه
اذن كلامنا مع انسان يحب الطاعة ولكنه في مقام الترجيح لا ينظر الى رضا المولى في هذه الساعة ، قد يكون عدم الذهاب الى المسجد والحرمان من صلاة الجماعة في اول الوقت والمطلوب لله عز وجل مقام قضاء حاجة مؤمن وقد تكون قضاء هذه الحاجة مكلفة مالياً ومكلفة نفسياً ،اذن المؤمن عند الطاعة عليه ان يختار ما يريده المولى لا ما يريده هو ،ولهذا الشيطان اقترح العبادة الطويلة مقابل السجود لآدم ،هذه نقطة لا شك ان للشيطان في التزيين هنا من الآيات القرآنية المخيفة [ الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعاً ]اذن هو يحسب انه يحسن صنعاً ،الكلام ليس مع انسان متورط في الباطل مع انسان يرى نفسه انه على الطريق ولهذا لا يسمع النصيحة باعتبار ان طريقته هي الطريقة الصحيحة ،ان سلوكه هو السلوك الحسن ،ولهذا هناك بعض المقاييس في هذا المجال جيد نلتفت اليها:
المقياس الاول: مقياس الأشقية على النفس : امامنا امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه عندما كان يخيّر بين عبادتين او بين فعلين كان يختار اشقهما على النفس ، مخالفة النفس في الواقع ان تأبى النفس هذه العبادة او هذا العمل علامة من علامات المقبولية عند الله عز وجل ،النفس في القرآن الكريم وفي الروايات متهمة [ ان النفس لأمارة بالسوء ][وما ابرئ نفسي ] [ تحبون المال حباً جما ] هذه طبيعة النفس ولهذا يمكن ان نتخذ مخالفة هوى النفس من مقاييس قبول الله عز وجل. المقياس الثاني : من المقاييس التي يمكن ان نرجح بها بعض افراد المستحب او بعض افراد الواجب عند التزاحم في الآثار الخارجية ، دائما الشريعة تقدم الاثر الغيري على الاثر النفسي ،مستحب ينفعني انا ولكن هناك مستحب ينفع الاخرين ، لو دار الامر بين ركعتين صلاة خاشعة وبين حديث ينفع الاخرين ويخرجهم من الظلمات الى النور طبيعي هذا مقياس ان اثر العبادة يعود الى نفسي، ولهذا في روايات اهل البيت دائماً تتم المقارنة بين العالم وبين العابد وترجيح العالم على العابد لهذه الخصوصية ان اثر وجود العالم اثر عام واثر وجود العابد اثر خاص.
المقياس الثالث: ايضاً من النقاط التي نتخذها مقياسا في هذا المجال وان كان هذا المقياس ليس دقيقًا جداً :النفحات الرحمانية قلب المؤمن دليله ،الانسان عندما ينظر الى النفحات الالهية يرى ان هذه النفحات تغب بعد اعمال معينة ،كلما زار مريضاً كلما احس بهذه النفحة ،كلما اقرض قرضاً احس بهذه النفحة ،يستقرئ مجموعة هذه النفحات ويرى بأن هذه النفحات تأتي عند اي عمل فيحاول ان يركز على تلك الاعمال ،وانما قلت بانها ليست مقياسا دقيقا لان النفحة قد تكون نفحة الهية محضه لا ترتبط بالعمل ،اذن هذا ايضاً من المقاييس في هذا المجال.
المشورة ومراجعة الغير
النقطة الاخرى في الوصايا الاربعون مسألة المشورة و مراجعة الغير ،نحن نعلم اخواني ان الانسان لا يمكن بالطبع الاولي ان يعلم ما في اللوح المحفوظ ، عالم الغيب عالم مستور على الانسان لا يعلم الغيب الا الله عز وجل او من اراد الله ان يطلعه على الغيب كالنبي والوصي وبعض الاولياء ،في حالات استثنائية ينكشف له شيء من عالم الغيب والا نحن في هذه الحياة ينبغي ان نعيش مع قطع النظر عما في اللوح المحفوظ ،ولهذا المشورة تقربنا الى الواقع ،الانسان عندما يفكر تفكيرا فردياً من الممكن ان يخطأ في تفكيره ولكن المشورة مع الغير مشاركة للغير في عقولهم ولهذا من الممكن ان يبارك الله عز وجل في العقول الجماعية وخاصة اذا كان المؤمن مستعدا لان يضحي بنظرته التي يتشبث بها ،عنده قناعة في مجال معين ،ولكن عند المشورة يوطن نفسه على الاخذ بمشورة المؤمنين ،في هذه الحالة من الممكن ان الله عز وجل يلهم ويجري الحق على السنة الاخرين
من نستشير ؟
في هذا المجال الان من نستشير ؟ المشورة ضرورية ولكن الانسان قد يستشير من هو ابعد منه للواقع مع من هو في الواقع اقل عقلا منه وبالتالي لا معنى لهذه المشورة .
خصوصيات الفرد المستشار
هناك بعض الخصوصيات في المستشار، علينا ان نلتفت لهذه الخصوصيات.
اولاً :خصوصية الجامعية في التفكير : بعض الناس يفكر في بعض الحقول ،يهمه الجهة المالية من الانسان ،يهمه سمعة الانسان ،يهمه مثلا سعادة الانسان البعض قد يفكر فقط في الجهات الأخروية دون الجهات الدنيوية ،ولهذا المستشار اللائق او المثالي هو الذي يحوز على صفة الجامعية ،عندما يريد ان يعطيك رأياً يحاول ان يلحظ المصالح الدنيوية والأخروية لا الاخروية على حساب الدنيا ولا الدنيوية على حساب الاخرة ،يحاول ان ينظر الى الحال والمستقبل لا يريد ان يفرج عنك الان على حساب بعض الخسائر المستقبلية ،ولهذا المستشار اذا وجدت فيه صفة الجامعية هذا الانسان مرشح لان يكون المستشار الأمين.
ثانيا: ان لا تكون له احكاما مسبقة: كذلك من صفات المستشار المثالي ان لا تكون له احكام مسبقة في بعض الناس ،عنده قرار مسبق ،يعني هو له مزاج معين ،له رأي في موقف معين ،هذا الانسان عندما يستشار يحاول ان يملي عليك ما اتخذه سلفاً من قرارات مسبقة أيضاً ، هذا الانسان لا يكون مستشاراً ،اذن ينبغي ان نراجع الانسان الذي خلا ذهنه من كل حكم مسبق .
ثالثا: الأمانة : كذلك الامانة ان يكون الانسان المستشار حريصا وامينا لا يريد الا مصلحتك ،بعض الناس عندما يستشار قد يميل الى اعطاء بعض الاحكام التي توافق مزاجه وبالتالي قد ينحرف عن جادة الامانة .
رابعا: ان يكون من اهل البصيرة :واخيراً صفة مهمة ،ذوي البصائر :بعض الناس ،بعض المؤمنين صحيح يعتمد على حكم العقل وعلى المعطيات الخارجية وعلى اساسها يأخذ القرار ،ولكن من المهم ان نراجع ذوي البصائر ،اتقوا فراسة المؤمن ،اذا وجدتم مؤمناً بهذه الصفة ينظر بنور الله ينظر بعين الله ،لا ينكشف له الغيب ولكن له حدس صائب لان هذه النفوس بعض النفوس لصفائها وتعاليها عن بعض القدرات والشهوات ،الله سبحانه وتعالى يجعل له نوراً يمشي به في الناس فإذا وجدتم فرداً من هذا القبيل تمسكوا به فإنه ينطق عن الله سبحانه وتعالى.
ماذا لو لم اوفق للمستشار الصالح ؟
اذا الانسان لم يوفق بالمستشار الصالح وعنده مشكلة ويحتاج الى الحل ،في هذه الحالة ايضاً من الطرق ما يسمى بالاستخارة العامة يصلي ركعتين يفوض امره الى الله عز وجل ويطلب من الله سبحانه وتعالى ان يجعل الخير في ما هو مقدم عليه ،هو مقدم على عمل قد صمم على تصميم معين ولكن لا يدري عواقب الامور ،لا يدري هل يصل الى هدفه ام لا؟ هنا تأتي الاستخارة بالمعنى العام طلب الخير من الله عز وجل.
متى يتبنى الله تعالى ابن ادم ؟
نقطة أخيرة في هذا المجال ايضاً ان المؤمن بعد فترة من المجاهدة والمقبولية عند الله عز وجل يصل الى درجة التبني ،الله عز وجل يتبنى هذا الانسان وكما عبر بالنسبة الى موسى عليه السلام [ولتُصنع على عيني] هذا الانسان يصنع على عين الله ،الله سبحانه وتعالى بيده مقاليد السماوات والأرض يهيئ الأسباب بحيث يجعل العبد في القنوات الصحيحة ،واذا أراد ان يزل يأتي له ببعض المزعجات ببعض الأمور يحرفه عن جاده الهلاك ،ولهذا امير المؤمنين عليه السلام في بعض كلماته يقول : (عرفت الله بنقض العزائم و فسخ الهمم)، من طرق تدخل الغيب في حياة الانسان بالإضافة الى ايجاد الموانع او رفع الموانع الخارجية ، من الوسائل التصرف في قلب الانسان ، قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن ،ولهذا من المناسب جداً ان يطلب المؤمن من ربه ان يبرمج له حياته هو يسعى يفكر يأخذ المعطيات ليس انسانا جامدا فكرياً ولكن مع ذلك يفوض امره الى الله عز وجل بعدما قام بما عليه كانسان و كبشر في هذا المجال ،من النقاط الملفتة في هذا المجال حالة التذبذب، نلاحظ ان في صنف من الناس عنده ثبات في الباطل لعله من أيام بلوغه الى أيام وفاته ،وهو يمارس الباطل شكلاً فشكلاً حقلاً فحقلاً الى اخره…. اما الانسان في هناك صنف أيضا عنده حالة ثبات في الحق منذ ان عرف يمينه من شماله ،مشى على جادة الحق ،وهنالك صنف مبتلى في حالة الغليان و التذبذب هذا ما يسمى بالمد والجزر تتقاذفه الأمواج يميناً و شمالاً يرى في نفسه عزماً ويرى في نفسه في بعض الأوقات وهنا ،ولهذا سمي اولي العزم بهذه التسمية لانهم على وتيرة واحدة أصحاب عزم .
أسباب حالة التذبذب
ما هو تفسير هذه الظاهرة لنقف قليلاً عند هذه النقطة حالة التذبذب وتغيير البرامج
1. تارة تكون لها أسباب بدنيه ،تعرفون التفاعل بين النفس و البدن ،الجسم المرهق الجسم المبتلى بقله النوم ،الانسان في حال المرض في حال الانهيار البدني ،طبيعي يعيش حالة الوهن العبادي ،اذن هذا قسم من اقسام فقدان العزم والوهن في العبادة
2. بعض الأوقات هناك منشئ عصبي لا جسمي ،حالة من حالات الضعف ،الان اما للمشاكل المحيطة بالإنسان او اثار من تلقاء نفسه كذلك الانسان يتغير مزاجه بلا موجب خارجي ،اذا كان الوهن في الحركة التكاملية في العبادة والتأمل والتدبر .
اذا كان الوهن ناتجاً من هذين السببين او من احدهما في الواقع هذا لا يخاف عليهما كثيراً لأنه وهن مرحلي ،انسان في المستشفى يفقد بعض الخصوصيات التي كان يمارسها في اثناء الصحة.
الوهن الذي يُخاف منه
انما الخوف من الوهن الثابت ،ليست هناك أي مشكلات أي مزعجات أي وهن بدني ،أي انهيار عصبي ،مع ذلك يعيش حالة التقلب و التوسوس ،هنا يمكن ان تكون القضية قضية مرضية وعادة تبدا بحالة عدم الميل للطاعة ،يعني لمّا ينظر الى نفسه لا يرى فيها ميلا لممارسه أي لون من الوان الطاعة ،بعد فتره يترقى الى ان يعيش حالة النفور من الطاعة ،قد يكون عدم ميل من جهتين لا الارتكاب ولا الترك ،ولكن بعد فترة يصبح عنده حاله من النفور اي ميل لترك العبادة ومع الاسف يتطور الامر الى ان يعيش حالة الميل لخلاف الطاعة ، للمعصية ،الانسان الذي يمر في هذه التقلبات ،على كل انسان يخشى عليه ان يختم له بالخاتمة الغير الحميدة ،ولهذا ينبغي المسارعة ،اذا الانسان رأى في نفسه حالة من حالات عدم الميل للطاعة عليه ان يوقف النفس عند حدها لان يخشى من الانتقال الى المراحل الأخرى ،ولهذا في هذه الحالة علينا ان نبحث عن الاسباب فاذا كان السبب عارض جسمي عصبي ،الامر كما قلنا ليس بالمخيف ،ولكن اذا كانت القضية مستمرة عليه ان ينظر الى الجذور الكامنة ، لعلها المعاصي ،لعلها الغفلات المتلاحقة ،لعلها حالة اذى …. إيذاء لعبد من عباد الله عز وجل ،او سبب عدم استغلال حالة الاقبال، انسان اعطي حالة إقباليه جيدة ،نفحة من نفحات العبادة ،ولكن لم يعرف قدرها ،بعد النفحة الالهية ارتكب المعصية ، يعني هو لم يقدر ما اعطي من حالة الاقبال في يوم من الايام ،ايضاً هذه من موجبات سلب هذا الامر .
استحضار المعية الإلهية موجب لرفع حالة التذبذب
ونختمها بنقطة مهمة ارى انه من اهم الموجبات لرفع هذا التذبذب استحضار المعية الإلهية، الذي يعيش في محضر الله عز وجل ليست له هذه الحالة من التذبذب ،مثلا سلاطين الازمنة المختلفة ، الانسان الذي يرى السلطان امامه حتى لو بقي معه ساعات ، طوال الليل و النهار يحاول ان ينظر الى سلوكه لئلا يثير غضب من يهمه غضبه ورضاه ،اما الذي يعيش في مكان نائي عن وجود السلطان لا يرى للسلطان وجوداً معه بالواقع ،قد يفكر حتى بالقيام على ذلك السلطان ومحاربته ، اذن الاستحضار، استحضار معية الله عز وجل [وهو معكم أينما كنتم] هذه المقولة مقولة ضرورية جداً لتثبيت حالة الاقبال ،او على الاقل تخفيف حالة التذبذب ،المؤمن يعيش حد ادنى من الاقبال الروحي الى الله عز وجل وعندئذ تمر عليه بعض المواسم يحلق ويتألق لا يتنزل عن الحد الادنى .
القران يأمر بإقامة الصلاة
في هذا المجال من النقاط المهمة ايضاً مسألة الصلاة ،حقيقة لو كان هناك برنامج وبلسم ومعجون ارقى واشرف من الصلاة بأذانها و اقامتها الى تسليمها وتعقيباتها لاختاره الله عز وجل عموداً لدينه ،لاختاره الله قربانا لكل تقي ،فإذن رب العزة والجلال اختار هذه الصيغة من العبادة لتكون حلقة الوصل بين العبد وبين ربه ،ولهذا القرآن لم يأتي الامر بالصلاة وانما جاء الامر بإقامة الصلاة اذن الصلاة حقيقة ولها واقع خلاف ما نتصوره من ظاهر الصلاة ،على الصلاة ان تكون عنصراً فعالا و مقيماً لحالة التواصل مع رب العالمين ،في الواقع اهم صفة من صفات الصلاة طبعاً بعد الامتثال للأمر الالهي والثناء والتمجيد والتذلل ايجاد محطات تقوية في حياة الانسان ،طبيعة الانسان كما قلنا طبيعة ميالة الى اللعب واللهو امارة بالسوء ولهذا مهما بالغ في ضبط نفسه في الواقع يخونه الامر ، ينفلت منه الزمام ولهذا تأتي المحطات الصلاتية الموزعة من الصباح الى الليل بواجباتها ومستحباتها لإعادة عملية التوازن ،لإعادة عملية الشحن لكي يكون الانسان في حركة دائمة في الرجوع الى الله ،هذا معنى ان المؤمن توّاب يذهب ويرجع ،المؤمن مفتتن توّاب ،المؤمن كمثل السنبلة يخر تارة ويميل أخرى ،يرجع الى ما هو عليه بعد انتهاء العاصفة مثلا ،ولهذا الذي ينظر الى الصلاة بهذه النظرة يعيد حالة التوازن التي يفقدها في حركة حياته ،ولهذا نحن نعتقد ان الذي يؤدي الصلاة بخصوصياتها الثلاثة :
1. صلاة في اول الوقت .
2. وفي الجماعة .
3. وفي بيت من بيوت الله عز وجل وبخشوع.
لو التزم الانسان في اليوم فرضاً واحداً بهذه الخصوصيات صلاة في اول وقتها وفي بيت من بيوت ربه وفي جماعة المؤمنين وفيها حد ادنى من الاقبال ،انا اظن ان هذه الصلاة هي تلك الصلاة التي وصفها النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم بالمثل الجميل انه ( لو كان بباب احدكم نهراً يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء) النبي شبه الصلوات الخمس بهذا النهر الذي يغتسل منه الانسان .
كيف نصلي صلاة مركزة
الان بمناسبة الصلاة نجيب على تساؤل سريع وهو هذا التساؤل ،طالما يطرح في مختلف المناسبات كيف نصلي صلاة مركزة ،والحال ان الانسان مبتلى قبل الصلاة وبعد الصلاة بمشاكل اليوم ،هذه الخواطر تهجم هجوماً عنيفاً على النفس ،لا تترك مجالا للتركيز.
هنا الجواب ما يقوله المتخصصون في هذا المجال :ان الخواطر الصلاتية اما اجبارية واما اختيارية، اذا كانت الخاطرة اجبارية تقتحم النفس اقتحاماً لا عليك بهذه الخواطر، الانسان لا يؤاخذ على ما ليس باختياره ،ولكن طالما يتفق ان تبدأ الخاطرة اجباراً ،ولكن الانسان يتابعها باختياره ،هو غير ملزم بان يتابع الخواطر السيئة في الصلاة ،اذن لو صلى الانسان من اول صلاته الى اخر صلاته وهو يعيش حالة التدافع تأتي الخاطرة ويدفعها تنتهي الصلاة هو لم يقبل على الله ،ولكن عاش حاله المعاناة ،هذه صلاة مقبولة لأنه كان في حال مجاهدة والله عز وجل يبارك في سعيه يأتي يوم من الأيام بأدنى توجه وبتركيز بسيط يصل الى درجات عالية من الخشوع من دون تكلف ، بل قد يصل الانسان الى درجة لا في الصلاة فحسب حتى في غير الصلاة اذا أراد ان يلتفت الى غير الله لا يمكنه ، يعني الالتفات الى الغير ،الحديث مع الغير يحتاج الى نية والى رغبة ،والا هو بطبيعته لا يلتفت ولا يميل الى ما سوى الله عز وجل لأنه مستغرق في مشاهدة جماله وكماله قد تخلى من الهموم الا هماً واحداً .
اليأس حاجب عن الوصول الى حالة الخشوع في الصلاة
ولهذا نوصي بعدم الياس في هذا المجال ابدا ، الذي ييأس من ان يكون خاشعاً في صلاته هذا الانسان سوف لن يصل الى درجة الخاشعين ابداً .
ايضاً من النقاط المؤثرة في هذا المجال المراقبة الشديدة هذه مقولة معروفة في كتب القوم الذين يتطرقون لأبحاث الاخلاق والعرفان يقولون: ان الانسان الذي لا يراقب نفسه لا يمكنه ان يصل الى كمال ابداً ولو بلغ ما بلغ من الجهد ،المراقبة في حياة الانسان بمثابة قيادة السيارة ،المقود اذا كان بيد الغير او لا يمكن للإنسان ان يتحكم بقيادة السيارة كلما زادت السرعة كلما كان في معرض المخاطر الكبيرة اكثر ،فإذن ليس المهم ان نتحرك بقوة بقدر ما مهم ان نراقب حركتنا و سيرنا من الصباح الى المساء ،كما ان الناس يراقبون صحتهم يحاولون ان يبتعدوا عن الأجواء الملوثة مرضيا يحاولوا ان يبتعدوا عن مواضع الخسارة والاذى ،كذلك عليه ان يراقب نفسه في هذا المجال ،ولهذا علمائنا في هذا المجال يطرحون مفاهيم ثلاثة :المراقبة و المحاسبة والمشارطة المحاسبة اثناء العمل وهو يمشي وهو يتحرك ينظر الى وضعه وارجو ان تصوروا في اذهانكم صورة لاعبي الحبال ،الذي يمشي على الحبل في الواقع ينظر يميناً و شمالاً سيحسب حساب كل حركه في بدنه لان اقل اهمال لحركة من الحركات يوجب له السقوط هذا مثال جيد للمراقبة ،اذن الانسان عليه ان يراقب نفسه في طوال يومه وبعد الفراغ من النشاط اليومي يحاسب نفسه ما الذي كسبه في يومه هذا ،ساعات من الليل والنهار في صحة وعافية وامن وامان وفراغ وشباب وفراغ مرت عليه ما هي الحصيلة من يومه هذا؟ اذن المحاسبة ولا ينبغي ان نحصرالمحاسبة في اخر الليل ،لماذا لا يجعله كالنظام الغذائي ظهراً ليلاً صباحاً ،يحاول ان يجعل محطات محاسبة من هذا القبيل لكي يتدارك الموقف ،شتان بين انسان اهان عبداً بلا قصد او مع قصد واعتذر منه في يومه وبين انسان نسي سنوات والان يريد ان يعتذر .
وثم المشارطة مع النفس بعدما اكتشف الخلل اكتشف خيانة النفس وحاول ان يلزم نفسه باي صيغه من صيغ الالزام ،وما هو افضل من النذر والقسم والعهد ،في الواقع يمتلك تلك الهمة العالية التي يرغم نفسه على ما يريد من دون ان يلزم نفسه بهذه الصيغ الشرعية في الالتزام ومن الطبيعي الذي لا يراقب نفسه بمثابة مملكة محصنة بأفضل التحصينات ،ولكن هناك ثغر من الثغور به خلل ثغر غاب عنه الجيش وغابت عنه العيون الرقيبة ،العدو لا يريد ان تفتح له الحدود بكل ابعادها يكفي ان تفتح له ثغر من الثغور ليقتحم ويدخل وينقض عليك من الخلف ،فالشيطان يتربص بالإنسان ،بعض الناس لا يفكر ان يبتلى يوم من الايام بشرب الخمر نعوذ بالله او بالزنا او بالسرقة او بالقتل ،ولكن للشيطان مداخل اخرى في النفس ، اذا ضمن بعض المداخل يكتفي بهذه المداخل ليدخل في نفس الانسان ويقضي على بذور الخير داخل نفسه ،اذن المراقبة بمثابة النظر الى كل جوانب النفس والى كل حدود النفس ، ولهذا نلاحظ ان الذين انحرفوا في التاريخ لم ينحرفوا من كل الجهات ،البعض انحرف من زاوية المال ،البعض انحرف من زاوية الجاه، البعض انحرف من زاوية النساء ،البعض انحرف من زاوية النية وهكذا…
الشيطان يعلم كيف يقضي على خصمه
وللشيطان تجربة عريقة ويعلم كيف يقضي على خصمه ولو في مرحلة من مراحل حياته المتقدمة ،اذن نؤكد مرة اخرى على ان الانسان الذي لا يراقب ولا يحاسب ولا يشارط نفسه عليه ان لا يفكر في ادنى مستوى من مستويات التكامل لأنه قد يمشي ولكنه يتعثر ويسقط نتيجة لغفلته هذه ،ولهذا القران يصف المؤمنين بأنهم [اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون] هؤلاء ليسوا في معرض الامان من الشياطين ولكن سرعان ما يعودون الى رشدهم.
نسأل الله عز وجل بحق محمد وآل محمد ان يثبتنا على ذلك وان يجعلنا من خيار عباده الصالحين.

زر الذهاب إلى الأعلى