• الشيطان وعدائه تجاه الإنسان
Layer-5-1.png
عناوين المحاضرة
عناوين المحاضرة
Layer-5.png
Layer-5-1.png

الشيطان وعدائه تجاه الإنسان

بسم الله الرحمن الرحيم

الشيطان وعدائه تجاه الإنسان

من الأحاديث المهمة التي يمكن أن تندرج ضمن الأحاديث الاستراتيجية هي مسألة الشيطان وعدائه تجاه الإنسان. وهي بحق من الأبحاث الحياتية وليست من الترف الفكري. إن الإنسان منذ اليوم الأول من ولادته يبدأ حركة تكاملية انتقالية من منزل إلى منزل في حركة تمهيدية لتعلم دروس الحياة وللتأقلم مع البيئة الأرضية؛ ثم تبدأ رحلة أخرى عند بلوغه سن التكليف وهي الحركة الحقيقة والسير الجاد إلى الله عز وجل. ولا يستغني الإنسان في أي سفر من أسفاره عن زاد وراحلة ورائد أو مستكشف – إن كان سفره يمر بالطرق الوعرة والخطرة – يتقدمه فيخبره عن المخاطر التي تكمن في طريقه لكي يتجنبها وعن الأعداء الذين يكمنون في الجبال والكهوف، ولذلك يقول المثل العربي: (الرائد لا يكذب أهله).

السفر القهري إلى الله عز وجل..!

وسفرنا إلى الله عز وجل سفر قهري، فنحن نسير إليه شئنا أم أبينا. ولكننا لا نعيش في هذه الدنيا فرادى؛ وإنما يسعى الإنسان أن ينخرط في الحياة الاجتماعية ويكون أسرة وينجب أطفالا يستأنس بهم في حياته هذه، وقد يترأس الإنسان منصبا رفيعا وقد يصبح مشهورا يعرفه الألوف الألوف من البشر ولكن لا قيمة لهذه الشهرة؛ فكل واحد منا سيأتي ربه فردا كما خلقه الله عز وجل أول مرة حافيا عاريا، فحتى قطعة القماش الوحيدة التي تسمى بالكفن لا تكون معه، ولا ستر له إلا ما قدم من نور في هذه الحياة وقد لا يجد من يشفع له في ذلك اليوم العصيب، ولذلك نرى في مناجاة الأئمة (ع) التأكيد على طلب الأمان من الله عز وجل يوم القيامة، في ذلك اليوم الذي يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وزوجته وأولاده.

العدو غير المرئي..!

وقد علمنا أننا محاطون بالأعداء في سيرنا إلى الله عز وجل، وعلى رأس الأعداء الشيطان وهو العدو غير المرئي الذي لا يمكن أن نراه، وقد قال عنه القرآن الكريم: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ)[١]، فوجود الشياطين والجن حقيقة أثبتها القرآن فنحن لا نتحدث عن الأشباح والغيلان ولولا أن يذكرهم القرآن الكريم لما اعتقدنا بوجودهم، فقد تناول القرآن الكريم مسألة الجن في سورة كاملة وهم طوائف كما نعلم ذلك من القرآن الكريم، ولو راجعنا المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لرأينا كثرة استعمال القرآن الكريم لكلمة الشيطان.

ولا ريب أن عالم الوجود مملوء بالأعداء الماديين والأعداء الذين هم ما وراء عالم الطبيعة، وكثيرة هي الأشياء التي لا ترى بالعين المجردة؛ فمن منا ينكر وجود الجراثيم أو الأشعة الكونية الضارة أو طبقة الأوزون الذي هو صورة من الصور الرحمانية حيث جعله الله للأرض غشاء حافظا، وكذلك وجود الكريات البيض التي تقاوم هذه الجراثيم ولولا المجاهر[٢] الحديثة لما تمكنا من رؤيتها.

ومن الأمور التي لا ترى بالعين المجردة أشعة الشمس الضارة أو الإشعاع النووي؛ فقد تذهب لبعض المراكز الصحية وتجد على جدران بعض غرفها لافتات تحذرية من الإشعاع النووي الذي لا تراه بعينك ولكنه ذو خطر كبير عليك، وهذه أمور يتجنبها الإنسان خوفا من أعراضها والشيطان إحدى هذه الموجودات الخطرة التي حذر الله المؤمنين عداوته وهو لا يرى كذلك بالعين، وهو من ألد أعداء الإنسان لأنه تعرض إلى لعنة قل نظيرها بسبب عدائه للإنسان؛ فمنذ خلق آدم بدأت شقاوته وتعاسته.

سابقة إبليس في عبادة الله عز وجل

لقد كان الشيطان موجودا نورانيا وكان لا يضاهيه في العبادة إلا قلة من الملائكة؛ ولكنه منذ خلق آدم ولأجل معصية واحدة وهي إبائه عن السجود لآدم الذي لم يكن يأخذ من وقته إلا بضع ثواني لحقته اللعنة الأبدية؛ لعنة الله والملائكة والأنبياء والمرسلين، وحتى نحن نستعيذ بالله كل يوم من شره ونصب عليه اللعنة بما أمكن، فقد حرم حرمانا عظيما بهذه المعصية وكذلك فإن انتقامه من البشر كان ولازال انتقاما مروعا ومن جهة أخرى لا يوجد تكافؤ بيننا وبين الشيطان.

هل الحرب بيننا وبين إبليس حرب متكافئة؟

نلاحظ في الحروب أن النصر يكون حليف الذي يفوق عدوه بالعدة والعدد؛ فيصعب حسم المعركة إذا تكافأت القوى في العدد والإمكانيات، ولو نظرنا إلى عناصر القوة عند الشيطان لوجدنا أولا أنه عدو خفي لا يرى، ولك أن تتصور شخصية غير مرئية تحمل أبسط أنواع الأسلحة – وإن كانت هذه الشخصية من صنع الأساطير والأفلام – ماذا بإمكانها أن تفعل بجيش كامل لا يراها، فهي تستطيع أن تقضي على كل أفراد هذا الجيش من دون أن ينالها أحد بأذى وبإمكانها أن تدخل إلى قصر الملك وتغتال من تغتال، وهكذا الشيطان عدو غير مرئي ومع ذلك يجري منا مجرى الدم في البدن.

وأريد من خلال كلماتي هذه أن نعلم أن هناك عدوا لا تكافئ في القوى بيننا وبينه بحسب الموازين الطبيعية والنتيجة الطبيعية لهذه المعركة غير المتكافئة الخسارة والهزيمة، ولكن ينبغي لنا أن نبحث عن المعادلات المعاكسة. إن القيادات العسكرية عندما تواجه عدوا يفوقها في العدة والعدد يعقدون الجلسات لمناقشة كيفية التصدي لهذا العدو ويتبادلون الأفكار ويتشاورون، وهذا ما ينبغي لنا أن نفعله. لقد حاول القرآن الكريم في كثير من آياته أن يحذرنا من عداوة الشيطان فقد قال سبحانه: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)[٣] وقال جل شأنه: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)[٤]، فهلا اتخذناه عدوا وهو يكيد لنا صبح مساء ومنذ الصغر حتى آخر رمق؟ أيعقل أن نعيش حالة من اللا مبالاة تجاه هذا العدو الخطير؟

ومن نقاط قوة الشيطان أنه لا ينام ولا يغفل عنا لحظة واحدة؛ إذ ليست له طبيعة الجسم المادي المحكوم بالنوم والغفلة والإغماء والذهول وغير ذلك، فهو لا ينام ولا يفتر ولا يحتاج إلى استراحة.

ومن نقاط قوته خبرته العريقة في مقابل ما لدينا من الخبرات البسيطة والمعرفة المتواضعة به وبأساليبه، فنحن لا نعلم عنه إلا ما أخبرنا به القرآن الكريم والروايات الشريفة، وأما الشيطان فهو محترف في أغواء الإنسان ومتفرغ له منذ آدم (ع) وإلى يومنا هذا؛ فلا يشغله عن الكيد لنا والمكر بنا اكتساب شهادة أكاديمية ولا استثمار ولا تجارة ولا ما شابه ذلك، وهل له عمل غير أغواء الإنسان والانتقام منه؟ وهو خبير بالإنسان وبشخصيته؛ يعلم آبائه وأجداده والصفات الوراثية التي يكتسبها منهم من قبيل حدة الغضب أو فوران الشهوة فيأتي من بعضهما ليغويه؛ فقد تراكمت تجربته منذ خلق آدم وقد عاشر الأنبياء والأوصياء والصالحين؛ فلا سبيل لنا إلا البحث عن أفضل الطرق لمقاومته وصده.

ومن نقاط قوته وجود الأنصار والأعوان الكثر، ولا ندري إن كانوا يتناسلون منه أو عن طريق آخر ولكن القدر المتيقن أنه بالإضافة إلى إبليس الذي تعرض لأبينا آدم هناك الكثير من الشيطاين المبثوثة على وجه الأرض، وقد قال سبحانه: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)[٥]، وهذا الشيطان إما أن يقترن بالبشر جميعا أو بالغافلين عن ذكر الله عز وجل، وهب أن الشيطان لا أعوان له ولا أنصار من أبناء جنسه، أليس الله عز وجل يقول في كتابه أن الشياطين هم من الإنس كما هم من الجن في قوله سبحانه: (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)[٦]؟ فنحن قد نعيش مع بشر هم أداة من أدوات الشيطان، فلو رأى الشيطان أنه لا سبيل له إليك ورآك مستعيذا من شره مستنكفا عن عبادته قد يحرك الأهل والأولاد ويوسوس لهم ويثير المتاعب من حولك ليوقعك في حبائله أو من خلال ضعاف النفوس من البشر الذين يحيطون بك.

كيف نواجه الشيطان؟

فإذا نحن أمام عدو خطير وفي معركة غير متكافئة ولابد أن نستفرغ وسعنا في مواجهته وأول ما نقوم به هو أن نتخذه عدوا ونعيش حالة العداء تجاهه. إن الدول التي تسعى أن تنفرك من جهة أو تيار أو دولة تستنفر كل طاقاتها الإعلامية؛ فتبث الأخبار وتصنع الأفلام والمسلسلات وتسير جيوشها الالكترونية في سبيل شيطنة الطرف المقابل وإظهاره بمظهر العدو الخطير الذي يهدد الأمن والاستقرار، وقد لا تشعر أنت تجاهه أية عداوة ولكن التلقين والتكرار يجعلك تستشعر هذه العداوة شيئا فشيئا. ألا يكفي إعلام رب العالمين لنا من خلال القرآن الكريم مرارا وتكرارا أن الشيطان عدو مبين قد أقسم بعزته ليغوين الخلق أجمعين؟ ولو كان الشيطان دون مستوى الوفاء بقسمه لعقب القرآن على ذلك ولقال: أنه تهديد فارغ وكلام باطل أطلق على عاهنه؛ ولكنه يبدو أنه ماض في إغوائه ومتمكن من ذلك، وإن عدم نقض القرآن دليل على قدرته في هذا المجال.

وفي كلمة (الاتخاذ) معنى بليغ لو أمعن الإنسان فكره؛ أي على الإنسان أن يلقن نفسه هذه العداوة صبح مساء، وينبغي له أن يستعيذ بالله سبحانه من كيده، وقد قال سبحانه: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)[٧]، ونحن نقرأ القرآن كل يوم في صلواتنا وخارجها وجدير بالإنسان قبل أن يقرأ الفاتحة في فرائضه ونوافله أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.

احذر من تثبيطات الشيطان..!

إن القرآن الكريم يتحدث عن نفسه ويقول: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)[٨]، ونستشف من هذه الآية الكريمة أن الشيطان قد يكغفل عن الإنسان أو يتركه برهة من الزمن فإذا ما نوى فعل الخير كقراءة القرآن الكريم أو الصلاة بين يدي الله عز وجل أو العزم على ترك محرم من المحرمات؛ هجم عليه وأحاطه بوساوسه حتى يصرفه عن عمل الخير ذلك، فإذا قاومه الإنسان وفتح كتاب ربه يشغله عن التدبر في الآيات ليخرج بأقل فائدة من قراءته.

ويستطيع القارئ أن يمتحن نفسه أثناء التلاوة؛ فيغلق المصحف ويحاول أن يتذكر الآية التي كان يقرأها فلا أعتقد أن الكثير يتذكر آخر ما كان يتلوه من آيات ربه ومعنى ذلك أن قرائتنا للقرآن هذه لا تعدو كونها لقلقة لسان وألفاظ لا تنفذ إلى القلب، والشيطان يرضى منا بهذا المقدار؛ وكأنه يقول لنا: اقرأ ما شئت من القرآن ما لم تكن متدبرا للآيات وصل ما شئت من الركعات ما لم تكن خاشعا فيها وحج ما شئت أن تجد ما لم تكن مقبلا في حجك.

الاستعاذة الحقيقية من الشيطان الرجيم

ولا ينبغي للمؤمن أن يكتفي بالاستعاذة اللفظية بل يجاوزها إلى الاستعاذة الحقيقية التي يؤكد عليها علماء الأخلاق. تصور إنسانا في مكان مقفر مليئ بالحيوانات المفترسة وقد غشيه الليل ولا ولا يجد سبيلا ولا مأوى وإذا به يرى حصنا حصينا أمامه، فهل تراه يفكر في دخول الحصن أو هل تراه يتباطئ في الاتجاه نحوه؟ أم أنه يصبح كله هرولة وحركة نحو الحصن ويسعى نحوه زحفا إن كان منبطحا، ثم إذا ما وصل إلى الحصن ووجده مغلقا هل تراه ينصرف عنه وهو يسمع صوت الحيوانات المفترسة تقترب منه أم أنه يطرق الباب بكل ما أوتي من قوة ويستنجد بصاحب الحصن ويتوسل إليه في فتح الحصن له؟ وهل كان سينجو لو اكتفى من الاستعاذة باللفظ؛ كأن يأخذ السبحة ويدعو بتوجه وبكاء مرير بدل التوجه نحو الحصن؟ ألم يكن ليصبح في هذه الحالة فريسة سهلة لهذه الحيوانات المفترسة؟ فإذا ذكرت الله عز وجل وشرعت في ورد أو ختمة ثم رق قلبك وجرت دموعك توجه إلى الحصن من فورك.

وقد يسخر الشيطان ممن يفتتح صباحه بالاستعاذة ويقرأ من الاستعاذات المأثورة ماشاءالله ولكنه عبد للشيطان لا يتقدم خطوة نحو الحصن الإلهي، والحصن الإلهي هو ما عناه الإمام الرضا بقوله لحملة الأقلام والرواة عندما كان متوجها إلى خراسان: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ عَذَابِي)[٩]، فهل كان مراده التوحيد اللفظي؟ فإذا كان كذلك، أليس كل مسلم هو داخل في هذا الحصن وإذا كان في الحصن هل كان الشيطان ليتجرأ عليه؟ والحال أننا نرى أن الشيطان لا يسلم من كيده ووساوسه أحد من الناس.

ضرورة الاستفادة من الأخطاء السابقة في معركتنا مع إبليس

ومن الأمور التي تعين على مواجهة الشيطان ومقاومته التعلم من الأخطاء السابقة؛ فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون المستغفرون، وقد ورد عن النبي الأكرم (ص) أنه قال: (مَثَلُ اَلْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ اَلسُّنْبُلَةِ تَخِرُّ مَرَّةً وَتَسْتَقِيمُ أُخْرَى)[١٠]، فالسنابل تميل يمينا وشمالا مع العواصف ولكنها تسقيم بعد سقيها بيوم أو يومين لتعود كما كانت، وكذلك المؤمن تعصف به الوساوس الشيطانية ولكنه سرعان ما يذكر الله عز وجل فينهي العاصفة ويبصر طريقه.

لا تقترب من أجوائه..!

ومن سبل المواجهة عدم الاقتراب من الأجواء الشيطانية كمجالس الغناء ولعل ذلك من أسباب تحريم هذه المجالس؛ فأجواء مجالس الغناء هي أجواء شيطانية والمزامير فيها هي أصوات الشيطان التي تخرج الإنسان من حالته الطبيعية، وينبغي للمؤمن الذي يدعى إلى الأعراس أن يتأكد من الأجواء ومن المدعوين وهل هناك أدوات للمنكر وما شابه ذلك؟ فما الذي يدعو الإنسان لمجاملة إنسان مثله لا يضر ولا ينفع على حساب دينه وسلامة نفسه؟ ومن الذي سيعوش له ما ينثلم من دينه يوم القيامة؟ وهي أماكن يتعذر فيها ذكر الله عز وجل لغلبة الأصوات المنكرة المشموشة؛ فالأجواء فيها أجواء المعصية والغفلة؛ فلماذا نذهب بأرجلنا إلى أماكن نتعرض فيها لانتقام الشياطين؟!

كيف ندخل في الحصن الإلهي فنأمن شروره؟

ولا ينجو من شر إبليس وجنوده إلا المخلَصون، وهم يختلفون عن المخلِصين، وبين الفتحة والكسرة فرق الثرى عن الثريا. إن الرب سبحانه لا يعطي شهادة الفوز إلا لهؤلاء فهل حاولنا أن نكون منهم؟ وهل حاولنا أن ندخل هذه الجماعة لنتخرج منها بشهادة المخلَصين؟ فالناس هلكى إلا العالمون والعالمون هلكى إلا العاملون والعاملون هلكى إلا المخلِصون والمخلِصون على خطر عظيم، ولا يخرج من دائرة الخطر هذه إلا المخلَص وهو الذي مشى في درب الإخلاص وحاول أن يتكلف الإخلاص فاستقام مرة وسقط أخرى، وانتصر في جبهة وخسر أخرى وشكى إلى الله عز وجل شعفه وقلة حيلته ويكى في جوف الليل وعمل في النهار حتى ثبت عند الله صدقه ورشحه لأن يكون من المخلَصين.

نماذج من المخلَصين الذين دخلوا في الحصن الإلهي

ولقد يشعر الإنسان بالغبطة من الأوصاف التي وصف الله عز وجل بها نبيه موسى (ع) وهو قوله سبحانه: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي)[١١]وقوله جل شأنه: (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي)[١٢] وماذا فعل الرب عندما أراد أن يصنعه على عينه؟ ألم يسخر له الكون لكي يكون منتصرا؟ إن المخلَص هو الذي أدخله الله في حصنه بعدما توجه نحوه وبكى وتكلم وطرق الباب صبح مساء وأخذ يصرخ حتى فتح له الباب، فهل يجرأ شياطين الإنس والجن وجميع وحوش الأرض أن يخترقوا هذا الحصن الإلهي؟ (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)[١٣]، فهل حاولنا أن نكتشف هذه المعادلة التي تنتهي بنا إلى هذا الحصن؟

ولو تأملنا في مضامين دعاء كميل وفي آخر فقراته عند قول الإمام (ع): (يا حبيب قلوب الصادقين) لعلمنا أن الله سبحانه حبيب قلوب الصادقين وليس الذاكرين أو المشتاقين وما شابه ذلك، فعلينا بالصدق في القول والعمل والاحتراز من كل معصية تسقطنا من عين الرحمن؛ فمعصية واحدة من إبليس جرت عليه ما جرت من اللعنة الأزلية والطرد من رحمة الله سبحانه، وقد ورد في الأثر عن رسول الله (ص): (إِنَّ اَلرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لِيُضْحِكَ بِهَا جُلَسَاءَهُ فَيَهْوِي بِهَا أَبْعَدَ مِنَ اَلثُّرَيَّا)[١٤].

[١] سورة الأعراف: ٢٧.
[٢] الميكروسكوبات.
[٣] سورة ياسين: ٦٠.
[٤] سورة فاطر: ٦.
[٥] سورة زخرف: ٣٦.
[٦] سورة الناس: ٦.
[٧] سورة النحل: ٩٨.
[٨] سورة النحل: ٩٨.
[٩] بحار الأنوار  ج٣ ص٧.
[١٠] مستدرك الوسائل  ج٢ ص٤٣٥.
[١١] سورة طه: ٤١.
[١٢] سورة طه: ٣٩.
[١٣] سورة يونس: ٦٢-٦٣.
[١٤] مجموعة ورّام  ج١ ص١١١.
Layer-5.png
Layer-5-1.png

خلاصة المحاضرة

  • إن معركة الإنسان مع الشيطان معركة غير متكافئة؛ فهو الذي يرانا من حيث لا نراه ولديه من الخبرات والتجارب ما ليس لنا عشره وله من الأعوان والأنصار ما يفوق تعدادنا، وهو الذي يستعين بالبشر من أمثالنا فيتخذهم أدواتا يوجههم ضدنا ولا سبيل للغلبة عليه إلا بالدخول في الحصن الإلهي!
  • إن الشيطان يحاول جاهدا أن يثبط الإنسان عن أعمال البر فإذا عجز عن ذلك يحاول أن يسلب الإنسان روح ذلك العمل، كأن يصرفه عن التدبر في القرآن عند قرائته أو الخشوع عند صلاته أو الإقبال في سائر عباداته..!

 

 

Layer-5.png