• الجود وأنواعه
Layer-5-1.png
عناوين المحاضرة
عناوين المحاضرة
Layer-5.png
Layer-5-1.png

الجود وأنواعه

بسم الله الرحمن الرحيم

السنخية بين المعصوم والموالي

عند حلول أي مناسبة من مناسبات الأئمة (ع) يجدر بالمؤمن أن يتأسى بذلك المعصوم وبما يحمل من ألقاب ويحاول أن يحقق السنخية بينه وبين إمامه. فالذي يسيطر على غضبه ويعفو عن السيئات يستقبله الإمام موسى بن جعفر (ع) بالأحضان إن هو توجه إلى مشهده في يوم ما ويقول له الإمام (ع): أنا كاظم الغيظ وأنت كذلك. لقد رأيت في مشهد الإمام (ع) بعض الزوار يصب جام غضبه على طفله، فهل يتوقع أن ينتفع بزيارة الإمام (ع)؟

عندما تتوجه إلى أرض بغداد لزيارة الإمام موسى بن جعفر وأنت كاظم الغيظ ثم تنتقل إلى الجهة الأخرى لزيارة الجواد (ع) وأنت جواد ألا تحتمل أن تخرج من هذه الزيارة بالجائزة العظمى؟ فمن الجود أن تبذل مالك ولا أدري هل تسمى جوادا إن بذلت الواجب من مالك أو تسمى مطيعا؟! نعم قد تكون متعبدا خائفا من النار ورجلا جيدا تخرج الخمس لله وللرسول ولكن هل تكون بذلك جوادا؟ أفهل تكون جوادا لو أتاك شريكك وطلب منك حصته ودفعتها إليه أم ستكون أمينا فحسب؟

إنما تكون جوادا عندما تعطي من مالك الذي أنت بحاجة إليه كما قال سبحانه: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ)[١]أي في القحط الشديد. فإذا أعطيت خبزك للغير فأنت جواد عندها. عود نفسك أن تعطي من مالك غير الواجب عليك دفعه. إن البعض من المؤمنين يجمع الأثاث والثياب المستعملة التالفة فيعطيها للفقراء بدل رميها في المزبلة والحال أن ذلك خلاف قوله سبحانه: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)[٢].

التخلص من التعلقات المادية

سأذكر لك قاعدة جميلة؛ إن رأست في قلبك تعلقا لشيء كسبحة تعتز بها أو قلم لا تستطيع مفارقته وتبحث عنه إن لم تجده في جيبك هنا وهناك قدمه للغير ولا تجعل في حياتك ما تتعلق به. إن أحد الخطباء المحترمين قال لي ذات يوم: أنني دعيت إلى مجلس حسيني في بلد أجنبي فأتيت صاحب المجلس من مكان بعيد فقال لي: كيف جئت إلى هنا. قلت له: أتيتك على كل حال. فلما علم أن لا دابة لي؛ أخذ مفتاح دابته الفراهة وناوليناها وقال لي: خذ مفتاح هذه الدابة واستقلها في ذهابك وإياك إلى مجالس أهل البيت (ع) التي تدعى إليها. يقول: فأخذت منه المفتاح وركب الدابة تلك وإذا بي قد أصبحت صاحب دابة فارهة في لحظات. فتجولت بها قليلا ثم عدت إليه وأعطيته المفتاح وقلت له: يا فلان خذ دابتك لا حاجة لي إليها. قال: ولم؟ قال: رأيت في قلبي ارتياحا وأنست بها. لقد أعطاه الرجل مما يحب وأعطى صاحبنا مما يحب وهذا هو دأب الصالحين.

ولذلك يقال: عند نزع الروح من البدن يتعلق القلب بما كان يحبه في الدنيا فهو في سكرات الموت ولكن قلبه متعلق بقلم أو سبحة وهذا جزاء تعلقه أنه يريد أن يفد على الله عز وجل ولكنه لا زال متعلقا بما له من مقتنيات. ورحم الله سلمان رضوان الله عليه عندما كان في المدائن جاء حريق أو سيل فقام بأخذ إبريق له وخرج من منزله وقال: فاز المخفون. أي أنا ليس عندي ما أخاف عليه من الدنيا.

الجود بالجاه

وكما يجود الإنسان بماله فكذلك يجود بجاهه إن كان من الوجهاء. ولقد علمت بمؤمن هيأ لشاب عاطل عن العمل وظيفة من خلال وجاهته وأصبح موظفا من خلال وساطته بكلمة أو كلمتين. وهو بذلك سهل لهذا الشاب زواجه ومهد له أن ينجب الذرية وسيأتي يوم القيامة ويقال لهذا الوجيه: خذ ما تشاء. ومن له جاه لا ينبغي أن لا يبخل بجاهه عن قضاء حوائج المؤمنين من دون مخالفة القوانين.

الجود بالعلم

ومن مصاديق الجود بذل العلم. وللأسف الشديد يظن الكثير أن الجود بالعلم هو شغل العلماء، والحال أنك لو كنت تعرف مسألة شرعية أو حكمة لا ينبغي أن تبخل بها على أهلها؛ فإذا رأيت زوجتك على سبيل المثال تخرج من المنزل من دون أن تغطي قدميها وأنت تعلم أنه لا يجوز لها ذلك فينبغي لك أن تنبها إلى تلك المسألة. ولقد رأيت البعض من غير أهل العلم يرتقي المنبر ويتكلم بالحكم مدة من الزمان. فكن جوادا بما تعلم ولو لأسرتك بدلا من الخوض في الأباطيل والمزاح الباطل ومشاهدة التلفاز لساعات من دون فائدة. تحدث إلى عائلتك في عشر دقائق عما تعلمته في خطبة الجمعة مثلا.

غاية الجود بذل النفس في سبيل الله

وغاية الجود هو الجود بالنفس، وهو ما فعله الحسين (ع) وأصحابه. وإن كان بذل النفس في ميدان القتال بحاجة إلى قتال شرعي بإذن الإمام أو الفقيه ولكن لا يعني ذلك أن لا يتمنى المؤمن ذلك. ولذلك من الأدعية الرمضانية هو قولنا: (وقتلا في سبيلك فوق لنا)، فسل الله عز وجل أن يجعل ختام حياتك قتلا في سبيله فرب العالمين سيقبض روحك يوما ما فما أجمل أن يكون ذلك قتلا في سبيله.

[١] سورة البلد: ١٤.
[٢] سورة آل عمران: ٩٢.
Layer-5.png
Layer-5-1.png

خلاصة المحاضرة

  • عند حلول مناسبات الأئمة (ع) يجدر بالمؤمن أن يتأسى بذلك المعصوم وبما يحمل من ألقاب ويحاول أن يحقق السنخية بينه وبين إمامه. فالذي يسيطر على غضبه ويعفو عن السيئات يستقبله الإمام موسى بن جعفر (ع) بالأحضان إن هو توجه إلى مشهده في يوم ما ويقول له: أنا كاظم الغيظ وأنت كذلك.
  • لا أدري هل تسمى جوادا إن بذلت الواجب من مالك أو تسمى مطيعا؟! نعم قد تكون متعبدا خائفا من النار فتخرج الخمس لله وللرسول ولكن هل تكون بذلك جوادا؟ أفهل تكون جوادا لو أتاك شريكك وطلب منك حصته ودفعتها إليه أم ستكون أمينا فحسب؟ إنما تكون جوادا عندما تعطي من مالك الذي أنت بحاجة إليه.
  • للأسف الشديد يظن الكثير أن الجود بالعلم هو واجب العلماء فحسب، والحال أنك لو كنت تعرف مسألة شرعية أو حكمة لا ينبغي أن تبخل بها على أهلها؛ فإذا رأيت زوجتك على سبيل المثال تخرج من المنزل من دون أن تغطي قدميها وأنت تعلم أنه لا يجوز لها ذلك فينبغي لك أن تنبها إلى تلك المسألة
Layer-5.png