زيارة الأرواح في المشاهد المقدسة

الحلقة الثانية

* النيابة في الزيارة:
استحضار نية الزيارة نيابة عن الأولياء والأنبياء (ع) وكذلك ذوى الأرحام، فإن هذا من صور الوفاء بحقهم.. ولا شك أنهم يردون الهدية أضعافا مضاعفة، من باب {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}.

الزيارة نيابة عن الأرحام:
إننا لا نعني بالأرحام الأرحام المصطلح عليهم فقهيا، حيث هنالك بحث عند العلماء في عالم الفقه عن الأرحام الذين تجب صلتهم، وهم بين موسع ومضيق.. إنما نعني بالأرحام كل من له صلة قرابة بالإنسان ولو كان بعيدا.. فإن المؤمن إنسان وفي، ومن صفاته أنه عندما يدعو يوسع من دائرة الدعاء، بحيث يشمل أوسع مدى ممكن.. فبدل أن يدعو لنفسه فقط، بأن يقول: اللهم اغفر لي، مستعملا حرفي اللام والياء، فإنه يقول: اللهم اغفر لنا، مستعملا ثلاثة أحرف.. فليس الفارق بين الدعاءين إلا حرف واحد، ولكنه يقلبه من الثرى إلى الثريا، فينطبق دعاؤه على كل مؤمن ومؤمنة، بل حتى على غير المؤمنين إن نوى ذلك أيضا.
فإذن، إن المؤمن من طبيعته عندما يدعو أنه يوسع من دائرة الدعاء، ويدعو للأغيار والجيران والأباعد، فكيف لأرحامه.

أضف إلى أن هذا من موجبات التعويض في التقصير في حقهم وعدم صلتهم، فيخفف عليه من شدة المساءلة في يوم القيامة، كما قال تعالى: {وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ}.. ففي يوم القيامة كما أن هنالك موقف مساءلة عن العلاقة بالله تعالى، فإن من المواقف أيضا موقف المساءلة عن الأرحام.
وإن النيابة عن الأرحام بالزيارة ليست إلا صورة من صور الوفاء، التي لا تكلفه شيئا، إلا مجرد قراءة دعاء وزيارة نيابة عنهم.. وإلا فإن المؤمن له أنواع من الصلة بأرحامه: بالزيارة، وبالمساعدة بالمال، وبالعلم الذي عنده.. وإن من الأشياء التي توجب صلة الرحم بشكل مؤكد، الإنفاق مما يحبه الإنسان، ومما تتعلق به نفسه، كما قال تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}..
نحن نريد أن نقول بأن المؤمن له حالة من حالات الوفاء لأرحامه، فإن كان في الوطن فإنه يزورهم ويساعدهم بما له من قدرة.. وإن كان غائبا عنهم في السفر، فهو يزور عنهم نيابة، فهذه أيضا في سياق أصل صلة الأرحام.

الزيارة نيابة عن الأولياء:

إن من اللازم للمؤمن الموالي الزيارة نيابة عن الأولياء والأنبياء (ع)، وإهداء ثواب بعض الأعمال العبادية لهم، ولا شك أنهم يردون الهدية أضعافا مضاعفة.
نحن عندما نراجع قصص الكرماء-مع إن قسما منها مبالغ فيها- نلاحظ وجود المتميزين في الكرم على مستوى تاريخ البشرية، ومنهم حاتم الطائي مثلا.. ولقد كان هؤلاء عندما يسدى لهم معروفا، لا يردونه بمثله، وإنما بأضعافه، فهذه سنة وعادة متعارفة في حياتهم، وإن رب العالمين أكد على تلك السنة، حيث قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}.

وهكذا فإن المعصوم عندما تقدم له هدية، زيارة كانت أو ثواب لعمل صالح، فلا شك أنه يرد ذلك أضعافا، ولا يرده بمثله.

إن البعض قد يكتفي بمجرد أن يزور المعصوم بصفحة من كتاب الزيارة.. ولكن البعض يقدم للمعصوم عملا يلفت نظره، فمثلا هو في ذلك اليوم كان قد أدخل سرورا على قلب يتيم، فقال: يا ربي، أهدي ثواب هذا السرور، الذي أدخلته على قلب هذا اليتيم، إلى الإمام (ع).. وقد تكون هذه الهدية عند الإمام (ع)، أرقى من قراءة زيارة على ورقة، والتي قد تكون من دون تفاعل.
فإذن، إن رد الإحسان بما هو أحسن، ديدن أئمتنا (ع).. وقد نقلت عنهم بعض هذه الصور، ومنها ما ورد أن الإمام الحسين (ع) أهدت له جارية طاقة ريحان، فالإمام أعتقها.. فالذي كان مع الإمام استغرب من هذا الصنيع، وكيف أن الإمام قابل رد هدية بسيطة، بأمر كهذا؟!.. فإن إهداء طاقة ريحان ما وزنها، مقابل عتق رقبة؟!.. فأجابه الإمام بهذه الآية الشريفة: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}، أي أن الله تعالى يحب الرد بالأحسن، وإن هذا لا يكون إلا بعتق رقبتها.
قال أنس: كنت عند الحسين (ع)، فدخلت عليه جارية فحيّته بطاقة ريحان، فقال لها: أنت حرة لوجه الله تعالى.. فقلت: تجيئك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها؟!.. قال: كذا أدبنا الله تعالى، قال الله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}، وكان أحسن منها عتقها.

*********************

* الزيارات المأثورة:
الالتزام بالزيارات الواردة على تنوعها، والتأمل في مضامينها والاستغناء بذلك عن الزيارات المخترعة التي لا أساس لها.. أضف إلى لزوم حالة التأدب في خصوص المشهد، بالإضافة إلى الأدب في أصل البلد.. فلابد من مراقبة النظر والقول والاجتناب عن فضول القول، وخاصة حول القبور الطاهرة.

الالتزام بالزيارات الواردة عن المعصومين (ع):
من الملاحظ أن البعض يلتزم ببعض الإنشائيات من غير المعصومين (ع)، ويتعامل معها كأنها مأثورة، فإذا رأى وردا بعدد معين يلتزم به، وإذا رأى زيارة مجهولة بمضامين غريبة يلتزم بها.. والحال بأن هذا أمر غير مستحسن.. والشيخ المحدث عباس القمي (قده) في كتابه مفاتيح الجنان، هاجم بعض هذه الزيارات والأدعية الغير مأثورة، وذكر دعاء (الحبي) كمثال على الأدعية التي لم تأت من المعصومين (ع).

والمشكلة أنها مع الأيام تنسب للمعصوم، لأنها عندما تكون متداولة بين الناس بشكل ملفت، ويلتزمون بها، فإنه قد ينقدح تلقائيا في أنفسهم بأن هذه زيارة مأثورة.. فلا يحسن أبدا أن يخترع الإنسان زيارة، وينشرها بيد الناس، ويجعلها في عرض الزيارة المأثورة عن المعصومين (ع)، فالإمام الصادق (ع) ورد عنه أنه قال زر الحسين (ع) بهذه الكيفية، وهو يخترع زيارة من إنشائياته أو مأخوذة من المقاتل والزيارات، ويقول أيضا: زر الإمام بهذه الزيارة!.. فهذا فيه نوع من أنواع الدخول في مملكة الموالي (ع).

ولكن لا مانع أن يزور الإنسان المعصوم، ملتزما بهذه الآداب، ثم بعد أن ينتهي من الزيارة يتكلم معه بلغته، وبعفوية على طبيعته وسجيته، بل إن هذا أمر مستحسن.. وخاصة أن بعض الزائرين لا يجيدون العربية جيدا، فهو يزور ولا يعرف شيئا من هذه الزيارة، فلماذا يكتفي بزيارة لا يفهم من معانيها شيئا، فمن الممكن بعد الانتهاء منها، أن يتكلم بلغته، ويعبر عما يكتنز في باطنه من مشاعر ومعان، بطريقته وبلغته.. ومن المعلوم أن القنوت-الذي هو جزء من أجزاء الصلاة- يجوز فيه أن يدعو الإنسان بغير العربية.. وإن كان هناك كلام أنه هل يعتبر ذلك قنوتا شرعيا أو لا، ولكنه ليس مبطلا للصلاة، بأن يدعو الإنسان بلغته في وسط الصلاة، فكيف بأثناء الزيارة.

التأمل في مضامين الزيارة:
من المعلوم بأن استيعاب المقروء مؤثر للتفاعل القلبي.. لهذا فمن الراجح للمؤمن قبل أن يدعو-مثلا- بدعاء كميل، أو بدعاء عرفة، أو دعاء الصباح، أو يزور المعصومين (ع) بإحدى الزيارات المأثورة، أن يأخذ جولة تأملية في هذا المضامين.

لأن الأدعية والزيارات مليئة بالتعابير الغريبة والألفاظ المبهمة جدا، فعلى سبيل المثال: دعاء الصباح، والذي يلتزم به المؤمنين يوميا، مليء بالعبارات المبهمة، فما معنى الصم الصياخيد؟.. وكذلك في دعاء السمات، والذي يقرأ في عصر الجمعة، فما المراد بقبة الرمان، والبعض يقرأها قبة الزمان؟..
وعليه، ينبغي للإنسان أولا قبل أن يزور أو يدعو، أن يقرأ النص قراءة، وأن يفكر في المفردات ومعانيها، ويتأمل في مضامينها.. فالذي يقرأ الزيارة بهذا الشاكلة، فإنه متى أراد أن يزور بها، فإن زيارته ستكون أكثر تفاعلا، مما لو قرأها قراءة أثناء الزيارة، وهو لا يعلم مضامينها وأبعادها الفكرية المعنوية.

الحذر من الزيارات المخترعة:
ينبغي الحذر-كما قلنا- من غير المأثور.. والملفت أن هناك حركة شائعة في الناس، بما يسمى بالختوم والأذكار، حيث يخصص ختمة لخاصية معينة، حتى أن هناك أدعية تطابق تقريبا تشريح جسم الإنسان، بحيث يقال أن هذا الدعاء أو هذه الختمة لعلاج العضو المعين في الجسم!..

والحال بأنك عندما تراجع هذه الختومات والأذكار، لا تجد عليها دليلا أبدا، لا من معصوم، ولا حتى من غيرهم ممن هم أهل بأن يؤخذ بما يقولون.. فمثلا لو أن الشيخ الطوسي-شيخ الطائفة- نصح بذكر ذكر معين، ولم يذكر أنه وارد عن معصوم، فإن الإنسان قد يطمئن بأن هذا الشيخ الجليل لم يوص جزافا.. ولكن الكلام في المجاهيل، وفي الكتب التي لا يعلم أصحابها، أو قد يعلم أصحابها بأنهم ليسوا على منهج أهل البيت (ع)، ويؤخذ بها!..

فلابد من الحذر في هذا المجال، وعدم الالتزام بما لا أصل له.. لأن المشكلة أن البعض ممن يلتزم بالأذكار والأوراد غير الشرعية أو غير المأثورة، لا يحصل على نتائج، فيصاب بعد ذلك بحالة من حالات خيبة الأمل، فيزهد في ذكر الله تعالى.. فإن غايته من الذكر لم تكن حبا وشوقا إلى ذكر الله تعالى، وإنما طمعا في شفائه من الأمراض التي هو يعاني منها.. فعندما يذكر الله تعالى، ولا يحصل على مراده، فإنه يزهد في أصل ذكر الله تعالى.

وكذلك بالنسبة للقرآن الكريم، فالملاحظ أن البعض قد أخرج القرآن الكريم من كتاب هداية إلى كتاب رقية، وكأن القرآن الكريم إنما أنزل إلى الشفاء من الصرع والمس والجن وغيره!.. نحن لا ننكر أن القرآن الكريم فيه شفاء للناس، ولكن لا ينبغي أن نحصر، وأيضا لابد أن يكون الأمر مأثورا، لا أن نأخذ من أي إنسان يأتي بقوانين لسور القرآن الكريم، فيقول بأن سورة البقرة لكذا، وسورة النمل لكذا!.. ومن الطريف أنك عندما تسأله عن الدليل على ما يقول به، فإنه يسكت ولا يجد جوابا!.. والبعض يقول بأن هذه من العلوم التي تناقلها القوم صدرا عن صدر-أي إنها من أفواه الرجال- ومن قال بأن هذا الذي أعطاك من صدره، صدره صدرا إلهيا؟!.. فلابد من الحذر التام في هذا المجال.

الالتزام بالتأدب المتصل من البلد إلى المشهد:
إن من اللازم على الإنسان مراعاة حالة التأدب، من بداية طريقه إلى الزيارة وهو في البلد، وخصوصا إذا وصل إلى الأماكن المقدسة: كمكة المكرمة، والمدينة المنورة، وكربلاء المقدسة، والمشهد الرضوي المقدس..

فلابد أن يعيش حالة من حالات التأدب المضاعف، فهناك فرق بين النظر بشهوة أو ريبة إلى من لا يجوز النظر إليها في الأسواق، وبين العملية نفسها في المشاهد المقدسة.. إذ من المعلوم أن الوزر أعظم، والجزاء مضاعف، فهذه ضريبة التشرف بالزيارة إلى هذه البقاع المقدسة.. وقد ورد عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: (مَن أراد الله به الخير، قذف في قلبه حُبّ الحسين (ع)، وحُب زيارته).. فالتوفيق للزيارة فيه كاشفية عن دعوة رب العالمين للإنسان، وأنه أراد أن يكرمه بهذه الزيارة.. فلهذا إذا هو انتهك حرمة المولى، وفي محضر المعصوم، بارتكاب المحرمات: غيبة، أو كذبا، أو غيرها من المحرمات القولية والفعلية، فإن وزره وعقوبته مضاعفة.

تشديد حالة المراقبة في القول والنظر:
إننا نعني بالمراقبة، المراقبة المتصلة في كل التقلبات والحالات، سواء في داخل المشهد المقدس، أو في خارجه.
إن المؤمن يصل إلى درجة من درجات النضج والمراقبة الباطنية، أنه لا يرى حائلا بينه ويبن الله تعالى، ولا يختلف عنده الأمر بين مشهد وغيره.. لأنه يعتقد بأن رب العالمين بعينه الناظرة والمراقبة، مطلع على كل الوجود، وإن المراقبة الإلهية ليست محددة ببعض الأماكن، فهذه هي الحالة النموذجية الأرقى.

أما إذا تنزل الإنسان عن هذه الرتبة، فإن عليه أن يحاول أن يكون في الرتبة الثانية، بأن يكون مراقبا لنفسه في مواطن وأزمنة الطاعة.. وإلا فإن المخالفة في الأشهر الحرم، وشهر رمضان، وليالي الجمعة، لها جزاء مضاعف بالنسبة لباقي الأوقات.. وإن فضول النظر والنظرة المحرمة، في هذه الأماكن المقدسة، من موجبات سلب التوفيق، وسلب عناية ذلك المعصوم، والأسوأ حلول غضبه.. فالبعض قد يزور المعصوم ويرجع بلا هدايا.. والبعض يرجع والإمام غاضب وساخط عليه، لما بدر منه من سوء أدب.. أليست هذه خسارة كبرى، بأن يأتي الإنسان للمشاهد، ويرجع لا خائبا فقط، بل متحملا لبعض الأوزار في هذا المجال؟!.

*********************

* أنظف الثياب:
لبس أنظف الثياب واستعمال الطيب، فهذا من سنة النبي وأهل بيته (ع) ولا يحسن الذهاب بثياب الابتذال التي لا تناسب المشاهد المشرفة والتي يجل الإنسان نفسه أن يزور بها أغنياء الخلق وأمرائهم الظاهريين.. وكذلك الالتزام بأدعية السفر قبل الخروج من المنزل، والالتزام بدفع صدقة الطريق ، فإنها تدفع البلاء وقد أبرم إبراما .
ارتداء اللباس الحسن واستعمال الطيب:
لابد للزائر أن يتهيأ للزيارة، بأن يكون في صورة تليق بزيارة المعصومين (ع)، ويتجنب أن يأتي بثياب لا يتعارف الظهور بها خارج المنزل، وأمام من يقدر مقامه وموقفه.

وأما بالنسبة لاستعمال الطيب في أوقات العبادة والدعاء، فهو أمر راجح للجنسين، ولا شك في أن له من الآثار ما له.. وكما يفهم من بعض العبارات، أن الملائكة تتأذى من رائحة الفم الكريهة، وأن الإنسان عندما يدعو ورائحة فمه كريهة، فإن الملائكة تأخذ عمله من مسافة بعيدة.
ولكن بالنسبة للنساء، فلابد من مراعاة أن لا تعرض نفسها لاستشمام غير المحارم، لأنه قد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن ذلك، كما ورد عن رسول الله (ص) أنه قال: (أيما امرأة استعطرت فمرت بقوم ليجدوا ريحها، فهي زانية).
وإلا فإن استعمال الطيب بشكل عام، راجح ومطلوب في العبادة، ولقد ورد الحث عليه في الروايات كثيرا.. وعندما يتأمل الإنسان في هذه الرواية: (ركعتان يصليهما متعطر، أفضل من سبعين ركعة يصليها غير المتعطر)؛ تنتابه حالة الحسرة، وإنه لماذا يفقد هذا الأجر العظيم، مقابل قطرة من الطيب؟!.. وما وزن هذه القطرة، مقابل هذا الثواب العظيم؟!.. إن المؤمن له بعض الالتزامات التي هي في عالم الدنيا، التزامات سهلة وهينة، إلا أنه عندما يأتي يوم القيامة يرى الآثار الباهرة، لما كان ملتزما به.

الالتزام بأدعية السفر:
إن الالتزام بآداب السفر، من الأمور المهمة للحفظ والسلامة من الآفات.. إلا أن البعض باعتبار سهولة وسائل المواصلات هذه الأيام، لا يعتني كثيرا بآداب ومعوذات السفر، وكأن هذه الآداب واردة لمن كان يسافر في الأزمنة القديمة، حيث قطاع الطرق، والذهاب بالدواب الأرضية المتعارفة!.. مع أن وسائل النقل الحديثة هذه الأيام، لا تخلو أيضا من بعض المفاجآت والكوارث.. والحال بأن المؤمن ملتزم بالمستحبات، كما يلتزم يالواجبات، ويتقيد بآداب السفر المأثورة، والتي منها:

الالتزام بقراءة آية الكرسي خمس مرات.. وكما ورد بأن الذي يقرأ آية الكرسي مرة واحدة، فإن رب العالمين يوكل الملائكة لحفظه.. وكلما زاد في قراءتها، زاد عدد الملائكة.. فإذا قرأها خمس مرات، فإن رب العالمين هو الذي يتكفل بحفظه.. ومن مستحبات السفر أيضا: قراءة سورة التوحيد، والصلاة والدعاء للسلامة من آفات السفر، كما هو الوارد في كتب الأدعية.

وقد يقول البعض بأنه يسافر كثيرا، وسفراته آمنة وسليمة، ولا مشكلة فيها، فلماذا يلتزم بهذه الآداب؟..
فنقول: إن هذه الأدعية والمعوذات ليست بالضرورة لدفع الآفات البدنية، فقد يكون الإنسان في هذا السفر عرضة للوقوع في معصية، ولكنه عندما يستعيذ بالله تعالى بمعوذات السفر، فإن رب العالمين يجيره حتى من هذه الآفات المعنوية، أي يجنبه من الوقوع في الحرام.. أما كيف يجنبه الحرام، فرب العالمين له طرقه في صرفه عن الحرام، كما صرف السوء عن يوسف الصديق (ع) بطريقته.

وعليه، إن آداب السفر من الأمور المهمة، ومما يلتزم به المؤمن، سواء في سفراته التجارية، أو السياحية، أو زياراته الدينية إلى هذه المشاهد المشرفة.

دور الصدقة في دفع البلاء:
إن ما يصيب الإنسان من البلاء على قسمين:

بلاء لطف:
إن رب العالمين لطفا ببعض عباده يبتليه ببلاء، لعلمه تعالى بأن هذا البلاء الأصلح له، ولولاه لوقع في المحذور، فرب العالمين يحب أن يحميه من الوقوع فيما يضره.. ومن الواضح أن هذا البلاء حتى لو دعا الإنسان لرفعه، أو دفع صدقة، فإنه لا يرفع، لأنه خلاف اللطف الإلهي، ولكنه يعطى أجر الصدقة، وأجر الصابرين.

بلاء عقوبة:
وهو ما يقدر للإنسان نتيجة مخالفته للأوامر الإلهية، فهو الذي أوجب لنفسه الوقوع في هذا البلاء، بنفسه وبما كسبت يداه.. ولكنه لما يدفع الصدقة، يدفع عنه هذا البلاء المبرم فلا يصيبه، وإذا كان قد وقع فيه فإنه يرفع.
ولكن ينبغي أن نلتفت، أن رفع البلاء أو دفعه، مشروط بأن لا يكون في صالح العبد، وإلا فالبلاء إذا كان في صالح العبد، فرب العالمين شفقة بعبده لا يرده، وإن دعا العبد وقال: يا ربي، عافني من هذا المرض!.. لأنه جاهل بالمقاصد وبالحكمة، ورب العالمين يعلم بأن هذا المرض خير له.. روى عن النبي (ص): (من مرض يوما بمكة، كتب الله تعالى له من العمل الصالح الذي كان يعمله، عبادة ستين سنة).. فما وزن تحمل ساعة أو ساعتين من الألم، مقابل إعطاء الدرجات العلى في الجنة؟!..

فعليه، إن المؤمن لأنه لا يعلم بالمقاصد، فعليه أن يدفع الصدقة، ويدعو ربه: يا رب، إن كان ما أنا فيه من البلاء محمودا ولصالحي، فأفض علي صبرا، واجعلني راضيا بما قسمت لي-وهو يؤجر أيضا على الصدقة- وإن كان فيه ذهاب لديني، فاللهم، لا تجعل مصيبتنا في ديننا!.. فإن البعض يصلحهم البلاء وأنفع لهم، ولكن البعض البلاء مهلك لهم.. فترى إنسانا أنه لما كان سالما معافى يصلي، ولما ابتلي بالمرض يترك الصلاة، بعذر المرض والمستشفى وغيره.. فهذا بلاء يصده عن السبيل، ولما يدفع الصدقة، يرفع عنه هذا البلاء الذي ليس في صالحه.

*********************

* الانشغال بالذكر:
الزيارة ماشيا قدر الإمكان وبتوجه…

الذهاب إلى الزيارة ماشيا:
وذلك تأسيا بالأئمة (ع)، فكما نعلم من سيرتهم بأنهم كانوا يذهبون إلى حج بيت الله الحرام، وهم في حال المشي.. وأيضا لأن هذا خلاف هوى النفس، وإن خير الأعمال ما كان شاقا على النفس وأكرهتها عليه: (أفضل الأعمال أحمزها).. فالإنسان الذي كان بإمكانه أن يركب الدابة المريحة للذهاب إلى زيارة الإمام، ولكنه أحب الذهاب للزيارة ماشيا، فلا شك أن هذه الزيارة التي فيها نوع من أنواع المشقة والمكابدة، أقرب إلى التقوى والقبول من الزيارة المريحة.
ولكن لابد أيضا من الالتفات، أن لا يؤثر ذلك على التوجه في الزيارة، لأن هذا ينقض الغرض الأصلي.. فهذا موسى (ع) عندما سقى للبنتين، تولى إلى الظل، ثم دعا ربه: {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.. فلماذا لم يدع مباشرة، وتولى إلى الظل؟..
لأنه لو دعا تحت حرارة الشمس، ما كان ليعيش حالة التوجه والإقبال المطلوبة في الدعاء، فقد اختار أولا المكان المريح الذي يعينه على التوجه، ثم دعا بارتياح.
وإلا فما الفائدة أن يقطع المؤمن المسافات الطويلة ماشيا، ويكابد ما يكابد من المشقة والتعب، قاصدا لزيارة المعصوم، ولكنه لما يصل إلى الحرم، ويريد الزيارة والدعاء والصلاة الخاشعة، وإذا به يجد في نفسه إدبارا؟!.. ألا يكون ذلك خسارة عظمى، فإن الهدف المقصود لم يُحقق؟!..
ولهذا فقد لا يحسن أن يرهق الإنسان نفسه، بما يسلب منه الخشوع في صلاته وزيارته.. وإن كان ولابد من المشي، فليرح نفسه قبل الزيارة، ليأتي زائرا وهو على أعلى درجات الاستعداد، أو الراحة البدنية والنفسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى