الوصايا الأربعون

كتمان الحالات

س1/ إن من النصائح التي توجه للسالك، ضرورة لزوم كتمان الحالات.. فهل المطلوب الكتمان عن الغير بشكل مطلق، أم أن هناك استثناءات؟..

إن الدافع والمرجح لكتمان الحالات، هو خوف الإنسان من الوقوع في المطبات المهلكة، كالوقوع في الرياء، أو شبهة طلب منزلة من منازل الدنيا عند الغير، أو العجب بالنفس وإن لم يكن يطلب شيئا من الغير..

إلا إذا كان الإبداء، من أجل تصحيح الحالة، أو تقييم الحالة، أو من باب الشكوى إلى من له الخبرة في هذا المجال.. وهم الأقلون عددا في هذه الأيام، فينبغي الحذر من المدعين والمتطفلين والمتشبهين، أو كما يعبر عنهم في الروايات بقطاع الطرق إلى الله تعالى..

فإذا كان الإنسان المقصود للشكوى، ينظر بنور الله تعالى، ولا يبتغي إلا رضا الله تعالى في تقييمه، فإن مراجعته أمر راجح.. فمراجعة أهل الخبرة، لها من الضرورة في عالم الأنفس، كضرورة مراجعة الأطباء في عالم الأبدان، للخلاص من الآفات.

فعلى سبيل المثال: إن أغلب الذين يمشون في أوائل الطريق، أول ما تنتابهم من الحالات، حالة التثاقل من المخلوقين، وحب التقوقع والعزلة عن الناس، وهذه ظاهرة مطردة.. إن هذه الحالة قد تكون مرضية شيطانية، وقد تكون رحمانية.. فقد تكون رحمانية، من باب أن العزلة ضرورية للسالك في أول الطريق، لتقوية علاقته بربه، والتلذذ في الحديث معه، وإن رب العالمين يزهده في معاشرة الناس لذلك.. وقد تكون شيطانية، للفرار وترك الواجبات الاجتماعية..

فعليه، لتشخيص هذه الحالة، أنها شيطانية، أو رحمانية؟.. أنها مقدمة لتكامل، أو مقدمة لتسافل؟.. لابد من مراجعة أهل الحل والعقد، والخبراء في هذا المجال.

س2/ إن التوفيقات الإلهية للسالك: عبادة، أو عملا صالحا، لا شك أنها توجب حالة الارتياح.. ولكن كيف يمكن التفريق بين حالة الارتياح التي تصاحب العمل، وبين حالة العجب؟..

العجب هو: أن يعيش الإنسان حالة في نفسه، بأن عمله مما يلفت النظر، ويعطيه وزنا مبالغا، وكأن عمله الأكمل، وكأنه لا أحد مثله في هذه القدرة، وكأنه وصل غاية الكمال، غافلا عن القبول الإلهي لعمله هذا!..

والعجب لا خلاف في أنه مذموم، فهو من قبيل الالتفات للنفس لا للرب، والانشغال بالنعمة عن المنعم.. ومن هنا هو يعد من الآفات الصادة عن الطريق، ومن المحبطات للعمل، ومزيل للنعم، ومن موجبات عدم القبول الإلهي.. وكفى بالأخير خسرانا، لأنه لن يرى أثرا لجهده هذا!.. {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}.

أما الارتياح فهو: حالة في النفس، توجب للإنسان الاطمئنان برضا الرب عنه، فيما يقوم به من عمل، وتحفزه ليشد الهمة أكثر، ويواصل قدما إلى الإمام.. والارتياح يدخل في باب قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}..

فبعض الناس بعد فترة من السير والمجاهدة، والمحاسبة الدقيقة، يشك في قابلياته، هل أنه أهل لأن يكون من السائرين إلى الله تعالى أم لا؟.. وهذه الحالة من الشك في القابلية، لا شك أنها من موجبات الإحباط، وقد تؤخر السالك في حركته إلى الله تعالى..

ولكن هو عندما يرى التوفيقات الإلهية، فإنه يرتاح، من باب أن الله تعالى أعطاه إشارة غيبية، لا من باب أنه يعول عليها.. فمثله مثل إنسان واقف عند باب، وأخذ يطرق ويطرق حتى كاد أن ييأس، وإذا بالباب ينفتح.. فانفتاح الباب لا يثير العجب، لأنه ما يزال خارجا لم يدخل؛ ولكنه يثير الارتياح، لأنه مقدمة للدخول.

وعليه، فإن بعض ما يراه الإنسان من التوفيقات، هو بمثابة التشجيع، وإعطاء الأمل لتحقيق وبلوغ المراد في المستقبل، وأنه على الطريق الصحيح، وإحساسه بحالة من حالات الارتضاء الإلهي.

ومن المناسب أن يطلب الإنسان من ربه علامة.. فهذا نبي الله إبراهيم (ع)، مع أنه خليل الله تعالى، وله ما له من المزايا، مع ذلك نلاحظ أنه طلب من الله تعالى علامة توجب له الاطمئنان، كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}..

والمؤمن ليس بأقل من هذا المستوى؛ فليطلبْ من الله تعالى أن يريه بعض العلامات والإشارات، التي توجب له حالة الاطمئنان، بأنه دخل دائرة الجاذبية الإلهية.

س3/ إن السالك بعد فترة من المجاهدة، قد يعطى بعض المشجعات الغيبية.. فما هو الموقف الصحيح تجاه ذلك؟..

إن مزايا عالم الغيب على قسمين:
التجليات الأنفسية: وهي ما يراه السالك من حالة الارتياح، والاطمئنان، والثقة بالنفس..

والتجليات الآفاقية: فقد يتفق أن السالك يرى بعض الأمور الغيبية حتى المادية، على نحو تجليات نورية وغيرها.. ولكن لابد من التثبت، لأن عالم الوهم والخيال، أيضا واسع في هذا المجال.

وبشكل عام ومختصر، بالنسبة لهذه المشجعات، نقول: ينبغي للمؤمن عدم التعويل على هذه الأمور..

وبعبارة أخرى، كما قلنا حول بركات المشاهد بأن المؤمن لا يغتر بهذه البركات، لأنها من لوازم المشهد، من لوازم الكعبة والروضة، من لوازم الضيافة، وهذه الضيافة مؤقتة، ما دام المؤمن في المكان المقدس..

كذلك نقول: إن بعض الهبات الغيبية، هي من لوازم الذكر الإلهي الكثير.. فمن قرأ سورة الحمد ألف مرة مثلا، في أيام، فإن هذا العمل له أثر، وله نور، ومن الممكن أن يرى بعض الآثار المادية.. ولكن هذا أثر العمل لا أثر العامل، هذا أثر الذكر لا أثر الذاكر..

فعليه، إن المؤمن إذا عمل عملا، ورأى الامتيازات؛ فلا ينبغي أن يغتر بذلك.. فمثلا: من المعلوم أن قراءة سورة الحمد سبعين مرة على المريض، من موجبات الشفاء.. فإذا قرأها وشفي المريض بعدها، فلا يجعل ذلك في خانته هو، بل إن هذا في خانة الحمد، وفي خانة القرآن الكريم.. فالاستشفاء بالقرآن الكريم أمر وارد، إذ رب العالمين جعل فيه الشفاء، وإن هو جرى على لسانه، وقد يكون عاصيا قبل الاستشفاء وبعد الاستشفاء، فلا ينبغي الخلط بين العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى