الوصايا الأربعون

الإنشغال مع الغافلين

س1/ إن من الأمور المهمة التي يطمح السالك تحقيقها، هي حالة الذكر الدائم أو الغالب، والخروج من عالم الغفلة.. فكيف يمكن تحقيق هذه الدرجة؟..

إن هذا أمر يشغل بال السالك كثيرا!.. فإن الغفلة هي السمة الغالبة، إذ من المعلوم أنه منذ أن خلق الله تعالى آدم (ع) إلى يومنا هذا، أن الغافلين هم الأكثرية.. والقرآن الكريم يصرح بهذه الحقيقة، في آيات عديدة: {أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}، {أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ}، {كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ}.. ومن هنا لا يصح أبدا أن نعول على منطق الأكثرية في تقييم الحقائق.

الذكر: أن يكون المؤمن بقلبه مع ربه، وإن لم يلهج بلفظ.

والغفلة: أن يكون منشغلا عنه تعالى مع غيره، وإن كان لسانه لهجا.

إن الذكر له درجات، وأعلاها ما كان للنبي (ص)، فقد كانت له خلوات يذكر فيها رب العاملين، ويصل إلى درجة لم يصل إليها أحد، كما يصف نفسه (ص) عندما يقول: (لي مع الله حالات، لا يحتملها ملك مقرب، ولا نبي مرسل).. ونبي الله موسى (ع) كانت أيضا له حالات؛ ولكن لما تجلى الله تعالى للجبل، زاد توجهه والتفاتته لموسى (ع)، فكان الذكر ذكرا شديدا، فخر موسى (ع) صعقا..

ومن المعلوم أن ذكر الله تعالى لعبده، هو في رتبة سابقة لذكر العبد لربه: ذكرنا، فذكرناه، فزاد ذكره.. فالذكر الإلهي شبيه بمسألة التوبة، حيث قال تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ}.. فالله أولا تاب على العبد، ومقتضى هذه التوبة أن العبد يتوب لله تعالى، ثم الله تعالى يتوب عليه بقبوله توبته.. فالذكر الإلهي أيضا ذكر سابق، ولاحق، ومقارب.

وكذلك الغفلة عن الله تعالى لها درجات، فأعظم الدرجات غفلة فرعون عن الله تعالى إلى درجة ادعاء الربوبية، ثم الكافر الذي لا يعتقد بالله ولا يدعي الربوبية، ثم المشرك الذي يعتقد بالله ويشرك به غيره ليقربه إلى الله زلفى، ثم المسلم، ثم المؤمن، ثم المتقي، ثم الورع جدا الذي يغطي ذكر رب العالمين مساحة كبيرة من حياته.

ويمكن أن نقسم الغافلين إلى قسمين:

الغافل عن الله تعالى غفلة مطبقة: وهو الذي لا يذكر الله تعالى حتى في الفرض الواجب، تارك للصلاة، وضل ضلالا بعيدا، كما يعبر عنه القرآن الكريم.

والغافل عن الله تعالى غفلة نسبية: وهذا القسم يصدق على عامة المؤمنين.. فأغلب المؤمنين حياتهم بين ذكر وغفلة متعاقبين، يذكر الله تعالى فجرا ويغفل، ثم يذكره في الظهرين ويغفل، ثم يذكره في العشائين ويغفل، وهكذا هي حياته ذكر فغفلة.. ومنهم من يغلب ذكره على غفلته، ومنهم من تغلب غفلته على ذكره..

فهناك فترة مظلمة بين نورين-ذكر فغفلة فذكر- والمطلوب هو أن يحاول المؤمن أن يقلص من هذه الفترة قدر الإمكان.. فمثلا: إن نور الزوال-حيث صلاة الظهرين- ونور الغروب-حيث صلاة العشائين- بينهما فترة مظلمة، فعليه أن يحاول أن يقلص من هذه الفترة، بأن يصبغ أعماله المعتادة فيها، بصبغة الذكر.. فبعد أن صلى الظهرين، فالمعتاد هو الأكل مع العائلة، ثم الارتياح، ثم القيام لصلاة العشائين في المسجد..

فلما يأكل يستحضر المعنى الداعي للأكل، وهو التقوي للطاعة والعبادة، ويعمل بآداب الطعام بدءا وختاما.. ولما يستلقي أو ينام، ينوي بذلك التقوي لصلاة العشائين وقيام الليل.. ويقوم بأدعية ما قبل الغروب، والتي تأخذ مساحة من وقت العصر.. فبهذه الطريقة يكون المؤمن قد قلص درجة الغفلة، التي بين خشوع الظهرين وخشوع العشائين.

فالمطلوب أن نقلص هذه الفترات من الغفلة: ما بين الفجر والظهرين، وما بين الظهرين والعشائين، وما بين العشائين والفجر.. فإذا قلصناها، فسنصل في يوم من الأيام إلى درجة تصبح الغفلة هي خلاف القاعدة، وتحتاج إلى دليل، والأصل هو الذكر، وهذا معنى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}.. فالمؤمن ذاكر، وإذا غفل كان على نحو المس العابر، لا التغلغل الثابت؛ لأن الشيطان لا سلطان له على المؤمن.

س2/ كيف يمكن أن نخرج الغافلين عن ظلمة الغفلة عن الله تعالى؟..

إن هذا يدخل تحت عنوان كيفية الدعوة إلى الله تعالى، والمسألة تحتاج إلى تفصيل.. ولكن-إجمالا- لمن يريد الأخذ بأيدي الغافلين، هناك طريقان:

الأول: الإلزام بالرسالة العملية فقط:

إن بعض الناس يحتاج إلى من يخرجه، من ظلمة المخالفة الشرعية، إلى نور الطاعة، أي إلى من يلزمهم بالعمل بالرسالة العملية قدر الإمكان، ويكفي هذا المقدار.. إذ أن قابليات الناس درجات في التحمل والقدرة، فينبغي أن لا نحمل أحدا فوق طاقته، بدعوى الدعوة إلى الله تعالى..

فمثلا: إن الشاب المراهق-الذي في مقتبل العمر- غاية ما يطلب منه أن يكون مصليا وصائما، ولا يرتكب المعاصي والذنوب.. لا أن نقحمه في عوالم هو ليس أهلا لها، مثل بعض المعاني الدقيقة، والرياضة الشديدة، والمستحبات الثقيلة، والدعوة إلى الذكر الدائم، والالتزام بالذهاب إلى المسجد في كل الفروض.. فينبغي أولا أن يُدرس الطرف المقابل، وتُرى قابليته، ثم يُحمل ما له طاقة به..

ويتفق أن بعض العباد الصالحين، ممن وصل إلى درجة الولاية الإلهية-أي صار وليا من أولياء الله تعالى- يتزوج امرأة دونه بكثير، في المستوى الروحي والثقافي والعلمي.. أيضا لا ينبغي أن يحملها فوق طاقتها، أو يتوقع منها أكثر مما هو المفروض أن تفعله، ومما يمكنها.. فالمؤمن دائما لا يحمل من تحت يده فوق طاقته، وأساسا رب العالمين لا يحمل الناس فوق طاقتهم، ولهذا المؤمن يدعو بقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}.

والثاني: الإرشاد الدقيق:

إن بعض الناس تنتابهم حالة من حالات اليقظة، وطلب الكمال، وعشق عالم الغيب، ويعيش في داخله هاجسا، إلى درجة أن هذا الهاجس يزعجه ولا يدعه يتهنأ بطعام ولا شراب ولا عمل.. فمثل هذا الإنسان، يحتاج إلى مرشد، ذي مستوى متميز عال، يأخذ بيده.

وعموما، لابد لمن يريد أن يأخذ بيد الغير، أن يكون على مستوى-على الأقل- أعلى منه.. وإلا فمثله مثل من يرى غريقا، فيمسكه بيده، فيسحبه ذاك الغريق إلى الدوامة، ويغرق معه!.. فالذين ينقذون الغرقى هم فئة متميزة ومتخصصة بهذا العمل!..

كذلك في عالم الأمور المعنوية، فالذي يحب أن يكون ماسكا بأيدي الغير ومخلصا لهم، لابد أن يكون-على الأقل- في مستوى أعلى، من مستوى ذلك الذي يريد إنقاذه.. فالزوج الذي يرتكب المعاصي، وينام عن صلاة الفجر، لا ينبغي أن يتوقع أنه يؤثر في زوجته، ويجعلها في مستوى متميز.. بل ينبغي أن يسعى لأن يكون هو متميزا أولا، ثم يطلب التميز للغير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى