الوصايا الأربعون

لزوم التحلي بالصبر

س1/ ما هي حقيقة الصبر وأقسامه؟..

إن حقيقة الصبر هي: توطين النفس على تحمل مشاق المرحلة التي هو فيها.

إن طبيعة النفس الإنسانية، طبيعة ميالة إلى اللهو واللعب، كما نقرأ في مناجاة إمامنا زين العابدين (ع): (إلهي!.. إليك أشكو نفسا بالسوء أمارة، وإلى الخطيئة مبادرة، وبمعاصيك مولعة!.). ولهذا فإنها عندما تمر في بعض المشاكل والأزمات والبلاءات، فإنها لا تتحمل، وتصبح عندها حالة من حالات التمرد والإحباط والقلق.

نحن نود أن نسير في طريق غير ذات الشوكة.. ومن المعلوم-كما نفهم من القرآن الكريم- أن رب العالمين بناؤه على أن نسير في طريق ذات الشوكة، طريق الأنبياء والمرسلين، أمثال نبي الله أيوب (ع)، وأصحاب الأخدود، وسحرة موسى (ع)، والنبي الأعظم (ص)، حتى أنه قال (ص): (ما أؤذي نبي مثل ما أؤذيت).. فهذه سنة الله تعالى في خلقه.. فالذي يريد الوصول للمقامات الراقية، شعاره أنه لابد أن يتحمل الكدح، كما هو مراد المولى تعالى منه، إذ يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ}، فالصبر من لوازم السير إليه تعالى.

أقسام الصبر:

أولا: الصبر على الطاعة: نحن لا ننكر أن بعض الطاعات تحتاج إلى تحمل، وخاصة لبعض الظروف والحالات.. كالبعض الذي هو مبتلى بمرض لا يرفع عنه تكليف أداء فريضة الحج، فإن هذا كم يعاني ويتحمل، لأجل تأدية هذه الفريضة!.. وإن قيام الليل وصلاة الفجر، كم هو ثقيل وشاق على بعض الشباب، ويحتاج إلى مجاهدة، لمغالبة سلطان النوم!.

ثانيا: الصبر عن المعصية: لا شك أن بعض المعاصي لها جاذبيتها وإغراؤها.. لك أن تتصور شابا في بلاد الغرب، بعيدا عن أهله، بلا رقيب ولا حسيب، ويبتلى بإغراء كإغراء زليخا ليوسف (ع).. إن هذا الشاب كم يعيش حالة المعاناة لتجاوز هذا الحرام!.

ثالثا: الصبر على المصائب: من المعلوم أن من أعظم المصائب-ترتيبا الأشد فالأقل-: فقد الأعزة, ثم مصيبة البدن، ثم فقد المال.. فالذي لا يتحمل هذه الوديان الثلاثة من الصبر، فإنه في يوم من الأيام قد يتراجع، ولا يكمل المهمة.

إن الإنسان قد ينوي ويعزم على الصبر، ولكنه في مقام العمل قد تخونه نفسه، فحاله مثل ما يقول الإمام زين العابدين (ع): (ما لي كلما قلت قد صلحت سريرتي، وقرب من مجالس التوابين مجلسي، عرضت لي بلية أزالت قدمي؟!).. فكيف يوطن الإنسان نفسه على حالة الصبر؟..

إن من موجبات الصبر: معرفة عظمة وحلاوة النتيجة.. ما الذي يجعل الشاب الذي كان إلفه اللهو واللعب، في ليلة الامتحان يصبر على الدراسة، ويسهر إلى الصباح؟.. أليس لرغبته في النجاح؟.. إن الرغبة في حياة سعيدة أبدية، في النعيم المقيم، أليست هي أمنية عالية جدا؟..

نحن نقول: إن دخول الجنة ليس بصعب جدا: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}؛ بل إن المهم هو المنافسة في الدرجات.. وكم هي خسارة أن يبقى الإنسان أبد الآبدين، في رتبة نازله من الجنة!.. ألا يتمنى أن يكون في رتبة قريبة من الأنبياء والشهداء والصديقين، وحسن أولئك رفيقا؟!.. والقرآن الكريم يحثنا على أن نعمل في هذه الدنيا، ما يجعلنا من رفقاء النبي (ص).

فعليه، إن الذي يريد الوصول إلى هذا الهدف، أيصعب عليه أن يصبر على حلاوة محرمة، أو نظرة محرمة، أو غناء محرم؟..

إذن، إن تصور النتائج المذهلة أو الأبدية، قطعا من موجبات توطين النفس على الصبر على الطاعة، والمعصية، والمصيبة.

س2/ من المعلوم أن السالك في أول الطريق، قد تتراءى له بعض الثمار، فتأخذه الرغبة الجامحة في طلبها.. فكيف يصبر عن هذه الثمار؟..

هنالك أبحاث دقيقة في كتب الأخلاق، يعبر عنها بحظوظ وميول النفس، تشير إلى إن الإنسان من الممكن أن لا يعطى حظه النفسي، أي لا يرى شيئا يتعلق في نفسه.. فهو قد قام بالمجاهدة والعبودية سنوات طويلة من عمره، ولكنه لم ير نتيجة واضحة، وثمرة محسوسة، مثلا: لم ير نورا، لم يستشم رائحة، لم يستجاب دعاؤه…

ونحن نقول: إن الإنسان المؤمن فوق هذا المعنى، فهو عليه أن يقوم بوظائف العبودية، ولا يتدخل في شؤون الربوبية.. فيخطئ-مثلا- من يقول: أنا شاب وتركت المعاصي والذنوب، وذهبت إلى الحج، لأصل إلى من أهواها، وما وصلت إليها!..

فليس هذا هو الهدف، وإنما الهدف أن نكون لله تعالى عبيدا، والعبد بين يدي مولاه لا يقترح عليه!.. وشعاره -دائما وأبدا- أنه أعلم بما يصلح له: (ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور).. فإن المؤمن -دائما وأبدا- عينه على إرضاء المولى تعالى، لا على إرضاء النفس، وكسب المزايا.

ومن الملاحظ أن من أكثر الكتب رواجا -هذه الأيام- هي كتب الكرامات، والمنامات، والختومات.. فالبعض مولع بمسألة الختومات والأذكار، رغبة في الوصول إلى المقامات، وإن كانت غير مروية عند أهل البيت (ع)، وإن كانت منقولة من كتاب لإنسان غير أهل في هذا المجال، وغير مراقب لنظرة وسمعه!..
فيقال -مثلا- كتب في الكتاب الفلاني: أن من قال (يا رقيب) ألف مرة في اليوم، فإنه يصبح مراقبا لنفسه.. فيقرأها عشرات الأيام، ولا يصل إلى شيء من درجات المراقبة في مقام العمل!..

فإذن، ملخص الجواب:
إن الإنسان المؤمن لا ينتظر شيئا ملموسا في سيره إلى الله تعالى، وإنما -دائما وأبدا- ينتظر العناية الإلهية له، في كل الأفعال والتقلبات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى